المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : أصل الإسلام وحقيقة التوحيد


أبو عمر المنصور
19-04-2011, 02:56 PM
الـدنيـا والـديـن
مفهوم «الدين» عندنا ــ معشر المسلمين ــ يعني منهاجاً كاملا للحياة، أي طريقة معينة للعيش، تقوم على أساس عقيدة كلية عن الكون والإنسان والحياة، وعلاقتها بما قبلها (وهو الله تبارك وتعالى)، وعلاقتها بما بعدها (وهو اليوم الآخر بما فيه من حساب وجزاء)، وليس هو فقط تنظيم لعلاقة الإنسان بربه أو تحديد لبعض القيم الخلقية، والآداب الفردية فحسب (كما هو مفهوم الحضارة الغربية الوثنية الكافرة)، بل هو تنظيم شامل لحياة الانسان وعلاقاته كلها:
(1) ــ علاقة الإنسان بربه: «في العقائد والشعائر التعبدية».
(2) ــ علاقة الإنسان بنفسه: «في المعرفة والإيمان والنية وأعمال القلب؛ وفي الأخلاق؛ والمطعومات والملبوسات؛ بل وكذلك في التجمل والزينة».
(3) ــ علاقة الإنسان بغيره من بني الإنسان:
(أ) في العلاقة الأسرية من نكاح وقرابات ومواريث (أي في النظام الاجتماعي)؛
(ب) وفي العلاقات الخاصة أو «المدنية»، أي العلاقات مع الأفراد: في العقود والمعاملات، والصناعة والزراعة، وتبادل المنافع المادية بالتجارة والمقاولات، والمؤسسات والشركات؛
(ج) وفي العلاقات العامة، أي العلاقة بين الحاكم والمحكوم، أي العلاقات الدستورية، والعلاقات مع السلطة العامة: في نظام الحكم، أي دستور الدولة، ونظم القضاء والبينات، وأحكام الجزاء والعقوبات، وتشريعات المال العام من خراج، وفيء، وضرائب، ومكوس، وأموال الملكية العامة وأموال الدولة؛
(د) بل كذلك في العلاقات الدولية، أي علاقة الجماعات والامم والدول بعضها ببعض: في أحكام المعاهدات والجهاد والرسل والسفارات.
(4) بل وعلاقة الإنسان بغيره من الكائنات:
(أ) الحيوان
(ب) النبات
(ج) الجمادات
(د) العلم المحيط بوصف بيئة، أي بوصفه كلّ مركب.
ومن المهم جداً أن نلاحظ أنه وإن كانت العلوم الطبيعية المحضة كالفيزياء والكيمياء وعلم النبات وغيرها من العلوم، التى هى دراسة لخواص العالم المحسوس، بالتجربة والرصد، والحس والعقل، وكذلك تطبيقاتها، في الهندسة والزراعة والطب، من أمورالدنيا، وكذلك المهارات والحرف والفنون المتعلقة بها مثل الملاحة والحدادة والعمارة ونحوها، وكذلك كيفية إنشاء الثروة وتنميتها بالرعى والصيد والزراعة والصناعة والتجارة، والعلم المتعلق بتداول المال والنقود وطبيعة الأسواق، أي ما يسمى: (علم الاقتصاد) من أمور «الدنيا»، إلا أن الأسباب الشرعية لكسب المال، والحدود الشرعية لصرفه، وكذلك كيفية توزيع الثروة في المجتمع أي ما يسمى: (النظام الاقتصادي) لا تعتبر من أمور الدنيا، بل هي من أمور الدين، لأنها ترتبط حتماً بوجهة النظر في الحياة، أي بالعقيدة الكلية عن الكون والإنسان والحياة، وعلاقتها بما قبلها، وبما بعدها. وقد أنزل الله، سبحانه وتعالى، فيها أحكاماً شرعية واجبة التطبيق، لازمة الإتباع، وسوف يحاسِب عليها يوم القيامة، ثم يترتب على ذلك إما السعادة الأبدية برضوان الله والنعيم المقيم، أو الشقاوة الدائمة بسخط الله والعذاب الأليم.
من ذلك نعلم أن «المدنية» التى هي مجموع المظاهر المادية للنشاط الإنساني وهى تشمل:
ــ العلوم التجريبية والرصدية: كالفيزياء، وعلم النبات، وعلم طبقات الأرض (الجيولوجيا)، والفلك، ونحوه.
ــ وما بنى عليها من علوم تطبيقية: كالهندسة الكهربائية، والزراعة، والتعدين، والطب،
ــ وما ارتبط بها من مهارات وحرف وفنون: كالملاحة، والنجارة والحدادة، والعمارة، وتشغيل ما نشأ منها من آلات ومعدات وطرق ومنشآت ومنتوجات زراعية،
من ذلك نعلم، أن «المدنية»، بهذا التعريف المنضبط، من حيث الأصل والمبدأ، عالمية، وعامة غير متحيزة، لاعلاقة لها من حيث المبدأ بوجهة النظر في الحياة، وهي كذلك متماثلة عند جميع الأمم بغض النظر عن معتقداتها وثقافاتها. لذلك يجوز للمسلم أن يأخذها من أي مكان وأن يطبقها كيف يشاء، ما لم تتعارض مع نص شرعي خاص، كل ذلك مع الحذر الدائم والإنتباه المستمر لاحتمال تلوثاتها الحضارية وتحيزاتها العقدية.
كما أن هناك «مدنية خاصة» ترتبط، وتتأثر بوجهة النظر في الحياة، فهذه خاصة بكل أمة أو شعب ولا يجوز للمسلمين أخذها أو الإقتباس منها من غيرهم، وذلك مثل فنون الرقص، والتصوير والنحت، والتمثيل، والمسرح ونحوها، وكذلك بعض الحرف مثل البغاء ــ والعياذ بالله ــ وكذلك بعض أنشطة الرياضة البدنية والترفيه والتسلية: كمصارعة الثيران، والتحريش بين الديوك، ونحوه.
أما «الحضارة»: فهي طريقة الحياة، أوهى مجموع المعتقدات والمفاهيم والأخلاق والمقاييس عن الحياة وما يرتبط بها من «ثقافة».
نعم: كثيراً ما نجد هذه الألفاظ تستخدم على نحو يتداخل مع بعضه البعض فتستخدم لفظة «الحضارة» بمعنى لفظة «المدنية»، أو يتم خلط المفهومين، فتكون النتيجة اختلاط المفاهيم وتداخلها، وتشويش على صفاء التصور العقدي، وتعسر اتخاذ موقف فقهي سليم، لذلك يجب الحرص على دقة المفاهيم، وانطباق الألفاظ علي معنى المفهوم، وعدم السماح بتشابكها واضطرابها، وإلا كانت العواقب العقدية والفكرية، ومن ثَمَّ العملية بعد ذلك، وخيمة.
نعم: لفظة «الحضارة» قريبة المعنى في الأصل اللغوي من لفظة «المدنية»، إلا أن لفظة «الحضارة» أقرب إلى التعبير عن الطراز المعين للعيش من لفظ «المدنية»، لأن «الحضارة»، التي هي المعيشة المستقرة في الحضر وممارسة الزراعة والصناعة، تستخدم عادة بإزاء «البداوة»، التي هي حياة التنقل وتتبع المطر والكلأ وممارسة الرعي والصيد، فما نمطان للحياة مختلفان، وطرازان في العيش متباينان، في حين أن «المدينة» تستخدم عادة بإزاء «القرية»، وكل ذلك عيش مستقر في مكان واحد، إلا أن الأحوال والآلات والوسائل المدنية تختلف فقط في الدرجة.
وكذلك فإن لفظة «الحضارة» قد استعملت في اللغة العربية للمعاني المتعلقة بالأفكار، لذلك كانت أقرب في استعمالها في المفاهيم، كما جاء في «القاموس»: [حَضُر (بضم الضاد) كنَدُس: الرجل ذو البيان والفقه)، وقال في «اللسان»: [رجل حَضْر (بتسكين الضاد) ذو بيان]، فلفظة «الحضارة» أقرب وأنسب وأكثر ملائمة في الاستعمال لمجموعة المفاهيم من لفظة «المدنية»، ولفظة «المدنية» أقرب في الاستعمال للأشكال المادية.
والمهم هو مراعاة الفرق الجوهري بين محتوى المفهومين، أما الاصطلاحات فلا ينبغي أن تكون فيها كبير مشاحة، وإن كانت الدقة في اختيار الألفاظ، ومطابقتها أو مقاربتها للمقصود مهمة ومطلوبة.
و«الثقافة»: هى مجموع العلوم والمعارف والمهارات التى كانت عقيدة تلك الحضارة سببًا في دراستها ونشأتها، أو هي المعارف التي تؤثر في العقل وحكمه «القيمي» على الأشياء، كالتشريع، والاقتصاد، والتاريخ، واللغة، وما شاكلها.
هذه «الحضارة»، وتلك «الثقافة»، التي هي جزء منها، هي، بالضرورة، متحيزة، وخاصة، ترتبط عند كل أمة وشعب بالأساس العقائدي الذي تؤمن به تلك الامة، إذا كانت تلك الحضارة منبثقة عن عقيدة كلية عن الكون والإنسان والحياة، كما هو الحال في الحضارة الإسلامية والحضارة الليبرالية الرأسمالي، فتكون من ثم «حضارة دينية»، أو «حضارة ٌديولوجية»، أو «حضارة عقائدية».
و «الحضارة» ترتبط دوماً بخصوصيات ذلك الشعب وتلك الأمة الناشئة عبر التطور التاريخي والتفاعل مع أحداث الزمن حتى بالنسبة للحضارات التي لا تنبثق عن أساس عقائدي، فتكون حينئذ «حضارة وضعية»، كحضارة اليونان وبابل والأشوريين والصين ،أوروبا قبل عدة قرون من الزمن.، أي قبل أن تنتصر الحضارة الليبرالية الرأسمالي وتهيمن على الحياة في أوروبا وأمريكا.
نعم: لا شك أن اليونان وبابل والأشوريين قديماً، وأمريكا وأوروبا قبل عدة قرون، كان لهم أديان كالوثنية والنصرانية والبوذية والكونفوشية، إلا أنها أديان روحية أخلاقية محضة، ليس فيها مفاهيم وقناعات ومقاييس وتشريعات لكافة شؤون الحياة، فلا تصلح إذاً لأن تنبثق عنها حضارة، ولكن يتواضع الناس على مفاهيم وتشريعات لشوون الحياة الدنيا خاصة بهم، فهذه المفاهيبم والقناعات والمقاييس الوضعية هي التي تشكل حضارتهم، مع كونها ليست منبثقة عن دينهم. فالقوم لهم حضارة ليست دينية، وإن كانوا هم يؤمنون بدين معين، لكن حضارتهم لم تنبثق عن دينهم، بل هي «حضارة وضعية».
وفي العصر الحديث تشترك شعوب وأمم كثيرة، كاليابانيون والهندوس والسيخ والأمريكان والفرنسيون في حضارة واحدة، هي الحضارة الليبرالية الرأسمالية الغربية، مع تعدد واختلاف أديانهم.
لذلك كان للإسلام حضارته الخاصة «الحضارة الاسلامية» المشتملة على ثقافته المتميزة، ألا وهي «الثقافة الاسلامية» الشاملة لعلوم اللغة العربية، وعلوم الدين الإسلامي بشتى فروعها، التى ملئت الدنيا نورًا وعلمًا وهدىً، وهى أكمل وأكثر ثقافات الدنيا كتبًا وتصنيفًا.
أما ما يتشدق به الغربيون ويسمونه «الحضارة الإنسانية» فهو اسم مزوّر لحضارتهم هم، وهي حضارة كافرة تقوم في أساسها وجوهرها على الوثنية الإغريقية الرومانية مع لمسات ــ لمسات تلطيفية ليس إلا ــ من النصرانية البولصية المحرفة الضالة، التي انحرفت بعد عدة قرون من نشأتها فأصبحت صليبية مقيتة حاقدة، واليهودية العنصرية الملعونة، يهودية الأحبار والكهان الفاسقين، قتلة الانبياء. وهي حضارة غربية محلية محضة، لا علاقة لها بعقائد، وأفكار، ومفاهيم، وقناعات، وعادات بقية شعوب العالم، مهما شغَّب دعاة «العولمة» وجادلوا.
وقد اختار القوم هذا الاسم الذي يوحى بالإنسانية، والعالمية، لتغرير شعوب الدنيا، وبالأخص المسلمين، لإخراجهم بهذه الطريقة الخبيثة الماكرة من دينهم، ذلك لأن اعتناق هذه الحضارة الغربية، المسماة بـ «الإنسانية»، زوراً وبهتاناً، والعيش وفقها يعنى، لا محالة، الردة عن الإسلام، والخروج إلى الكفر والضلال، المفضي إلى الشقاوة الأبدية، واللعنة السرمدية في نار جهنم، والعياذ بالله تعالى.
كما أن هذا الاسم مؤشر قوي على عنصرية الغرب وغطرسته، ونظرته المتعالية إلى بقية بني الإنسان: فما جاء من الغرب فهو، بزعمهم، «إنساني» و«عالمي»، وما كان من غيرهم من الأمم والشعوب فهو محلي أو إقليمي، فهو من ثم محدود متخلف، همجي، بربري، لا يستحق أن يسمَّى إنسانياً، وهو، في أحسن الأحوال، محدود محلي لا يمكن أن يكون عالمياً!
من الإيضاح السابق يتبين أن أمور الدين ليست هى الشعائر التعبدية المحضة، أو العقائد الغيبية، أو الأخلاق والآداب الجميلة فحسب، كما هو في المفهوم الغربي، بل كل أفعال الإنسان الإختيارية هى محل الحكم الشرعي سواء:
(أ) قصد بها محض التعبد، والتقرب الى الله، أي تحقيق قصد أو قيمة «تعبدية» أو «نسكية»: (الشعائر التعبدية المحضة مثل الصلاة، والذكر، والدعاء).
(ب) أو قصد بها تحقيق قيمة «خلقية»: (الأخلاق، مثل الصدق، والأمانة، والكرم، وحتى الرفق بالحيوان).
(ج) أو قصد بها تحقيق قيمة «إنسانية»: (مثل إغاثة الملهوف، وإنقاذ الغريق، بغض النظر عن لونه، ودينه، وقوميته، وجنسه)
(د) أو أراد بها الانسان كسبًا «معنويًا» أو «أدبياً»: (كالحصول على المجد، والفخار، والثناء).
(هـ) أو أراد تحصيل منفعة، أو قيمة «مادية»: (كالنقود، بالتجارة ونحوها).
كل هذه الأنواع من الأفعال الإنسانية هي محل الحكم الشرعى، والإلتزام بالحكم الشرعي هو الجانب الروحى التعبدى فيها، فإذا أدرك الإنسان أنه متعبد لله في جميع أحواله، والتعبد هنا يعني: القبول، والتسليم، والرضا، والطاعة لأمر الله، المنبنية على تعظيم الله ومحبته، والتزم الحكم الشرعي في جميع أعماله، أصبح روحانيًا عابدًا، مستحقًا على هذا الجانب الروحى التعبدي من الله المثوبة والثناء. هذه هي الروحانية الحقة، فهي أمر يتعلق بـ«الوعي»، و«الإدراك». ولا علاقة ذلك بالروح «المفارِقة»، أو بكون الإنسان مركب من «مادة»، و«روح»، بغض النظر عن صحة ذلك أو بطلانه، فهذا موضوع مستقل عن ذاك تماماً.
أما ما قاله بعض العلماء: (إن العادات تنقلب إلى عبادات إذا صلحت النية). فهذا كلام ليس بدقيق، لأن العادات، أو بلفظ أدق: المباحات، لا تنقلب إلى مستحبات أو واجبات، ولكن وجود «وعي» معين أو «نية» معينة، هو الذي قد يستحق عليه الإنسان المثوبة، بل وربما العقوبة، لا على ذات الفعل، من حيث هو فعل مجرد، الذي هو مباح كما كان، لا ثواب لفاعله أو عقاب عليه، من حيث هو فعل مجرد، وسنتكلم عن هذا بالتفصيل، ونشبعه بحثاً في فصل مستقل آت، إن شاء الله تعالى.
وما ذكرناه آنفا له واقع يدرك بالحس والعقل، ومن استقراء نصوص الوحي، أي النصوص الشرعية، أي نصوص القرآن والسنة، لا غير، إذ هي وحدها النصوص الشرعية، وهي وحدها الوحي المنزل، كما سنبرهن عليه قريباً، إن شاء الله. وقد كان ذلك وايم الله كافياً شافياً، ولكن الله، تباركت أسماؤه وتقدست صفاته، نص على بعض ذلك في كتابه العزيز، كما ألهم نبيه المعصوم سيدي أبا القاسم محمداً بن عبد الله بن عبد المطلب الهاشمي القرشي العدناني العربي، النبي الرسول الأمِّي، خاتم النبيين، وإمام المرسلين، صلوات الله وسلامه وتبريكاته عليه وعلى آله، بزيادة بيان مباشر صريح، يغني عن أكثر الاستقراء، وجمع النصوص، فمن ذلك:
v ما أخرج الإمام أحمد بن حنبل في المسند بأسانيد غاية في الصحة عن عائشة، وأنس ان النبي صلى، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، سمع أصواتا فقال: «ما هذه الأصوات؟!»، قالوا: النخل يؤبرونه، يا رسول الله! فقال: «لو لم يفعلوا لصلح؟!»، فلم يؤبروا عامئذ فصار شيصا، فذكروا ذلك للنبي، صلى الله عليه وسلم، فقال: «إذا كان شيئا من أمر دنياكم فشأنكم به (وفي رواية: فأنتم أعلم به)، وإذا كان شيئا من أمر دينكم فإلي». كما أخرجه ابن ماجه، وأبو يعلى وقال الشيخ حسين أسد: (إسناده صحيح)، وابن حبان من طريق أبي يعلى وقال الشيخ شعيب الأرناؤوط: (إسناده صحيح على شرط مسلم). وأخرجه مسلم بإسناد صحيح بمعناه، ولكن باختصار سئ مخل، قال: «أنتم أعلم بأمر دنياكم»، وهو اللفظ المشوه المبتور، الذي يتداوله الناس، في أكثر الأحيان، للأسف الشديد. وأخرجه كذلك الدارقطني بنحو لفظ مسلم، وأخرجه كذلك البزار في مسنده، وهو عند الإمام أبي محمد علي بن حزم في «الإحكام في أصول الأحكام» من طريق البزار، وجاء حديث أنس عند البزار بلفظ: «أنتم أعلم بما يصلحكم في دنياكم، وأما آخرتكم فإليّ»، وهذا كأنه رواية بالمعنى، تصرف أحد الرواة فاستبدل لفظة: (دينكم)، بلفظة: (آخرتكم)!
v وجاء في «مسند الإمام أحمد بن حنبل» بإسناد صحيح كذلك: [حدثنا يزيد بن هارون أخبرنا حماد بن سلمة عن ثابت عن عبد الله بن رباح عن أبي قتادة قال: كنا مع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، في سفر فقال: إنكم ان لا تدركوا الماء غدا تعطشوا! وانطلق سرعان الناس يريدون الماء، ولزمت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فمالت برسول الله، صلى الله عليه وسلم، راحلته، فنعس رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فدعمته فادعم؛ ثم مال، فدعمته، فادعم؛ ثم مال، حتى كاد أن ينجفل عن راحلته، فدعمته، فانتبه، فقال: «من الرجل؟!»، قلت: أبو قتادة! قال: «مذ كم كان مسيرك؟!»، قلت: منذ الليلة، قال: «حفظك الله، كما حفظت رسوله!»، ثم قال: «لو عرسنا!»، فمال إلى شجرة فنزل فقال: «انظر هل ترى أحدا!»، قلت: هذا راكب، هذان راكبان، حتى بلغ سبعة، فقال: «احفظوا علينا صلاتنا!»، فنمنا فما أيقظنا إلا حر الشمس، فانتبهنا فركب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فسار وسرنا هنيهة ثم نزل فقال: «أمعكم ماء؟!»، قال: قلت: نعم، معي ميضأة فيها شيء من ماء، قال: «ائت بها!»، فأتيته بها، فقال: «مسوا منها، مسوا منها!»، فتوضأ القوم، وبقيت جرعة، فقال: «ازدهر بها يا أبا قتادة فإنه سيكون لها نبأ !»، ثم أذن بلال، وصلوا الركعتين قبل الفجر، ثم صلوا الفجر، ثم ركب وركبنا، فقال بعضهم لبعض: (فرطنا في صلاتنا!)، فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: «ما تقولون؟! إن كان أمر دنياكم فشأنكم، وإن كان أمر دينكم فإلي!»، قلنا: يا رسول الله: (فرطنا في صلاتنا؟!)، فقال: «لا تفريط في النوم، إنما التفريط في اليقظة، فإذا كان ذلك فصلوها! ومن الغد وقتها»، ثم قال: «ظنوا بالقوم!»، قالوا: إنك قلت بالأمس ان لا تدركوا الماء غدا تعطشوا، فالناس بالماء، فقال: «أصبح الناس، وقد فقدوا نبيهم، فقال بعضهم لبعض: إن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بالماء؛ وفي القوم أبو بكر وعمر فقالا: أيها الناس! إن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، لم يكن ليسبقكم إلى الماء، ويخلفكم! وإن يطع الناس أبا بكر وعمر يرشدوا (قالها ثلاثا)»، فلما اشتد الظهيرة، رفع لهم رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فقالوا: يا رسول الله! هلكنا عطشا، تقطعت الأعناق! فقال: «لا هلك عليكم!»، ثم قال: «يا أبا قتادة، ائت بالميضاة!»، فأتيته بها، فقال: «أحلل لي غمري!»، (يعني قدحه)، فحللته، فأتيته به، فجعل يصب فيه، ويسقي الناس، فازدحم الناس عليه، فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: «يا أيها الناس! أحسنوا الملأ، فكلكم سيصدر عن ري»، فشرب القوم حتى لم يبق غيري، وغير رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فصب لي فقال: «اشرب يا أبا قتادة!»، قال: قلت: اشرب أنت يا رسول الله! قال: «إن ساقي القوم آخرهم!»، فشربت، وشرب بعدي، وبقي في الميضأة نحو مما كان فيها، وهم يومئذ ثلاث مائة]، قال عبد الله (أي ابن رباح): فسمعني عمران بن حصين وأنا أحدث هذا الحديث في المسجد الجامع فقال من الرجل قلت أنا عبد الله بن رباح الأنصاري؛ قال: القوم أعلم بحديثهم: انظر كيف تحدث فإني أحد السبعة تلك الليلة فلما فرغت قال: (ما كنت أحسب أن أحدا يحفظ هذا الحديث غيري!)]
ــ وقال أحمد أيضاً: قال حماد: وحدثنا حميد الطويل عن بكر بن عبد الله المزني عن عبد الله بن رباح عن أبي قتادة عن النبي صلى الله عليه وسلم، بمثله، وفيه زيادات.
ــ وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل: حدثنا إبراهيم بن الحجاج، حدثنا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن عبد الله بن رباح عن أبي قتادة عن النبي، صلى الله عليه وسلم، بمثله.
ــ وقال عبد الله بن الإمام أحمد بن حنبل: حدثنا إبراهيم، حدثنا حماد: حدثنا حميد، عن بكر بن عبد الله، عن عبد الله بن رباح عن أبي قتادة عن النبي صلى الله عليه وسلم، بمثله؛ وهذه كلها أسانيد غاية في الصحة، تقوم بها الحجة القاطعة.
وللحديث، مطولاً ومختصراً، متابعات وشواهد كثيرة، من طرق صحاح وحسان. أخرجه ابن خزيمة في «صحيحه» باختصار يسير، والدارقطني باختصار شديد مقتصراً على قوله، صلى الله عليه وسلم: «إن كان أمر دنياكم فشأنكم وإن كان أمر دينكم فإلي؛ فقلنا: (يا رسول الله فرطنا في صلاتنا!)، فقال: «لا تفريط في النوم، إنما التفريط في اليقظة، فإذا كان ذلك فصلوها، ومن الغد لوقتها». وقد ذكرنا هذا الحديث الجليل الجميل، وكل حديث رسول الله جليل جميل، بطوله لما فيه من الحكم، والأحكام، ودلائل النبوة المحمدية الباهرة.
v وفي «صحيح ابن حبان» عن رافع بن خديج، رضي الله عنه، قال: [قدم نبي الله، صلى الله عليه وسلم، المدينة وهم يؤبرون النخل (يقول: يلقحون) قال: فقال: «ما تصنعون؟!»، فقالوا: شيئا كانوا يصنعونه! فقال: «لو لم تفعلوا كان خيرا!»، فتركوها فنقصت (أو نفضت)، فذكروا ذلك له فقال، صلى الله عليه وسلم: «إنما أنا بشر: إذا حدثتكم بشيء من أمر دينكم فخذوا به، وإذا حدثتكم بشيء من دنياكم، فإنما أنا بشر!». وقال الشيخ شعيب الأرناؤوط: (إسناده حسن)، وأخرجه الطبراني في «الكبير»، من طريق ثانية. والحديث بمجموع الطريقين صحيح، قطعاً ولا ريب، تقوم بها الحجة القاطعة، كما سنحرره في الملحق، إن شاء الله تعالى!
v وعن طلحة بن عبيد الله قال: مررت مع النبي، صلى الله عليه وسلم، في نخل المدينة فرأى أقواما في رؤوس النخل يلقحون النخل فقال ما يصنع هؤلاء قال يأخذون من الذكر فيحطون في الأنثى، يلقحون به، فقال: «ما أظن ذلك يغني شيئا»، فبلغهم، فتركوه، ونزلوا عنها، فلم تحمل تلك السنة شيئا، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «إنما هو ظن ظننته! إن كان يغني شيئا فاصنعوا! فإنما أنا بشر مثلكم، والظن يخطئ ويصيب، ولكن ما قلت لكم قال الله عز وجل فلن أكذب على الله!»، هذا حديث صحيح، أخرجه أحمد، وابن ماجه، كما هو مفصل في الملحق.
وقد زادنا طلحة بن عبيد الله، رضي الله عنه، هنا فائدة جميلة في غاية الأهمية: ألا وهي أن النبي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، المعصوم بعصمة الله، إنما استخدم صيغة الظن في كلامه، فلم يكن عند أولئك الذين تركوا ما يعلمون بيقين لظن مجرد من عذر، لأن اليقين لا يزول بالظن، حتى ولو كان ظناً من رسول الله الخاتم، لأن الظن لا يغني من الحق شيئاً، لأنه يخطيء ويصيب، بخلاف الحق، الذي هو صواب أبداً.
والأحاديث الصحاح أعلاه فيها شهادة ستة من الصحابة، رضوان الله وسلامه عليهم، هم: عائشة، وأنس، ورافع بن خديج، وأبي قتادة، وعمران بن حصين، وطلحة بن عبيد الله، جاءت من أربع طرق صحاح، مستقلة كل الاستقلال، في واقعتين متباينتين بينهما زمن طويل، يحيل العقل تواطؤ الرواة على اختراعها، أو الكذب، أو الوهم فيها، وتقوم بها الحجة اليقينية القاطعة، على أنه، صلوات الله وسلامه وتبريكاته عليه وعلى آله، قال: «إذا كان شيئا من أمر دنياكم فشأنكم به، وإذا كان شيئا من أمر دينكم فإلي»، أو «أنتم أعلم بما يصلحكم في دنياكم، وأما آخرتكم فإليّ» أو: «إنما أنا بشر: إذا حدثتكم بشيء من أمر دينكم فخذوا به، وإذا حدثتكم بشيء من دنياكم، فإنما أنا بشر!».
أما الرواية التي تقول: «إذا كان شيئا من أمر دنياكم فأنتم أعلم به»، فيشبه أن تكون رواية بالمعنى للحديث الأول، لأن أكثر الطرق وأقواها للحديث الأول جاءت باللفظ الأول، وهو مطابق للفظ الحديث الثاني، وليس الحديث الثالث عنهما ببعيد، لأن قوله: «وإذا حدثتكم بشيء من دنياكم، فإنما أنا بشر!»، هكذا بالشرط: «وإذا حدثتكم بشيء من دنياكم»، بدون جواب لهذا الشرط، وهو محذوف تقديره ضرورة: «فإنما أنا بشر مثلكم، لست أكثر علماً به منكم، فلا أتدخل فيه، ولا أتكلم عنه: فشأنكم به!»، أو نحو ذلك، أو قريباً من ذلك.
وقد بالغ بعض الرواة في رواية الحديث بالمعنى واختصاره، كما وقع في رواية مسلم: «أنتم أعلم بأمر دنياكم»، فذهب كثير من المعاني والأحكام المتضمنة في اللفظ الكامل الصحيح، ولعل في ذلك عبرة وزجراً عن رواية الأحاديث بالمعنى، وتأكيد على ضرورة الالتزام الصارم باللفظ النبوي الشريف المعصوم وأن ذلك يقتضي تتبع الطرق وتقصي الروايات!
قوله، عليه وعلى آله الصلاة والسلام: «إذا كان شيئا من أمر دنياكم فشأنكم به، وإذا كان شيئا من أمر دينكم فإلي» أحال كل شؤون «الدنيا» إلى الناس، وجعلها شأناً من شؤونهم: دراسة، واطلاعاً، وتجريباً، وتطبيقاً؛ أي من ناحية العلم النظري المكتسب بما فطر الله الناس عليه من الحس، والتجربة، والعقل، ومن التطبيق العملي في المهارات، والحرف، والمهن، والصناعات، والإجراءات، والوسائل، والأساليب: كل ذلك مباح للناس، حلال لهم، يفعلون ما شاؤوا منه، متى شاؤوا، بالكيفية التي يشاؤون.
ولزيادة الإيضاح نتأمل مثال تلقيح النخل: فالبحث هنا في علاقة التلقيح بصلاح الثمرة ووفرة المحصول، هذا كله وما هو من نوعه من شؤون «الدنيا»، وليس البحث في عملية التلقيح من ناحية الحكم «الشرعي»،، هل هي: واجبة، أو مستحبة، أو مباحة، أو مكروهة، أو محرمة، أو الحكم «الأخلاقي»: هل هو حسن أو قبيح، فهذه كلها من «الدين»، وكذلك كون التلقيح شرطاً أو مانعاً من وجوب الزكاة في التمر، هذا ونحوه من شؤون «الدين».
والكلام هنا عن «الدنيا» في مقابلة «الدين»، وليس عن «الدنيا» أي هذه الدار التي فيها الحياة الأولى، في مقابلة «الآخرة»، أي دار الحياة الثانية الأخيرة، فهذا موضوع آخر، يختلف عن هذا تماما، ولا علاقة له به، لأن الدين والتدين يكون كله في هذه الدار، ثم يترتب عليه ضرورة حساب وجزاء في الدارين: الأولى والآخرة!
والمقصود بـ«الدنيا» هنا في مقابلة «الدين»: العالم المحسوس، من حيث هو موجود له صفات وخواص معينة، ولمركباته وأعيانه علاقات تنظمها قوانين معينة، وما فيه من أعيان وصفات وقوى وخواص، وما يتعلق بذلك كله من علوم ومعارف، وما يترتب على ذلك من مهارات إنسانية، وحرف ومهن وصناعات، وما ينشأ من ذلك كله من مصنوعات أو خدمات.
هذا هو تعريف «الدنيا» الصحيح، كما هو ظاهر من النظرة الفاحصة المدققة لواقع النخل، وانقسامها إلى ذكر وأنثى، والحاجة إلى تلقيح الأنثى من الذكر، وقيام الناس بذلك بطريقة منظمة لضمان التلقيح الصحيح الكامل، وجودة الإنتاج، وارتفاع كميته، فلا يعتمدون فيها على الرياح والحشرات التي تفعل ذلك في الحالة الفطرية الأصلية.
أما «الدين» فهو الطريقة المعينة للعيش، أي نظام الحياة، أي الشريعة العامة المتبعة، حقاً كان ذلك أو باطلاً؛ وليس هو فقط مجرد مجموعة العقائد الغيبية، والشعائر التعبدية، والأخلاق والآداب الجميلة، كما هو المفهوم الغربي للدين، الذي يسمونه عندهم، على سبيل المثال، بالإنجليزية: (religion)، بل هو يشمل تنظيم كافة العلاقات، كما أسلفنا أعلاه، وذلك لما لا يعد ولا يحصى من الأدلة اليقينية، المعلومة من الدين بالضرورة، ومنها التالية، على سبيل المثال، والتقريب من الأذهان، فقط، وإلا فالحصر متعذر:
v أن النبي، عليه وعلى آله الصلاة والسلام، بعد واقعة التأبير في أول العهد المدني، قد نص على اختصاص نفسه الشريفة بشؤون الدين، وأحال شؤون الدنيا كلها إلى الناس، وأكد ذلك مرة أخرى فيما بعد. وقد ثبت بالتواتر، وعلم بالضرورة من التاريخ، كما هو معترف به من كل مسلم وكافر، أنه أمر ونهى وأخبر وتدخل فيما لا يحصى من أمور المعاملات، والعقوبات، والأحكام السلطانية، والعلاقات الدولية، والحرب والسلم، والأمن والخوف، وغير ذلك مما يخرج، يقيناً، ويزيد كثيراً، عن نطاق العقائد الغيبية، والشعائر التعبدية، والأخلاق والآداب الجميلة، فظهر بذلك قطعاً أنها من «الدين».
v فرض تعالى عقوبة الجلد للزناة، وأوجب شهادة طائفة من المؤمنين للتنفيذ، ثم عقّب قائلاً: }ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله{، وهو نص قاطع على أن تحريم الزنا، والعقوبة الدنيوية عليه بحد ثابت لا يقبل العفو، ولا يجوز التساهل فيه من باب الرأفة والرحمة، ونصاب الشهادة عليه، وحضور طائفة للتنفيذ، كل ذلك من «الدين»، دين الله.
v المكيدة التي دبره، سبحانه وتعالى، ليوسف لتمكينه من احتجاز أخيه، وذلك بتطبيق عقوبة السرقة المنصوص عليها في شريعة يعقوب عليه، ألا وهي استرقاق السارق، بدلاً من العقوبة المنصوص عليها في شريعة الملك، ثم عقّب، جل وعز: }كذلك كدنا ليوسف، ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك{، ومعلوم ضرورة أن الكلام هنا ليس في العقائد الغيبية، والشعائر التعبدية، ولا هو في الأخلاق والآداب الجميلة، وإنما هو في جريمة السرقة، وعقوبتها، وفق شريع يعقوب، أم وفق شريعة الملك، التي هي «دين» الملك، بنص القرآن، أي شريعته ونظامه، وليس معتقده الغيبي، ولا شعائره التعبدية، أو آدابه وأخلاقه التي يرى حسنها أو قبحها، إذ أن الكلام ليس في هذا، ولا علاقة له بهذا.
واختصاص الوحي بــ«الدين»، لا يعني بحال من الأحوال أن الوحي لا يأتي في شيء من شؤون الدنيا قط، بل هو قد يأتي في البعض، أو الكثير منها، فـ(الله يحكم لا معقب لحكمه)، وهو (يفعل ما يشاء ويختار)، و(لا يسأل عما يفعل وهم يسألون): فقد علم نوحاً بالوحي صناعة السفينة، وهو أمر دنيوي محض، وعلم داود صناعة الدروع وألبسة الحرب، وعلم سليمان منطق الطير، ونفرآ من الأنبياء بعض الطب والمعالجات، وكل ذلك من شؤون الدنيا يقيناً، جاء بعضه على وجه العادة والمنه والنعمة، والآخر على وجه المعجزة أو الكرامة لأنبيائه، والكرامة لأوليائه.
كما أخبر تعالى عن أشياء كثيرة من واقع هذا الكون المحسوس، فمن ذلك تعليم وإرشاد، ومنه معجزات لأنبيائه، وبراهين على صدقهم وتبليغهم عنه، ومنه غير ذلك. غير أن وظيفة «الوحي» الأساسية تبقى شؤون «الدين»، أي الإخبار عن الله بمراده، وأمره ونهيه، وخبره عن نفسه، وغيبه، وعن اليوم الآخر.
هذا الذي أسلفناه هو المعنى الشرعي الأول، والأهم، للفظة «الدين»: الذي هو الطريقة المعينة للعيش، أي نظام الحياة، أي الشريعة العامة المتبعة، فالإسلام دين، وهو الدين الحق الذي لا يقبل الله في الآخرة سواه، و«العلمانية»، أو بلفظ أدق: «الدنيوية»، دين، وهي دين باطل، وكذلك الديموقراطية الليبرالية الغربية، دين آخر من أديان الباطل والكفر، والاشتراكية المادية دين ثالث من أديان الكفر والضلالة.
أما المعنى الثاني الذي استخدمت فيه لفظة «الدين» شرعاً فهو: الحساب والجزاء، كما هو في قوله تعالى: }مالك يوم الدين{، أي يوم الحساب والجزاء، وقوله تعالى حكاية لكلام الكفار: }أإذا متنا وكنا تراباً وعظاماً أئنا لمدينون؟!{، (الصافات؛ 37:53)، أي أئنا لمحاسبون مجزيون؟!
أما لغة فلفظة (الدين) مصدر، والفعل هو: دان يَدين ديناً وديانة. وهو اسم لكل ما يعبد به الله، والملة، والسيرة، والعادة، والشأن، والحساب، والمُلك، والسلطان، والحكم، والقضاء، والتدبير؛ و(دان): أي خضع وذل وأطاع؛ و(دان بكذا): أي اتخذه ديناً، وتعبد به؛ و(دان فلانٌ فلانً): أي حاسبه وجازاه وساسه.
فالدين الإسلامي إذاً ليس فقط عقيدة روحية، يقوم عليها نظام أخلاقي، وترتبط بها شعائر تعبدية، أي ليس (ديناً) بالمفهوم الغربي (religion)، ولكنه بالإضافة إلى ذلك «مبدأ» أي عقيدة ينبثق عنها نظام، وهو ما يسمَّى في الإنجليزية: (Ideology).
والعقيدة الإسلامية عقيدة عقلية، لأنها تقوم على العقل، أي على مبدأ «العلة الكافية» الذي يلزم بإيجاد تفسير لوجود هذا الكون: لم هو موجود أصلاً؟! ولا يقبل أن يتحرك خطوة إلى الأمام إلا بعد حسم هذه القضية الأولى، التي هي عنده: أولى القضايا، وقضية القضايا، وسترى في هذا الكتاب، ولو بشكل مجمل صدق مقولتنا: أن العقيدة الإسلامية عقيدة عقلية، وأنها هي وحدها العقيدة الصحيحة.
والعقيدة الإسلامية كذلك عقيدة روحية لأنها تقوم:
أولاً: على التصديق الجازم، واليقين الراسخ، بوجود الله، تبارك وتعالي، وأن له هو فقط «الخلق والأمر»، أي أنه خلق الكون ولم يعتزل أو يتقاعد، تعالى الله عن ذلك، ولكنه يأمر وينهى، ويرسل الرسل، وينزل الكتب، ويسن الشرائع، وذلك خلافاً، وبالمناقضة التامة، للمذاهب المادية والإلحادية.
وثانياً: على وجوب إدراك الصلة بالله، ووجوب الإقرار بها، والتسليم لموجبها، وجعلها أساس جميع العلاقات، وكافة النظم والتشريعات، وذلك خلافاً، وبالمناقضة التامة، للمذاهب العلمانية، والدنيوية، والليبرالية، واللاأدرية.
والعقيدة الإسلامية هي كذلك عقيدة سياسية لأن نظامها يشمل كافة تشريعات الحياة، بما في ذلك علاقات الحاكم بالمحكوم، ورعاية الشؤون العامة، وعلاقة الأمة والجماعة والدولة بغيرها من الأمم والجماعات والدول في العالم.
وفي مقابل ذلك فإن «الاشتراكية المادية»، «مبدأ»، أي عقيدة ينبثق عنها نظام، فهي إذاً «دين» بالمعنى الموضح أعلاه. والعقيدة الأساسية التي تقوم عليها الاشتراكية هي «المادية»، وخصوصاً «المادية الجدلية». و«المادية»، بشتى مذاهبها التفصيلية، ليست عقيدة عقلية، وإن زعمت ذلك، لأنها تقوم على «التسليم» بأزلية المادة بخصائصها الأساسية، أي أن المادة «واجبة الوجود»، «أزلية»، «قديمة»، من غير تقديم برهان على ذلك، إلا الادعاء المحض والزعم المجرد. وغاية ما لدى الماديين هو محاولة التشكيك والطعن في البراهين القاطعة المثبتة لوجود الله. وهذه العقيدة هي بداهة عقيدة مادية، ومن المحال أن تكون عقيدة روحية، لأنها تنكر وجود أي شيء وراء المادة، فهي من ثم تنكر من باب أولى وجود الله.
والعلمانية الليبرالية الرأسمالية هي الآن، بعد نضجها وتمام تطورها، أيضاً «مبدأ» أي عقيدة ينبثق عنها نظام، فهي إذاً «دين» بالمعنى الموضح أعلاه. وعقيدتها الأساسية هي «الحل الوسط»، الذي كان في الأصل حلاً وسطاً عملياً لإنهاء الصراع الرهيب الذي دار بين رجال الدين والكنيسة من جانب، والملوك ورجالات الدولة والمفكرين من جانب آخر، ثم تم تطويره على أيدي الفلاسفة والمفكرين حتى أصبح «فكرة» تزعم أن «وجود الله» ليس قضية برهانية. فالإنسان هو إذاً الذي يضع، بالضرورة، نظامه بنفسه لنفسه، ولا بد ضرورة من إطلاق جميع الحريات حتى يتمكن الإنسان من ذلك على أحسن صورة.
فالعلمانية في أول نشأتها مجرد «حل وسط»، أي مجموعة من الإجراءات والاتفاقات لا ترابط بينها لحل مشكلة الصراع، وليست هذه هي صفة المبدأ، وإنما أصبحت مبدأً بعد ذلك بزمن طويل. والعقيدة العلمانية حتى بعد تمام تطويرها ليست عقيدة عقلية، لأنه من المحال أن يكون الله، جل جلاله، موجوداً ومعدوماً في آن واحد، ومن المحال أن تكون هذه المسألة الأساسية ليست برهانية، والتهرب من البرهان ليس برهاناً، والتشكيك في البرهان أيضاً ليس برهاناً. ولما كان وجود الله ليس مأخوذاً في الاعتبار ها هنا، فمكن المحال أن تكون العقيدة العلمانية عقيدة روحية.
لذلك فنحن نؤكد مرة أخرى أهمية التمييز بين:
(1) ما هو من «الدين»:، أي من «أمور الدين»، أي الشريعة العامة، ومتعلقاته من «الحضارة» و«الثقافة»، و«المدنية الخاصة»، فهذه لا يجوز أن يأخذها المسلم من غير المسلمين أصلاً، ولا يجوز أن تنبني إلا على نصوص الوحي،
(2) وما هو من «الدنيا»، أي من «أمور الدنيا»، أي العالم المحسوس، وخواصه وقوانينه، وما يتعلق به من «مدنية عامة»، من علوم وحرف ومهن ومهارات، وكذلك وسائل وأسليب لتنظيم المباحات، كالنظم الإجرائية، واللوائح الإدارية التنظيمية، فهذه يجوز تبنيها، والاستفادة منه، من غير خوف أو حرج.
غير أن الهجمة الغربية الشرسة على العالم الإسلامي في هذا العصر، ووقوع أكثر بلاد المسلمين تحت الاستعمار الغربي الكافر المباشر، وبقائها جميعها تحت الاستعمار الخفي، غير المباشر حتى هذه اللحظة، أحدث عند بعض المسلمين ردة فعل متشنجة منعتهم من الاستفادة من عناصر المدنية العامة، أو تعلم العلوم والمعرف الهندسية، أو اقتباس النظم والإجراءات الإدارية.
وردود الأفعال المتشنجة هذه تنبيء، في الغالب، عن «روح الهزيمة» التي تفرض على صاحبها مواقع الدفاع وردود الأفعال السلبية، بدلاً من عقلية الهجوم وأخذ المبادرة والإقدام على الفعاليات البناءة الإيجابية.
هذا الشعور بالهزيمة، وعقلية الحصار والـ«غيتو»، هو الذي دفع بالكثير من الناشطين والقياديين الإسلاميين إلى مواقف متشنجة، وأقوال شنيعة مخبولة، تشبه أحياناً أقوال «المهووسين»، و«الموسوسين»، بل و«نزلاء مستشفيات الأمراض العقلية» في بعض الأحيان؛ ودفع بالبعض الآخر إلى العزلة والتقوقع واليأس من الدنيا والناس، والدعاء بسرعة مجيء «المهدي المنتظر»، (عجَّل الله فرجه!!).
ونحن نؤكد ها هنا للجميع أن النظر إلى أحوال الشعوب الأخرى، الاستفادة من تجاربها، واقتباس الجيد الناضج من وسائلها وأساليبها ليس هو فقط مما يقتضيه العقل السليم: أن يستفيد الإنسان من الثمرة المتاحة، والنتائج الجاهزة، فيوجه جهده إلى الابداع في الاختراع وفي إنشاء الجديد، بدلاً من إعادة اختراع ما اخترعه الآخرون، واجترار تجاربهم، أي «إعادة اختراع العجلة»، كما يقولون.
بل إنه أيضاً ما جاءت به هذه الشريعة المباركة الخاتمة التي نزلت من عند ذي الجلالة الإلاهية، إلى محمد خاتمة أنبياء البشرية:
v كما هو في «الموطأ» حيث أخرج الإمام مالك عن محمد بن عبد الرحمن بن نوفل أنه قال أخبرني عروة ابن الزبير عن عائشة أم المؤمنين عن جدامة بنت وهب الأسدية أنها أخبرتها أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لقد هممت أن أنهى عن الغيلة، حتى ذكرت أن الروم وفارس يصنعون ذلك فلا يضر أولادهم!»، قال مالك: «الغيلة» أن يمس الرجل امرأته وهي ترضع. هذا إسناد صحيح، بل هو غاية في الصحة والجلالة. والحديث صحيح ثابت، لا علة فيه، وقد أخرجه الإمام مسلم من طرق صحاح كثيرة، وكذلك كل من الأئمة: الترمذي، والنسائي، وأبو داود، وأحمد من طرق كثيرة كعادته الحميدة، والدارمي، وغيرهم.
ونسارع فنقول: لسنا ها هنا بصدد مناقشة مستفيضة لـ«همّ الأنبياء»، هل هو معصوم موافق للحق، أم أنه يأتي وفق الطبيعة البشرية، فقد يكون هماً بحق، وقد يكون هماً بباطل، وحينئذ يصرف الله النبي عن أي فعل أو قول أو إقرار يترتب على هذا الهم الباطل. لسنا بصدد المناقشة التفصيلية لذلك، ونحيل إلى بحثنا المسمَّى: «همّ الأنبياء»، حيث أقمنا البرهان القاطع على أن همّ الأنبياء ليس معصوماً، ومن ثم ليس بحجة تشريعية، أي أنه يأتي وفق الطبيعة البشرية، فقد يكون هماً بحق، وقد يكون هماً بباطل، فإذا كان بباطل صرف الله النبي عن أي فعل أو قول أو إقرار يترتب على هذا الهم الباطل. هذا الصرف يكون من الله بالكيفية التي يريدها الله، جل جلاله، وسمى مقامه: ذهاب الهم فقط وعدم انعقاد الإرادة والعزيمة، أو وحي مانع من إنفاذ الهم، أو بإلهام حكم بديل، أو بما شاء الله العزيز الحكيم.
وفي هذه الواقعة المذكورة أعلاه عصم الله، جل جلاله، نبيه من النهي عن الغيلة، التي «همَّ» بالنهي عنها خشية الضرر للولد، وصرف همَّه بإلهامه سنة جديدة: النظر في أحوال الشعوب الأخرى والاستفادة من تجربتها التي تفيد في هذه الجزئية أن ممارسة شعوب بأكملها للغيلة من غير ظهور ضرر لأولادها بالرغم من تطاول الأزمنة، وتعاقب الأعصار.
ولما كان، عليه وعلى آله الصلاة والسلام، إنما هم بالنهي عن الغيلة حماية لصحة الولد، ومنعا للضرر عن النشأ، وهو أمر يدرك بالحس والعقل مباشرة، جاز النظر إلى تجارب الشعوب، لا فرق بين ومؤمن وكافر، ووثني وكتابي، ومن باب أولى يجوز النظر إلى نتائج البحث العلمي والطبي الموثوقة المؤكدة لحسم المسألة، وهو ما ألهم الله نبيه به، فلله الحمد والمنة، لا إله إلا هو عليه نتوكل، وبه نستعين.
ولم يكتف هو، عليه وعلى آله الصلاة والسلام، بالنظر، بل وجَّه غيره إلى نفس الفعل، أي إلى النظر في تجارب الأمم والشعوب وإلى نتائج البحث العلمي والطبي الموثوقة المؤكدة، كما جاء:
v في «صحيح مسلم»: [حدثني محمد بن عبد الله بن نمير وزهير بن حرب، (واللفظ لابن نمير)، قالا: حدثنا عبد الله بن يزيد المقبري حدثنا حيوة حدثني عياش بن عباس أن أبا النضر حدثه عن عامر بن سعد أن أسامة بن زيد أخبر والده سعد بن أبي وقاص أن رجلا جاء إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فقال: (إني أعزل عن امرأتي؟!)، فقال له رسول الله، صلى الله عليه وسلم: «لم تفعل ذلك؟!»، فقال الرجل: (أشفق على ولدها، (أو على أولادها))، فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: «لو كان ذلك ضاراً: ضر فارس والروم!»، وقال زهير في روايته: «إن كان لذلك فلا، ما ضار ذلك فارس ولا الروم!»]، وهو في «مسند أحمد»، وفي «المعجم الأوسط»، ؤفي «سنن البيهقي الكبرى»، وفي «شرح معاني الآثار» بأسانيدهم، وكلها صحاح، بمثل حديث زهير بن حرب عند مسلم].
قلت: تأمَّل قوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «إن كان لذلك فلا، ما ضار ذلك فارس ولا الروم!» فهو متضمن لما قلناه آنفاً، إلا أنه ها هنا في مقام تعليم السائل، فثبت قولنا بلا شبهة، والحمد لله رب العالمين.
v وهذا أيضاً ما كان عليه الخلفاء الراشدون المهديون عليه، بمحضر من الصحابة وإجماعهم، حيث اقتبسوا كل الفنون العسكرية التي كانت في عصرهم، وفنون الري والصرف في العراق، وكذلك اللوائح والتراتيب الإدارية المتعلقة بالوسائل والأسليب. بل إنهم لم يرو بأساً بإبقاء أكثر الدواووين بغير اللغة العربية، وإنما عرِّبت الدواوين بكاملها في عهد الدولة الأموية.
ونحن بهذه المناسبة ننصح أنفسنا وإخواننا الدعاة إلى الله في هذا العصر الأغبر أن يتجاوزوا ردود الأفعال هذه لأنها تدفع الإنسان من باطل إلى باطل آخر، قد يكون شراً من الباطل الذي فررنا منه، وهذه هي مصيبة «الخوارج»: رد فعل على تساهل وتقصير، أكثره يسير وقليل منه كبير، انقلب إلى غلو ومروق، كله كبير مهلك مدمر، هو شر من التساهل والتقصير بمراحل.
ومن أمثلة هذا التشنج والغلو ما قاله الشيخ عبد القادر بن عبد العزيز في كتابه «الجامع في طلب العلم الشريف»، (الجزء الثاني، ص 778)، تحت عنوان (بدعة وضع الدساتير): [فوضع الساتير - وكما ذكرنا في العجالة السابقة - من الثمار الخبيثة للعلمانية التي هي الجاهلية المعاصرة، وقد وضع الكفار هذه الدساتير لأنهم ليس لهم دين صحيح أو شريعة مستقيمة يرجعون إليها، وقد ذاقوا الويلات من شريعتهم المحرفة التي يبدل فيها الأحبار والرهبان كما يشاؤون بناء على قرارات المجامع الكنسية. فاصطلح الكفار على وضع كتب تحقق مصالحهم بحسب ما تدركه عقول البشر القاصرة، وهي الدساتير، وصاروا يحتكمون إليها كأنها كتب سماوية، ..إلخ]
قلت: هذا كلام مؤسف، ويزداد الأسف أن يصدر من طالب علم جيد، لا يشك في إخلاصه، ومنابذته لأئمة الكفر ورؤوس الضلالة، المتسلطين على رقاب المسلمين. لا سيما وأن «صحيفة المدينة»، وقصة كتابتها، بمجملها، ثابتة صحيحة، هي في الحقيقة «دستور» بكل معنى الدستور، ولعله أول دستور مكتوب وضع في العالم، كما أشبعناه تأصيلاً وتفصيلاً في كتابنا: «طاعة أولي الأمر: حدودها وقيودها». هذه الحقيقة الثابتة، إذا أخذت مع مجموع الأدلة والمناقشة أعلاه حرية بأن تحدث علماً ضرورياً بأن الوثائق الدستورية سنة حميدة، وليست بدعة ذميمة، كما توهم الشيخ عبد القادر. ونحسب أن مقولته تلك جاءت رد فعل للهجمة العلمانية الشرسة، فانتقل الشيخ من نقيض إلى النقيض الآخر: (ودين الله وسط بين الغالي فيه، والجافي عنه).
كما ندعوا الجميع، بهذه المناسبة، إلى مراجعة كافة مشاريع ومسودات الدساتير الإسلامية التي صدرت خلال القرن الفائت مراجعة تشريعية دقيقة، وتبني الأقوى دليلاً والأدق صياغة من بنودها، ثم استكمال نواقصها، والخروج بمشروع منقح متين يصلح دستوراً وأساساً للدولة الإسلامية، دولة الخلافة عند تأسيسها، قريباً بإذن الله.
ولا بأس في هذا كله من الاستفادة من أسليب الصياغة الفقهية والقانونية الموجودة عند الشعوب الأخرى، وبالأخص في الغرب، لأن ذلك الفن بلغ عندهم شأواً عظيماً، في حين أن الفقه الإسلامي جَمُد ثم تدهور بعد عصوره الزاهرة فتوقَّفت الصياغة الفقهية والقانونية عند الأحكام الجزئية، وبعض القواعد الفقهية ودراسة الأشباه والنظائر، ونحو ذلك، في حين أن الفقهي الغربي تقدم إلى مرحلة النظريات الفقهية: نظرية الحق، نظرية العقود، نظرية الالتزام، .. إلخ.
هذا الصياغات كلها من باب الوسائل والأساليب، ولا علاقة له بمرجعية التشريع، أي لا علاقة له بالسؤال: لمن السيادة: أي من هو السيد، ومن هو المشرع، ومن هو الحاكم، وإنما هو متعلق بالسؤال: كيف يصوغ الفقيه ما استنبط من أحكام، وما هو الأسلوب الأمثل في التحليل والتركيب، والتقعيد والتفريع، والتبويب والترتيب، لذلك لا بأس من اقتباسه بغض النظر عن مصدره.

u فصل: مــرا تـب الـديـن ( الإسلام، الإيمان، الإحسان):
وهذا الترتيب أخرجه مسلم عن عمر بن الخطاب، رضى الله عنه، في حديث جبريل الصحيح المشهورالذي قال فيه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «هذا جبريل جاء يعلمكم أمور دينكم».
وحديث جبريل إنما هو في الحقيقة شرح لمكونات الإسلام ومركباته، ولمركبات الإيمان وموضوعاته، والإحسان، أي تبيان لأركانها، وتوضيح لماهيتها، وليس هو في الحقيقة ترتيب، أو تحديد للمراتب، أو الدرجات.
إلا أن الترتيب يستفاد من نصوص شرعية أخرى متواترة من الكتاب، والسنة تفيد أن الإنسان يكون «مسلماً» عنده، لا محالة أصل الإيمان، وأصل الإحسان، ولكنه لا يستحق أن يسمى «مؤمناً»، أو «محسناً»، هكذا على الإطلاق بدون قيد مناسب.
ثم تزداد معرفته، ويزداد إيمانه، وتشتد مراقبته لله عز وجل فيقوم بجميع الواجبات، ويترك جميع المحرمات فيستحق أن يسمى «مؤمناً» بإطلاق.
ثم يضرب بسهم وافر من المستحبات، والتباعد عن المكروهات، والاستغناء عن فضول المباحات لقوة إيمانه، وشدة مراقبته لله، عز وجل، فهو يعبد الله «كأنه يراه»، فإذا بلغ تلك المرتبة استحق أن يسمى «محسناً» هكذا بإطلاق. فكل محسن، مؤمن، وكل مؤمن مسلم، وليس العكس بإطلاق، ولكن العكس صحيح بقيود، وضوابط!
والموضوع شائك عسير يتعلق بحقيقة «الإيمان»، وأحوال النفوس البشرية المعقدة، وحدود الكفر وضوابطه. فلعلنا نوفي الموضوع بعض حقه في رسالتنا الموسومة بـ «حقيقة الإيمان، وضوابط الكفر»، وهي ما زالت تحت الإعداد.

u فصل: تعريف الإسلام
الإسلام: (هو الدين المنزل من الله سبحانه وتعالى على خاتم الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد، صلى الله عليه وعلى آله وبارك وسلم تسليماً كثيراً). وهو الدين الأخير الخاتم، الذي نسخ الله به جميع الأديان السابقة نسخاً نهائياً كاملاً، بما فيها من حق وباطل، فلم يعد الله يقبل من أحد غيره، ولن ينجوا أحد في الآخرة إلا به.
ومعنى لفظة «الاسلام» لغة هو الخضوع والتسليم، فيكون الإسلام إذاً هو: (الإستسلام المطلق لله بالتوحيد، والإنقياد التام له بالطاعة، المبنية على المحبة والتعظيم، والخلوص الكامل من الكفر والشرك، والبراءة من أهلها، والكفر بسائر الأنداد والطواغيت).
v قال تعالى: }ومن يبتغ غير الإسلام دينًا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين{، (آل عمران؛ 3:85).
v وقال الله تعالى: }إن الدين عند الله الإسلام ..{، (آل عمران؛ 3:19).
v وقال تعالى: }فلاتموتن إلا وأنتم مسلمون{، (البقرة؛ 2:122).
v وقال تعالى: }ولاتموتن إلا وأنتم مسلمون{،، (آل عمران؛ 3:102).
v وقال تعالى: }وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين: ءأسلمتم؟! فإن أسلموا، فقد اهتدوا، وإن تولوا فإنما عليك البلاغ، والله بصير بالعباد{، (آل عمران؛ 3:20).
v وقال تعالى: }وأنيبوا إلى ربكم، وأسلموا له، من قبل أن يأتيكم العذاب ثم لاتنصرون{، (الزمر؛ 39:54)
v وقال تعالى: }ورضيت لكم الإسلام دينًا ..{، (المائدة؛ 5:3)

وقد تطلق ألفاظ «الإسلام»، و«المسلمين» على الأمم والأديان السابقة في مثل قوله تعالى عن التوراة: }... يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا...{، (المائدة؛ 5:44)، وقوله عن يعقوب، وبنيه، صلى الله عليهم وسلم: }يا بني إن الله اصطفى لكم الدين، فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون{، (البقرة؛ 2:132)، وقوله تعالى: }أفغير دين الله يبغون؟! وله أسلم من في السموات والأرض، طوعًا وكرهاً، وإليه يرجعون!!{، (آل عمران؛ 3:83)، ونحوها، ويراد بها المعنى الأصلي في اللغة، وهو الخضوع والتسليم، أى المعنى المذكور أعلاه، ألا وهو: (الإستسلام المطلق لله بالتوحيد، والإنقياد التام له بالطاعة، المبنية على المحبة والتعظيم،، والخلوص الكامل من الكفر والشرك، والبراءة من أهلها).

u فصل: أركان الاسلام الخمسة
v عن عبدالله بن عمر ــ رضى الله عنهما ــ قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «بنى الاسلام على خمس: شهادة أن لا اله إلا الله، وأن محمداً رسول الله؛ وإقام الصلاة؛ وإيتاء الزكاة؛ وحج البيت؛ وصوم رمضان» حديث صحيح أخرجه البخاري. وفي الباب أحاديث كثيرة متواترة، ومعانيها معلومة من الدين بالضرورة.

u فصل: معنى (لا إله إلا الله)
أي: لا أحد يستحق أن يُحب، ويُعظم، ويقدس، ويُتذلل له؛ ويخضع لأمره، ويُطاع، لما لذاته من صفات الكمال، ولما له من قدرة ذاتية مستقلة على الضر والنفع، إلا الله.
أي: لا معبود بحق إلا الله، وغير الله إن عُبِد فباطل.
أي: لا شيء يتمتع بصفات «الألوهية»، أي صفات «استحقاق العبادة»، من «القيومية» أي و«جوب الوجود»، أي القيام بالنفس والغنى عن الغير، واتصافها بالقدرة الذاتية المستقلة المطلقة، المنزهة عن كل قيد أو شرط: في الخلق من عدم، وفي التصوير، والتكوين، والقهر والتدبير، والأمر والنهي، ...، لا شيء يتصف بذلك إلا الله، وإن نسب بعض ذلك إلى غيره، فكذب وإفك، وخيال باطل ووهم، خلاف الواقع والحقيقة.
وإن شئت فقل: لا شيء يستحق أن يطاع لذاته، فيتلقى أمره بالقبول، والرضا، والتسليم، والمحبة، والاحترام، والتعظيم، والطاعة إلا الله، وغيره فإنما يطاع بأمر الله، ولا يعرف أمر الله إلا بالبرهان اليقيني القاطع!
وإن شئت فقل، كما قال ربك: }ألا له الخلق والأمر{.
وإن شئت فقل، كما قال ربك، حاكياً مقولة يوسف، صلوات الله وسلامه عليه وعلى آبائه وأجداده، الجامعة المانعة: }إن الحكم إلا لله، أمر ألا تعبدوا إلا إياه{!
v قال الله تعالى: }ذلك بأن الله هو الحق، وأن مايدعون من دونه هو الباطل، وأن الله هو العلي الكبير{، (الحج؛ 22:62).
v قال الله تعالى: }ذلك بأن الله هو الحق، وأن مايدعون من دونه الباطل، وأن الله هو العلي الكبير{، (لقمان؛ 31:30).
v وقال تعالى : }فاعلم أنه لا إله إلا الله ...{، (محمد؛ 47:19).
فالشهادة لها إذاً ركنان:
الأول: نفي الألوهية كلها عن غير الله نفيًا باتًا قاطعًا مطلقًا! فلا بد أولاً من الكفر بكل «معبود»، أي كل «إله»، أو كل «رب»، إلا الله، والبراءة منه، ورفضه.
الثاني: إثبات كافة خصائص الألوهية وصفات الكمال والجمال والجلال لله تعالى، بما في ذلك من أفعال الخلق والتكوين والتصرف والتدبير، والنفع والضر، والأمر والنهي، وكذلك العلم والمشيئة والتقدير لله وحده لا شريك له.
v قال تعال: }فمن يكفر بالطاغوت، ويؤمن بالله، فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها والله سميع عليم{، (البقرة؛ 2:256).
v وقال تعالى حاكيا عن إبراهيم عليه الصلاة والسلام مثنيا عليه بذلك: }إننى برآء مما تعبدون، إلا الذى فطرني ..{، (الزخرف؛ 43:27).
v وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من قال لا إله الا الله، وكفر بما يعبد من دون الله، حَرُمَ ماله وَدمُهُ، وحسابه على الله عز وجل».
فالشهادة إذن نفي وإثبات، والنفي فيها مقدم على الإثبات. فلا بد أولاً من الكفر بالطواغيت وكل ما يُعَبَدُ من دون الله، وإلا فلا انعقاد للإسلام، ولا نجاة في الآخرة.

u فصل: معنى (محمد رسول الله)
أن محمداً هو المبلغ عن الله تبليغًا معصومًا لا يتطرق إليه نقص أو زيادة، ولا خطأ، أو كذب، أو نسيان. وهو، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، لا ينسى، ولكنه يُنَسَّى، ليسن لأمته الأحكام المتعلقة بالنسيان، فهو خير الأسوة، ونعم القدوة. وهو، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، لا ينطق عن الهوى، ولا يتلفظ إلا بحق، ولا يتكلم إلا بعلم من الله، ولا يقدم بين يدي ربه، إذا سئل في أمر جديد، بل يسكت، وينتظر، حتى يأتيه الوحي بحكم الله. فهو مبلغ عن الله فحسب، وهو لا يجتهد، ولا يحتاج أن يجتهد، ولا ينبغي له أن يجتهد، وقد نزهه الله عن الاجتهاد، ولكنه شرف أمته ورحمها بإثابة كل مجتهد، مصيباً كان أم مخطئآً، فمن أصاب فله أجران، أو أكثر، ومن أخطأ فله أجر واحد!!
فمعنى (محمد رسول الله) إذن: لا متبوع بحق إلا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وغير رسول، الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، لا يتبع، ولا يطاع، إلا بأمر من الله ورسوله، ثابت بالبرهان القاطع عنهما، ومن اتبع فيما لا برهان عليه فقد اتبع بباطل.
وحتى الاتباع في «المباحات» يحتاج إلى دليل، لأن الإباحة حكم شرعى تكليفي، والاتباع في المباح، أي في «الأحكام التخييرية»، كالاتباع في غيره من «الأحكام التكليفية»: من واجب، أو مندوب، أومكروه، أو حرام، أو الاتباع في «الأحكام الوضعية»: من سبب أو شرط، أو رخصة، أو عزيمة، أو صحة، أو بطلان، أو فساد، سواء بسواء. كل ذلك من أفعال العباد الإختيارية التى لا يعرف حكمها الشرعى إلا بالدليل الشرعي، ولا فرق.
أما يفعله الناس بمشيئتهم واختيارهم، في زمن الفترة، قبل مجيئ الرسالة، وقيام الحجة، فهو عدم تكليف، وليس هو مباح، لأن الإباحة حكم شرعي« تكليفي»، لا يعرف إلا بعد ورود الشرع عن طريق الوحي، أي بعد مجيء «التكليف»، كما هو مبرهن عليه في رسالتنا هذه، ومفصل بما لا مزيد عليه في كتابنا: (الحاكمية، وسيادة الشرع)
v وقال تعالى: }فلا وربك لايؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم، ثم لايجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليماً{، (النساء؛ 4:65).
v وقال تعالى: }وماكان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرًا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم، ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالاً مبينا{، (الأحزاب؛ 33:26)
v وقال تعالى: }ومن يطع الرسول فقد أطاع الله{، (النساء؛ 4:81).
v وقال: }وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله{، (النساء؛ 4:64)
v وقال تعالى: }ومن يعص الله ورسوله، فإن له نار جهنم خالدين فيها أبدًا{، (الجن؛ 72:23).
v وقال تعالى: }تلك حدود الله، ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها، وذلك الفوز العظيم v ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارًا خالدًا فيها وله عذابٌ مهين {، (النساء؛ 4:65).
أي سؤال أو استفسار عن أ نقطة أرجو طرحه حتى أجيب عليه .
يتبع فيما بعد

أبو عمر المنصور
19-04-2011, 04:32 PM
ماهية الوحي و(الذكر المنزَّل)

u فصل: الوحي هو القرآن والسنة قد يظن بعض الناس أن الوحي هو القرآن فقط، وهذا خطأ فادح، وغلط جسيم، بل ضلال كبير يؤول لا محالة إلى الكفر، والخروج من الإسلام. والحق أن الوحي نوعان:
النوع الأول: وحي لفظي متلو، هو القرآن العظيم في هذه الرسالة الخاتمة، وما كتبه الرب، جل جلاله، في الألواح لموسى، وغير ذلك من الكتب والصحف الأولى، وهو الأقل، وبعضه قد يكون معجزاً بلفظة كالقرآن العظيم، والبعض الآخر ليس كذلك، وبعضه قد يكون متعبداً بتلاوته، كالقرآن العظيم، وبعضه ليس بالضرورة كذلك، وبعضه تكفل الله بحفظة، كالقرآن العظيم، وبعضه استحفظه النبيون والربانيون والأحبار كصحف موسى، وبعضه ما زال بأيدينا، كالقرآن العظيم، وبعضه ضاع ولم يصلنا منه شئ كصحف إبراهيم، وهكذا،
والنوع الآخر: وهو الأكثر والأعم: وحي بالمعنى، وليس ضرورة باللفظ، غير متلو، وهو، في هذه الرسالة الخاتمة، السنة النبوية الشريفة: قولاً، بما في ذلك الأحاديث القدسية، وإشارة، وفعلاً، وتقريراً، وأكثر الكتب الأولى ما هي إلا من هذا النوع: أقوال الأنبياء، وأفعالهم، وأقاريرهم، وسيرتهم، وأحوال شعوبهم زمن النبوة.
أما القرآن المجيد فهو كلام الله المنزل على سيدنا محمد، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، بعين لفظه وأحرفه، كما هو مكتوب في المصاحف، محفوظ في الصدور، متلو بالألسنة، مسجل في الأشرطة، وغيرها من وسائل الحفظ والنقل، منقول عنه، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، كتابة ومشافهة نقل تواتر، نقل الكافة عن الكافة، المفيد للعلم القطعي الضروري للناس جميعاً، مسلمهم، وكافرهم. والقرآن العظيم كذلك معجز بلفظه، متعبد بتلاوته.
وأما السنة النبوية، التي هي أقوال النبي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ومنه الإشارة، وأفعاله، وتقريراته فهي كذلك وحي من الله تعالى بالمعنى، عبر عنه رسول الله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، بألفاظه هو أو (إشارته: القائمة مقام اللفظ)، وكذلك بفعله، لأن الله عصمه عن فعل قبيح، أو بإقراره، أي بسكوته على أمر ما، إذا رآه أو بلغه خبره، سكوتاً يدل على الإقرار أو الرضا.
فأما قول الأنبياء البلاغي عن الله، القطعي الدلالة على كونه بلاغاً من عند الله على النحو الذي لا يحتمل التأويل، كقوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (هذا اللفظ قرآن منزل من عند الله وليس هو من كلامي)، وكقول موسى: (هذه الألواح كتبها الله)، وكقول أي نبي من الأنبياء: إن الله فرض كذا، وحرم كيت، وأن الله أعدّ النار لمن فعل كيت وكيت، أو أن الله أوحى إلي أن أبلغكم كذا وكذا؛ كل ذلك يستحيل أن يكون خطأً أو كذباً، بالضرورة العقلية الموجبة لعصمة الأنبياء في التبليغ عن الله، وإلا فقدت النبوة معناها، بل يصبح عدمها خيراً من وجودها. ولا يجوز أن يكون خطأً أو سهواً لاستحالة تصحيحه، لأن التصحيح يقبل الطعن فيه باحتمال الخطأ والسهو في هذا التصحيح نفسه، وهكذا يتسلسل الأمر لا إلى نهاية، فتنهار العصمة، وتفقد النبوة معناها، وتصبح لغواً وعبثاً، حاشا لله، حاشا لله.
لذلك وجب أن تكون الأخبار البلاغية، أي المصرحة بالبلاغ عن الله، تصريحاً مباشراً لا يحتمل الشك في دلالتها، صدقاً، وحقاً، لا خطأ فيها، ولا نسيان يتطرق إليها من الوهلة الأولى مطلقاً، ومن غير قيد أو شرط، بالضرورة المفاهيمية المطلقة.
ولكن ماذا عن أقوال النبي غير الصريحة في البلاغ، كقوله: «مهر البغي خبيث»، وقوله: «الحج عرفة»، ونحوه مما لا يحصى، وإشارته، وأفعاله، وأقاريره؟!
الحق أن كل ذلك، بالنسبة لنبينا محمد، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، في أقل تقدير، وحي معصوم من عند الله، لا يتطرق إليه كذب، أو خطأ، أو نسيان، بالأدلة اليقينية التالية:
v قال تعالى: }وما ينطق عن الهوى v إن هو إلا وحي يوحى{، (النجم؛ 53:23). ونحن نعلم ضرورة أنه، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، قد نطق بأشياء كثيرة جداً، لا تكاد تحصى، من أمور الدين، سوى القرآن، فلو لم يكن ذلك وحي من الله كذلك، لكان القرآن كاذباً في هذه المقولة، ولوجب ضرورة أن يكون من عند غير الله، وهذا خلاف ما فرضناه من ثبوت النبوة، وقيام قواطع الأدلة عليها (كما سيأتي في موضعه) المتضمنة كون القرآن حينئذ ضرورة من عند الله، أو لكان الله كاذباً في هذه الآية من القرآن، وهذا محال لا يجوز على الله، تبارك الله وتعالى عن ذلك علواً كبيراً!!
وقد يقول قائل: إنما عنى القرآن فقط بلفظة «ينطق»، لا غير!
فنقول: كذبت وأفكت، ليست هذه لغة العرب، فالقرآن «يتلى». والعرب تقول: «تلى» محمد القرآن، و«جاء» محمد بالقرآن، وما سمعناها تقول قط: نطق محمد «قرآناً».
ثم من أين لكم أن تحكموا أن لفظة «قرآن» لا تعني فقط سورة البقرة وآل عمران، وآية كيت وكيت، وليس كل ما هو بين الدفتين في المصحف المعروف؟! فإن جاز أن تكون لفظة «ينطق» إنما تعني «يتلو قرآناً» فقط، وليست هي على عمومها وإطلاقها، كما توجبه اللغة العربية ضرورة، هكذا تحكماً من غير برهان، فجوِّزوا كذلك أن تكون لفظة «قرآن» ليست هي على إطلاقها وعمومها لكل ما بين الدفتين، وإلا فأنتم كاذبون متناقضون، متحكمون بالهوى والباطل.
v وقال، جل من قائل: }قل: إنما أنذركم بالوحي{، (الأنبياء؛ 21:45)، وهذ صيغة حصر، يعني لا أنذركم إلا بالوحي، لا غير، وقد كان، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ينذر بكلام كثير من لفظه، أي من غير القرآن، ويتوعد بالنار على ذنوب مختلفة، ويحذر من ترك واجبات كثيرة، ويسن شرائع مختلفة، إلى غير ذلك من أنواع البلاغ والنذارة. فإن لم يكن ذلك نوع من الوحي من عند الله، لكان القرآن أيضاً كاذباً في هذه المقولة، ولوجب ضرورة أن يكون من عند غير الله، وهذا خلاف ما فرضناه من ثبوت النبوة، وقيام قواطع الأدلة عليها (كما سيأتي في موضعه) المتضمنة كون القرآن حينئذ ضرورة من عند الله، أو لكان الله كاذباً في هذه الآية من القرآن، وهذا محال لا يجوز على الله، تبارك الله وتعالى عن ذلك علواً كبيراً!!
ومن زعم أن الوحي ها هنا إنما هو القرآن فقط فقد أفك وكذب، وصادر على المطلوب، وكابر في المعلوم ضرورة من السيرة والتاريخ. بل هو مكذب للقرآن نفسه الذي سمّى، مثلاً، ما ألقي في نفس أم موسى، صلوات الله وسلامه عيها وعلى ولدها، وحياً، ونحن نعلم ضرورة أنه لم يكن قرآناً، ولا من جنسه أو لغته أصلاًً.
وهو مع ذلك قد نسب العيّ والعجز عن التعبير الصحيح إلى الله، تباركت أسماؤه. فهل في العالم أيسر من جملة: (إنما أنذركم بالقرآن) أو (إنما أنذركم بالكتاب)؟! فلما لم تأت الآية هكذا أيقنا بكذب وتناقضن من زعم أن المقصود بلفظة «الوحي» ها هنا هو «القرآن» فقط، لا غير، لا سيما أنه، جل جلاله، وسما مقامه يقول: }قُلْ: أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً؟! قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ، وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ، أَإِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى؟! قُلْ: لا أَشْهَدُ، قُلْ: إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ{، (الأنعام؛ 6:19)، فنص هاهنا صراحة على القرآن، وأن بعض مقاصد تنزيله هو النذارة، في صيغة لا تفيد الحصر، فللقرآن مقاصد أخرى، غير النذارة، كالبشارة والتذكير، والحث على التفكير والتعقل، والخبر الصادق عن الله، والتشريع، وغير ذلك كثير.
وكذلك النذارة منها القرآن، وقد تكون بغير القرآن، فما زال خطباء الجمعة ينذرون ويحذرون بكلامهم، وكذلك الشعراء بشعرهم، وهذا إنذار باجتهاد علماء وشعر شعراء، وليس بالوحي، وربما كان مستنبطاً من الوحي، وربما كان الاستنباط صحيحاً أو خطأً، وفوق ذلك وقبله: نبي الله الخاتم بالوحي، كما هو في الآية الكريمة موضع درسنا: }قل: إنما أنذركم بالوحي{، (الأنبياء؛ 21:45)!
v وقال، تباركت أسماؤه: }من يطع الرسول فقد أطاع الله{، (النساء؛ 4:80)، وقال: }وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله{، (النساء؛ 4:64)، وغيرها آيات كثيرة أمر فيها رب العزة، تباركت أسماؤه، بطاعة النبي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، طاعة مطلقة من غير قيد أو شرط؛ وجعل طاعة الرسول شرطاً للهداية، ومعصيته مفضية إلى الضلالة، مع آيات أخرى توعد فيه من يعصيه أو يعصي رسله، على حد سواء ولا فرق، بنار جهنم خالدين فيها أبداً، كما هو مثلاً:
ــ في قوله، تباركت أسماؤه: }تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ v وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَاراً خَالِداً فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ{، (النساء؛ 5:14)،
ــ وقوله: }إِلَّا بَلاغاً مِنَ اللَّهِ وَرِسَالاتِهِ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً{، (الجـن؛ 72:23)،
ــ وقوله: }لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ، وَمَنْ يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذَاباً أَلِيماً{، (الفتح؛ 48:17)،
ــ وقوله: }وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ، وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً{، (الأحزاب؛ 33:36)،
ــ وقوله: }يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً{، (الأحزاب؛ 33:71).
ــ وقوله: }قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ، وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا، وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ{، (النور؛ 24:54).
ــ وقوله: }وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ{، (المائدة؛ 5:92)
ــ وقوله: }وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ{، (التغابن؛ 64:12).
ــ وقوله: }قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ{، (النور؛ 24:54).
ــ وقوله: }يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ{، (محمد؛ 47:33).
ــ وجعل تبارك وتعالى نفسه ورسوله المرجع المطلق عند النزاع، بخلاف أولي الأمر، الذين تحصل منازعتهم، وتجوز مراجعتهم، فقضى: }يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً{، (النساء؛4:59).
ــ بل ها هو ربنا، تباركت أسماؤه، يفرد طاعة الرسول بنفسها، من غير ذكر نفسه المقدسة أصلاً، ويجعلها شرطاً للأمل في الرحمة: }وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ{، (النور؛ 24:56).
ــ كما أكّد كل ذلك بأن جعل، جل ذكره، اتباع النبي شرطاً لحصول محبته، التي هي أعلى الأماني، والإعراض عن اتباع الرسول، والتولي عن طاعته، من أصناف الكفر، فقال: }قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ v قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ{، (آل عمران؛ 3:32).
ثم زاد هذا بياناً بقوله، تعالى ذكره: }ومَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ{، (النور؛ 24:52)، فجعل الخشية والتقوى لله وحده، أما الطاعة فهي لله ورسوله، وقد تم عطف لفظ «الرسول» على لفظ «الجلالة» على نحو يشعر بتساوي المرتبة فيما يتعلق بوجوب الطاعة فقط، مع التباين المطلق بين الله، الحي القيوم، الأول الأزلي القديم بغير ابتداء، والآخر الباقي بغبر فناء أو انتهاء، بينه وبين الرسول، المخلوق الحادث الفاني.
كما أنكر جل جلاله، وسما مقامه، على من أراد أن يفرق بين الله ورسله، أو من حاول المراوغة بادعاء الإيمان ببعض والكفر ببعض، وأغلق في وجهه أبواب الفرار، حيث قال: }إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ، وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ، وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ، وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً v أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقّاً وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُهِيناً{، (النساء؛ 4:150-151).
فبين، جل وعلا، أن طاعة الرسل إنما هي بإذن الله، وأنها طاعة لله، بل هي مطابقة لطاعة الله، وأنها في نسب المرتبة، مرتبة طاعة الله، كما هو بين عطف لفظ « الرسول» على لفظ «الجلالة» على نحو يشعر بتساوي المرتبة في الحجية والإلزام.
وزاد ذلك بياناً وتأكيداً إذ أكَّد رب العزة، جل جلاله وسما مقامه، أنه لا يقبل بتاتاً التفرقة بينه وبين رسله، لأنهم منفردون بالبلاغ عن الله، معصومون بعصمة الله، فكل محاولات «دق الإسفين» بين الله وأحد من رسله فاشلة لا محالة، وهي كفر بحق، مفضي بصاحبه إلى الخسارة واللعنة الأبدية، والعذاب المهين في النار السرمدية!
ومعلوم بضرورة الحس، والعقل، والشرع أن الرسول مخلوق لله، وليس هو عين الله، ولا ذاته ذات الله، ولا إرادته إرادة الله في أصل التكوين، إو في مراتب الوجود، فلزم ضرورة أن تكون سنته تبليغاً معصوماً عن الله، أي وحياً يقينياً بالمعنى، أو ربما باللفظ، من الله. ولو جاز أن يكون شئ من ذلك من ذات النبي، من غير وحي معصوم من الله، لفقدت الرسالة معناها، وبطل الاحتجاج بها، ولم تقم لله على عباده حجة، ولا لزمتهم منه شريعة، خلافاً لنصوص القرآن الأخرى المتضافرة، فيتناقض القرآن، ويكون من عند غير الله، حاشا لله، ثم حاشا لله، وهذا خلاف ما فرضناه من ثبوت النبوة، وقيام قواطع الأدلة عليها (كما سيأتي في موضعه) المتضمنة كون القرآن حينئذ ضرورة من عند الله، أو لكان الله كاذباً في هذه الآية من القرآن، وهذا محال لا يجوز على الله، تبارك الله وتعالى عن ذلك علواً كبيراً!!
وقد يقول قائل: لعل النبي المرسل إنما أمر بذلك الأمر المعين أو نهى عن بموجب ما فطر عليه، أو تركب منه بدنه، من الخصائص الضرورية، والمعطيات الوراثية؟!
فنقول: فكان ماذا؟! هذا وحي أيضاً، لأنه ما كان سيكون على هذه الصفة المخصوصة بحيث لا يقبل ذوقه، ولا يستريح عقله إلا إلى مراد الله، كما هو معلوم على حقيقته في «نفس» الله، إلا بعلم سابق، وترتيب مقدر، وخلق بإرادة الله، وفق مشيئة الله، تشكل في بنية النبي بالتقدير التكويني القدري، الذي جاء، في هذه الحالة المخصوصة، موافقاً لمراد الله الديني التشريعي من بعثة هذا النبي المرسل، بحيث يكون النبي المرسل جاهزاً للتبليغ بلاغاً معصوماً عن مراد الله.
ولا يقولن قائل: لا تجوز تسمية هذا ومثله وحياً؟!
فنقول: كذبت وأفكت، هكذا سمَّاه الله جل جلاله عندما قال: }وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ{، (النحل؛ 16:68)، وبالضرورة نعلم أن ذلك الوحي إنما هو بجعل الله لصفات النحل، كما هي مغروسة في المورثات، على نحو معين ترتب عليه أنها تتخذ من الجبال والشجر والمعروشات بيوتاً بكيفية معينة، وذلك بالقطع ليس قرآنا يتلى، ولا حصل بنزول ملك، أو رؤية في منام، أو نفث في الروع.
فالوحي الإلاهي إذاً أنواع كثيرة: بداية بما هو مغروس في المورثات في أصل الخلقة وتكوينها، وصعوداً إلى هذا القرآن المجيد الذي هو الكلام الإلاهي المنزل بلفظه وأحرفه، المعجز في نظمه، المتعبد بتلاوته. وبينهما أنواع كثيرة: النفث في الروع، وحصول علم ضروري في النفس من غير تعلم، والرؤيا الصادقة، وتمثل الرسول الملائكي للرسول البشري ومخاطبته له مشافهة، ونزول صحف وألواح مكتوبة من السماء، وغير ذلك مما شاء الله من الأنواع. كل ذلك وحي، وكل ذلك معصوم في حق الأنبياء المرسلين، لا يتطرق إليه كذب، أو خطأ أو نسيان، وإلا لما كان للنبوة معنى، ولما وجد فرق بين النبي المرسل، والعالم المجتهد.
v وقال جل جلاله، وسمآ مقامه: }مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ؛ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ{، (الحشر؛ 59:7). وهذا أمر جازم، متبوع بالوعيد المؤكد الشديد، يقطع بوجوب أخذ كل ما أتى با النبي، بدون اسيتثناء لأن (ما) من صيغ العموم، وبدون قيد أو شرط، لورود الأمر مطلقاً غير مقيد أو مشروط.
ومعلوم بضرورة التاريخ أن النبي، عليه وعلى آله الصلاة والسلام، لم يأت بذهب ولا فضة، ولم يكن تاجراً يجلب البضائع إلى الأسواق، ولا هو ملك مستبد متسلط يوزع الأعطيات والمنح والمناصب والإقطاعيات على محسوبيه. كلا، والله: لم يأت بشئ من ذلك إلا بقليل لا يذكر، وإنما أتى بما لا يحصى من الأخبار عن الله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وأحوال الساعة وأشراطها، وأنباء النبيين وأممهم السابقة، وأتى بالموعظة بشتى أشكالها من الخطب والقصص وضرب الأمثال، وغير ذلك من فنون الموعظة، وأتى بكثير من الأوامر والنواهي، والتوجيه والنصح والإرشاد، وتلفظ بأصناف من الحكمة البالغة، والمثل السائر.
كل ذلك أتى به نبي الله، عليه وعلى آله صلوات وتسليمات وتبريكات من الله، فأخذه فريضة لازمة لا هوادة فيها، بنص القرآن: كل صنف بحسبه:
(1) فأخذ الخبر يكون بتصديقه والاستسلام له، والتدين، أي التقرب من الله وطلب رضوانه، بذلك الاستسلام والتصديق،
(2) وأخذ الأمر يكون بطاعته والامتثال له، في حدود الطاقة والاستطاعة،
(3) وأخذ النهي يكون بالارتداع عما نهي عنه،
(4) وأخذ غير ذلك بحسبه أيضاً، فإذا أقطعك أرضاً فخذها وتملكها حلالاً طيباً، هنيئاً مريئاً، وإذا أعطى غيرك، ولم يعطك، فافرح بذلك لذلك المحظوظ، واغبطه ولا تحسده عليه، ولا يخطرن ببالك أن ذلك كان محاباة أو ظلماً، حاشا لله،
وكل ذلك حق من عند الله، لأنه من المحال الممتنع أن يأمر الله بتصديق الخبر الكاذب، أو طاعة أمر لم يأمر به هو، تعالى ذكره، أو الامتناع عن شئ لم ينه عنه هو، جل جلاله.
قوله، جل جلاله، وسما مقامه: }وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا{، هو ضرورة بعض ما اشتمل عليه قوله: }وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ {، فهو من باب إضافة الخاص على العام، والجزء على الكل. فهذا التكرار جاء للتأكيد على مقاصد تشريعية وبلاغية منها:
(1) أهمية الانتهاء والارتداع عما نهى عنه نبي الله، عليه وعلى آله صلوات وتسليمات وتبريكات من الله، بدون اشتراط القدرة والاستطاعة، لأن الانتهاء عن المنهيات موقف سلبي، أي هو عدم فعل، وهذا مقدور لكل أحد؛
(2) إبطال أي شبهة بأن قوله: }وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ {، قد يعني شيئاً آخر غير الأخبار والأوامر والنواهي، أو قد تعني النص القرآني فحسب. ولما كانت النواهي قد ذكرت مستقلة على وجه التصريح، لزم أن تكون جملة }وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ {، شاملة للنواهي، وما هو من جنسها، مما يصلح أن يقال عنه أن الرسول أتى به، أي شاملة للأخبار والأوامر، وكذلك ربما لغير ذلك.
وجملة }وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ { هي بداهة، وبطبيعة الحال، شاملة للنص القرآني، من باب أولى: فإذا قال الرسول: هذا قرآن، قلنا: سمعاً وطاعة، وأخذناه قرآناً، وأثبتناه في المصحف، بين الدفتين، وإذا قال: هذه الآية التي كانت قرآناً، قد رفعها الله، ونسخ لفظها، فأخرجوها من المصحف، ولا تتلوها من بعد، قلنا: سمعاً، وطاعة، وشطبنا عليها من المصحف، وهكذا أبداً: ما أتانا الرسول أخذناه، وما نهانا عنه اجتنبناه.
v وقال، جل من قائل: }إن اتبع إلا ما يوحى إلي{، (الأنعام؛ 6:50)، وهذ صيغة حصر كذلك، يعني لا أتبع إلا الوحي، لا غير، والاتباع يكون بالأقوال والأفعال، وإن كان استخدامه في الأفعال أكثر وأوضح.
وقد كان، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، يفعل أفعالاً كثيرة لم يرد لها ذكر في القرآن أصلاً، كتقبيله لنسائه ومباشرته لهم، إلا الجماع في الفرج، وهو صائم، وكذلك فعله نحو هذا معهن وهن في حالة الحيض: يفعل كل شئ إلا الجماع في الفرج، وكان أيضاً يقول أقوالاً كثيرة من لفظه، أي من غير القرآن، فإن لم يكن ذلك نوع من الوحي من عند الله، لكان القرآن أيضاً كاذباً في هذه المقولة، ولوجب ضرورة أن يكون من عند غير الله، وهذا خلاف ما فرضناه من ثبوت النبوة، وقيام قواطع الأدلة عليها (كما سيأتي في موضعه) المتضمنة كون القرآن حينئذ ضرورة من عند الله، أو لكان الله كاذباً في هذه الآية من القرآن، وهذا محال لا يجوز على الله، تبارك الله وتعالى عن ذلك علواً كبيراً!!
وقد أسلفنا بيان استحالة كون لفظة «الوحي» مرادفة للفظة «القرآن»، بحيث يكون كل وحي قرآناً، هذا محال كما سبق إيضاحه. علي أن جملة (إن أتبع إلا القرآن) لا تقل حسناً أو بلاغة عن قوله تعالى: }إن اتبع إلا ما يوحى إلي{، فإذ لم ترد هكذا علمنا يقيناً أن الله أراد بجملة: }ما يوحى إليَّ{، شيئاً آخر غير «القرآن» فقط. ولما كان القرآن، ضرورة، من جملة ما يصدق عليه }ما يوحى إلي{، جاز أن يكون هناك وحي غير القرآن، زيادة على القرآن.
v وقال تعالى: }لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر، وذكر الله كثيراً{، (الأحزاب؛ 33:21)، هكذا على الإطلاق، بدون قيد أو شرط، ولكنه قال في حق إمام الحنفاء، وسيد الأتقياء إبراهيم الخليل، صلى الله عليه وعلى آله وسلم: }قد كان لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا بردآؤ منكم، ومما تعبدون من دون الله، كفرنا بكم، وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبداً، حتى تؤمنوا بالله وحده، إلا قول إبراهيم لأبيه: لأستغفرن لك ...{، (الممتحنة؛ 60:4)، فجعله أسوة حسنة فقط في موضوع «البراءة» من قومه إذ أصروا على الكفر، وجاهروا بالعداوة ومحاولات القتل، وحتى هذه «الأسوة الحسنة» المخصوصة لم تأت من غير قيد ولا شرط، بل استثني منها استغفار إبراهيم لأبيه!
مع أنه جل وعلا ذكر له في استغفاره لأبيه عذراً وجيهاً مقبولاً، وأثنى عليه في التوقف عن الاستغفار، بعد انقطاع العذر، قال تباركت أسماؤه: }وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه، فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه! إن إبراهيم لأواه حليم{، (التوبة؛ 9:114)، ومع ذلك فقد استثنى الحق، تبارك وتعالى، من حسن الأسوة، والاقتداء بإبراهيم، استغفاره لأبيه، وقد كان محسناً معذوراً فيه، وايم الله، وما فعل حراماً، ولا ارتكب معصية، وإنما خالف الأولى، لا غير، قاصداً الخير، قائماً بفريضة بر والده، وكان تصرفه على الإباحة والرخصة الأصلية، ولم يكن أمر بعد بخلاف ذلك، ثم امتنع من ذلك عندما جاءه الأمر صريحاً!
وعلى الضد التام من ذلك لم يرد في الكتاب العزيز، ولا حرف واحد، يدل على استثناء إمام النبيين، وسيد المرسلين، خليل رب العالمين، محمد بن عبد الله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، المصطفى المختار، من حسن الائتساء به، أو وجوب الاقتداء بهديه، فثبت قطعاً ضرورة أنه الأسوة الحسنة، والقدوة المعصومة، مطلقاً ومن غير قيد أو شرط، في كل قوله وفعله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم!
فمجموع هذين النصين: }إن اتبع إلا ما يوحى إلي{، (الأنعام؛ 6:50)، و}لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر، وذكر الله كثيراً{، (الأحزاب؛ 33:21)، مع تأكيدها بقوله، جل ذكره: }قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ v قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ{، يوجب أن تكون أفعاله وحياً معصوماً، صالحة أن تكون أسوة حسنة، بدون قيد أو شرط.
إلا أن طبيعة الفعل، وكونه عادة ليس في درجة القول من البيان والقطعية توجب فقط أن: (ما يفعله النبي، عليه وعلى اله الصلاة والسلام، يستحيل أن يكون حراماً على أمته)، لذلك يجوز لهم الائتساء به بفعل مثل ما فعل من غير حرج ولا نكير. إلا أن الفعل المجرد لا يدل على وجوب ولا استحباب أو إباحة مجردة، إلا بقرينة تبين ذلك. ولكن لا يتصور أنه، عليه وعلى اله الصلاة والسلام، يفعل مكروها إلا ومعه قرينة تبين أنه إنما فعله لبيان عدم المؤاخذة على الفعل، وإن كان الترك أولى، هذا بعض ما يقتضيه كونه (أسوة حسنة).
وكذلك، لما أسلفنا قريباً، وبضرورة الحس والعقل، يجب أن يكون: (الترك إنما هو برهان قاطع فقط على عدم وجوب الفعل المتروك على أمته)، ثم لا بد من قرينة لبيان الحرمة، أو الكراهية أو الإباحة المحضة. ولكن لا يتصور أنه، عليه وعلى اله الصلاة والسلام، يترك مستحباً إلا ومعه قرينة تبين أنه إنما تركه لبيان عدم المؤاخذة على الترك، وإن كان الفعل أولى، أو حتى لا يشق على أمته، أو لاعتبارات أخرى ستأتي في فصل مستق، إن شاء الله تعالى. هذا بعض ما يقتضيه كونه (أسوة حسنة).
فمن المحال الممتنع أن يفعل النبي، عليه وعلى اله الصلاة والسلام، ما هو حرام على أمته، أو أن يترك ما هو واجب على أمته. ولكن يجوز أن يفعل ما هو خلاف الأولى في حق أمته من ترك مستحب أو فعل مكروه فيكون هذا «ذنباً» فيما بينه وبين الله، مع كونه ليس كذلك في حق غيره من أفراد أمته.
هذا هو المعنى الوحيد الممكن الذي تنسجم به النصوص المحكمة آنفة الذكر، وما هو من بابها، الموجبة قطعاً لعصمة أقواله وأفعاله، مع بعض النصوص المتشابهة، التي أشكلت على بعض الناس، وفي مقدمتها، قوله، جل ذكره: }لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطاً مُسْتَقِيماً{، (الفتح؛ 48:2)، وكذلك عتاب الله له في إعراضه عن الأعمى: }عبس وتولَّى v أن جاءه الأعمى{، وما جرى مجرى ذلك، كله كما بيناه آنفاً، وكما تبينه وتشهد به الأحاديث التالية:
v كما جاء في «صحيح مسلم»: [حدثنا يحيى بن يحيى وقتيبة بن سعيد وأبو الربيع العتكي جميعا عن حماد قال يحيى أخبرنا حماد بن زيد عن ثابت عن أبي بردة عن الأغر المزني وكانت له صحبة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إنه ليغان على قلبي وإني لأستغفر الله في اليوم مائة مرة»]، وهو بنحوه في «سنن أبي داود»، وهو في «مسند الإمام أحمد بن حنبل» من عدة طرق صحاح، وهو كذلك في «السنن الكبرى» من طرق كثيرة، وهو في «سنن البيهقي الكبرى»، وهو كذلك في «المعجم الكبير» من طرق كثيرة نادرة حسان، وهو كذلك في «الآحاد والمثاني» وفي «المنتخب من مسند عبد بن حميد»، وفي «شرح معاني الآثار»، ولعله في غيرها.
ــ وهو كذلك في «صحيح ابن حبان»، وقال الشيخ شعيب الأرناؤوط: (إسناده صحيح)، وعقَّب الإمام أبو حاتم بن حبان قائلاً: [قوله صلى الله عليه وسلم إنه ليغان على قلبي يريد به يرد عليه الكرب من ضيق الصدر مما كان يتفكر فيه صلى الله عليه وسلم بأمر اشتغاله كان بطاعة أو اهتمامه بما لم يعلم من الأحكام قبل نزولها كأنه كان يعد صلى الله عليه وسلم عدم علمه بمكة بما في سورة البقرة من الأحكام قبل إنزال الله إياها بالمدينة ذنبا فكان يغان على قلبه لذلك حتى كان يستغفر الله كل يوم مائة مرة لا أنه كان يغان على قلبه من ذنب يذنبه كأمته صلى الله عليه وسلم]
v وجاء في «المعجم الكبير»: [حدثنا محمد بن محمد الجذوعي القاضي قال سمعت العباس بن الوليد النرسي يقول: (سألت أبا عبيدة معمر بن المثنى عن تفسير قوله: «إنه ليغان على قلبي»، فلم يفسره لي، وسألت الأصمعي عنه فلم يفسره]
قلت: رحم الله الإمامين الورِعين: أبا عبيدة مَعْمَر بن المُثَنَّى، وعبد الملك بن قُرَيْب الأصْمَعي إذا امتنعا عن الكلام بغير علم.
قلت: الـ«غين» هو السحاب الرقيق الذي يستر ذات الشمس دون ستر ضوئها، بخلاف الـ«غيم» الذي هو السحاب الكثيف، فكأنه، عليه وعلى آله الصلاة والسلام، يستغفر الله من أدنى أحوال غفلة القلب.
v وجاء أيضاً في «سنن أبي داود» بإسناد صحيح: [حدثنا الحسن بن علي ثنا أبو أسامة عن مالك بن مغول عن محمد بن سوقة عن نافع عن بن عمر قال: (إن كنا لنعد لرسول الله صلى الله عليه وسلم في المجلس الواحد مائة مرة: «رب اغفر لي، وتب علي إنك أنت التواب الرحيم»]، وقال الألباني: صحيح، وهو في «مسند الإمام أحمد بن حنبل»، وهو كذلك في «السنن الكبرى»، وفي «المنتخب من مسند عبد بن حميد»، وفي غيرها.
v وجاء أيضاً في «سنن ابن ماجه» بإسناد جيد: [حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ثنا محمد بن بشر عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم مائة مرة»]، وقال الألباني: (حسن صحيح)، وهو كذلك في «السنن الكبرى»،
ــ وهو في «المعجم الصغير» من طريق نادرة: [حدثنا إبراهيم بن محمد الغزالي البصري المعدل حدثنا خلاد بن أسلم المروزي حدثنا النضر بن شميل أنبأنا حماد بن سلمة عن عاصم بن بهدلة عن أبي صالح عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إني لأستغفر الله في اليوم وأتوب إليه في كل يوم مائة مر»]، وقال الإمام الطبراني: (لم يروه عن عاصم إلا حماد بن سلمة تفرد به النضر)، قلت: فكان ماذا، هاذان كلاهما ثقة مأمون، حجة إمام.
ــ وهو في «شرح معاني الآثار» من طريق نادرة أخرى: [حدثنا بن أبي داود قال ثنا خطاب بن عثمان وحيوة بن شريح قالا ثنا بقية بن الوليد عن الزبيدي عن الزهري عن عبد الملك بن أبي بكر بن الحارث بن هشام عن أبي هريرة أنه كان يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إني لأتوب في اليوم مائة مرة»، وقال أنس إنما قال: «سبعين مرة»]
v وجاء أيضاً في «السنن الكبرى» للإمام النسائي: [أخبرنا قتيبة بن سعيد حدثنا أبو الأحوص عن أبي إسحاق عن أبي المغيرة قال قال حذيفة شكوت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ذرب لساني فقال: «أين أنت من الاستغفار؟! إني لأستغفر الله كل يوم مائة مرة»]
فثبت بذلك قولنا بلا شبهة: أن «ذنوب» النبي، عليه وعلى آله الصلاة والسلام، ليست هي ارتكاب ما هو «حرام» على «أمته»، وإنما هي كلها من باب خلاف الأولى: ترك مستحب شرعه الله مستحباً لأمته، أو فعل مكروه مما كره الله لأمته. ومن المحال الممتنع شرعاً وعقلاً أن تكون ترك «واجب على أمته»، أو فعل «حرام على أمته»!
v وقال، تبارك وتعالى، مجيباً موسى، صلى الله عليه وسلم، عندما اعتذر عن قومه، وطلب الصفح والمغفرة، بعد أن أخذتهم الرجفة: }...، قال: عذابي أصيب به من أشاء، ورحمتي وسعت كل شيء، فسأكتبها للذين يتقون، ويؤتون الزكاة، والذين هم بآيتنا يؤمنون v الذين يتبعون الرسول النبي الأمِّي الذي يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل: يأمرهم بالمعروف، وينهاهم عن المنكر، ويحل لهم الطيبات، ويحرم عليهم الخبائث، ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي التي كانت عليهم؛ فالذين آمنوا به، وعزروه، ونصروه، واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون v قل: يا أيها الناس! إني رسول الله إليكم جميعاً، الذي له ملك السماوات والأرض، لا إله إلا هو، يحيي ويميت؛ فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمِّي الذي يؤمن بالله وكلماته، واتبعوه لعلكم تهتدون{، (الأعراف؛ 7:156- 158). وهذه البشارة بالنبي الأمي، الذي يساوي موسى في الدرجة (أو يزيد)، والذي سيقيمه الله لبني إسرائيل (وغيرهم) من بني إخوانهم (أي من نسل إسماعيل، أخي إسحاق، جد بني إسرائيل)، ما زالت محفوظة في سفر التثنية، أحد أسفار التوراة، حفظتها العناية الإلاهية من يد التحريف والعبث والتزوير التي طالت أكثر الكتب الأولى!
وقد نص الله فيها صراحة على أنه، أي الرسول النبي الأميّ، صلوات الله وسلامه وتبريكاته عليه وعلى آله: }يأمرهم بالمعروف، وينهاهم عن المنكر{، هكذا بإطلاق: ينهى عن «المنكر»، أي عن جنس المنكر، أي عن كل فرد من أفراد المنكر. لذلك وجب أن ينكر، صلى الله عليه وعلى آله وبارك وسلم تسليماً، كل منكر يراه أو بلغه، بقول، أو إشارة واضحة تدل على الإنكار، لا تحتمل الشك، أو فعل مبين، يدل على الإنكار، ولا يحتمل الشك. فإن أقر أمراً وجب ضرورة أنه ليس بمنكر، أي ليس بحرام. ثم يعرف هل هو: مكروه، أو مباح محض، أو مستحب مندوب، أو فريضة واجبة من بيان آخر زائد على مجرد الإقرار، ولكنه قطعاً ليس بحرام على أمته، ولا هو من الباطل. فعلمنا بذلك يقيناً أنه لا يسكت على باطل أو حرام، ولا يقر إلا حقاً، وإلا كان قول الله كاذباً، ووعده خائساً، تعالى الله عن ذلك علوَّاً كبيراً!
كما قال تقدست أسماؤه: }يا أيها الرسول! بلِّغ ما أنزل إليك من ربك، وإن لم تفعل فما بلغت رسالته، والله يعصمك من الناس، إن الله لا يهدي القوم الكافرين{، (المائدة؛ 5:67). وقد ثبت أنه، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، صرف الحراس، ولم يعد يُحْرَس بعد ذلك، ولم يكن له بواب، حتى لحق بالرفيق الأعلى، إذ عصمه الله أن يطاله أحد بسوء:
v كما جاء في «المستدرك على الصحيحين»: [حدثنا عبد الصمد بن علي البزاز ببغداد أنبأ أحمد بن محمد بن عيسى القاضي حدثنا مسلم بن إبراهيم حدثنا الحارث بن عبيد حدثنا معبد الجريري عن عبد الله بن شقيق عن عائشة رضي الله تعالى عنها، قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم يحرس حتى نزلت هذه الآية: }والله يعصمك من الناس{، فأخرج النبي صلى الله عليه وسلم رأسه من القبة فقال لهم: «أيها الناس انصرفوا فقد عصمني الله»]، وقال الحاكم: (هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه)، وقال الذهبي في التلخيص: (صحيح)، وهو أيضاً في الترمذي، وحسنه الألباني، وفي «سنن البيهقي الكبرى»، وغيرها.
فإن كان محمد رسول الله، ونحن نشهد أنه رسول الله حقاً، وصدقاً، فأي شئ يجعله يسكت على باطل، أو يقر حراماً، وقد عصمه ربه، وحرسه من كافة الخلق، فلا يصل إليه أحد بأذى؟! وهل يمتنع أكثر الناس من الصدع بالحق إلا لخوفهم من الأذى؟! فازددنا بذلك علماً، وإيماناً، ويقيناً أنه لا يسكت على باطل أو حرام، ولا يقر إلا حقاً!
v على أن هناك العديد من الأحكام العينية إنما ثبتت بالسنة فقط لحظة تشريعها، ولكن القرآن العظيم أشار إليها في مناسبة أخرى، ونص على كونها من تشريع الله، أو على كونها ملزمة بنفس درجة إلزامية ما جاء نصاً في القرآن، أو نحو ذلك، فمن ذلك:
(1) استقبال القبلة الأولى (ونحن نعلم بالضرورة من التاريخ أنها كانت «بيت المقدس»، ولكن هذا لا يهم ها هنا) لم يرد في القرآن مطلقاً النص بتشريعها، وإنما كان ذلك بأمر النبي، عليه وعلى آله الصلاة والسلام، ولكن كونها كانت قبلة ملزمة لا بد من استقبالها، وأن ذلك بجعل الله لها كذلك، جاء في معرض الكلام عن نسخها، وفرض استقبال المسجد الحرام بدلاً منها، حيث قال، تباركت أسماؤه: }وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَحِيمٌ{، (البقرة؛ 2:143). والآية نص صريح على أن القبلة الأولى إنما كانت بـ(جعل من الله).
(2) توبيخ الله، جل جلاله، للمؤمنين على انصرافهم عن النبي، عليه وعلى آله الصلاة والسلام، حال إلقائه خطبة الجمعة واقفاً، يدل دلالة قاطعة على أنهم لم يفعلوا مباحاً، لأن المباح لا توبيخ عليه، فلا بد أنهم ارتكبوا حراماً. مع أنه لم يرد في القرآن ذكر للجمعة مطلقاً قبل ذلك، فإيجابها أو استحبابها إنما كان ضرورة بالسنة، وليس بنص القرآن. نعم جاء القرآن بتأكيد وجوبها في نفس السياق من القرآن التي تضمنت التوبيخ، إلا أن الأمر الأول كان سابقاً، بالقطع، على نزول تلك القطعة من القرآن.
ومعلوم كذلك أن الأذان كان يستعمل للنداء للجمعة، وكذلك لغيرها من صلوات الجماعة، قبل نزول الآيات، وقد أشير إليه فيها على أنه الطريقة المستقرة المشروعة، فمتى نودي للجمعة، وجب السعي إليها وترك البيع: }يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ v فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ v وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِماً قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ{،(الجمعة؛ 62:9-11).
(3) وبعد الكارثة التي أصابت المسلمين في معركة أحد، وانسحاب الجيش القرشي، ثم ندم أبي سفيان، زعيم قريش، على أنه انسحب قبل الإجهاز على المسلمين، وتفكيره بإعادة الكرة عليهم لاستئصالهم، بعد تلك الكارثة استنفر النبي، عليه وعلى آله الصلاة والسلام، المسلمين رغم مصابهم وجراحاتهم لمطاردة الجيش القرشي، وقطع المسلمون بالفعل مسافة لا بأس بها، فبلغت الأنباء لأبي سفيان، ودب في قلبه الرعب، وآثر العودة إلى مكة، وعاد المسلمون سالمين من غير قتال ولا جراحات جديدة. وقد أثنى الله على أولئك الذين استجابوا للنفير بالرغم من إصابتهم، فقال: }يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ v الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ{، (آل عمران؛ 3:171-172)، فجعلهم مستجيبين لله والرسول، مع أن الاستنفار إنما كان بكلام من النبي، ولم ينزل به قرآن، ولا حرف واحد.
(4) وعندما تضجر بعض المنافقين من كيفية توزيع النبي للزكاة، وتكلموا في النبي، عليه وعلى آله الصلاة والسلام، ولمزوه وعابوه، أنزل الله فضيحتهم، فقال: }وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ v وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ{، (التوبة؛ 9: 58-59)، وهذا نص صريح أن ما أعطاهم النبي، إن كان أعطاهم شئاً، هو حقهم المشروع كما هو مراد الله، جل جلاله، وعطيته، لذلك قال: }مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ{، فعطية النبي إذاً هي عطية الله، مع أننا نعلم ضرورة أنه لم ينزل بها قبل ذلك قرآن، فهي إذا بنيت على وحي غير القرآن.
(5) وقال جل جلاله: }وإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثاً فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ، عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ، فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ{، (التحريم؛ 66:3)، وليس في القرآن، ولا حرف واحد، من ذلك الحديث الخاص الذي أعلم الله نبيه به. هذا برهان قاطع على أنه، عليه وعلى آله الصلاة والسلام، قد جاءه وحي من الله، غير القرآن، ولو في هذه الحالة الخاصة.
(6) وقال تباركت أسماؤه: }أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى v عَبْداً إِذَا صَلَّى v أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى){، (العلق؛ 96: 9-11)، في سورة مكية قديمة، آياتها الفاتحة هي أو ما نزل من القرآن، على القول الصحيح المشهور، وفيها البرهان القاطع على أنه، عليه وعلى آله الصلاة والسلام، كان يصلي فأنكر عليه بعض رؤوس الكفر من قريش صلاته التي لم يعهدوها. فالصلاة كانت إذاً مشروعة، وجوباً أو استحباباً، كصلاتنا هذه اليوم، أو بصورة أولى منسوخة، قبل نزول هذه الآيات، وهي من أول ما نزل، وليس في الآيات قبلها ذكر الصلاة أصلاً، فوجب أن يكون ابتداء تشريع الصلاة، وهي عمود الدين، بالسنة، أي بوحي خارج القرآن، ثم تتابع القرآن، وتواترت السنة بعد ذلك بتأكيد وجوبها، وتعظيم شأنها، وتفصيل أحكامها، واستكمال شرائعها. ولعل تلك الصلاة التي نهى رأس الكفر أبو جهل عمرو بن هشام عنها كانت مستحبة، وذلك قبل فريضة الصلاة يوم المعراج!
(7) وقبيل وقعة بدر الكبرى أمر الله رسوله بالخروج، بالرغم من كراهية بعض المؤمنين الشديدة لذلك، وتخوفهم من مغبة مصادمة قريش، الدولة الأعظم آنذاك في جزيرة العرب، لا سيما بعد ورود أخبار بخروج الجيش القرشي، فامتن الله عليهم بالوعد بالظفر بالقافلة أو بالجيش القرشي. كل ذلك وحي خارج القرآن، وليس في القرآن منه حرف واحد، ثم أرخه الله بعد نهاية المعركة في نص القرآن، حيث قال، تقدست أسماؤه: }كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ v يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ v وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ{، (لأنفال؛ 8: 5-7)
فثبت من البراهين آنفة الذكر ثبوتاً قطعياً، من نصوص القرآن وحده، وبضرورات الحس والعقل، بدون اعتماد أي نص من السنة، إلا من بعض نصوص السنة التي أوردناها على وجه المتابعة والاستئناس، وليس على وجه البرهنة والاستدلال، أنه، عليه وعلى آله الصلاة والسلام، معصوم في التبليغ عن الله في أقواله وأفعاله وإقراراته: كل ذلك وحي معصوم من عند الله.
فليس الوحي الذي أنزل على محمد، عليه وعلى آله الصلاة والسلام، هو فقط القرآن المجيد، الذي هو كلام الله المنزل بلفظه وأحرفه، المتعبد بتلاوته، المعجز بنظمه، بل هو شامل لسنته الشريفة، التي هي مجموع أقواله وأفعاله وأقاريره، بأبي هو وأمي، عليه وعلى آله الصلاة والسلام.
والوحي، لا فرق بين قرآن وسنة، في درجة واحدة من الإلزامية والحجية، فقوله، تباركت أسماؤه: }ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلاً من ربكم{، يعني تعاطي التجارة في مواسم الحج، أو قوله: }ولكم نصف ما ترك أزواجكم إن لم يكن لهن ولد{، حجة قاطعة ملزمة إلى يوم القيامة الكبرى، تماماً كقوله، عليه وعلى آله الصلاة والسلام: «لا وصية لوارث» أو قوله في تحديد الحد الأعلى للوصية: «الثلث، والثلث كثير»، حجة قاطعة ملزمة أيضاً إلى يوم القيامة الكبرى، وذلك بغض النظر عن كون المثالين الأوليين وحياً باللفظ، وقرآناً يتلى في الصلاة، من كلام خالق البشر، والأخرى من لفظ النبي، عليه وعلى آله الصلاة والسلام، وهو مخلوق بشر.
فالفضل العظيم الذي يستحقه القرآن الحكيم، وقدسيته الخاصة، وارتفاع مكانته على مرتبة السنة من حيث كونه كلام الله المنزل بلفظه وأحرفه، المتعبد بتلاوته، المعجز بنظمه، كل ذلك، وهو حق لا شك فيه:
ــ قضية مستقلة، تمام الاستقلال، عن كون الوحي، قرآناً وسنة، مرتبة واحدة من حيث الحجية والإلزامية،
ــ وهاتان قضيتان مستقلتان عن جواز نسخ القرآن بالسنة أو عدم جواز ذلك.
ــ هذه قضايا مختلفة متباينة، لا يجوز خلط بعضها ببعض، وإلا حصل الخلل الجسيم، بل الضلال البعيد، الذي، أي الضلال البعيد، هو الكفر، عياذاً بالله تبارك وتعالى!

u فصل: بعض ما يجوز على الأنبياء، وما لا يجوز عليهم
ولعله من المناسب هنا، بناءً على ما سبق، تلخيص ما يجوز للأنبياء، وبخاصة نبينا محمد، عليه وعلى اله الصلاة والسلام، وما لا يجوز من جوانب القصور الإنساني الطبيعي:
(1) يجوز عليه، وعلى إخوانه من الأنبياء السابقين، ما يجوز على سائر البشر من من ظهور العدو وانتصاره عليهم، والتعرض للأذى، والإهانة، والتعذيب، والسجن، والإخراج من الوطن، وقطع الأطراف، والقتل، وغيره. وقد وقع كثير من ذلك عياناً، ومقتل يحيى بن زكريا، صلوات الله وسلامه عليهما، إرضاءً لعاهرة، مشهور معروف! وعصم بعض الأنبياء من ذلك: مثل موسى وهارون، صلوات الله وسلامه عليهما، من أول أمرهما، ونبينا محمد، صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله، في أواخر العهد المدني عندما عُصِم أخيراً من الناس: فصرف الحرس، وكان قبل ذلك يُحْرَس، وقد تعرض قبل ذلك للأذى فرجمه سفلة ثقيف بالحجارة حتى أدموه، وألقى سفهاء قريش على ظهره الشريف القذر، وشج رأسه، وكسرت رباعيته يوم أحد، إلى غير ذلك من أنواع الأذى، قبل عصمته من الناس!
(2) ويجوز عليه، وعلى إخوانه من الأنبياء السابقين، ما يجوز على سائر البشر من المرض في البدن بكل أنواعه، خفيفاً أو شديداً، منفراً أو غير منفر، إلا ما يمن الله على بعضهم بالسلامة منه، كأمن نبينا محمد، صلوات الله وسلامه عليه، أن يصاب بذات الجنب، ونحوه. بل لعل ابتلاء الأنبياء بالوعك والألم أشد، حتى يقتدي بهم، ويتسلى بمصابهم أشد المبتلين.
أما مرض العقل أو النفس فلا يجوز عليهم، لأن ذلك يقتضي «رفع القلم» وسقوط التكليف، ولأن النبوة تقتضي، ضرورة، سلامة العقل والنفس، بل وكمالهما!
(3) ويجوز عليه، وعلى إخوانه من الأنبياء السابقين، بداهة سائر المصائب الكونية من فقد الأهل والأحبة، وذهاب الأموال، وضيق ذات اليد، بل والفقر، وقلة الناصر، وخذلان الأهل والعشيرة، بل لعل ابتلائهم بذلك أشد من ابتلاء غيرهم به، فيكون في ذلك العزاء لأهل البلاء من غيرهم، والقدوة في الصبر الجميل بِمَثَلِهم.
(4) ويجوز عليه، وعلى إخوانه من الأنبياء السابقين، إدراك الواقع المحسوس مباشرة، أو المنقول إليهم رواية، على خلاف حقيقته، التي هو عليها في نفسه، بكل سبب ممكن يحدث به ذلك عند سائر البشر:
(أ) كخداع حواس، أو تخييل بشعوذة، أو خفة يد أو سحر: }فخيل إليه من سحرهم أنها تسعى{، وكذلك لمرض بدني يفسد ذوق الطعام، أو الاحساس بالحر والبرد.
(ب) أو لكذب الرواة أو خطئهم، وكذلك الشهود في مجلس القضاء، أو تزوير الوثائق، أو بسبب الأيمان الكاذبة، وغيره. أو لعدم وجود البينات الازمة لإثبات الحق، مع ثبوته في نفس الأمر في علم الله، وما شاكل ذلك.
فهذا أفضل رسل الله، خاتمة أنبياء الله، المعصوم بعصمة الله، عليه وعلى آله صلوات وتسليمات وتبريكات من الله، لم يعصم من أن يخدع بكذب كاذب، أو يحكم بالظاهر بناءً على شهادة فاجر، أو حسن بيان محاجج جدلي ماهر:
v لما ثبت من قوله، عليه وعلى آله الصلاة والسلام: «إنما أنا بشر، وإنه يأتيني الخصم، فلعل بعضكم أن يكون أبلغ (وفي رواية: ألحن) من بعض، فأحسب أنه صدق، فأقضي له بذلك! فمن قضيت له بحق مسلم فإنما هي قطعة من النار فليأخذها أو فليتركها»، كما هو في حديث غاية في الصحة، أخرجه البخاري، وهذا لفظه، والإمام مالك، وأحمد، وأبو داود وغيرهم بأسانيد غاية في الصحة، تقوم بها الحجة اليقينية القاطعة. وهذا الحديث يؤكد عدة حقائق في غاية الأهمية أن الباطل قد يحسن صاحبه عرضه، والتدليل عليه، حتى ينخدع به المعصوم، عليه وعلى آله الصلاة والسلام، نفسه، فمن باب أولى قد يحصل بلا شك لمن هو دونه من الناس.
لذلك كان إخبار الأنبياء عن أمور «الدنيا»، أي الواقع المحسوس، خواصه العامة، وحوادثه العينية، كإخبار سائر البشر محتملاً للصواب والخطأ، لا سيما ما كان بصيغة الشك أو الظن: كقوله، صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله، عن تأبير النخل: «ما أظن ذلك يغني شيئاً» أو «لو لم يفعلوا لصلح»، ونحوه.
وكثير مما يسميه الناس زوراً وبهتاناً «الطب النبوي»، ونحوه. وهذا الباب يحتاج إلى تدقيق واحتياط شديد حتى لا ينسب إلى الوحي ما ليس منه، فيكون كذباً، وقولاً على الله بغير علم، وهو جريمة شنعاء؛ ولا يخرج منه ما هو منه: فيضيع علم صحيح، وخير كثير.
(5) ويجوز عليه، وعلى إخوانه من الأنبياء السابقين، ترك الأنسب من المباحات، واختيار غيره، وكله مباح محض، كاختيار موقع معين للقتال، أو اسلوب إداري معين، أو استخدام آلة دون آلة أخرى، وغيره أنسب لتحقيق الغرض، وقد يوفق أهل الخبرة من غيرهم إلى ما هو أنسب، فيرجع النبي إلي قولهم، ويترك اختيار نفسه، كما كان من الحباب بن المنذر في موقعة بدر الكبرى، وكلامه المشهور عن تغيير موقع الجيش. ولا شك أن النبي، صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله، يبذل الجهد، ويستفرغ الوسع، كسائر عقلاء البشر، بل أشد، للوصول إلى الأنسب في ذلك، وقد يسمّي بعض الناس ذلك اجتهاداً، وهو كذلك بلا شك لغة، وليس هو الاجتهاد بالمعني الاصطلاحي، الذي لا يجوز على النبي، كما سيأتي.
(6) قد يقع منه، ومن إخوانه من الأنبياء السابقين، ما هو خلاف الأولى شرعاً، أي فعل ما هو مكروه شرعاً، أو ترك ما هو مستحب شرعاً، لأسباب منها:
(أ) لبيان الحكم التشريعي، بعد ورود نهي، أي أنه مكروه: يثاب تاركه، ولا يعاقب فاعله، وليس حراماً. وكذلك بالمثل بالنسبة للمستحبات، ولا يكون ذلك كله إلا بوحي من الله، معصوم.
وحكمة ذلك، والله أعلم، أن من البشر أصنافاً من أهل الغلو والتنطع لا يقنعهم إلا البيان العملي مقروناً بالبيان اللفظي، كما أن ثمة أنواع من الأحكام لا يكتمل بيانها إلا بالفعل، لا باللفظ.
(ب) لغلبة جانب الرحمة، كفعل النبي، صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله، في مسألة أسرى بدر؛
(ج) أو لغلبة جانب الحرص على مصلحة الدعوة، وإيصالها إلي أهل المنعة والقوة، كفعله في قصة: }عبس، وتولَّى{.
هذان النوعان، (ب) و(ج)، وكذلك:
(1) ما قد يقوم بنفسه الشريفة من الهم بغير الحق،
(2) والدعاء على من لا يستحق على عادة العرب، كقول: عقرى، حلقى، ثكلته أمه، تربت يداه، ونحوه؛
هذه الأنواع هي التي أتى العتاب من الله في بعضها، وسمّاها الله في حق نبيه «ذنوباً»، ثم تفضل الله بالغفران الشامل لما تقدم منها وما تأخر، أخيراً، بعد الحديبية، إذ قال: }إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً v ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر، ويتم نعمته عليك، ويهديك صراطاً مستقيماً v وينصرك الله نصراً عزيزاً{.
لا يقال هذه ليست ذنوباً، وإنما هي مكروهات، يثاب تاركها، ولا يعاقب فاعلها، لا يقال ذلك لأن هذا هو حكمها بالنسبة لأمته، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أما هو فمفترض عليه تركها، كما افترض عليه قيام الليل من دون أمته، وخصوصيات أخرى. وهذا هو موضع الشبهة التي أسلفنا الإشارة إليه، والذي ظن بعض الحمقى أنه يوجب وقوع الصغائر منه، بل والكبائر كما زعم من لا عقل له من الخوارج كذي الخويصرة التميمي، وأشباهه من الملاعين الهلكى. ولكن المغبون من كانت دابته، التي يركبها، أكبر منه عقلاً، وأكثر منه لله ذكراً، وأبلغ منه تعظيما لمقام الألوهية السامي الرفيع، ومقامات الأنبياء والرسل، وأقل منه جفاءً!
(7) ولا يجوز على النبي، صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله، أن يفعل حراماً، صغيرة كان أو كبيرة، ولا أن يترك واجباً، صغيراً كان أو كبيراً البته. بل إن فعله برهان يقيني قاطع على عدم الحرمة، ونحتاج إلى بيان آخر لمعرفة كونه مكروهاً، أو مباحاً، أو مستحباً، أو واجباً، كما أسلفنا؛ وتركه برهان يقيني قاطع على عدم الوجوب، ونحتاج إلى بيان زائد لمعرفة كونه مستحباً، أو مباحاً، أو مكروهاً، أو محرماً. ولم يظهر لنا برهان عقلي أو شرعي لهذا بالنسبة لإخوانه من الأنبياء السابقين، بل لعل قصة يونس، وإباقه إلى الفلك، تثبت أن الأمر بالنسبة لهم ليس هو كما كان بالنسبة لمحمد بن عبد الله، خاتمة أنبياء الله، عليه وعلى آله صلوات وتسليمات وتبريكات من الله.
(8) كما لا يجوز أن يكون خبره، في غير «أمور الدنيا»، إلا حقاً، وكذلك خبره عن الأمم السابقة، والوقائع الماضية، من غيرة رواية أو إسناد أو شهادة من غيره ينقلها هو، لا بد أن يكون حقاً جاء به الوحي؛ وكذلك المستقبل الذي لم يقع بعد، فهو غيب محض، لا يعلمه ذاتياً إلا الله، ولا يُعْلَم إلا بتعليم من الله، وإلا جاز أن يتطرق الخلل، كذباً كان أو خطأً، إلى الوحي: فتسقط حجة الله على العباد، وتفقد الرسالة معناها، ويصبح عدمها ووجودها سواء.
(9) وكذلك قوله الإنشائي، بالأمر والنهي، لا يكون إلا وحياً، لأنه لا ينطق عن الهوى، ولا ينذر إلا بالوحي، فلو جاز أن يكون أي واحد من أمره ونهيه من عند نفسه، وليس من عند الله، جاز ذلك في الكل، وفقدت الرسالة معناها، وأصبح كلام الله كذباً.
(10) كما لا يجوز عليه أن يسكت على منكر، لأنه مأمور بالبلاغ، والأمر بكل معروف، والنهي عن كل منكر، لذلك كان سكوته عن أي فعل، إقرار لذلك الفعل ضرورة، فلا يكون حراماً البتة، ثم نحتاج إلى بيان آخر زائد لمعرفة كونه مكروهاً، أو مباحاً، أو مستحباً، أو واجباً.
(11) ولا يجوز عليه الاجتهاد، أي استنباط الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية، لأنه هو صاحب النص: قوله نص، وفعله نص، وإقراره نص. فهو المشرع، أي الذي ينشيء الأحكام إنشاءً، بوحي الله وعصمته، وغيره يستنبطها استنباطاً!

u فصل: الذكر، ليس هو فقط القرآن، بل السنة ذكر أيضاً
نبدأ بالتنبيه على أن لفظة «الذكر» لها معاني متعددة متباعدة، لا يعقل أصلاً أن تكون كلها مقصودة في مقام واحد في آن واحد، فلا بد إذاً من النظر بعناية، وبكل دقة، إلى السياق المعين، موضع البحث أو الدرس، لمعرفة المقصود من الآية المعينة، أو النص المعيَّن:
ــ فقد تطلق على القرآن فقط، كما جاء في قوله، جل جلاله: }إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ v لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ{، (فصلت؛41:42)، كما يقتضيه السياق هنا ضرورة، لأن لفظة (الذكر) جاءت ها هنا لشئ وصف بأنه: }كتاب عزيز v لا يأتيه الباطل من بين وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ{، (فصلت؛ 41:41-42)،،
ــ كما أنها قد تطلق على التسبيح والتهليل والتكبير، كما هو معلوم مشهور،
ــ وقد تطلق على الشهرة عند الناس، بسبب المكانة الرفيعة، والشأن المهم أو الخطير. ومن ذلك قوله، تعالى ذكره: }ورفعنا لك ذكرك{، (الشرح؛ 94:4)، وربما كان هذا بعض المعاني المقصودة بقوله، جل شأنه: }وإنه لذكر لك، ولقومك، وسوف تسألون{، (الزخرف؛ 43:44)، يعني: أن هذا القرآن سيجعل لك ولقومك شأناً تتذاكره الأمم، ويتناقله التاريخ، بعد أن كنتم خاملي الذكر، على هامش الناريخ، لا يعرفكم أحد، ولا يسمع بكم أحد، ولا يبالي بكم أحد!
ــ وقد تطلق على مجموع الوحي المنزل، أي على القرآن والسنة،
وهذا المعنى الأخير، وهو الذي يهمنا في هذا الفصل، هو ما سنفصل البرهنة عليه في كتابنا هذا: (كتاب التوحيد: أصل الإسلام، وحقيقة التوحيد):
v فقد قال تعالى: }وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم، ولعلهم يتفكرون{، (النحل؛ 16:44)؛ وقال، تقدست أسماؤه: }إن علينا جمعه وقرآنه v فإذا قرأناه فاتبع قرآنه v ثم إن علينا بيانه{، (القيامة؛ 75:17-19).
والآية نص قاطع على أن هذا (الذكر) أنزل على نبي الله الخاتم وحده خاصة، وليس إلى عموم الناس ابتداءً، ليقوم هو بعد ذلك، استناداً إلى هذا الذكر المعصوم، المنزل إليه خاصة، بعملية (بيان) لـ(ما نزل إلى الناس عامة) الذي يشمل بالضرورة ما سبق نزوله من (القرآن)، وربما كذلك السنن النبوية السابقة، التي اطلع عليها الناس من قبل، والتي لم يكتمل بعد بيانها، أو ما زالت في حاجة إلى مزيد بيان.
وليست مواصفات (الذكر) كما هو مذكور أعلاه هي صفة (القرآن):
(1) فالقرآن وحي منزل إلى الناس عامة. نعم: هو ينزل أولاً على النبي، ثم يأخذه الناس منه، إلا أن دور النبي أول الأمر يقتصر على اللفظ به، وتلاوته، فقط، لا غير ، ثم يأخذ منه الناس ذلك اللفظ فوراً، ويكتبونه في ما تيسر من الألواح والرقاع. فالحال لا تختلف عن كونه كأنه نزل إلي الناس جميعاً مباشرة مكتوباً في قرطاس، أو منقوشاً على ألواح، أو مسجلاً على أشرطة مغنطيسية، أو ما شابه،
(2) والقرآن مفتقر إلى بيان كما هو معلوم بضرورة الحس والعقل لمن تصفح القرآن مجرد تصفح، أن فيه، أي في القرآن، إجمالاً كثيراً يحتاج إلي تفسير وتفصيل، وعمومات قد تحتاج إلى تخصيص، وإطلاقات قد تحتاج إلى تقييد، ومواطن يسيرة من المشتبه تحتاج إلى تأويل، وغير ذلك من أنواع البيان الازم. وحاجة القرآن إلى البيان حقيقة أقر بها القرآن نفسه في الآية آنفة الذكر: }وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم، ولعلهم يتفكرون{، (النحل؛ 16:44)، وقد تكفل الله بهذا البيان في قوله، جل جلاله، وسما مقامه: }إن علينا جمعه وقرآنه v فإذا قرأناه فاتبع قرآنه v ثم إن علينا بيانه{، (القيامة؛ 75:17-19)، إلا أن البيان يأتي عادة متراخياً، بعد مدة من الزمن: }ثم إن علينا بيانه{، بخلاف هذا (الذكر) الذي أنزل على محمد ليكون هو بياناً مباشراً،
(3) ولكن (الذكر) وحي منزل على النبي خاصة، ثم يستخدمه النبي لبيان (ما نزل إلى الناس عامة)، فهو بذاته (بيان)، وفي حين أن (القرآن)، قطعاً، من هذا الذي (نزل إلى الناس عامة)، وهو الذي يراد بيانه،
والبيان النبوي هو ضرورة:
(1) أقوال النبي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ومنها الإشارة،
(2) وأفعاله،
(3) وتقريراته،
أي أنه السنة النبوية، من غير زيادة، ولا نقصان. فالسنة النبوية إذاً من (الذكر) المنزل، ضرورة ولا بد.
ومن أمثلة افتقار القرآن إلى بيان، بإقرار القرآن نفسه، وبضرورة الحس والعقل: الصلاة المكتوبة، التي هي عمود الدين، لم يرد لشعائرها كبير تفصيل يذكر، في حين أن الوضوء، وهو الشعيرة المفروضة لتحقيق الطهارة الشعائرية التعبدية، التي لا تصح الصلاة إلا بها، جاء مفصلاً تفصيلاً كافياً يستطيع به أي إنسان أداؤه على وجهه المطلوب. فمن المحال الممتنع أن لا تكون أحكام الصلاة على نفس الدرجة من التفصيل لأحكام الوضوء، أو لعلها أكثر. ومع ذلك لم يرد ذلك التفصيل اللازم في القرآن، فتولته السنة لأن بيان أحكام الصلاة يتطلب في أكثره الأسوة العملية، ويصعب الإتيان به بمجرد الكلام الملفوظ، إلا بإسهاب وتطويل، وبسط كلام، لا يتناسب مع بلاغة القرآن، وحسن نظمه، أي مع كون القرآن معجزاً.
وأكثر تفاصيل أحكام الصلاة المكتوبة، وأركانها المهمة، التي بينتها السنة، التي هي وحي معصوم كنا أسلفنا البرهنة عليه، قد نقلت إلينا نقل تواتر، نقل الكواف عن الكواف، بحيث تقوم بهذا النقل الحجة اليقينية القاطعة. وهذه الحجة القاطعة على المهم من أحكام الصلاة، هو في نفس الوقت حجة قاطعة على أن تلك السنن من (الذكر) المنزل ضرورة، لأن من أهم وظائف الذكر المنزل أنه به يبين النبي الخاتم، عليه وعلى آله الصلاة والسلام، للناس ما سبق تنزيله إليهم.
ومن أمثلة ذلك أيضاً: الزكاة، التي أوجبها الله في كل مال، والتي هي ركن من أركان الإسلام. وهي ليست شعيرة تعبدية خالصةً له تبارك وتعالى فحسب، بل هي كذلك حق للسائل والمحروم، قال تعالى: }والذين في أموالهم حق معلوم v للسائل والمحروم{، (المعارج؛ 70:24-25)، فتيقنا أنها واجبة في كل مال، وقال: }وآتوا حقه يوم حصاده{، (الأنعام؛ 6:141)، فعلمنا أن ما يحصد يؤدى حقه فور حصاده، ولكننا لم نعلم: هل هو فور تمام الحصاد، أم هو كل حصاد كل يوم بيومه؟! من باب أولى لم نعلم ما هي مواقيت زكاة الأموال الأخري! وقال تعالى: }إنما الصدقات للفقراء والمساكين ... إلى آخر الآية الكريمة{، (التوبة؛ 9:60)، فعلمنا الأصناف المستحقة، ولم نعلم كيف توزع بينهم، ولا من له صلاحية ذلك: هل يتولَّى ذلك الأفراد، أم تقوم به الدولة؟! ولا يوجد في القرآن بيان ذلك، فوجب ضرورة أن يكون بيان ذلك في السنة الشريفة، وإلا كان خبر الله: }وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم، ولعلهم يتفكرون{، كاذباً، ووعده: }ثم إن علينا بيانه{، مخلفَاً، خائساً، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.
على أن الله، جل جلاله، إنما تكفل ببيان ما ينزل من القرآن بعد جمعه وتلاوته، عندما ترد الحاجة إلى البيان، كما هو بين من استخدام لفظة (ثم) المفيدة للترتيب مع التراخي، وكما هو معلوم بالضرورة من التاريخ أن القطعة من القرآن تنزل، فيتلوها النبي، عليه وعلى آله الصلاة والسلام، ويلقبها على عدد من الحفاظ تقوم بهم الحجة اليقينية القاطعة، ويدعو من تيسر لكتابتها، وكل ذلك يستغرق وقتاً، ثم يكون البيان عند الحاجة، لا سيما إذا كان بيان كيفية عملية، كشعائر الصلاة مثلاً.
ونعود إلى قوله، تعالى مجده: }وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم، ولعلهم يتفكرون{، (النحل؛ 16:44)؛ فهو نص بيَّن فيه ربنا، جل وعلا، أنه أنزل على رسوله «الذكر» ليبين للناس }ما نزل إليهم{!
ولكن ما هو المقصود بجملة: }ما نزل إليهم{؟! أي ما هو (التنزيل) المحتاج إلى بيان، والذي أنزل الله «الذكر» إلى نبيه لبيانه؟!
هذا (التنزيل) المفتقر إلى بيان لا يخرج عن احتمالين اثنين، أولهما على طرف نقيض من الآخر:
الاحتمال الأول: إن كان المقصود بـ«ما نزل إليهم» أقل ما يمكن أن يقال عنه: }ما نزل إليهم{، ألا وهو القرآن ضرورة، وهو المتبادر لأول وهلة من ظاهر الآية، ولأنه المقصود في المقام الأول، عادة، عند إطلاق لفظة «التنزيل» ومشتقاتها. كما أنه وحي بلفظه وأحرفه، يتلقاه الناس من فم النبي، عليه وعلى آله الصلاة والسلام، مباشرة فور تلاوته، ويتساوون معه في حفظه وترتيله، فكأنه نزل إليهم مباشرة، من غير واسطة، أو كأنه نزل مكتوباً في قرطاس، أو منقوشاً على ألواح، لذلك استحق أن يقال عنه أنه: }نزل إليهم{، بخلاف الذكر، الذي أنزل خاصة على محمد النبي، عليه وعلى آله الصلاة والسلام، فيقوم النبي بعملية (البيان) التي تجعله صالحاً لتلقي الناس، ولو لم يقم النبي بذلك لما عرف به الناس، ولما اطلعوا عليه.
فإن كان الأمر كذلك، فلا شك حينئذ أنه:
أولا: بحاجة إلى البيان، وهذا ثابت ليس بهذه الآية فقط، بل أيضاً ضرورة بقوله، تعالى ذكره: }إن علينا جمعه وقرآنه v فإذا قرأناه فاتبع قرآنه v ثم إن علينا بيانه{، (القيامة؛ 75:17-19)، وكذلك بضرورة الحس والعقل،
ثانياً: أن بيانه يكون بـ«الذكر»، وهو نوع آخر من الوحي والتنزيل من عند الله لا محالة، ولا شئ يصلح أن يكون ذكراً، يتنزل على الرسول خاصة، ثم يأخذه الناس منه، إلا السنة النبوية الشريفة، وما نزل من قرآن سابق، تم بيانه، ضرورة ولا بد.
ولا يجوز أن يكون «الذكر» هو القرآن فقط، بل لا بد أن يشمل وحياً غير القرآن، كما أسلفنا البرهنة عليه:
إذاً ثبت قطعاً أن «الذكر» المنزل ليس هو القرآن فحسب، فهو القرآن والسنة، أو بلفظ أدق: القرآن وبعض السنة. ولكن إذا كان بعض السنة ذكراً، فكلها من «الذكر» لا محالة، لأنها كلها وحي معصوم، وهي صنف واحد، وفي مرتبة واحدة من حيث الإلزام والحجية.
الاحتمال الثاني: أن يكون المقصود بـ}ما نزل إليهم{ أكثر ما يمكن تصوره تحت جملة: }ما نزل إليهم{، وهو كل وحي سبق نزوله حتى تلك الحظة المعينة وهو مع ذلك ما زال مفتقراً إلى (البيان)، ثم نزلت قطعة (الذكر) هذه لبيانه. هذا الوحي السابق إذاً هو ضرورة إما:
(1) آي من القرآن العظيم، تحتاج إلى بيان، وقد جاء وقت الحاجة لبيانها،
(2) سنن سابقة، مازالت تفتقر إلى بيان، أو مزيد بيان، قد جاء وقته، وهي مع ذلك مما تلقاه الناس فصلح أن يقال عنها أنها من }ما نزل إليهم{، و فلا بد حينئذ أن يكون بيانه بوحي جديد ينضم إلى ما سبق نزوله قبل ذلك، لا فرق بين قرآن أو سنة، وهكذا شيئاً فشيئاً، حتى يكتمل الوحي كله، فيصبح بيناً كاملاً لا يحتاج إلى وحي جديد لبيان أي شئ منه، وذلك قبيل وفاة خاتمة أنبياء الله، عليه وعلى آله صلوالت وتسليمات وتبريكات من الله.
فإن كان الحال كذلك وجب أن يكون «الذكر» المنزل شاملاً، ضرورة، لكل ما نزل إلى قبل تلك اللحظة المعينة من قرآن وسنة، مضافاً إليه ما نزل الآن من بيان، وهكذا شيئاً فشيئاً حتى لا يبقى شئ مفتقراً إلى بيان، عند اكتمال الدين، وتمام الوحي، وختم (الذكر)، قبيل وفاة خاتمة أنبياء الله، عليه وعلى آله صلوالت وتسليمات وتبريكات من الله.
إذاً وجب، على كل حال، وبموجب أي من الفرضيتين، أو أي فرضية أخرى تتوسط بينهما، أن يكون «الذكر المنزل» شاملاً لكل من القرآن والسنة، ضرورة، ولا يجوز أن يكون أكثر منهما أو أكبر لأنه ما ثمة وحي منزل إلا هذين: القرآن والسنة، فلا بد أن يكون «الذكر المنزل» هو بالضبط الوحي كله، أي القرآن والسنة، فقط لا غير، من غير زيادة ولا نقصان.
فلفظة «الذكر المنزل» إذا أطلقت هكذا معرفة بالألف واللام، في سياق الكلام عن التنزيل أو الوحي، لا بد أن تشمل السنة لا محالة. فقولنا أن السنة مبينة للقرآن حق، وقولنا أن القرآن والسنة يبين بعضها بعضاً حق كذلك، وقولنا أن «الذكرالمنزل»، الذي هو القرآن والسنة، يبين بعضه بعضاً، وأنه كاف شاف للبيان والبلاغ وإقامة حجة الله على العباد، إلى يوم القيامة الكبرى، حق كذلك. وكل ذلك حق يترتب بعضه على بعض ضرورة.
وقد يزعم بعض من يتسمون بـ«القرآنيين» أن البيان إنما يكون بقرآن جديد فقط، وليس لغير القرآن دخل في ذلك، فنقول: كذبتم وأفكتم، لأن:
(1) ما نزل من القرآن مفتقر لبيان، وهذا البيان هو بضرورة الحس والعقل ليس ذات تلك القطعة من القرآن، لأن الله تكفل به وأثبته متراخياً في الزمن عن القطعة التي نزلت؛
(2) لو كان بيان القرآن إنما يكون حصرآً بالقرآن، لزم أن يكون:القرآن بعد اكتمال وحيه، كما هو الآن بأيدينا، بيناً بذاته، لا يحتاج إلى بيان. وهذه مكابرة للحس والعقل، كما أقمنا عليه قواطع البراهين آنفاِ، ويكفيك من ذلك مثال (الصلاة المكتوبة)،
(3) إن لفظة }بيانه{، معرفة بالإضافة، واللفظ يكون معرفاً للعهد أو للجنس، وهو ها هنا تعريف يفيد الجنس ضرورة، لأننا لم نعلم بعد، عند نزول هذه الآية ذاتها، ما هو البيان المعهود المتفق عليه، فلا يجوز أن يكون التعريف ها هنا للعهد.
فالله، جل جلاله، قد تكفل إذاً بجنس البيان الشامل لكل أفراده التي يمكن تصورها:
(أ) من نص قرآن آخر، يأتي لا حقاً. هذا بيان ضروري واجب، لا يكتمل الدين إلا به،
(ب) أو من وحي آخر، يترجمه النبي إلى (بيان) بأفعاله وأقواله (ومنها الإشارة) وأقاريره، وما هذا إلا السنة النبوية الشريفة، التي هي أفعال النبي وأقواله وأقاريره. وهذا أيضاً بيان ضروري واجب، لا يكتمل الدين إلا به،
(ج) أو حتى ما قد يستجد في المستقبل من العلوم والمخترعات الهندسية، والاكتشافات الأثرية التي فيها بيان جديد، لم يكن معروفاً من قبل، أو مزيد بيان، لبعض آي القرآن. مثال الأخير، قوله تعالى: }خلق الرنسان من علق{، فهمها العربي الفصيح عند نزول القرآن أن الإنسان خلق من شئ كالعلق، أو من شئ يلتصق ويتعلق، وكان في هذا كفاية له، لم يحتج لغيرها في زمنه، ثم قال المفسرون الأوائل أن العلق قطعة متجمدة من الدم تكون في الرحم، تشبه دويبة «العلق»، ثم جاء تمام بيانه من علم الأجنة الحديث.
وهذا النوع الثالث من البيان، مع كونه بياناً، إلا أنه ليس من الوحي أو الذكر المنزل، إنما هو بيان إضافي مستحب، امتن الله به على عباده، وليس هو مما هو ضروري لكمال «الدين»، لأن الدين كمل قبيل وفاة خاتمة أنبياء الله، عليه وعلى آله صلوات وتسليمات وتبريكات من الله، وإن كان مفيداً للبرهنة على صحة و«حقانية» الدين، منضافاً إلى ما سبقه من البينات والآيات والبراهين.
هذا البيان منحة إضافية، كما قال جل جلاله: }سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ{، (فصلت؛ 41:53).
فالزعم بأن البيان إنما يكون بقرآن جديد فقط، لا غير، زعم مجرد، وتحكم بالباطل، ومكابرة لضرورة التاريخ، ومعاندة للمحسوسات والمعقولات، وتكذيب للقرآن، وتخصيص لما جاء عاماً، من غير برهان، وهذا لا يجوز، بنص القرآن: }هاتو برهانكم إن كنتم صادقين{.

فـ(الذكر المنزَّل) هو بضرورة الحس والعقل، وبشهادة القرآن نفسه، هو القرآن والسنة، من غير زيادة، ولا نقصان.
ويشهد لما أسلفنا ذكره، وهو أن:
(1) الوحي المعصوم، ليس هو فقط القرآن، بل السنة وحي معصوم أيضاً)،
(2) وأن (الذكر) ليس هو فقط القرآن، بل هو القرآن والسنة، وإن السنة مبينة للقرآن، كما يشهد لذلك، ويؤكده، ويفصله، نصوص كثيرة متضافرة من السنة النبوية نفسها.
ولما كنا قد أثبتنا بالفعل فيما سلف أنها، أي السنة النبوية، وحي معصوم، وأنها في نفس مرتبة الحجية كالقرآن، سواءً بسواء، وذلك بضرورات الحس والعقل، وبراهين القرآن، فقط من غير استخدام لنصوص السنة، حتى لا نقع في الدور والمصادرة على المطلوب (وما أوردنا من نصوص السنة إنما هو من باب الشواهد والاستئناس، وليس من باب الإثبات والبرهنة).
وإذ تمَّت البرهنة على أن السنة وحي معصوم، فلم تعد نصوصها مجرد شواهد ومتابعات تصلح للاستئناس فقط، بل قد أصبحت السنة بذاتها برهاناً، وأصبح الاحتجاج بها جائزاً، بما في ذلك الاحتجاج بها لنفسها وعلى نفسها، لأنها إن كانت وحياً معصوما لم يجز أن تكون متناقضة، بل لا بد أن تكون متسقة خالية من التناقض عموماً، ومتسقة مؤكدة لكونها وحياً ملزماً معصوماً، في المقام الأول، وعلى وجه الخصوص (وذلك طبعاً بشرط ثبوت صحة نسبتها إلى النبي، عليه وعلى آله أفضل الصلاة وأتم التسليم)، فمن ذلك:
v ما جاء عن عقبة بن عامر الجهني قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «هلاك أمتي في الكتاب واللبن!»، قالوا: (يا رسول الله ما الكتاب واللبن؟!)، قال: «يتعلمون القرآن فيتأولونه على غير ما أنزل الله، عز وجل؛ ويحبون اللبن فيدعون الجماعات والجمع ويبدون»، وفي لفظ: «قوم يتعلمون كتاب الله يجادلون به الذين آمنوا»، هذا حديث صحيح، كما هو مبرهن عليه في الملحق.
فهذا الحديث، وهو صحيح ثابت، يدل على هلاك من تأوَّل القرآن على غير تأويله، وجادل به المؤمنين. وتأويل القرآن على وجهه إنما يعرف من طريق النبي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم فقط، مبلغاً ذلك البلاغ المعصوم عن الله، الذي تكفل هو، جل وعز، ببيانه البيان الشافي اليقيني الملزم، لا غير، أليس هو، تباركت أسماؤه، الذي وعد، ووعده الحق: }فإذا قرأناه فاتبع قرآنه v ثم إن علينا بيانه{، (القيامة؛ 75:18-19)، و}ومن أوفى بعهده من الله؟!{، (التوبة؛ 9:111)؟!
v وأخرج الترمذي عن بن عباس، رضي الله تعالى عنهما، قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: «من قال في القرآن بغير علم فليتبوأ مقعده من النار». وقال أبو عيسى: (هذا حديث حسن صحيح)، أخرجه كذلك أحمد، والنسائي في الكبرى، وأبو يعلى، والشهاب القضاعي، وغيرهم. والعلم اليقيني بالقرآن إنما يكون من طريق النبي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، لا غير، كما أسلفنا.
v وأخرج النسائي بإسناد صحيح عن جابر بن عبد الله قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في خطبته: يحمد الله ويثني عليه بما هو أهله، ثم يقول: «من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلله فلا هادي له. إن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار!»، ثم يقول: «بعثت أنا والساعة كهاتين»، وكان إذا ذكر الساعة احمرت وجنتاه، وعلا صوته، واشتد غضبه، كأنه نذير جيش يقول: صبحكم مساكم، ثم قال: «من ترك مالا فلأهله، ومن ترك دينا أو ضياعا فإلي أو علي وأنا أولى بالمؤمنين»، وأخرج مثله مسلم، وابن ماجه، وأحمد ببعض الاختصار، وجاء مثله من كلام عبد الله بن مسعود، رضي الله عنه، بأصح الأسانيد.
v وجاء في «سنن ابن ماجه»: [حدثنا عبد الله بن أحمد بن بشير بن ذكوان الدمشقي ثنا الوليد بن مسلم ثنا عبد الله بن العلاء يعني بن زبر حدثني يحيى بن أبي المطاع قال سمعت العرباض بن سارية يقول قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم فوعظنا موعظة بليغة وجلت منها القلوب وذرفت منها العيون فقيل يا رسول الله وعظتنا موعظة مودع فاعهد إلينا بعهد فقال: «عليكم بتقوى الله، والسمع والطاعة، وإن عبدا حبشيا وسترون من بعدي اختلافا شديدا فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ وإياكم والأمور المحدثات فإن كل بدعة ضلالة»]
قلت: هذا إسناد ظاهره الصحة، إلا أن الإمام دحيم شكك في سماع يحيى بن أبي المطاع، وهو ثقة معروف، من العرباض بن سارية، رضي الله عنه، وذكر الألباني اعتراض دحيم، ولكنه صحح الحديث، وللأستاذ حسان عبد المنان رسالة كاملة يناقش فيها هذا الحديث من كافة طرقه وحكم بانقطاع هذا الإسناد، وحكم على الحديث، بعد تتبع الطرق، بعدم الصحة، خصوصا فقرة: (وسنة الخلفاء الراشدين المهديين) لعدم وجود متابعات يعتد بها، أو شواهد تقويها.
والحديث أخرجه الترمذي من طرق أخرى وقال: حسن صحيح، وكذلك أحمد من طرق، وأبو داود من طريق أحمد، والدارمي، والحاكم وقال: (هذا حديث صحيح ليس له علة)، ووافقه الذهبي، وصححه ابن حبان، وقال الشيخ شعيب الأرناؤوط: (إسناده صحيح)، وأخرجه الطبراني في المعجم الكبير ومسند الشاميين من طرق أخرى، كما رواه البيهقي في «سنن البيهقي الكبرى»، ولكن تجنب الإمامان البخاري ومسلم إخراجه في الصحيحين.
ولكن الأئمة الترمذي وابن حبان والحاكم معروفون بالتساهل في التصحيح، والإمام الذهبي إنما كتب تعليقاته على «المستدرك» في أول طلبه للعلم، قبل نضوج شخصيته العلمية واستكمال مداركه النقدية. أما الألباني فهو مضطرب لا يستقر على وتيرة واحدة، وليس هو بالمتقن، والشيخ شعيب الأرناؤوط أحسن من الألباني حالاً بكثير، إلا أن قوله ها هناك (إسناده صحيح) إنما هو بالإشارة فقط إلى إسناد بن حبان وهو عن عبد الرحمن بن عمرو السلمي وحجر بن حجر الكلاعي قالا أتينا العرباض بن سارية، فظن أن ذكر حجر بن حجر الكلاعي متابعة لعبد الرحمن بن عمرو السلمي يصحح بها حديث هذا الأخير، لأنه ليس ممن يصح حديثه إلا إذا توبع، ولكن الأرجح أن ذكر حجر بن حجر الكلاعي ليس ثابتا، وإنما هو زيادة شاذة من أوهام بعض الرواة، فلا تطمئن النفس إلى الاعتداد بها.
وعلى كل حال فإن أردت استزادة من الدرس فعليك برسالة الأستاذ حسان عبد المنان القيمة المعنونة: (حوار مع الشيخ الألباني: في مناقشة لحديث العرباض بن سارية)، الطبعة الثانية 1416هـ، الموافق 1995م، إصدار مكتبة المنهج العلمي في بيروت، إلا أننا نميل إلى تصحيح الحديث، لا سيما لوجود الطرق الأخرى، وكثرة الشواهد، ونظافة المتن، ولكن في النفس شيء من فقرة: «سنة الخلفاء الراشدين المهديين»، فعل أحد طلبة العلم يتفرغ لدراسته!
فها هو، صلوات الله وسلامه وتبريكاته عليه وعلى آله، يأمر بالتمسك بسنته، والعض عليها بالنواجذ، ويغلظ الوعيد على من أحدث في الدين، وابتدع فيه، بأنه على طريق ضلالة تردي صاحبها في نار جهنم. وسنته، صلوات الله وسلامه وتبريكاته عليه وعلى آله، هي أقواله، وأفعاله، وتقريراته، كما برهنا عليه آنفاً، لا يجوز أن تكون غير ذلك.
أما سنة الخلفاء الراشدين المهديين، إن صحت تلك الفقرة من الحديث، فهي هديهم العام المبني على إرجاعهم كل شيء إلى القرآن والسنة، لا غير، والتزامهم أحكام الله في كل حال: في الحرب والسلم، والعسر واليسر، والغنى والفقر. وفي جمع المال من حقه، وصرفه في مستحقه. وفي إقامة حدود الله على القريب والبعيد، والعدو والصديق. هذه سنتهم التي يجب التمسك بها، وليست هي كسنته، صلوات الله وسلامه وتبريكاته عليه وعلى آله، التي هي جميع أقواله وأفعله وإقراراته، لأنه نبي معصوم، وهم بشر يخطؤون ويصيبون، وينسون ويتذكرون، وتكون منهم المعاصي والذنوب، وقد اختلفت أحكامهم في المسألة الواحدة بما يستحيل شرعاً وعقلاً أن يكون حقاً كله. وعلى كل حال فلا يجوز الاستشهاد بهذه الفقرة لورود الطعن المعتبر في ثبوتها، وعدم ورود متابعات أو شواهد على صحتها، ولأنها لا تفهم إلا بشيء من التأويل والتقييد كما أسلفناه، فحتى لو ثبتت فلابد من بعض تقييد وتأويل، كما سلف.
v وقال الإمام الطبراني في «المعجم الكبير»: [حدثنا أحمد بن النضر العسكري ثنا أحمد بن النعمان الفراء المصيصي ثنا عبد الرحمن بن عثمان الحاطبي عن أبيه عن عبد الله بن محمد الجهني عن عبد الله بن الحسن بن علي عن أبيه قال: صعد رسول الله، صلى الله عليه وسلم، المنبر يوم غزوة تبوك فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: «أيها الناس إني والله ما أمركم إلا بما أمركم الله به، ولا أنهاكم إلا عما نهاكم الله عنه، فأجملوا في الطلب! فوالذي نفس أبي القاسم بيده إن أحدكم ليطلبه رزقه كما يطلبه أجله فإن تعسر عليكم شيء منه فاطلبوه بطاعة الله عز وجل»]، وهذا ليس فيه جديد، وإنما هو زيادة شرح وبسط لنصوص القرآن آنفة الذكر، وهو عين قولنا أنه، صلوات الله وسلامه وتبريكاته عليه وعلى آله، لا يأمر إلا بما أمر الله به، ولا ينهى إلا عما نهى الله عنه، ولا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى.
v وأخرج الإمام الشافعي في مسنده: أخبرنا عبد العزيز بن محمد الدراوردي عن عمرو بن أبي عمرو مولى المطلب عن المطلب بن عبد الله بن حنطب أن النبي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، قال: «ما تركت شيئا مما أمركم الله به إلا وقد أمرتكم به، ولا تركت شيئا مما نهاكم عنه إلا وقد نهيتكم عنه،.وإن الروح الأمين قد نفث في روعي أنه لن تموت نفس حتى تستوفي رزقها: فأجملوا في الطلب!». هذا مرسل صحيح، مؤيد لما سبقه من كون أمره ونهيه ليس إلا أمر ونهي من الله، لا غير، وفيه زيادة فائدة أنه أكمل البلاغ عن الله، فما بقي خير من واجب أو مستحب إلا أمربه، ولا شر من حرام إلا نهى عنه، فلا يجوز أن يكون فاته شيء، ولا يجوز أن يستدرك عليه شيء.
v وعن طلحة بن نضيلة، رضي الله عنه، قال: قيل لرسول الله في عام سنة: (سعِّر لنا، يا رسول الله!)، فقال: «لا يسألني الله عن سنة أحدثتها فيكم، لم يأمرني بها؛ ولكن اسألوا الله من فضله!». وهذا حديث صحيح، مؤكد لما أسلفناه من كونه، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، لا يأمر بشيء ولا ينهي عن شيء من عند نفسه، وإنما يبلغ فقط عن ربه، جل وعز، في كل صغيرة وكبيرة. والحديث رواه ابن أبي عاصم في «الآحاد والمثاني»، والبيهقي في «المدخل»، والطبراني من طرق، والنصر المقدسي في كتاب «الحجة»، وابن قانع، وابن السكن، وغيرهم.
v وعن عائشة قالت: قال رسول الله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «ستة لعنتهم، لعنهم الله، وكل نبي مجاب: المكذب بقدر الله؛ والزائد في كتاب الله؛ والمتسلط بالجبروت يذل من أعز الله، ويعز من أذل الله؛ والمستحل لحرم الله؛ رالمستحل من عترتي ما حرم الله؛ والتارك لسنتي»، حديث صحيح، أخرجه الحاكم وقال: (هذا حديث صحيح، ولا أعرف له علة، ولم يخرجاه)، واضطرب فيه الذهبي فوافق الحاكم على تصحيحه في موضع، وسكت في موضع، واعترض في موضع ثالث، ثم أخرجه في «الكبائر»، بعد أن استكمل طلبه للعلم، ونضجت شخصيته العلمية رحمه الله، وقال إسناده صحيح، وهو الحق كما سنبينه في الملحق! وجاء من طرق حسان عن الأئمة زين العابدين علي بن الحسين، عن أبيه، عن جده، رضوان الله وسلامه عليهم. وله متابعة في الطبراني عن عمرو بن سعواء اليافعي، رضي الله عنه، ولكنه زاد سابعاً: «والمستأثر بالفيء».
والحديث حجة قاطعة على أن ترك السنة من أكبر الكبائر الموبقة الشنيعة: في مرتبة واحدة مع الزيادة في كتاب الله، واستحلال محرمات الله، وكل ذلك كفر وشرك بالله، على طرف نقيض من الإسلام، والإيمان، والتوحيد.
v وكان عبد الله بن عمرو بن العاص يكتب عن رسول الله، في مجالسه، مباشرة، فانتهره رجال من قريش فقالوا: (تكتب عن رسول الله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وإنما هو بشر يغضب كما يغضب البشر؟!). قال عبد الله: فأتيت رسول الله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فقلت: (إن قريشاً تقول كذا وكذا)! فأومأ إلى شفتيه الشريفتين فقال: «والذي نفسي بيده! ما يخرج مما بينهما إلا الحق! فاكتب!». هذا حديث صحيح، أخرجه الحاكم وصححه، ووافقه الذهبي، وهذا لفظه من طريق عبد الواحد بن قيس عن عبد الله بن عمرو. وأخرج نحوه من طريق ثانية، هي طريق يوسف بن ماهك عنه بإسناد صحيح كذلك، وهي نفس الطريق الصحيحة الثانية التي أخرجها أحمد في مسنده. فالنبي، عليه وعلى آله الصلاة والسلام، معصوم من أن يقول إلا الحق في حالتي الغضب والرضا، على حد سواء. وهو كذلك في حالتي الجد والمداعبة، على حد سواء، كما سيأتي فوراً.
v عن أبي هريرة عن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أنه قال: «إني لا أقول إلا حقا!»، قال بعض أصحابه: (فإنك تداعبنا، يا رسول الله؟!)، فقال: «إني لا أقول إلا حقا». هذا حديث صحيح، أثبتنا صحته في الملحق.
v وأخرج أبو داود، عن العرباض بن سارية السلمي، رضي الله عنه، بإسناد جيد قوي، تقوم به الحجة بذاته، صححه الإمام الحجة علي بن حزم الأندلسي، وحسنه الألباني، وهو صحيح يقيناً، ولا شك، بشواهده، ومتابعاته، كما سيأتي. قال العرباض بن سارية السلمي، رضي الله عنه: [نزلنا مع النبي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، خيبر، ومعه من معه من أصحابه، وكان صاحب خيبر رجلاً مارداً منكراً، فأقبل إلى النبي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فقال: (يا محمد! ألكم أن تذبحوا حُمُرنا، وتأكلوا ثمرنا، وتضربوا نساءنا؟!!)، فغضب النبي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وقال: «يا ابن عوف! اركب فرسك ثم نادي: إن الجنة لا تحل إلا لمؤمن، وأن اجتمعوا للصلاة!»، قال: فاجتمعوا للصلاة، فصلى بهم رسول الله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ثم قام خطيباً فقال: «أيحسب أحدكم (وفي رواية: لا أجد أحدكم) متكئاً على أريكته قد يظن أن الله لم يحرم شيئاً إلا ما في القرآن؟!! ألا وإني، والله، قد أمرت، ووعظت، ونهيت عن أشياء: إنها مثل هذا القرآن، أو أكثر! وإن الله، عز وجل، لم يحل لكم أن تدخلوا بيوت أهل الكتاب، إلا بإذن، ولا ضرب نسائهم، ولا أكل ثمارهم، إذا أعطوكم الذي عليهم»].
تأمل هذا الحديث الجميل الجليل، الذي هو من دلائل نبوته، بأبي هو وأمي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم:
ــ ففي الأول نادى النبي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، في الناس بأن الجنة حرام على الكفار، ولن يدخلها إلا مؤمن، فليحذر لذلك كل امريء لنفسه، وليفتش عن صدق إيمانه!
ــ ودعاهم إلى الاجتماع للصلاة، ولما خطبهم نبَّه على أن الله، عز وجل، حلل، وحرم، ووعظ، ونهى عن أشياء كثيرة على لسانه هو، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، في خارج القرآن، ولم ترد في القرآن، وأنها في الحجية كالقرآن، سواء بسواء، وأنها في العدد مثل القرآن، أو حتى أكثر.
ــ وبعد هذه القاعدة الكبري، أصل قاعدة صغرى: الحرمة الكاملة لكرامة، وأعراض، ودماء، وأموال، وبيوت أهل الذمة، مثل حرمة المسلمين سواء بسواء، ما داموا يخضعون لنظام الإسلام، ويدفعون ما عليهم من خراج، وجزيه، ونحوه. وهذا بيان لقوله تعالى: }حتى يؤتوا الجزية عن يد وهم صاغرون{، (التوبة؛ 9:29). فلفظة «صاغرون» في الآية الكريمة ها هنا: لا تعني الإذلال والمهانة، وانتقاص الحرمة والكرامة، وهو معنى جائز لهذه اللفظة في لغة العرب، كما قال رب العزة، جلت قدرته، لإبليس اللعين: }... فاخرج، إنك من الصاغرين{، (الأعراف؛ 7:13)، وهو ما قال به بعض أئمة الفقه الأعلام، من أمثال الإمام الأعظم أبي حنيفة، وإنما تعني: خاضعون، أي ما داموا يخضعون لنظام الإسلام، ويدفعون ما عليهم من خراج وجزيه ونحوه، ولولا هذا البيان المعصوم القاطع، لوجب علينا فهم «صاغرون» بكل ما تقتضيه في لغة العرب، أو البقاء في حيرة من أمرنا: ماذا نرجح، وهذه ورطة لا أدري كيف يخرج منها «القرآنيون»؟!
v وأخرج أبو داود كذلك عن عبيد الله بن أبي رافع عن أبيه عن النبي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، قال: «لا ألفين أحدكم متكئاً على أريكته، يأتيه الأمر من أمري، مما أمرت به أو نهيت عنه، فيقول: لا ندري! ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه». هذا حديث صحيح، غاية في الصحة. كما رواه ابن ماجه، والترمذي وقال: حديث حسن، وقد قصر رحمه الله في ذلك تقصيراً بيناً، إلا أن يكون سقط التصحيح بغلط من النساخ، فقد أخرجه الحاكم بأسانيد صحاح من طريق سفيان بن عيينة، وآخر من طريق مالك، وثالث من طريق الليث بن سعد، وكفاك بهذه الأسانيد قوة، كما أخرجه الطبراني من طرق، لا سيما مع الشواهد التالية:
v وعن المقدام بن معدي كرب الكندي، رضي الله عنه، قال: حرَّم النبي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أشياء يوم خيبر، منها الحمار الأهلي، وغيره، فقال رسول الله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «يوشك أن يقعد الرجل منكم على أريكته يحدَّث بحديثي فيقول: (بيني وبينكم كتاب الله: فما وجدنا فيه حلالاً استحللناه، وما وجدنا فيه حراماً حرمناه). وإن ما حرم رسول الله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، كما حرم الله!»، هذا حديث صحيح، في غاية الصحة، إسناده مسلسل بالأئمة الثقات الأثبات، أخرجه الحاكم، وصحح إسناده، وأخرجه كذلك أبو داود، والترمذي، وابن ماجه، وأحمد من عدة طرق، وابن حبان في صحيحه، والطبراني من عدة طرق، والطحاوي في «شرح الآثار»، وصححه الألباني ونسبه كذلك إلى عباس الترقفي في «حديثه»، وعدد طرقاً كثيرة له صحاح وحسان.
v وعن أبي هريرة قال، قال رسول الله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «لا أعرفن أحداً منكم أتاه عني حديث، وهو متكيء في أريكته، فيقول: اتل عليّ به قرآناً!»، أخرجه أحمد بإسناد فيه إمام المغازي أبو معشر السندي، وهو صدوق فيه ضعف، وهو عند ابن ماجه من طريق أخرى مستقلة، لكنها أضعف. فلعل أصل الحديث عن أبي هريرة، ومنه هذا الجزء من الحديث، يُحَسًَّن بمجموعهما، وبالشواهد السابقة.
فهذا إذاً نقل تواتر أنه، عليه وعلى آله الصلاة والسلام، قد أوتيَ «القرآن، ومثله معه»، كما هو لفظ بعض طرق الحديث أو أنه: «قد أمر، ووعظ، ونهى عن أشياء: إنها مثل هذا القرآن، أو أكثر!»، أو «إن ما حرم رسول الله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، كما حرم الله!»، ونحو ذلك من المعاني المتواترة المتطابقة.
v عن الحسن البصري قال: [بينما عمران بن حصين، رضي الله عنه، يحدث عن سنة نبينا، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، إذ قال رجل: يا أبا نجيد! حدثنا بالقرآن! فقال له عمران: أنت وأصحابك يقرأون القرآن، أكنت محدثي عن الصلاة، وما فيها، وحدودها؟! أكنت محدثي عن الزكاة في الذهب، والإبل، والبقر، وأصناف المال؟! ولكن قد شهدتُ وغبتَ! ثم قال: فرض علينا رسول الله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، في الزكاة كذا، وكذا! وقال الرجل: أحييتني أحياك الله!] وقال الحسن البصري، رحمه الله: [فما مات ذلك الرجل حتى صار من فقهاء المسلمين]، هذا كذلك أثر صحيح، أخرجه الحاكم وقال صحيح الإسناد.
قلت: قد أحسن الحسن: وهل يتصور فقه من غير سنة سيد ولد آدم، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وهديه؟! ومن كان في شك من ذلك فلينظر في «فقه» الخوارج المعروفين بإهمالهم للسنة، وما اشتهروا به من غلو شنيع، وانحراف بغيض، ومن أراد الاستزادة فعليه بأقول «القرآنيين» منكري السنة، وهي أقول مضحكة، بالغة من السخف والتهافت غاية النهاية، تشبه أحياناً أقوال السكارى والمجانين!
فثبت بالأدلة المذكورة أعلاه، يقيناً، وبغيره من البراهين القاطعة الكثيرة المتضافرة، التي يكفر منكرها، ويخرج من الإسلام بجحدها، أن السنة النبوية الشريفة وحي من الله في مقام القرآن في حجيتها وإلزاميتها، سواء بسواء، وإنما تميز القرآن بأنه وحي الله المتلو، أي أنه كلام الله بلفظه، جل وعلا، وبعجز الجن والإنس أن يأتوا بمثله، وبالتعبد بتلاوته.
فحجية السنة النبوية الشريفة، وإلزاميتها لجميع الثقلين إلى يوم القيامة هو جوهر شهادة أن (محمداً رسول الله)، لا يشك في ذلك إلا كافر خبيث ملعون، لا علاقة له بالإسلام، ولا نصيب له من الإيمان، أو جاهل مركب، حماره أعلم منه وأعقل، كجمهور «القرآنيين»، ومن سلك مسلكهم من الحمقى والمغفلين!

u فصل: الذكر، قرآناً وسنة، محفوظ
أسلفنا أن القرآن هو كلام الله المنزل على سيدنا محمد، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، بعين لفظه، كما هو مكتوب في المصاحف، محفوظ في الصدور، متلو بالألسنة، مسجل في الأشرطة، وغيرها من وسائل الحفظ والنقل، منقول عنه، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، كتلبة ومشافهة نقل تواتر، نقل الكافة عن الكافة، المفيد للعلم القطعي الضروري للناس جميعاً، مسلمهم، وكافرهم. وقد حاول الزنادقة قديماً، ورؤوس الكفر الدجاجلة، من أدعياء العلم، من «المستشرقين»، ودعاة التنصير والتغريب حديثاً، على مدى قرون متطاولة الطعن في ثبوت القرآن، ففشلوا، وارتدوا خائبين، واستقر القول عند الناس جميعاً، مسلمهم وكافرهم، أنه هكذا جاء من محمد، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، هكذا كما هو بين الدفتين، فلله الحمد والمنة!
وإنما بقي الذين كفروا في مرية من مجيئه من عند الله، ولكنهم لا يشكون لحظة في أنه ثابت عن محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، بكامله كما هو بين الدفتين! ولو أنصفوا وتدبروا لعلموا أنه من عند الله: }... ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً{. ولو كانوا جادين في تكذيبهم لقبلوا التحدِّ ي: }فليأتوا بحديث مثله إن كانوا صادقين{، }وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا، فأتوا بسورة من مثله، إن كنتم صادقين v فإن لم تفعلوا، ولن تفعلوا، فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة، أعدت للكافرين{.
فلما عجزوا عن قبول التحدي، بالرغم من التقريع الشديد، والذم العظيم، علمنا أنهم كاذبون مكابرون، أعمت بصائرهم العصبيات القبلية، والعنصرية، والقومية، أو تقليد الآباء والأجداد، أو حب الدنيا، وما فيها من الشهوات، والمصالح، والرياسات، أو الكسل والإقبال على الدنيا مع الإعراض التام عن الآخرة. وسترى في هذه الرسالة، على صغرها، ومحدودية موضوعها، العديد من دلائل النبوة، وأنوار الهداية إلى صدق نبوة سيد ولد آدم محمد بن عبد الله الهاشمي العربي الأمي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم وبارك.
فالحق أن ما بين الدفتين، المسمى قرآناً، هو كلام الله يقيناً. والحق أن الله تكفل، في الكتاب العزيز، بحفظ «الذكر» كله، قال، تباركت أسماؤه: }إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون{، (الحجر؛ 15:9) وذلك في الدرجة العليا من التأكيد، الذي تسمح به اللغة العربية!
فأما القرآن، ومنه آية «الحفظ» المذكورة آنفاً، فقد ثبت حفظه بالأدلة الحسية والعقلية القاطعة، لكونه نقل إلينا نقل تواتر، نقل الكافة عن الكافة، مورثاً علم اليقين الضروري. وإذا كانت هذه الآية من عند الله، ونحن نؤمن، ونشهد أنها من عند الله: لقيام البراهين القاطعة، والأدلة الملزمة القاهرة على ذلك، أي على نبوة سيدنا محمد بن عبد الله، خاتمة أنبياء الله، عليه وعلى آله صلوات وتسليمات وتبريكات من الله، كما سيأتي لمحة لبعضه في الباب المخصوص لـ(أدلة التوحيد)، لزم ضرورة أن يكون ما بين دفتي المصحف كله محفوظاً، وأنه ليس بعض القرآن، وإنما هو كل القرآن، لم يفقد منه شئ، ولا حتى حرف واحد أو حركة واحدة، ولا حُرِّف منه شئ، ولا زيد فيه شيء، ولا حتى لفظة واحدة أو حرف واحد، وإلا كان وعد الله بحفظه كاذبا خائساً، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً!
ولكن هذا ليس هو كل ما تثبته آية الحفظ! فقد تكفل الله بحفظ «الذكر» كله. وقد أقمنا البرهان القاطع، من القرآن نفسه، على أن السنة النبوية الشريفة قسم من أقسام الذكر، فهي قسيمة القرآن، ومثيلته في الحجية، وهي أكثر منه في العدد والبيان!
وأيضا فإن السنة التبوية الشريفة، كما نعلم من الاستقراء ضرورة، مبينة للقرآن، أي أنها: مفسرة لمجمل القرآن، مخصصة لعموماته، مقيدة لإطلاقاته. فإذا كان الحال هكذا، وهو كذلك يقيناً، فما الفائدة من حفظ القرآن وحده؟! ولو لم تكن السنة محفوظة كذلك، وكان الوحي المتلو، أي القرآن، هو وحده المحفوظ، لما تمت بذلك نعمة، ولا حسنت به منة، ولا قامت لله على عباده حجة، وكان حفظه مع ضياع بيانه، كضياع عينه سواء بسواء، ولا فرق.
فالسنة النبوية الشريفة محفوظة، قطعاً، بجملتها إلى يوم القيامة، فلا يجوز أن يضيع منها شئ، ولا أن يدخل فيها ما ليس منها على نحو لا يتبين، أو لا يتميز أبداً. ولا يجوز أن يحفظ المنسوخ أو المجمل أو العام أو المطلق، ويضيع الناسخ أو المفسر أو المخصص أو المقيد!
ولما كانت أدلة القرآن القاطعة، والسنة المتواترة قد برهنت على وجوب قبول خبر الثقة الواحد في البلاغ، والنذارة، والشهادة، والبيان، وبينت أن هذه هي كيفية تلقي العلم، ورواية السنة إلى يوم القيامة، كما انعقد عليه إجماع الصحابة المتيقن، كما فصله العلماء في كتب علوم التوحيد، وعلوم أصول الفقه، وعلوم الحديث، لذلك وجب قبول ما رواه الثقات الآحاد، بعضهم عن بعض متصلاَ، ما دام ذلك النقل سليماً من الشذوذ والعلل، حسب قواعد وضوابط ذلك العلم الشريف!
لا يقولن قائل أن الثقة ليس بمعصوم من الكذب، والوهم، والخطأ، فلا بد من نقل التواتر فحسب، الذي تقتضي ضرورة العقل التسليم بثبوته، لا يقولن ذلك قائل، لأن الله تكفل بحفظ الذكر، مع أمره بقبول رواية الآحاد الثقات، وهذا يقتضي ضرورة: أنه، جل جلاله، قد تكفل بفضح من كذب على النبي، صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله، ولو مرة واحدة، وضمن تيسير الإمارات والقرائن التي تكشف، لا محالة، وهم الواهمين في الرواية، وأخطاء المخطئين في الحديث: من مخالفة غيره من الثقات، وهذا هو الشذوذ، أو بقوادح خفية، تسمى العلل، أصَّلها أهل الصنعة بتوفيق الله، ومنته، فأسسوا علما كاملاً ضخماً متكاملاً، تفردت به الأمة المحمدية. وسوف ترى في ثنايا هذا الكتاب، وفي الملحق المخصص لدراسة الأسانيد، نماذج قليلة لدقة هذا العلم الشريف، وكيفية تطبيقه، ودرجة الحيطة في التصحيح والتضعيف ونقد الرجال، التي قد تصل إلى حد التقعر والغلو أحياناً!
كما أن ضرور ة التاريخ تثبت أيضاً أن السنة بمجملها إنما نقلت هكذا: روايات آحاد مسلسلة إلى منتهاها، مع التحقيق والتمحيص الذي قام به علماء الحديث، ولم تنقل بغير هذه الكيفية أصلاً، وجب أن تكون هذه الكيفية هي التي أختارها الله لحفظ السنة، بوصفها بعض الذكر. فلا بد أن تكون السنة بمجملها محفوظة بحفظ الله لها.
فالسنة النبوية، في جملتها، محفوظة لا شك، كما دلت عليه الأدلة اليقينية المذكورة أعلاه، وغيرها مما أفاض العلماء في بسطه، وبيانه، وتأصيله في مواضعه. وهي تتمثل في الأحاديث الثابتة الصحاح، وهي حجة يقينية قاطعة كالقرآن، والسنة المتواترة، سواء بسواء!

واللغة العربية محفوظة كذلك كحفظ الذكر، أو أشد، لأنها وإن كانت ليست من الذكر لأنها ليست منزلة تنزيل القرآن والسنة، إلا أنها شرط ضروري لفه الذكر، أي فهم القرآن والسنة. فالقرآن والسنة لا تفهم، ولا قيمة لها بدون العربية، لذلك لا يتصور أن يكون الذكر محفوظاً بدون حفظ اللغة العربية. إذا لا بد من الجزم بأن الله قد تكفل بحفظ اللغة العربية أيضاً عندما تكفل بحفظ الذكر. فاللغة العربية، نحواً وصرفاً ولغة وبياناً وبديعاً وبلاغة، محفوظة كحفظ القرآن والسنة، أو أشد.
وهذا هو الذي وقع تاريخياً بالفعل، وهو موضع إجماع المسلمين وغيرهم. وحتى غلاة المستشرقين والمنصرين من أمثال جولتسيهر وشاخت الذين زعموا أن السنة النبوية كلها زائفة موضوعة، لم يصدر منهم أي شئ يطعن في حفظ اللغة العربية، ولو فعلوا لافتضح أمرهم، ولصنفهم الناس على الفور في عداد المجانين والمعتوهين، وهو، وايم الله، على كل حال، التصنيف الحق، اللائق بهم، والمناسب لهم ولأمثالهم.

u فصل: لمحة خاطفة عن تدوين السنة
ولعلنا نلمح تلميحاً مختصراً سريعاً إلى الكيفية التي تم بها تدوين السنة الشريفة، وذلك لأن الكثير من عوام الناس، بل من خواصهم، وكذلك أدعياء «العلم» من المستشرقين، ومقلدتهم من «القرآنيين»، ظنوا أن استخدام لفظ التحديث في أغلب طرق الحديث النبوي، أي قول المحدث: «حدثنا» أو «حدثني»، يدل أو يقتضي أن تكون السنة النبوية إنما نقلت مشافهة، من غير كتابة ولا تدوين، حتى بدأ تدوينها فيما يسمَّى بـ«عصر التدوين»، عندما نشر الإمام مالك موطأه، وأصدر الحمادان والسفيانان وسعيد بن أبي عروبة، ومعمر بن راشد، وغيرهم، سننهم ومصنفاتهم الأولى، وذلك بعد إلحاح الخليفة العباسي أبي جعفر المنصور عليهم بتعاطي ذلك والتعجيل به، كما هو في تاريخ الطبري.
هذا كله وهم لا حقيقة له. بل الصحيح أن «التدوين» كتابة بدأ في العهد النبوي الشريف، فقد كتب عبد الله بن عمرو بن العاص صحيفته، التي كان يسميها «الصادقة»، والتي اشتملت على أكثر من ألفي حديث، من في النبي. صلى الله عليه وعلى آله وسلم، مباشرة. وكان يحافظ عليها أشد المحافظة في صندوق مغلق، لا يخرجها إلا للمراجعة أو الإملاء على التلاميذ، وقد ورث أبناؤه وحفدته تلك الصحيفة، وقد سبق قريباً اعتراض قريش على كتابته، ومشاورته للنبي، صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله، في الموضوع وإقراره له على كتابة كل ما يسمع.
وهناك صحيفة إمام الهدى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، التي كان يحافظ عليها معلقة في قائم سيفة. شاملة لأحكام الزكاة، وقواعد دستورية أخرى مهمة، وبعض أحكام «صحيفة المدينة» الدستورية الشهيرة، كما هو محرر في كتبنا: (طاعة أولي الأمر: حدودها وقيودها).
وهناك صحائف عدة أملاها أبو القاسم، صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله، لغير واحد من ولاته عند تنصيبهم حكاما أو قضاة أو جباة زكاة في البعيد من المناطق تشمل عادة أحكام الزكاة وتفاصيل مقاديرها، مع وصايا أخري، وأحكام عامة، وتكاليف وتوجيهات معينة فمن ذلك: صحيفة عمرو بن حزم الأنصاري، الذي استعمله النبي، صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله، على نجران، وصحيفة أنس، عندما استعمله النبي، صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله، على زكوات البحرين، وغيرهما.
وعندما عجز أبو شاة، وهو رجل من أهل اليمن، أن يحفظ، عن ظهر قلب، خطبة النبي العصماء التي ألقاها يوم الفتح المكي المجيد، اشتكى ذلك إلى سيدي أبي القاسم، صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله، فأمر الحفاظ المتقنين الأثبات، الذين كانوا يحفون به، ولا يغادرون رفقته، بأن يكتبوا لأبي شاة: فهذه صحيفة أبي شاه.
وعندما عاد حافظ الإسلام وراويته الأول أبو هريرة عبد الرحمن بن صخر من البحرين، التي كان فيها قائما ببعض أعمال الولاية ومعاوناً لواليها العلاء بن الحضرمي، إلى المدينة في أول خلافة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، فما كان من هذا إلا أن اشتد في محاسبته، فضربه، وصادر ماله إلا ما كان عطاءً ثابتاً، كما أثبتناه في الملحق في الفصل المعنون:(فصل: ضرب أبي هريرة، وانتزاع ماله)، فاعتزل أبو هريرة الأعمال العامة، فلم يقبل من عمر بعد ذلك عملاً، وأقبل على تعلم الكتابة والقراءة حتى أتقنها، وحفظ القرآن، وكتب محفوظاتة عن النبي، صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله، ولعلها تنوف على أربعة آلاف حديث. ثم خصص جزءً من كل ليلة لمراجعتها، وتثبيت حفظها، حتى توفاه الله. وقد وردات روايات متعددة تفيد مراجعنه لها عند شكه في بعض المحفوظ، وهي وقائع نادرة جداً لتمتعه، رضي الله عنه، بحافظة جبارة. هذه كتابة مبكرة جداً في حدود عشر سنوات من تاريخ السماع مباشرة، من المستمع المتلقي نفسه.
وصحيفة جابر بن عبد الله الأنصاري معروفة مشهورة وكانت تحتوي نحواً من خمسمائة حديث نبوي شريف. إلا أننا لا نعلم هل كتبها من في النبي، صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله، مباشرة فور السماع والمشافهة، كما فعل عبد الله بن عمرو بن العاص، أم كتبها بعد وفاة النبي، صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله، كما فعل أبو هريرة، وهذا هو الأرجح.
هذا بعض ما كتب من الحديث النبوي الشريف فوراً أو بعد مدة يسيرة من السماع المباشر، وهو شطر كبير من الحديث النبوي الشريف، لعله يبلغ الثلثين مما هو في أيدينا من المتون، وهو بالقطع فوق النصف مما هو في أيدينا الآن.
نعم: كان الغالب على عهد الصحابة هو الحفظ والنقل مشافهة، وهذا هو الحال بالنسبة للمخضرمين، الذين فاتهم شرف الصحبة، ولكنهم أدركوا الجاهلية والإسلام، وكذلك الحال الطبقة الأولى من الرواة بعد الصحابة أي كبار التابعين. كما كان يكثر في هذه الطبقة التحديث في المناسبات، والتعليق على النوازل، والفتوى، بالإضافة إلى حلقات الدرس، وجلسات العلم المخصصة لرواية الحديث النبوي الشريف.
ولكن حلقات الدرس، وجلسلت التحديث المخصوصة، وكتابة الحديث في مذكرات خاصة، يكتب كل عالم وطالب علم لنفسه، وإملاء الشيخ على التلاميذ، أو قراءة تلميذ جيد الإلقاء، جهوري الصوت من مذكرة الشيخ، والشيخ يتابع ما يقرأ في نسخته، أو من ذاكرته، وبقية الحضور يكتبون، كل ذلك أصبح السمة الغالبة في طبقة أوساط التابعين وصغارهم. بل إن المكتبة الخاصة لبعض كبار المحدثين كانت تنقل معه على عدة أباعر، كما هو مشهور عن الإمام محمد بن شهاب الزهري، وهو من طبقة صغار التابعين (وهي الطبقة التي أدركت بعض من تأخرت وفاته من صغار الصحابة)، حيث كان هذا يراجع كتبه دوما إذا خلى بنفسه، حتى تضجرت زوجه من ذلك، وقالت ما معناه أن تلك اللكتب أشد عليها من الضرائر، أو كلاماً هذا معناه.
كما أن الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز، رضي الله عنه، بدأ عملية كتابة وجمع للحديث، وخاصة حديث عمرة بنت عبد الرحمن، راوية أم المؤمنين عائشة، وأمر قاضي المدينة أبا بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، حفيد عمرو بن حزم عامل النبي، صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله، على نجران، وهو من سادات التابعين: إمام فقيه، ومحدث ثقة، بمباشرة ذلك بنفسه، وذلك في العام 100 هـ، أو حواليه.
وبنت الطبقات التالية، طبقات كبار الأتباع وأوساطهم، على هذا الأسلوب وعمقته فأصبحت الرواية علماً «أكاديمياً»، وأصبحت لجلسات التحديث والإملاء آداب وإجراءات، وتسجيل للحضور، وحصول على التواقيع، ...إلخ. وقلت الرواية العفوية، ولم يعد يعتد بما يرويه الوعاظ، والقصاص، وخطباء الجمعة إلا إذا كانت مسندة من محدث راسخ القدم، وهذا قليل جداً على كل حال.
إذا كان هذا هو الحال، وهو يقيناً كذلك، فما معنى لفظة أو مصطلح: «عصر التدوين» آنفة الذكر؟! المعنى يتضح فوراً إذا سمينا ذلك العصر باسمه الصحيح: «عصر النشر والوراقين»، ولعلنا نزيد هذا إيضاحاً فنقول:
مع أواخر القرن الهجري الأول وبداية القرن الهجري الثاني انتشرت صناعة الورق في العالم الإسلامي من موطنها الأصلي في سمرقند، التي أخذ أهلها ذلك من قبل من أهل الصين. وما كاد ثلث القرن الثاني ينصرم، وأمر الدولة العباسية يستتب، إلا وصناعة الورق بجودة عالية وأثمان معقولة قد انتشرت في كل مكان، وأصبح نشر الكتب وبيعها على الجمهور بأسعر مقبولة من أوساط الناس أمراً عادياً، وانتشرت بالفعل كتب الشعر والأدب والعربية، وكتابات الأدباء من أمثال ابن المقفع، وترجمات كليلة ودمنة، وغيرها من الأدب الفارسي والهندي. وهكذا نشأت مهنة «الوراق»، وهو الذي يوظف جهازاً كاملاً من النساخ والمراجعين يقوم بنسخ الكتب بأعداد وفيرة، تعرض للبيع على العامة. أي أن «الوراق» في الصطلاح القديم هو «الطابع والناشر» في اللفظ الحديث.
لكن علماء الحديث لم يرحبوا بذلك لأن ما ينتجه «الوراق»، على جودته، وقلة أغلاط النساخ فيه، لا يصل في الوثاقة إلى مرتبة ما يتلقاه التلميذ من شيخه إما إملاءً أو عرضاً، فخشوا أن تضيع أصول الرواية المنضبطة المسندة المتشددة، وتنتشر النسخ المحرفة أو المزورة، كما حدث عند أهل الكتابين السابقين: اليهود والنصارى. ولكن أبا جعفر المنصور لم يقتنع بذلك وأصر على أن من حق عوام المسلمين، من غير المتفرغين لعلوم الحديث، الحق في الاطلاع على الحديث النبوي، واقتناء كتبه في مكتباتهم الخاصة. أما طلبة العلم فأمامهم المحدثون المعتبرون يتلقون منهم مباشرة، أو يصححون ما اشتروه من نسخ الوراقين بالقراءة أو العرض على علماء الحديث المسندِين.
قلت: وقد أصاب أمير المؤمنين أبو جعفر في ذلك فإن الرواية المسندة المنضبطة استمرت لعدة قرون بعد ذلك، واستمر جمع السنن فجاءت بعد موجة النشر الأولى، التي يقع فيها الموطأ، وما ألفه السفيانان: سفيان الثوري وسفيان بن عيينة، والحمادان: حماد بن زيد بن د رهم وحماد بن سلمة بن دينار، وسعيد بن أبي عروبة، وغيرهم، ويمكن تأريخها حول عام 145 هـ،
موجة ثانية: فيها مصنف عبد الرزاق، وسنن الحميدي، ومسند الطيالسي، ومؤلفات الواقدي، وغيرهم، وهي حوالي العام 190 هـ،
وموجة ثالثة: اشتملت على المسانيد والجوامع الكبرى: مسند أحمد بن حنبل، ومسند إسحاق بن راهويه، ومسند بقي بن مخلد في الأندلس، ومصنف بن أبي شيبة، وسنن سعيد بن منصور، وطبقات بن سعد، وسنن الدارمي ولعلنا نؤرخها حوالي: 230 هـ.
وفي موجة رابعة: حوالي العام 250 هـ جاءت الصحاح المباركة: البخاري ومسلم، ومعهما أو بعدهما بقليل سنن أبي داود، والترمذي، وابن ماجه، وكذلك مسانيد أبي يعلى والبزار، ثم سنن النسائي.
بهذا نضج جمع الحديث النبوي ونشره فلم يعد ثم ما يستدرك إلا قليلاً، ولكن الجمع والتدوين استمر في الموجة الخامسة: معاجم الطبراني، ثم صحيح ابن حبان. فسنن الدارقطني، فمستدرك الحاكم، وكتب الرجال التي تكثر من ذكر مروياتهم بأسانيدها مثل «الكامل في الضعفاء» للإمام ابن عدي، وغيرها. وأكثر هذه الكتب والمصنفات قد انتشر في الآفاق، وكثرت نسخه حتى أصبح منقولاً نقل تواتر لا تضر معه أغلاط النساخ، لأنها، بدون شك، ممكنة التصحيح، ولا تزوير المزورين، لأنها مفضوحة لا محالة.
ومع ذلك بقيت أحاديث يسيرة، وطرق أخرى لأحاديث معلومة لا تجدها إلا في ثنايا الموجات التالية من كتب الفقه وأصوله، وكتب الحديث، وكتب التواريخ ونقد الرجال، ومن أهم تلك المصادر: «الإحكام في أصول الأحكام»، و«المحلى» وكلاهما للإمام المتقن الحجة أبي محمد علي بن حزم، و«تاريخ بغداد» للإمام الكبير الخطيب البغدادي، وغيرها. ولعل ذلك كله تم في حدود 450 هـ.
واستمرت رواية الحديث بعد ذلك برواية كتبه في جلسات الإملاء والتحديث حتى القرن التاسع الهجري في جميع أنحاء العالم الإسلامي تقريباً، وما زال بعض ذلك متصلاً في الديار الهندية، وفي المغرب الأقصى إلى ساعة كتابة هذه السطور.
وفي هذه الأيام، في عصرنا هذا، تم إدخال أكثر تلك الكتب القيمة في الحاسوب، هذا حفظ جديد، وإن كانت بعض تلك النصوص ليست على أعلى درجات النظافة، ولم تستند بعد على أفضل المخطوطات، إلا أن ذلك سيكون إن شاء الله، في القريب من مستقبل الأيام، شيئاً فشيئاً، بجهود طلبة العلم، والمحققين من الباحثين، الذين انتخبهم الله لهذا الشأن.
وحال السيرة النبوية، لا سيما العهد المدني منها الذي حفل بالمغازي، هو كحال الحديث أو أفضل، خلافاً لما يظنه بعض الجهال، فقد بدأ التصنيف فيها، غالباً تحت مسمَّى «المغازي» مبكراً، قبل التصنيف في السنن والمسانيد بمدة طويلة، ونشر هذا كذلك على عامة الناس مبكراً. هذا هو الواقع التاريخي، المطابق لما عرف عوام الناس به من حب السير والقصص والتواريخ، وتفضيلهم ذلك على الأسلوب العلمي «الجاف» الذي تتسم به كتب السنن والمسانيد. بل إن عقد حلقات مخصوصة لـ«المغازي» بدأ مبكراً في عهد الخلفاء الراشدين، لشحذ همم الجنود، وتحريض المؤمنين على الجهاد، وكانت تلك الحلقات تسمَّى حلقات «القص»، يتحدث فيها «القصاص».
وقد ألفت «مغازي» مستقلة في عهد مبكر، فمن ذلك «مغازي عروة» من تأليف الإمام التابعي الكبيرعروة بن الزبير بن العوام، رضي الله عنهما، المتوفى في أواخر القرن الهجري الأول، وهي مروية من عدة طرق. وقد طبعت مؤخراً بعناية فضيلة الشيخ المحدث العلامة محمد مصطفى الأعظمي، حفظه الله، طبعة جيدة مقارنة لبعض طرق روايتها.
وكذلك ألف الإمام التابعي أبان بن عثمان بن عفان، رضي الله عنهما، في «المغازي»، ولكنه أخطأ خطأً عظيما بعرضها على الطاغية المجرم الوليد بن عبد الملك بن مروان، الذي استنكر ما فيها من الحقائق «المسيئة» لبني أمية، فأمر بتمزيقها! ولم تتجه همة أبان بن عثمان بعد تلك الصدمة لإعادة كتابتها مرة أخرى، فلا حول ولا قوة إلا بالله.
ولا شك أن غير هؤلاء كثير قد ألَّف في «المغازي» وصنف، كما فعل الإمام الكبير محمد بن شهاب الزهري، بعد تلك الطبقة مباشرة، ثم نهض إمام المغازي والسير محمد بن إسحاق بن يسار، المتوفى 150 هـ، فألف سيرته الشاملة الكبيرة فجمع وأوعى، ولكنه ضمنها ما هب ودب، وكثير منه غير ثابت، ثم اخثصرها وهذبها الإمام اللغوي الشهير بن هشام فأصبحت «سيرة بن هشام» تكاد تكون علما على «السيرة النبوية» أو مرادفة للفظة «السيرة» إذا أطلقت هكذا من غير تفصيل أو زيادة بيان.
وما زال التأليف والتنقيح والمراجعة مستمرة حتى هذا يومنا هذا، حتى كتب الشيخ صفي الرحمن المباركفوري، حفظه الله وأثابه، في زماننا هذا سيرته المحققة الرائعة: «الرحيق المحتوم»، التي حصلت بحق على الجوائز العالمية، وترجمت إلى اللغات الكثيرة، فلله الحمد والمنة.
وقد يقول قائل: فلم لا يحتج بجزئيات «السيرة» في قضايا التشريع والعقيدة، مع كونها تعطي صورة تاريخية صحيحة في الجملة؟! وجواب ذلك أن طريقة التأليف التاريخي ترغم المؤلف، عادة، على حذف الأسانيد، وتركيب الروايات المختلفة في سياق واحد متماسك: هذا ينتج تأريخا وقصصا جيداً، أي صورة كلية صحيحة، لكنه لا يحدث يقيناً بثبوت جزئية معينة على النحو الذي تقوم به الحجة، وتطمئن إليه النفس.
لذلك قال علماء الحديث، بطريقتهم الصارمة المتشددة: السير والتاريخ لا أصل لها، وهم لا يقصدون إلا أن مفرداتها لا تثبت مفردة مفردة على نحو تقوم به الحجة في العقيدة والتشريع. تماما كما أن أقوال الصحف، وروايات محطات الإذاعة والتلفاز وإن كانت ربما أعطت صورة الحدث العامة، إلا أنها لا تقبل عادة في الترافع القضائي، بل لا بد من شهود العيان، والأدلة المادية المحسوسة، والوثائق المعتبرة أو الرسمية، وصمود كل ذلك للنقد، والاستجواب «التقاطعي» (cross examination)، والخلو من المعارضة، وإلا فلا.
وأمور العقيدة والشريعة هي قطعاً، بلا شك، أهم من ملكية منزل أو ثبوت دَين في ذمة، والتشدد فيها أولى وأوجب!
هذه لمحة خاطفة، في أسلوب أشبه بالبرقيات، وإلا فإن تفصيل ذلك يحتاج إلى المجلدات، ويكفي من ذلك الرسالة التاريخية القيمة التي حصل بها فضيلة والدنا الشيخ المحدث العلامة الأستاذ الدكتور محمد مصطفى الأعظمي، حفظه الله، على درجة الدكتوراه من جامعة «كامبريدج» في بريطانيا، أتى فيها على بنيان «المستشرقين» من القواعد، فخر عليهم السقف من فوقهم، فمزق مزاعمهم، وأبطل نظرياتهم، ومزق دعاويهم الكاذبة تمزيقاً، بل طحن دعاويهم وافتراءاتهم طحناً، فلله الحمد والمنة.
وليس هذا فحسب، بل إن أكثر المنصفين من المستشرقين قد تراجعوا عن مقولات جولتسيهر وشاخت السخيفة. وما زالت الأبحاث الرصينة، والمؤلفات تتوالى بتقوية السنة عموماً، والتأكيد على ثبوتها في الجملة بأدلة أكاديمية بحتة، من غير إحالة إلى البرهان العقائدي الذي ذكرنا أعلاه. وكلما تطاول الزمن لم تزل الأدلة على صدق القرآن، وأنه من عند الله تتوالى تترا، كما وعد الله، جل جلاله، وسما مقامه، بذلك عندما قال قولاً كريماً: }سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ v أَلا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَاءِ رَبِّهِمْ أَلا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ{، (فصلت؛ 41:53-54). نعم: لقد وقع هذا في زمن قريش، وبعدها، وفي زمننا هذا، ولا يزال يتحقق شيئاً بعد شئ، يوماً بعد يوم إلى يوم القيامة الكبرى: }أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ؟!{، (فصلت؛ 41:53).

أبو عمر المنصور
19-04-2011, 05:33 PM
مسائل أصولية
u فصل: محمد رسول الله وخاتم النبيين، لا نبي بعده ولا رسول
v قال الله، جل ذكره، وتقدست أسماؤه: }ما كان محمد أبا أحد من رجالكم، ولكن رسول الله وخاتم النبيين وكان الله بكل شيء عليما{، (الأحزاب: 33:40).
v ومعنى الآية أوضح من الشمس لذلك اختصره الإمام الطبري في «تفسيره» اختصاراً: [القول في تأويل قوله تعالى: }ما كان محمد أبآ أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين وكان الله بكل شيء عليما{، يقول تعالى ذكره ما كان أيها الناس محمد أبا زيد بن حارثة ولا أبا أحد من رجالكم الذين لم يلده محمد فيحرم عليه نكاح زوجته بعد فراقه إياها، ولكنه رسول الله، وخاتم النبيين، الذي ختم النبوة فطبع عليها فلا تفتح لأحد بعده إلى قيام الساعة، وكان الله بكل شيء من أعمالكم ومقالكم وغير ذلك ذا علم لا يخفى عليه شيء. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك:
ــ حدثتا بشر قال حدثنا يزيد قال حدثنا سعيد عن قتادة قوله ما كان محمد أبا أحد من رجالكم قال نزلت في زيد إنه لم يكن بابنه ولعمري ولقد ولد له ذكور إنه لأبو القاسم وإبراهيم والطيب والمطهر ولكن رسول الله وخاتم النبيين أي آخرهم وكان الله بكل شيء عليما
ــ حدثني محمد بن عمارة قال حدثنا علي بن قادم قال حدثنا سفيان عن نسير بن ذعلوق عن علي بن الحسين في قوله ما كان محمد أبا أحد من رجالكم قال نزلت في زيد بن حارثة والنصب في رسول الله صلى الله عليه وسلم بمعنى تكرير كان رسول الله صلى الله عليه وسلم والرفع بمعنى الاستئناف ولكن هو رسول الله والقراءة النصب عندنا واختلفت القراء في قراءة قوله وخاتم النبيين فقرأ ذلك قراء الأمصار سوى الحسن وعاصم بكسر التاء من خاتم النبيين بمعنى أنه ختم النبيين ذكر أن ذلك في قراءة عبد الله ولكن نبيا ختم النبيين فذلك دليل على صحة قراءة من قرأه بكسر التاء بمعنى أنه الذي ختم الأنبياء صلى الله عليه وسلم وعليهم وقرأ ذلك فيما يذكر الحسن وعاصم خاتم النبيين بفتح التاء بمعنى أنه آخر النبيين كما قرأ مختوم خاتمه مسك بمعنى آخره مسك من قرأ ذلك].
ولم يكن يخطر للطبري على بال، ولا على بال غيره من علماء تلك العصور السالفة، أن ينشأ نقاش حول معنى لفظة: «خاتم»، لأن لها معنى واحداً لا غير: ألا وهو: الطبع والإغلاق والإقفال والإنهاء وما يؤول إليه الأمور في العاقبة، أي في أواخرها، ونحو ذلك، لا تعرف العرب لها معنىً سواه:
ومادة «ختم» الثلاثية قد استخدمها القرآن في غير هذا المكان في سبع مواضع إليكها بترتيب المصحف، والقرآن خير ما يفسره القرآن:
(1) قال الله تعالى: }ختم الله على قلوبهم، وعلى سمعهم وأبصارهم غشاوة، ...، الآية{، (البقرة: 2:7).
(2) وقال، جل ذكره: }قل: أرأيتم إن أخذ الله سمعكم وأبصاركم وختم على قلوبكم، من إله غير الله يأتيكم به، ...، الآية{، (الأنعام: 6:46).
(3) وقال، تقدست أسماؤه: }اليوم نختم على أفواههم، وتكلمنا أيديهم...، الآية{، (يس: 36:65).
(4) وقال: }أم يقولون افترى على الله كذباً؟! فإن يشأ الله يختم على قلبك ...، الآية{، (الشورى: 42:24).
(5) وقال: }أفرأيت من اتخذ إله هواه، وأضله الله على علم، وختم على سمعه وبصره، ..الآية{، (الجاثية: 45:23).
(6) وقال: }يسقون من رحيق مختوم{، (المطففين: 83:25).
(7) وقال: }ختامه مسك، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون{، (المطففين: 83:26).
والإمام الطبري حجة في اللغة، وهو من علمائها المبرزين، مع إمامته في التفسير، والحديث، وكونه مجتهداً مطلقاً. وقد أفاض في مناقشة لفظة «ختم»، عند مجيئها المرة الأولى بترتيب المصحف، فذكر المعنى اللغوي الوحيد باختصار، ثم أطال في مناقشة مسائل: «الهدى والضلال»، و«طغيان الذنوب على القلب»، ..إلخ، فقال:
v بخصوص الآية الأولى في «تفسيره»: [القول في تأويل قوله جل ثناؤه: }ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم{، وأصل الختم الطبع والخاتم هو الطابع يقال منه ختمت الكتاب إذا طبعته فإن قال لنا قائل وكيف يختم على القلوب وإنما الختم طبع على الأوعية والظروف والغلف قيل فإن قلوب العباد أوعية لما أودعت من العلوم وظروف لما جعل فيها من المعارف بالأمور فمعنى الختم عليها وعلى الاسماع التي بها تدرك المسموعات ومن قبلها يوصل إلى معرفة حقائق الأنباء عن المغيبات نظير معنى الختم على سائر الأوعية والظروف فإن قال فهل لذلك من صفة تصفها لنا فنفهمها أهي مثل الختم الذي يعرف لما ظهر للأبصار أم هي بخلاف ذلك قيل قد اختلف أهل التأويل في صفة ذلك وسنخبر بصفته بعد ذكرنا قولهم:
فحدثني عيسى بن عثمان بن عيسى الرملي قال حدثنا يحيى بن عيسى عن الأعمش قال أرانا مجاهد بيده فقال كانوا يرون أن القلب في مثل هذا يعني الكف فإذا أذنب العبد ذنبا ضم منه وقال بإصبعه الخنصر هكذا فإذا أذنب ضم وقال بإصبع أخرى فإذا أذنب ضم وقال باصبع أخرى هكذا حتى ضم اصابعه كلها قال ثم يطبع عليه بطابع قال مجاهد وكانوا يرون أن ذلك الرين
حدثنا أبو كريب قال حدثنا وكيع عن الأعمش عن مجاهد قال القلب مثل الكف فإذا أذنب ذنبا قبض أصبعا حتى يقبض أصابعه كلها وكان أصحابنا يرون أنه الران
حدثناالقاسم بن الحسن قال حدثنا الحسين بن داود قال حدثني حجاج قال حدثنا ابن جريج قال قال مجاهد نبئت أن الذنوب على القلب تحف به من نواحيه حتى تلتقي عليه فالتقاؤها عليه الطبع والطبع الختم قال ابن جريج الختم الختم على القلب والسمع
حدثناالقاسم قال حدثنا الحسين حدثني حجاج عن ابن جريج قال حدثني عبد الله بن كثير أنه سمع مجاهدا يقول الران أيسر من الطبع والطبع أيسر من الاقفال والإقفال أشد ذلك كله، ...إلخ].
v أما بخصوص الآية الثانية فقد قال في «تفسير الطبري»: [القول في تأويل قوله تعالى: } قل أرأيتم إن أخذ الله سمعكم وأبصاركم وختم على قلوبكم من إله غير الله يأتيكم به انظر كيف نصرف الآيات ثم هم يصدفون{، يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم قل يا محمد لهؤلاء العادلين بي الأوثان والأصنام المكذبين بك أرأيتم أيها المشركون بالله غيره إن أصمكم الله فذهب بأسماعكم وأعمالكم فذهب بأبصاركم وختم على قلوبكم فطبع عليها حتى لا تفقهوا قولا ولا تبصروا حجة ولا تفهموا مفهوما أي إله غير الله الذي له عبادة كل عابد يأتيكم به يقول يرد عليكم ما ذهب الله به منكم من الأسماع والأبصار والأفهام ...إلخ]. فأنت ترى أنه لم يخصص للفظة «ختم» إلا نصف جملة عابرة، فاكتفى في تفسيرها بلفظة مرادفة هي: «طبع»، وهي في الواقع أشد إذ أنها: طبع مع إنهاء بعد إقفال وإغلاق.
v وبخصوص الآية الثالثة قال في «تفسير الطبري»: [القول في تأويل قوله تعالى: }اليوم نختم على أفواههم وتكلمنآ أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون{، يعني تعالى ذكره بقوله اليوم نختم على أفواههم اليوم نطبع على أفواه المشركين وذلك يوم القيامة وتكلمنا أيديهم بما عملوا في الدنيا من معاصي الله وتشهد أرجلهم ...، إلخ]. وهذا كسابقه في الاختصار.
v أما بخصوص الآية الرابعة فقد قال في «تفسير الطبري»: [القول في تأويل قوله تعالى: }أم يقولون افترى على الله كذبا فإن يشإ الله يختم على قلبك ويمح الله الباطل ويحق الحق بكلماته إنه عليم بذات الصدور{، يقول تعالى ذكره أم يقول هؤلاء المشركون بالله افترى محمد على الله كذبا فجاء بهذا الذي يتلوه علينا اختلاقا من قبل نفسه وقوله فإن يشاء الله يا محمد يطبع على قلبك فتنس هذا القرآن الذي أنزل إليك... إلخ].
v أما بخصوص الآية الخامسة وهي: }أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله أفلا تذكرون{، فقد قال في «تفسير الطبري»: [وقوله وختم على سمعه وقلبه يقول، تعالى ذكره: وطبع على سمعه أن يسمع مواعظ الله وآي كتابه فيعتبر بها ويتدبرها ويتفكر فيها فيعقل ما فيها من النور والبيان والهدى، وقوله وقلبه يقول وطبع أيضا على قلبه فلا يعقل به شيئا ولا يعي به حقا].
v وبخصوص الآيتين الأخيرتين السادسة والسابعة فقد أطال في «تفسير الطبري» لوقوع الاختلاف بين المفسرين فقال: [وقوله: }يسقون من رحيق مختوم{، يقول يسقى هؤلاء الأبرار من خمر صرف لا غش فيها وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل]، وبعد أن ذكر نحو عشرة أسانيد، كلها متفق على أن الرحيق هي «الخمر»، قال: [وأما قوله: }مختوم v ختامه مسك{، فإن أهل التأويل اختلفوا في تأويله فقال بعضهم معنى ذلك ممزوج مخلوط مزاجه وخلطه مسك. ذكر من قال ذلك:
حدثنا ابن حميد قال حدثنا مهران عن سفيان عن أشعث بن أبي الشعثاء عن يزيد بن معاوية وعلقمة عن عبد الله بن مسعود ختامه مسك قال ليس بخاتم ولكن خلط
حدثنا ابن بشار قال حدثنا يحيى بن سعيد وعبد الرحمن قالا حدثنا سفيان عن أشعث بن سليم عن يزيد بن معاوية عن علقمة عن عبد الله بن مسعود ختامه مسك قال أما إنه ليس بالخاتم الذي يختم أما سمعتم المرأة من نسائكم تقول طيب كذا وكذا خلطه مسك
حدثني محمد بن عبيد المحاربي قال حدثنا أيوب عن أشعث بن أبي الشعثاء عمن ذكره عن علقمة في قوله ختامه مسك قال خلطه مسك
حدثنا أبو كريب قال حدثنا وكيع عن الأعمش عن عبد الله بن مرة عن مسروق عن عبد الله مختوم قال ممزوج ختامه مسك قال طعمه وريحه
قال حدثنا وكيع عن أبيه عن أشعث بن أبي الشعثاء عن يزيد بن معاوية عن علقمة ختامه مسك قال طعمه وريحه مسك، وقال آخرون بل معنى ذلك أن آخر شرابهم يختم بمسك يجعل فيه. ذكر من قال ذلك:
حدثني علي قال حدثنا أبو صالح قال ثني معاوية عن علي عن ابن عباس قوله رحيق مختوم ختامه مسك يقول الخمر ختم بالمسك
حدثني محمد بن سعد قال ثني أبي قال ثني عمي قال ثني أبي عن أبيه عن ابن عباس ختامه مسك قال طيب الله لهم الخمر فكان آخر شيء جعل فيها حتى تختم المسك
حدثنا بشر قال حدثنا يزيد قال حدثنا سعيد عن قتادة ختامه مسك قال عاقبته مسك قوم تمزج لهم بالكافور وتختم بالمسك حدثنا ابن عبد الأعلى قال حدثنا ابن ثور عن معمر عن قتادة ختامه مسك قال عاقبته مسك
حدثت عن الحسين قال سمعت أبا معاذ يقول حدثنا عبيد قال سمعت الضحاك يقول في قوله ختامه مسك قال طيب الله لهم الخمر فوجدوا فيها في آخر شيء منها ريح المسك حدثنا ابن عبد الأعلى قال حدثنا حاتم بن وردان قال حدثنا أبو حمزة عن إبراهيم والحسن في هذه الآية ختامه مسك قال عاقبته مسك
حدثنا ابن حميد قال حدثنا يحيى بن واضح قال حدثنا أبو حمزة عن جابر عن عبد الرحمن بن سابط عن أبي الدرداء ختامه مسك فالشراب أبيض مثل الفضة يختمون به شرابهم ولو أن رجلا من أهل الدنيا أدخل أصبعه فيه ثم أخرجها لم يبق ذو روح إلا وجد طيبها.
وقال آخرون عني بقوله مختوم مطين ختامه مسك طينه مسك. ذكر من قال ذلك:
حدثني محمد بن عمرو قال حدثنا أبو عاصم قال حدثنا عيسى وحدثني الحرث قال حدثنا الحسن قال حدثنا ورقاء جميعا عن ابن أبي نجيح عن مجاهد قوله مختوم ختامه مسك قال طينه مسك
حدثني يونس قال أخبرنا ابن وهب قال قال ابن زيد في قوله مختوم الخمر ختامه مسك ختامه عند الله مسك وختامها اليوم في الدنيا طين
وأولى الأقوال في ذلك عندنا بالصواب قول من قال معنى ذلك: آخره وعاقبته مسك أي هي طيبة الريح إن ريحها في آخر شربهم يختم لها بريح المسك. وإنما قلنا ذلك أولى الأقوال في ذلك بالصحة لأنه لا وجه للختم في كلام العرب إلا: الطبع والفراغ كقولهم ختم فلان القرآن إذا أتى على آخره، فإذا كان لا وجه للطبع على شراب أهل الجنة يفهم إذا كان شرابهم جاريا جري الماء في الأنهار ولم يكن معتقا في الدنان فيطين عليها وتختم، تعين أن الصحيح من ذلك الوجه الآخر وهو العاقبة والمشروب آخراً وهو الذي ختم به الشراب. وأما الختم بمعنى المزج فلا نعلمه مسموعا من كلام العرب].
وأنت ترى أن الطبري يحب الاستطراد والتطويل كلما سنحت له الفرصة، ومع ذلك لم يجد لهذه اللفظة: «ختم» إلا معنى «طبع عليه»، أو «أغلقه»، أو «أنهاه» أو «فرغ منه»، ولم يجد غير ذلك مطلقاً في كلام العرب، لذلك رجح في الآيات الأخيرة أن معنى:}ختامه مسك{ يعني عاقبته ونهايته التي يصير إليها مسكاً طيباً، لا كخمر الدنيا، التي تفوح رائحة كريهة من فم شاربها. وهذا المعنى اليتيم هو الوحيد الذي ذكره صاحب «مختار الصحاح»، كما يظهر من نصه التالي:
v وفي «مختار الصحاح» عند مادة (خ ت م): خَتَم الشيء من باب ضرب فهو مَخْتُومٌ، ومُخَتَّم، شدد للمبالغة، وخَتَمَ الله له بخير، وختم القرآن: بلغ آخره، واخْتَتَمَ الشيء ضد افتتحه، والخَاتَمُ، بفتح التاء وكسرها، والخَيْتامُ، والخَاتَامُ، كله بمعنى، والجمع الخَوَاتِيمُ، وتَخَتَّمَ: لبس الخاتم. وخاتِمةُ الشيء: آخره. ومحمد، صلى الله عليه وسلم، خاتم الأنبياء عليهم الصلاة والسلا.م والخِتَامُ: الطين الذي يختم به. وقوله تعالى : }ختامه مسك{، أي آخره لأن آخر ما يجدونه رائحة المسك.
نعم: هناك لفظة «تختم» بمعنى لبس الخاتم، ولكن الخاتم إنما سمِّيَ كذلك لأنه كان في الأصل يستخدم للطبع على الظروف والرسائل التي يبعث بها الملوك، فيغلقونها بالشمع الأحمر، ثم يطبعون بالخاتم عليه، فلا يفتح إلا بكسر الخاتم، ولا يمكن العبث بمحتوياته، إلا وانكشف ذلك وظهر. ثم أصبحت الخواتم بعد ذلك زينة، تلبس في الأصابع، وإن كان بعضها ما زال يستخدم للتواقيع، وإغلاق الظروف، في بقاع كثيرة، خصوصاً في البادية، بل وبعض الحاضرة، في جزيرة العرب، حتى يومنا هذا.
ويكفيك من هذا كله تفسير روح الله، وكلمته، السيد الوجيه المقرب المسيح عيسى بن مريم، عليه وعلى والدته أزكى الصلاة وأتم التسليم، لهذه اللفظة، يوم القيامة: (أرأيتم لو كان متاع في وعاء قد ختم عليه هل كان يقدر على ما في الوعاء حتى يفض الخاتم؟! فيقولون : لا، قال: فإن محمداً، صلى الله عليه وسلم، خاتم النبيين)» كما أخبرنا بذلك رسول الله، محمد، خاتم النبيين، عليه وعلى آله الصلاة والسلام:
v كما جاء في «مسند الإمام أحمد بن حنبل» بأصح إسناد تقوم به الحجة في الدين كما تقوم به الحجة في اللغة: [حدثنا عفان حدثنا حماد بن سلمة حدثنا ثابت عن أنس أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال: «يطول يوم القيامة على الناس فيقول بعضهم لبعض انطلقوا بنا إلى آدم أبي البشر فيشفع لنا إلى ربنا، عز وجل، فليقض بيننا فيأتون آدم فيقولون يا آدم أنت الذي خلقك الله بيده وأسكنك جنته فاشفع لنا إلى ربك فليقض بيننا فيقول إني لست هناكم ولكن ائتوا نوحا رأس النبيين فيأتونه فيقولون يا نوح اشفع لنا إلى ربك فليقض بيننا فيقول إني لست هناكم ولكن ائتوا إبراهيم خليل الله عز وجل فيأتونه فيقولون يا إبراهيم اشفع لنا إلى ربك فليقض بيننا فيقول إني لست هناكم ولكن ائتوا موسى الذي اصطفاه، الله عز وجل، برسالاته وبكلامه قال فيأتونه فيقولون يا موسى اشفع لنا إلى ربك، عز وجل، فليقض بيننا فيقول إني لست هناكم ولكن ائتوا عيسى روح الله وكلمته فيأتون عيسى فيقولون يا عيسى اشفع لنا إلى ربك فليقض بيننا فيقول إني لست هناكم ولكن ائتوا محمدا، صلى الله عليه وسلم، فإنه خاتم النبيين، فإنه قد حضر اليوم وقد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فيقول عيسى: (أرأيتم لو كان متاع في وعاء قد ختم عليه هل كان يقدر على ما في الوعاء حتى يفض الخاتم؟! فيقولون: لا. قال فإن محمداً، صلى الله عليه وسلم، خاتم النبيين)»، قال: فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: «فيأتوني فيقولون يا محمد اشفع لنا إلى ربك فليقض بيننا قال فأقول نعم فآتي باب الجنة فآخذ بحلقة الباب فاستفتح فيقال من أنت فأقول محمد فيفتح لي فاخر ساجدا فاحمد ربي، عز وجل، بمحامد لم يحمده بها أحد كان قبلي ولا يحمده بها أحد كان بعدي فيقول ارفع رأسك وقل يسمع منك وسل تعطه واشفع تشفع فيقول أي رب أمتي أمتي فيقال أخرج من كان في قلبه مثقال شعيرة من إيمان قال فأخرجهم ثم أخر ساجدا فاحمده بمحامد لم يحمده بها أحد كان قبلي ولا يحمده بها أحد كان بعدي فيقال لي ارفع رأسك وسل تعطه واشفع تشفع فأقول أي رب أمتي أمتي فيقال أخرج من كان في قلبه مثقال برة من إيمان قال فأخرجهم قال ثم أخر ساجدا فأقول مثل ذلك فيقال من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان قال فأخرجهم»].
ونحن كذلك نقول: صدق الله، وصدق رسله، آمنا بالله ورسله، نشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، خاتم الأنبياء والمرسلين، وأن عيسى عبد الله ورسوله، وروح منه، وكلمته ألقاها إلى مريم، الصديقة العذراء البتول، وأن الجنة حق، وأن النار حق، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور. كفرنا وتبرأنا من مسيلمة، والأسود العنسي، والبهاء، والقادياني، وغيرهم من الكذابين الدجالين: }ومن أظلم ممن افترى على الله كذباً، أو قال: أوحي إلى ولم يوح إليه شئ، ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله؛ ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت والملائكة باسطوا أيديهم: أخرجوا أنفسكم! اليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تقولون على الله غير الحق، وكنتم عن آياته تستكبرون{.
ومن هذا يتبين يقيناً، لا شك فيه، أن لفظة: «خاتم النبيين» لا يمكن أن تعني إلا أنه آخرهم، بل هي أقوى من ذلك في الدلالة: فكأن النبوة وعاء أغلق وطبع عليه: فلا يخرج منه أحد، ولا يدخله أحد، إلى قيام الساعة الكبرى: فنبوة الأنياء السابقين ثابتة لا تزول إلى أبد الأبد، فلا يتصور زوال تلك الصفة عنهم أبداً، ومحمد آخرهم ولا تزول عنه هذه الصفة إلى أبد الأبد، وليس بعده نبي جديد يأتي إلى أبد الأبد. وليس من معانيها أنه شاهد على نبوتهم فحسب، وهو والله كذلك، ولا أنه مصدق لهم، وهو والله كذلك، ولا أنه تشريف لهم، وهو والله كذلك، لأن لفظة «ختم» لا ترد في العربية بشئ من ذلك مطلقاً. وتلك المعاني إنما ثبتت له، عليه وعلى آله الصلاة والسلام، من نصوص أخرى غير هذه.
ففي الآية وحدها الدليل اليقيني القاطع، الذي يكفر منكره، بأن محمداً، عليه وعلى آله الصلاة والسلام، هو آخر النبيين وخاتمهم، لا نبي بعده ولا رسول، فمن ادعى ذلك بعده فهو دجال كاذب، لا فرق بين مسيلمة الحنفي العربي العدناني الكذاب، ولا الأسود العنسي العربي القحطاني الكذاب، ولا «البهاء» العجمي الفارسي الكذاب، ولا غلام أحمد القادياني العجمي الهندي الكذاب، ولا غيرهم ممن سلف، أو سيأتي في مستقبل الأيام، بما في ذلك عدو الله وعدو رسله، مسيح الضلالة: المسيح الدجال الأكبر، وهو لم يأت بعد عند كتابة هذه السطور. كلهم كذب، أو سيكذب، على الله، وكلهم عدو لله، وكلهم عليهم لعنة، ومقت، وسخط، وغضب من الله.
أما الأنبياء السابقون، ومنهم سيدنا المسيح عيسى بن مريم، مسيح الله المهدي، سيد الوجاهة والمجد، صلوات الله وسلامه وتبريكاته عليه وعلى والدته، فهم في «وعاء» النبوة، وإن شئت فقل: في «سجل» الأنبياء، قبل الختم عليه وإغلاقه، وكل واحد منهم نبي كما كان، وهو نبي الآن، ولو عاد إلى الدنيا فهو نبي كما كان: نبوته قديمة سابقة على ختم النبوات، وليست هي جديدة حادثة بعد ذلك.
ولما كانت شرائعهم قد نسخت، وأممهم بوصفها أمم رسالة قد انقرضت، كما سيأتي بيانه وإقامة البراهين القاطعة عليه قريباً، فإن من عاد منهم سيعود، لا محالة فرداً من أفراد هذه الأمة المحمدية الخاتمة، ولا يسعه إلا أن يتبع الرسالة الآخرة، ويطبق الشريعة المحمدية الخاتمة، كما سيكون الحال عند عودة سيدنا المسيح عيسى بن مريم، عليه وعلى والدته صلوات وتسليمات وتبريكات من الله. هذا هو الحق الذي قامت عليه قواطع الأدلة، وهو الذي لا يجوز اعتقاد غيره لمن آمن بالله واليوم الآخر، ومن كفر فإن الله غني عن العالمين.
ولكن الله، جلت قدرته، علم أن هناك من يجادل ويكابر، فألهم نبيه الخاتم، محمد بن عبد الله الهاشمي العربي، عليه وعلى آله أتم صلاة وأزكى تسليم، مزيد إيضاح وبيان، بأنواع متباينة من الألفاظ والتعبيرات، فمن ذلك قوله: «لا نبي بعدي»، أو قوله: «وإني خاتم الأنبياء لا نبي بعدي»، أو قوله: «ليس بعدي نبي،، أو قوله: «إني آخر الأنبياء وأنتم آخر الأمم»، أو قوله: «لا نبي بعدي ولا أمة بعدكم»، أو قوله، أن له أسماء، منها: «العاقب، أي الذي ليس بعده نبي»، اأو قوله: «إني آخر الأنبياء، وإن مسجدي آخر المساجد»، أو قوله: «بعثت أنا والساعة هكذا وأشار بأصبعيه»، وحديث الشفاعة الكبرى، وقد مضى ما يقوله سيدي المسيح بن مريم يومئذ، ويقول الناس: «يا محمد أنت رسول الله خاتم الأنبياء، غفر الله لك ذنبك، ما تقدم منه وما تأخر: اشفع لنا إلى ربك ألا ترى ما نحن فيه؟! ألا ترى إلى ما قد بلغنا؟!»، وحديث البيت الذي اكتمل، إلا من موضع لبنة، وتساؤل الناس عن ذلك، فقال: «فأنا اللبنة وأنا خاتم النبيين»، وتأكيده أن النبوة قد انقطعت، ولم يبق إلا المبشرات، وهي الرؤيا الصالحة، فقال: «لم يبق من النبوة إلا المبشرات»، وغيرها من الثابت عنه بأصح الأسانيد عن كل من: أبي هريرة، وسعد بن أبي وقاص، وأسماء بنت عميس، وأم المؤمنين أم سلمة، وعبد الله بن عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وثوبان، وحذيفة بن اليمان، وفاطمة بنت قيس،وأبي أمامة الباهلي، وعبد الله بن عمرو بن العاصي، وجبير بن مطعم، وأنس بن مالك، وابن عباس، وأبي الطفيل، وعائشة أم المؤمنين، و أم كرز الكعبية، وعبد الله بن أبي أوفى، وعبد الله بن مسعود، والعرباض بن سارية السلمي، وعقبة بن عامر، وجابر بن عبد الله، رضوان الله وسلامه عليهم جميعاً، بأصح ما تكون الأسانيد، كل إسناد منه حجة بمفرده، فكيف بمجموعها؟! وقد جاء أيضاً عن غيرهم: سهل بن سعد، ومحمد بن عدي بن كعب، والنعمان بن بشير.
كما جاء ذلك كله في مناسبات متباينة متعددة، يستحيل عقلاً أن يكون هناك تواطؤ على افترائها، وهذا أقوى تواتر في الدنيا وأوضحه، لا يشك فيه إلا من ارتفع عنه القلم، ولحق بالمعتوهين والمجانين. وقد سردنا النصوص بأسالنيدها، مع دراسة بعض تلك الأسانيد عند اللزوم، في رسلتنا المسمَّاة: «ختم النبوة»، وحررناها تحريراً، فلله الحمد والمنة.
وإجماع الصحابة على ختم النبوة، أي أن محمداً هو آخر الأنبياء والمرسلين، لا نبي بعده ولا رسول، وقتالهم لمن ادعاها أشد القتال، معلوم بضرورة من التاريخ، يقر به كل مسلم وكافر، ولم ينقل عن أحد منهم قط، ولا حتى في رواية مكذوبة، أنه سأل متنبئاً عن برهان أو دليل، لأن البرهان القاطع قد قام على كذبه، لحظة تفوُّهه بذلك البهتان العظيم: هذا إجماع متيقَّن، لا يوجد في العالم إجماع أصح منه، لا عند المسلمين ولا عند غيرهم، بل تناقله عوام المسلمين مشافهة خلفاً عن سلف، يتناقلونه نفقل كواف عن سلفهم، فلا يحتاجون فيه إلى مراجعة عالم، أو تصفح كتاب، أو مناقشة أسانيد.

u فصل: تفضيله، صلوات الله وتسليماته وتبريكاته عليه وعلى آله، على جميع النبيين
فضل الله، جل ذكره، رسوله النبي الأمي الخاتم، بأبي هو وأمي، على جميع الأنياء السابقين، وميزه عليهم فخصه بخصال لم تكن لأحد منهم:
ــ ختم به النبيون: فلا نبي بعده ولا رسول إلى يوم القيامة، وقد حررنا هذا في فصل سابق، وأشبعناه بحثاً في رسالة خاصة،
ــ وجعلت له الأرض مسجداً وطهوراً، فحيث ما أدركت الصلاة أحداً من أمته فثم مسجده، وثم طهوره، وكانت الأمم السابقة لا تصلى إلا في معابد وصوامع وكنائس وبيع مجهزة مخصوصة،
ــ ونصره بالرعب على مسيرة شهر من حواليه، ولا زالت أمته تستمتع ببعض هذه المزية حتى في أضعف عصورها، والرعب والهلع يدب في قلوب الجيوش اللجبة التي تمتلك الأسلحة النووية إذا قابلوا في ميدان المعركة حفنة من «الإرهابيين»، كما يسمونهم، مع كونهم لا يمتلكون إلا السلاح الخفيف،
ــ وأحل الله له ولأمته الغنائم يتمولونها ويتقوَّون بها، وكانت الأمم السابقة تقدمها قرابين فتحرقها،
ــ وخصه بالشفاعة العظمى لجميع الخلائق في مقام يحمده فيه الأولون والآخرون،
ــ ويعقد له لواء الحمد يوم القيامة فيكون النبيون من آدم ومن بعده تحت لوائه،
ــ وأعطي دعوة مستجابة فجعلها الشفاعة لأمته يوم القيامة في حين تعجَّل الأنبياء السابقون، صلوات الله وسلامه عليهم، دعوتهم في الدنيا،
ــ وأعطي جوامع الكلم: فيقول الجملة الواحدة التي تحتوي المعاني والأحكام الكثيرة، واختصر له الكلام اختصاراً: فلا فضول ولا هذر،
ــ وأرسل إلى الناس كافة، بل إلى الجن والإنس، وكان النبيون قبله يرسلون إلى قومهم أو قريتهم خاصة لا يتجاوزونها؛
إلى غير ذلك من خصائصه العظمى ومراتبه العليا ومقاماته السامية الكريمة، التي جعلته إمام الأنبياء، وأفضل المرسلين، عليه وعلى آله من الله أعظم الصلوات وأكثر البركات وأتم التسليم، بأبي هو وأمي.
وأما كونه، عليه وعلى آله الصلاة والسلام، رسول الله إلى الناس جميعا، أحمرهم وأسودهم، فمعلوم علم يقين لا يتطرق إليه الشك بالدليل القاطع ثبوتاً ودلالة:
v قال، تعالى ذكره، وجل جلاله: }قل يأيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا الذي له ملك السماوات والأرض لا إله إلا هو يحيي ويميت فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي الذي يؤمن بالله وكلماته واتبعوه لعلكم تهتدون{
v وقال، جل وعز: }ومآ أرسلناك إلا كآفة للناس بشيرا ونذيرا ولكن أكثر الناس لا يعلمون{
v وأخرج البخاري في الصحيح بأقوى الأسانيد: [حدثنا عبد الله حدثنا سليمان بن عبد الرحمن وموسى بن هارون قالا حدثنا الوليد بن مسلم حدثنا عبد الله بن العلاء بن زير حدثني بسر بن عبيد الله حدثني أبو إدريس الخولاني قال سمعت أبا الدرداء رضي الله عنه يقول كانت بين أبي بكر وعمر رضي الله عنهما محاورة فأغضب أبو بكر عمر فانصرف عنه عمر مغضبا فأتبعه أبو بكر يسأله أن يستغفر له فلم يفعل حتى أغلق بابه في وجهه فأقبل أبو بكر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أبو الدرداء ونحن عنده فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أما صاحبكم هذا فقد غامر أي غاضب وحاقد قال وندم عمر على ما كان منه فأقبل حتى سلم وجلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقص على رسول الله صلى الله عليه وسلم الخبر قال أبو الدرداء فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم وجعل أبو بكر يقول والله يا رسول الله لأنا كنت أظلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم هل أنتم تاركو لي صاحبي إني قلت: «يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا فقلتم: كذبت، وقال أبو بكر: صدقت».
كل هذا معلوم من الدين بالضرورة، بل هو معلوم لأكثرالكفار أيضاً أنه، عليه وعلى آله الصلاة والسلام، ادعى ذلك لنفسه، وكتب إلى الملوك والجبابرة يدعوهم إلى طاعته واتباعه. هذه حقيقة واضحة، وبديهية تاريخية لا يتطرق إليها الشك، ولو ذهبنا نستقصي مفرداتها لملأنا المجلدات.
ولكن قد يقول قائل: لعل هناك أنبياء، من عصور ما قبل الكتابة والتاريخ، لم يصلنا خبرهم، أرسلوا إلى الناس كافة. نعم: هذا بعيد جداً أن يقع ولا يصلنا، وأن يكون ولا يخبرنا به القرآن، أو الكتب المنزلة السابقة، فضلاً عن مناقضته لحركة التاريخ، والتسلسل الطبيعي للأحداث، ولكنه ليس بمستحيل، ولا هو على الله بعزيز.
فنقول: نعم، ولكنه في غاية البعد، وحتى آدم إنما كان مبعوثاً لأهل بيته، وهم مع كونه كل الإنسانية آنذاك، إلا أنهم ما كانوا كل الإنسانية بشمولها حتى ينقرض الجنس البشري، وتقوم الساعة، فلا يصح أن يقال أنه مرسل إلى الناس كافة، ولكنه مرسل إلى قومه فقط، الذين كانت الإنسانية منحصرة فيهم مؤقتاً.
وكذلك ثبت عن النبي، عليه وعلى آله الصلاة والسلام، بالتواتر أنه ُفِّضل على النبيين بهذه الخصلة، وخُص بها، فوجب ضرورة أنها لم تكن لأحد من قبله أبداً، فمن ذلك:
v ما أشار إليه الإمام الطبري في تفسيره، «تفسير الطبري»: [القول في تأويل قوله تعالى: }تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات وآتينا عيسى ابن مريم البينات وأيدناه بروح القدس ولو شآء الله ما اقتتل الذين من بعدهم من بعد ما جآءتهم البينات ولكن اختلفوا فمنهم من آمن ومنهم من كفر ولو شآء الله ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد{، يعني تعالى ذكره بقوله تلك الرسل الذين قص الله قصصهم في هذه السورة كموسى بن عمران وإبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب وشمويل وداود وسائر من ذكر نبأهم في هذه السورة، يقول تعالى ذكره هؤلاء رسلي فضلت بعضهم على بعض فكلمت بعضهم والذي كلمته منهم موسى صلى الله عليه وسلم ورفعت بعضهم درجات على بعض بالكرامة ورفعة المنزلة كما حدثني محمد بن عمرو قال حدثنا أبو عاصم قال حدثنا عيسى عن ابن أبي نجيح عن مجاهد في قول الله تعالى ذكره: }تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض{، قال يقول منهم من كلم الله ورفع بعضهم على بعض درجات: (يقول كلم الله موسى، وأرسل محمدًا إلى الناس كافة)، حدثني المثنى قال حدثنا أبو حذيفة قال حدثنا شبل عن ابن أبي نجيح عن مجاهد بنحوه. ومما يدل على صحة ما قلنا في ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: «أعطيت خمسا، لم يعطهن أحد قبلي: بعثت إلى الأحمر والأسود ونصرت بالرعب فإن العدو ليرعب مني على مسيرة شهر وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد كان قبلي وقيل لي سل تعطه فاختبأتها شفاعة لأمتي فهي نائلة منكم إن شاء الله من لا يشرك بالله شيئا»]
v وفي تفسير الطبري: [القول في تأويل قوله تعالى: }قل يأيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا الذي له ملك السماوات والأرض لا إله إلا هو يحيي ويميت فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي الذي يؤمن بالله وكلماته واتبعوه لعلكم تهتدون{، يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم قل يا محمد للناس كلهم إني رسول الله إليكم جميعا لا إلى بعضكم دون بعض كما كان من قبلي من الرسل مرسلا إلى بعض الناس دون بعض فمن كان منهم أرسل كذلك، فإن رسالتي ليست إلى بعضكم دون بعض ولكنها إلى جميعكم] v وفي تفسير الطبري أيضاً: [القول في تأويل قوله تعالى: }ومآ أرسلناك إلا كآفة للناس بشيرا ونذيرا ولكن أكثر الناس لا يعلمون{، يقول تعالى ذكره وما أرسلناك يا محمد إلى هؤلاء المشركين بالله من قومك خاصة ولكنا أرسلناك كافة للناس أجمعين العرب منهم والعجم والأحمر والأسود بشيرا من أطاعك ونذيرا من كذبك ولكن أكثر الناس لا يعلمون أن الله أرسلك كذلك إلى جميع البشر وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك حدثنا بشر قال حدثنا يزيد قال حدثنا سعيد عن قتادة قوله وما أرسلناك إلا كافة للناس قال أرسل الله محمدا إلى العرب والعجم فأكرمهم على الله أطوعهم له ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال أنا سابق العرب وصهيب سابق الروم وبلال سابق الحبشة وسلمان سابق فارس]
v ومن ذلك ما جاء في «صحيح البخاري» عن جابر بن عبد الله: [حدثنا محمد بن سنان قال حدثنا هشيم (ح) قال وحدثني سعيد بن النضر قال أخبرنا هشيم قال أخبرنا سيار قال حدثنا يزيد هو بن صهيب الفقير قال أخبرنا جابر بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أعطيت خمسا، لم يعطهن أحد قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل، وأحلت لي المغانم ولم تحل لأحد قبلي، وأعطيت الشفاعة، وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة»]
v وهو في «صحيح مسلم» بلفظ: «كان كل نبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى كل أحمر وأسود، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي وجعلت لي الأرض طيبة طهورا ومسجدا فأيما رجل أدركته الصلاة صلى حيث كان ونصرت بالرعب بين يدي مسيرة شهر وأعطيت الشفاعة». وحديث جابر في الصحاح والسنن والمسانيد والمعاجم بأصح الأسانيد، كما هو في الملحق.
v كما جاء مثله في «صحيح مسلم» عن أبي هريرة: حدثنا يحيى بن أيوب وقتيبة بن سعيد وعلي بن حجر قالوا حدثنا إسماعيل وهو بن جعفر عن العلاء عن أبيه عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «فضلت على الأنبياء بست: أعطيت جوامع الكلم، ونصرت بالرعب، وأحلت لي الغنائم، وجعلت لي الأرض طهورا ومسجدا، وأرسلت إلى الخلق كافة، وختم بي النبيون». وهذا كذلك في الصحاح والسنن والمسانيد والمعاجم بأصح الأسانيد، كما هو في الملحق.
v وفي «مجمع الزوائد» حديث ثالث عن أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «فضلت على الأنبياء بست لم يعطهن أحد كان قبلي: غفر لي ما تقدم من ذنبي وما تأخر، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد كان قبلي، وجعلت أمتي خير الأمم، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، وأعطيت الكوثر، ونصرت بالرعب، والذي نفسي بيده إن صاحبكم لصاحب لواء الحمد يوم القيامة تحته آدم فمن دونه»، قال الهيثمي: رواه البزار وإسناده جيد، قلت: بحثت عنه فلم أجده بعد حتى هذه الساعة.
v وفي «صحيح ابن حبان» عن أبي ذر: أخبرنا إسحاق بن إبراهيم ببست حدثنا حماد بن يحيى بن حماد بالبصرة حدثنا أبي حدثنا أبو عوانة عن سليمان عن مجاهد عن عبيد بن عمير عن أبي ذر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي: بعثت إلى الأحمر والأسود، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي ونصرت بالرعب فيرعب العدو من مسيرة شهر وجعلت لي الأرض طهورا ومسجدا وقيل لي سل تعطه واختبأت دعوتي شفاعة لأمتي في القيامة وهي نائلة إن شاء الله لمن لم يشرك بالله شيئا»، وقال الشيخ شعيب الأرناؤوط: (حديث صحيح).
v وهو في «المستدرك على الصحيحين» مطولاً: حدثنا أبو بكر أحمد بن كامل بن خلف القاضي حدثنا محمد بن جرير الفقيه حدثنا أبو كريب سمعت أبا أسامة وسئل عن قول الله عز وجل وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا فقال حدثنا الأعمش عن مجاهد عن عبيد بن عمير عن أبي ذر رضي الله عنه قال طلبت رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة فوجدته قائما يصلي فأطال الصلاة ثم قال: «أوتيت الليلة خمسا، لم يؤتها نبي قبلي: أرسلت إلى الأحمر والأسود (قال مجاهد الإنس والجن)، ونصرت بالرعب فيرعب العدو وهو على مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي، وقيل لي سل تعطه فاختبأتها شفاعة لأمتي فهي نائلة من لم يشرك بالله شيئا». وقال الحاكم: (هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه بهذه السياقة إنما أخرجا ألفاظا من الحديث متفرقة).
قلت: هو من أصح أحاديث الدنيا كأنه متواتر عن الأعمش، على شرط الشيخين، بل هو فوق شرطهما.
v وجاء هذا عن أبي موسى الأشعري في «مسند الإمام أحمد بن حنبل»: حدثنا حسين بن محمد حدثنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن أبي بردة عن أبي موسى قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أعطيت خمسا: بعثت إلى الأحمر والأسود، وجعلت لي الأرض طهورا ومسجدا وأحلت لي الغنائم ولم تحل لمن كان قبلي ونصرت بالرعب شهرا وأعطيت الشفاعة وليس من نبى الا وقد سأل شفاعة وإني أخبأت شفاعتي ثم جعلتها لمن مات من أمتي لم يشرك بالله شيئا»، وقال الهيثمي: (رواه أحمد متصلا ومرسلا، والطبراني، ورجاله رجال الصحيح). قلت: وإسنادنا هذا ها هنا إسناد صحيح.
v وهو في «مسند الإمام أحمد بن حنبل» عن أبي أمامة: حدثنا محمد بن أبي عدى عن سليمان يعنى التيمي عن سيار عن أبي أمامة ان رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: «فضلني ربي على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام (أو قال على الأمم) بأربع»، قال: «أرسلت إلى الناس كافة، وجعلت الأرض كلها لي ولأمتى مسجدا وطهورا فأينما أدركت رجلا من أمتي الصلاة فعنده مسجده وعنده طهوره، ونصرت بالرعب مسيرة شهر يقذفه في قلوب أعدائي، وأحل لنا الغنائم»،
v وهو في «مسند الإمام أحمد بن حنبل» عن ابن عباس: حدثنا عبد الصمد حدثنا عبد العزيز بن مسلم حدثنا يزيد عن مقسم عن بن عباس ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أعطيت خمسا لم يعطهن نبي قبلي، ولا أقولهن فخراً: بعثت إلى الناس كافة الأحمر والأسود، ونصرت بالرعب مسيرة شهر، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، وأعطيت الشفاعة فأخرتها لأمتي فهي لمن لا يشرك بالله شيئا». قلت: يزيد هو ابن أبي زياد: فيه ضعف يسير، قد أكثر عنه أحمد، وحسن حديثه بعض الأئمة كالهيثمي حيث قال في «مجمع الزوائد»: (رجال أحمد رجال الصحيح غير يزيد بن أبي زياد وهو حسن الحديث)، وجود ابن كثير هذا الإسناد في تفسيره، وبقية رجاله ثقات، فلعله يقوى ويصبح حسنآ تقوم به الحجة بشهادة الروايات الأخرى عن ابن عباس.
v كما هو في «سنن البيهقي الكبرى» عن عكرمة عن بن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي من الأنبياء: جعلت لي الأرض طهورا ومسجدا ولم يكن نبي من الأنبياء يصلي حتى يبلغ محرابه وأعطيت الرعب مسيرة شهر يكون بيني وبين المشركين مسيرة شهر فيقذف الله الرعب في قلوبهم وكأن النبي يبعث إلى خاصة قومه وبعثت أنا إلى الجن والإنس وكانت الأنبياء يعزلون الخمس فتجئ النار فتأكله وأمرت أنا أن أقسمها في فقراء أمتي ولم يبق نبي إلا أعطى سؤله وأخرت شفاعتي لأمتي». v وفي «مسند الإمام أحمد بن حنبل» حديث آخرعن عبد الله بن عمرو بن العاص: حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا بكر بن مضر عن بن الهاد عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ان رسول الله صلى الله عليه وسلم عام غزوة تبوك قام من الليل يصلي فاجتمع وراءه رجال من أصحابه يحرسونه حتى إذا صلى وانصرف إليهم فقال لهم: «لقد أعطيت الليلة خمسا ما أعطيهن أحد قبلي: أما أنا فأرسلت إلى الناس كلهم عامة، وكان من قبلي إنما يرسل إلى قومه، ونصرت على العدو بالرعب ولو كان بيني وبينهم مسيرة شهر لملئ منه رعبا، وأحلت لي الغنائم آكلها وكان من قبلي يعظمون أكلها كانوا يحرقونها، وجعلت لي الأرض مساجد وطهورا أينما أدركتني الصلاة تمسحت وصليت وكان من قبلي يعظمون ذلك إنما كانوا يصلون في كنائسهم وبيعهم، والخامسة هي ما هي؟! قيل لي سل فإن كل نبي قد سأل! فاخرت مسألتي إلى يوم القيامة فهي لكم، ولمن شهد أن لا إله إلا الله»،
v وفي «مجمع الزوائد» حديث آخر عن أبي سعيد الخدري، رضي الله عنه: عن أبي سعيد قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أعطيت خمسا لم يعطها نبي قبلي: بعثت إلى الأحمر والأسود وإنما كان النبي يبعث إلى قومه، ونصرت بالرعب مسيرة شهر، وأطعمت المغنم ولم يطعمه أحد كان قبلي، وجعلت لي الأرض طهورا ومسجدا، وليس من نبي إلا وقد أعطي دعوة فتعجلها وإني أخرت دعوتي شفاعة لأمتي وهي بالغة إن شاء الله من مات لا يشرك بالله شيئا»، وقال الهيثمي: (رواه الطبراني في الأوسط وإسناده حسن). قلت الإسناد هو كما في «الطبراني الأوسط»: حدثنا محمد بن أبان أخبرنا إبراهيم بن سويد الجذوعي حدثنا عامر بن مدرك حدثنا فضيل بن مرزوق عن عطية عن أبي سعيد.
v وفي «صحيح ابن حبان» عن عوف بن مالك: أخبرنا أبو يعلى حدثنا هارون بن عبد الله الحمال حدثنا بن أبي فديك عن عبيد الله بن عبد الرحمن بن موهب عن عباس بن عبد الرحمن بن ميناء الأشجعي عن عوف بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أعطيت أربعا لم يعطهن أحد كان قبلنا وسألت ربي الخامسة فأعطانيها: كان النبي يبعث إلى قريته ولا يعدوها وبعثت كافة إلى الناس، وأرهب منا عدونا مسيرة شهر وجعلت لي الأرض طهورا ومساجد وأحل لنا الخمس ولم يحل لأحد كان قبلنا وسألت ربي الخامسة فسألته أن لا يلقاه عبد من أمتي يوحده إلا أدخله الجنة فأعطانيها». قلت: عبيد الله بن عبد الرحمن بن موهب ليس بالقوي، عباس بن عبد الرحمن بن ميناء الأشجعي، قال الحافظ: (مقبول)، فقط!!
v وهو في «المعجم الكبير» عن السائب بن يزيد قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فضلت على الأنبياء بخمس: بعثت إلى الناس كافة، وادخرت شفاعتي لأمتي ونصرت بالرعب شهرا أمامي وشهرا خلفي وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي». قلت: ولكن إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة متروك متهم.
v قد اعتنى بذلك أيضاً المفسرون ففي «تفسير ابن كثير»: [وقد ثبت في الصحيحين عن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أعطيت خمسا لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا وأحلت لي الغنائم وأعطيت الشفاعة وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة وقال الإمام أحمد حدثنا محمد بن أبي عدي عن سليمان التيمي عن سيار عن أبي أمامة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فضلني الله على الأنبياء أو قال على الأمم بأربع أرسلت إلى الناس كافة وجعلت لي الأرض كلها ولأمتي مسجدا وطهورا فأينما أدركت رجلا من أمتي الصلاة فعنده مسجده وطهوره ونصرت بالرعب مسيرة شهر يقذف في قلوب أعدائي وأحلت لي الغنائم»، ورواه الترمذي من حديث سليمان التيمي عن سيار القرشي الأموي مولاهم الدمشقي سكن البصرة عن أبي أمامة صدى بن عجلان رضي الله عنه به وقال حسن صحيح وقال سعيد بن منصور أنبأنا ابن وهب أخبرني عمرو بن الحارث أن أبا يونس حدثه عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نصرت بالرعب على العدو ورواه مسلم من حديث ابن وهب وقال الإمام أحمد حدثنا حسين بن محمد حدثنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن أبي بردة عن أبيه أبي موسى قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطيت خمسا بعثت إلى الأحمر والأسود وجعلت لي الأرض طهورا ومسجدا وأحلت لي الغنائم ولم تحل لمن كان قبلي ونصرت بالرعب مسيرة شهر وأعطيت الشفاعة وليس من نبي إلا وقد سأل الشفاعة وإني قد اختبأت شفاعتي لمن مات لا يشرك بالله شيئا تفرد به أحمد وروى العوفي عن ابن عباس في قوله تعالى سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب قال قذف الله في قلب أبي سفيان الرعب فرجع إلى مكة فقال النبي صلى الله عليه وسلم إن أبا سفيان قد أصاب منكم طرفا وقد رجع وقذف الله في قلبه الرعب ورواه ابن أبي حاتم]
v وفي «تفسير ابن كثير»: [قال تعالى: }وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين أأسلمتم فإن أسلموا فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما عليك البلاغ{، والآيات في هذا كثيرة كما أن الأحاديث في هذا أكثر من أن تحصر وهو معلوم من دين الإسلام ضرورة أنه صلوات الله وسلامه عليه رسول الله إلى الناس كلهم قال البخاري رحمه الله في تفسير هذه الآية حدثنا عبد الله حدثنا سليمان بن عبد الرحمن وموسى بن هارون قالا حدثنا الوليد بن مسلم حدثنا عبد الله بن العلاء بن زير حدثني بسر بن عبيد الله حدثني أبو إدريس الخولاني قال سمعت أبا الدرداء رضي الله عنه يقول كانت بين أبي بكر وعمر رضي الله عنهما محاورة فأغضب أبو بكر عمر فانصرف عنه عمر مغضبا فأتبعه أبو بكر يسأله أن يستغفر له فلم يفعل حتى أغلق بابه في وجهه فأقبل أبو بكر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أبو الدرداء ونحن عنده فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أما صاحبكم هذا فقد غامر أي غاضب وحاقد قال وندم عمر على ما كان منه فأقبل حتى سلم وجلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقص على رسول الله صلى الله عليه وسلم الخبر قال أبو الدرداء فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم وجعل أبو بكر يقول والله يا رسول الله لأنا كنت أظلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم هل أنتم تاركو لي صاحبي إني قلت: «يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا فقلتم كذبت وقال أبو بكر صدقت»، انفرد به البخاري وقال الإمام أحمد حدثنا عبد الصمد حدثنا عبد العزيز بن مسلم حدثنا يزيد بن أبي زياد عن مقسم عن ابن عباس مرفوعا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أعطيت خمسا لم يعطهن نبي قبلي ولا أقوله فخرا بعثت إلى الناس كافة الأحمر والأسود ونصرت بالرعب مسيرة شهر وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا وأعطيت الشفاعة فأخرتها لأمتي يوم القيامة فهي لمن لا يشرك بالله شيئا إسناده جيد ولم يخرجوه، وقال الإمام أحمد أيضا حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا بكر بن مضر عن ابن الهاد عن عمروبن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عام غزوة تبوك قال من الليل يصلي فاجتمع وراءه رجال من أصحابه يحرسونه حتى إذا صلى انصرف إليهم فقال لهم: «لقد أعطيت الليلة خمسا ما أعطيهن أحد قبلي: أما أنا فأرسلت إلى الناس كلهم عامة وكان من قبلي إنما يرسل إلى قومه، ونصرت على العدو بالرعب، ولو كان بيني وبينهم مسيرة شهر لملئ مني رعبا وأحلت لي الغنائم أكلها وكان من قبلي يعظمون أكلها كانوا يحرقونها وجعلت الأرض مسجدا وطهورا أينما أدركتني الصلاة تمسحت وصليت وكان من قبلي يعظمون ذلك إنما كانوا يصلون في بيعهم وكنائسهم والخامسة هي ماهي قيل لي سل فإن كل نبي قد سأل فأخرت مسألتي إلى يوم القيامة فهي لكم ولمن شهد أن لاإله إلا الله»، إسناد جيد قوي ولم يخرجوه وقال أيضا حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن أبي بشر عن سعيد بن جبير عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من سمع بي من أمتي أو يهودي أو نصراني فلم يؤمن بي لم يدخل الجنة وهذا الحديث في صحيح مسلم من وجه آخر عن أبي موسى قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده لا يسمع بي رجل من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم لا يؤمن بي إلا دخل النار»، وقال الإمام أحمد حدثنا حسن حدثنا ابن لهيعة حدثنا أبو يونس وهو سليم بن جبير عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «والذي نفسي بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي أو نصراني ثم يموت ولا يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار»، تفرد به أحمد وقال الإمام أحمد حدثنا حسين بن محمد حدثنا إسرائيل عن أبي أسحاق عن أبي بردة عن أبي موسى رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطيت خمسا بعثت إلى الأحمر والأسود وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا وأحلت لي الغنائم ولم تحل لمن كان قبلي ونصرت بالرعب مسيرة شهر وأعطيت الشفاعة وليس من نبي إلا وقد سأل الشفاعة وإني قد اختبأت شفاعتي ثم جعلتها لمن مات من أمتي لم يشرك بالله شيئا وهذا إسناد صحيح ولم أرهم خرجوه والله أعلم وله مثله من حديث ابن عمر بسند جيد أيضا وهذا الحديث ثابت في الصحيحين، أيضا من حديث جابر بن عبد الله قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطيت خمسا لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي نصرت بالرعب مسيرة شهر وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي وأعطيت الشفاعة وكان النبي يبعث إلى قومه وبعثت إلى الناس عامة].
v وفي «تفسيرابن كثير»: [ ... عن عكرمة قال سمعت ابن عباس رضي الله عنهما يقول إن الله تعالى فضل محمدا صلى الله عليه وسلم على أهل السماء وعلى الأنبياء قالوا يا ابن عباس فيم فضله على الأنبياء قال رضي الله عنه إن الله تعالى قال وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم وقال للنبي صلى الله عليه وسلم وما أرسلناك إلا كافة للناس فأرسله الله تعالى إلى الجن والإنس وهذا الذي قاله ابن عباس رضي الله عنهما قد ثبت في الصحيحين رفعه عن جابر رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أعطيت خمسا لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي نصرت بالرعب مسيرة شهر وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي وأعطيت الشفاعة وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة ويبعث إلى الناس عامة وفي الصحيح أيضا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال بعثت إلى الأسود والأحمر قال مجاهد يعني الجن والإنس وقال غيره يعني العرب والعجم والكل صحيح]
فهذه أسانيد صحاح إلى: جابر بن عبد الله، وأبي هريرة، وأبي ذر الغفاري أصدق خلق الله لهجة، والحبر البحر الثقة المأمون الإمام عبد الله بن عباس، والحافظ المتقن كاتب الحديث النبوي عبد الله بن عمرو بن العاص، وأبي موسى عامر بن قيس الأشعري، وأبي أمامة صُدَي بن عجلان الباهلي، رضي الله عنهم جميعاً، قد شحنت بها الصحاح والسنن والمسانيد والمصنفات والمعاجم، بل وكتب التفسير والأدب والعربية، تقوم بها الحجة اليقينية القاطعة، التي لا ينكرها إلا معتوه مجنون، رفع عنه القلم، وخرج عن التكليف، أو كافر ملعون، خرج عن الإسلام، مع روايات أخرى عنهم وعن غيرهم من الصحابة ضربنا عنها الذكر صفحاً خشية التطويل، على كونه، عليه وعلى آله الصلاة والسلام: (أرسل إلى الناس كافة وفضل بذلك وخص به، فلم يرسل قبله نبي ولا رسول إلا إلى قومه أو قريته خاصة).
نعم: وايم الله إنها لفضيلة عظمى تنضم إلى غيرها من فضائل سيدي أبي القاسم، عليه وعلى آله الصلاة والسلام، تبتهج القلوب بذكرها وُتَشَّنف الآذان بسماعها، كما تتعطر بها المجالس، ولكن ليس ذلك كل شئ، بل قبل ذلك وفوق ذلك: هذه عقائد أساسية، يجب الإيمان بها، ويكفر منكرها، ويترتب عليها أمور تشريعية وفكرية في غاية الأهمية نتفرغ لها الآن.

u فصل: نسخ الشرائع السابقة ببعثته، عليه وعلى آله الصلاة والسلام، نسخاً تهائياً تاماً مطلقاً
ثبت بالدليل القاطع، الذي يكفر منكره، أن الأنبياء السابقين إنما أرسلوا إلى أمم مخصوصة، أو قرى مخصوصة. كما ثبت أنه، عليه وعلى آله الصلاة والسلام، أرسل إلى الناس كافة، وأن الناس كافة هم أمته. هذا لا يكون ولا يتشكل في عقل مع فرضية أن الأمم السابقة ما زالت موجودة الآن، فلا بد أن تكون قد انقرضت وزالت بوصفها أمة رسالة مخاطبة من نبي معين، وأصبحت من ثم جزء من الأمة المحمدبة. أي أنها فقدت صفتها الأممية، وشخصيتها المعنوية، وعادت مجرد أفراد وجماعات وقبائل وشعوب تندرج تحت الأمة المحمدية.
وبذلك تكون دعوات الأنبياء السابقين غير ذات موضوع لأنها موجهة إلى معدوم: فليس هناك في الدنيا مكلف بشريعة موسى، وإنما هناك أفراد وقبائل من بني إسرائيل، أما أمة موسى، بوصفها أمة رسالة، فقد ذهبت وانقرضت، ولا بشريعة عيسى كذلك، ولا غيرهما. ولكن الرسالات السابقة تحتوي أمر الله ونهيه، فهل سقط ذلك كله، وأصبح غير ذي معنى؟! حاشا لله، السيد المطلق الكامل السيادة، أن يتهافت أمره أو أن تسقط أحكامه إلا بفعله هو، جل ذكره. لذلك وجب أن يكون جل وعلا قد نسخ جميع الشرائع السابقة بمجرد بعثة محمد، عليه وعلى آله الصلاة والسلام، إلى الناس كافة.
فقوله تعالى لمحمد، عليه وعلى آله الصلاة والسلام، نصبتك نبياً رسولاً إلى الناس كافة، قال معه، ضرورة: لقد حكمت برفع الخطاب في جميع الرسائل السابقة لأنها موجهة إلى معدوم، ونسخت جميع الشرائع السابقة، وأبطلت جميع أحكامها: فلم يعد واجبها واجباً، ولا حرامها، حراماً، ولا حلالها حلالاً.
فالأنياء السابقين إذا شرائعهم منسوخة، لا يحل تطبيقها، بل ويحرم اتباعها، فضلاً عن كونهم لم يرسوا لنا أصلاً، ولم يخاطبونا بشئ فلا تلزمنا شريعتهم مطلقاً. ليس هذا فحسب، بل يحرم علينا اتباع أي شئ من شرائعهم لأنها منسوخة، والأخذ بالمنسوخ وترك الناسخ جريمة كبرى، وتعقيب على الله في حكمه، وتمرد على ربوبيته وسيادته، فمن المحال الممتنع إذاً أن يكون (شرع من قبلنا شرع لنا)!
وما يوجد في شريعتنا من مشابهة، أو حتى مطابقة، لبعض أحكام الشرائع السابقة هو تشريع جديد، وليس هو إقرار لشرع سابق، حاشا لله، كيف وقد نسخ الشرع السابق أولا بكامله، بحلاله وحرامه، حلوه ومره، ثم شرع هذا بعد ذلك؟!
ويتضح كذلك بطلان كون (شرع من قبلنا شرع لنا)، بالإضافة إلى البرهان القطعي الضروري آنف الذكر، من أدنى تأمل لكون محمد، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، بعث للبشرية كافة، بل للجن والإنس. فأتباعه من بني البشر أمة واحدة تشمل شتى شعوب الأرض وقبائلها، وهي بوصفها أمة واحدة لها شرعة واحدة، أما الانبياء السابقون فكان كل واحد منهم يبعث في شعوب أو قبائل أو قرى مخصوصة، ولكل واحد منهم شرعة ومنهاج، يختلف عن شرعة غيره ومنهاجه ولو في حكم واحد فمن زعم أن تلك الشرائع شرع لنا لزمه:
(1) تطبيقها جميعاً في نفس الوقت من نفس الجهة والاعتبار، أي الجمع بين المتناقضات، وهو مستحيل عقلاً وشرعاً،
(2) أو جعل كل شريعة مخصوصة بأمة معينة تسري الآن على تلك الأمة فقط، ولا تسري على غيرها من بني البشر، فمن حق الياباني أو الصيني أن يقول: هذا تشريع لبني إسراذيل، وهو غير ملزم لي زمن موسى نفسه، فكيف يكون ملزماً لي اليوم بعد بعثة محمد، صلى الله عليه وعلى آله وسلم؟! وهذا محال شرعاً لمناقضته لعالمية الرسالة المحمدية، ووحدة الأمة المحمدية، وكلا الأمرين ثبت بالأدلة اليقينية القاطعة، بل هو معلوم من الإسلام بالضرورة، عند العوام والخواص، والمسلمين والكفار على حد سواء، كما أسلفنا. فهذا برهان قطعي ضروري ثاني.
وحاول قوم أن يفلتوا من الإشكالية فقالوا: إنما يكون شرع من قبلنا شرعاً لنا إذا ذكر في القرآن أو السنة. فنقول: هذا لا يغني عنكم شيئاً، لأن ذكره في الوحيين لا يخرج عن حالتين:
(1) أن يكون يفهم منها أنه إنما هو خبر مجرد فقط. والخبر ليس أمراً ولا نهياً،
(2) أو أن يذكر بصيغة يفهم منها مخاطبتنا به، فهذا شرع جديد مستأنف مطابق للشريعة السابقة بحذافيره.
وهذا إنما أصبح شرعاً لنا لا بمجرد كونه كان شريعة سابقة، ولا بمجرد إخبار الوحيين عن ذلك بأنه كان كذلك، ولكن لمجيء النص بتشريعه، أي لأننا خوطبنا به. فهو إذاً شريعة جديدة جاء الأمر بها الآن، وهي مطابقة لشريعة سابقة ذهبت ونسخت وانتهى أمرها.
فلا يجوز أن يقال أن شرع من قبلنا شرع لنا أو صار شرعاً لنا، ولكن يقال: هذه شريعة جديدة مستأنفة لنا مطابقة لشريعة سابقة، وهذا ممكن عقلاً وشرعاً، ولا غبار عليه.

v قال الإمام الحجة أبو محمد علي بن حزم الأندلسي في «المحلى»: [مسألة: (ولا يحل لنا اتباع شريعة نبي قبل نبينا)، قال عز وجل: }لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا{، حدثنا أحمد بن محمد بن الجسور حدثنا وهب بن مسرة حدثنا محمد بن وضاح حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا هشيم أخبرنا سيار عن يزيد الفقير أخبرنا جابر بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم قال أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي نصرت بالرعب مسيرة شهر وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي وأعطيت الشفاعة وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة فإذا صح أن الأنبياء عليهم السلام لم يبعث أحد منهم إلا إلى قومه خاصة فقد صح أن شرائعهم لم تلزم إلا من بعثوا إليه فقط وإذا لم يبعثوا إلينا فلم يخاطبونا قط بشيء ولا أمرونا ولا نهونا ولو أمرونا ونهونا وخاطبونا لما كان لنبينا صلى الله عليه وسلم فضيلة عليهم في هذا الباب ومن قال بهذا فقد كذب هذا الحديث وأبطل هذه الفضيلة التي خصه الله تعالى بها فإذا قد صح أنهم عليهم السلام لم يخاطبونا بشيء فقد صح يقينا أن شرائعهم لا تلزمنا أصلا وبالله تعالى التوفيق]،انتهى كلام أبي محمد.
فنقول: بخٍ بخ: هنيئاً لك أبا محمد هذا الفهم العميق، والفكر الموفق، الذي هو، بحمد الله، عين قولنا، الذي نقرره كالتالي:
قاعدة: نسخت الشرائع السابقة ببعثة سيدنا خاتم النبيين محمد بن عبد الله، عليه وعلى آله صلوات وتسليمات وتبريكات من الله، نسخاً نهائياً فورياً كاملاً مطلقاً، لذلك لا يجوز تطبيقها، ولا يحل اتباعها أصلاً.
فكل ماجاء به من الأحكام بعد نزول: }إقرأ{ فما هو شرع إلا جديد مستأنف، حتى ولو تشابه أو تطابق مع شريعة سابقة، فحقيقته أنه، لا محالة، جديد مستأنف. ولا يجوز مطلقاً أن يقال أنه «إقرار» للشرع السابق، لأن ما نسخ، ضرورة، قد بطل وذهب وانتهى، وأصبح معدوماً لا وجود له، ولو لطرفة عين، فعودته بعد ذلك إنشاء لشرع جديد، وليس إقراراً لشرع سابق موجود ما زال سارياً.
والذكر الحكيم، قرآناً وسنة، مملوء بحمد الله بالشواهد على قولنا هذا، فكلام الله ورسوله لا يتناقض أو يتعارض: }ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيراً{. فمن تلك الشواهد:
v قوله، تعالى ذكره، وعز سلطانه: }وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه{، (المائدة، 5:48).
المهيمن، وهو من أسماء الله الحسنى، ذكرت في تفسيره معاني الشهيد والمؤتمن، والأمين، والرقيب الحافظ، ولكنه على التحقيق في المقام الأول: المسيطر المتحكم، ذي السلطان القاهر، والأمر النافذ، ثم في المقام الثاني: القائم بالأمر، المتولي لشؤن الحكم، ورعاية الشؤون. وقد حاول الإمام الحافظ ابن حجر تلخيص الأقوال وتحريرها في «فتح الباري»، حيث قال: [قوله المهيمن القرآن أمين على كل كتاب قبله أورد بن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة عن بن عباس في قوله تعالى ومهيمنا عليه قال القرآن أمين على كل كتاب كان قبله، وروى عبد بن حميد من طريق أربدة التميمي عن بن عباس في قوله تعالى ومهيمنا عليه قال مؤتمنا عليه وقال بن قتيبة وتبعه جماعة مهيمنا مفيعل من أيمن قلبت همزته هاء وقد أنكر ذلك ثعلب فبالغ حتى نسب قائله إلى الكفر لأن المهيمن من الأسماء الحسني وأسماء الله تعالى لا تصغر. والحق أنه أصل بنفسه ليس مبدلا من شيء وأصل الهيمنة الحفظ والارتقاب تقول هيمن فلان على فلان إذا صار رقيبا عليه فهو مهيمن قال أبو عبيدة لم يجيء في كلام العرب على هذا البناء إلا أربعة ألفاظ مبيطر ومسيطر ومهيمن ومبيقر].
وقال الحافظ في موضع آخر من «فتح الباري»: [قال البيهقي: (هذا شرح قول أهل التفسير في المهيمن انه الأمين ثم ساق من طريق التيمي عن بن عباس في قوله مهيمنا عليه قال مؤتمنا ومن طريق علي بن أبي طلحة عن بن عباس المهيمن الأمين ومن طريق مجاهد قال المهيمن الشاهد وقيل المهيمن الرقيب على الشيء والحافظ له وقيل الهيمنة القيام على الشيء قال الشاعر:


الا ان خير الناس بعد نبيه vvv مهيمنه التاليه في العرف والنكر يريد القائم على الناس بعده بالرعاية لهم) انتهى.
ويصح ان يريد الأمين عليهم فيوافق ما تقدم]. قلت: قد أصاب البيهقي ها هنا في تفسيره للفظة «المهيمن» بـ«القائم على الناس بالرعاية لهم»، فلا يستفاد من بيت الشعر المذكور إلا هذا، وقد تفهم بمعنى الحاكم المسيطر، أما الشهيد فلا، وأما المؤتمن فنعم، ولكن ليس من اللفظ نفسه، وإنما من مستلزمات معانيه شرعاً وعقلاً: أن الحاكم القائم بالشؤون مؤتمن عليها، أو هكذا ينبغي أن يكون، وإلا كان خائناً مجرماً.
ويشبه هذا ما جاء في «لسان العرب»: [وفي حديث عكرمة: (كان علي، عليه السلام، أعلم بالمهيمنات )، أي القضايا من الهيمنة وهي القيام على الشيء جعل الفعل لها هو لأربابها القوامين بالأمور].
أما الإمام الطبري فقد طوَّل جداً في هذا ولم يأت، خلافاً لعوائده الجميلة، بجديد في تفسيره.
ولكن الإمام ابن كثير كان أسعد حظاً في تفسير لهذه اللفظة إذ قال: [قوله تعالى: }ومهيمناً عليه{، قال سفيان الثوري وغيره، عن أبي إسحاق، عن التميمي، عن ابن عباس: أي مؤتمناً عليه. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: المهيمن الأمين، قال: القرآن أمين على كل كتاب قبله. ورواه عن عكرمة وسعيد بن جبير ومجاهد ومحمد بن كعب وعطية والحسن وقتادة وعطاء الخراساني والسدي وابن زيد نحو ذلك، وقال ابن جرير: القرآن أمين على الكتب المتقدمة قبله، فما وافقه منها فهو حق، وما خالفه منها فهو باطل، وعن الوالبي عن ابن عباس «ومهيمناً» أي شهيداً، وكذا قال مجاهد وقتادة والسدي. وقال العوفي عن ابن عباس «ومهيمنا» أي حاكماً على ما قبله من الكتب، وهذه الأقوال كلها متقاربة المعنى، فإن اسم المهيمن يتضمن هذا كله، فهو أمين وشاهد وحاكم على كل كتاب قبله، جعل الله هذا الكتاب العظيم الذي أنزله آخر الكتب وخاتمها أشملها وأعظمها وأكملها حيث جمع فيه محاسن ما قبله، وزاده من الكمالات، ماليس في غيره، فلهذا جعله شاهداً وأميناً وحاكماً عليها كلها وتكفل تعالى بحفظه بنفسه الكريمة، فقال تعالى: "إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون]، انتهى كلام ابن كثير، وهو كلام جيد موفق.
ولكن الأكثرية من المفسرين ، للأسف الشديد، على تقليد ابن عباس في تفسيره للفظة «المهيمن» بـ«الشهيد»، ثم «المؤتمن» أو «الأمين»، التي لا تنسجم مع السياق، إلا قليلاً، بخلاف الحاكم، أو القائم، ونحوها. وهذا هو عيب التقليد، والتكاسل عن الاجتهاد والتفكير المستقل.
وقد وجدنا في تاريخ الطبري في قصة مقتل أبي شريح الخزاعي ومعاقبة قتلته أبيات من الشعر ممتعة، تصلح كشواهد لغوية: [...، فكتب فيهم إلى عثمان فكتب إليه في قتلهم فقتلهم على باب القصر في الرحبة، وقال في ذلك عمرو بن عاصم التميمي:


لا تأكلوا أبدا جيرانكم سرفا أهل الزعارة في ملك ابن عفان وقال أيضا:
إن ابن عفان الذي جربتمو فطم اللصوص بمحكم الفرقان ما زال يعمل بالكتاب مهيمنا في كل عنق منهم وبنان

ويظهر من الأبيات معنى التحكم، بل البطش والسيطرة في لفظة: (مهيمن). كما في «الإصابة في تمييز الصحابة» أثناء ترجمة الفارعة بنت أبي الصلت رضي الله عنها، أخت أمية بن أبي الصلت الشاعر المشهور، هذه الأبيات من قصيدة له:


لك الحمد والنعماء والفضل ربنا ولا شيء أعلى منك جَدا وأمجد مليك على عرش السماء مهيمـــن لعزته تعنو الوجـــوه وتســـجـــــــــــد

قلت: لا معنى لـ«مهيمن» هاهنا إلا: المتحكم المسيطر، ذي السلطان القاهر، والتصرف النافذ. وهذا هو الذي شاع على السنة الناس خاصة وعامة في القرون الأخيرة، فإذا قيل «الهيمنة الأجنبية» فهم منها كل سامع معنى «الغلبة والتسلط أو الاستعمار الأجنبي»، لا غير، وهو الصواب والحمد لله.
وهذا هو الذي ندين الله به: أن «المهيمن» هو المسيطر المتحكم القاهر، ذي السلطان النافذ، لا غير
ولا يكون القرآن «مهيمناً» أي حاكما ومتسلطاً ومتغلباً ومسيطراً على الكتب السابقة، إلا إذا كان ناسخاً لها، لا يتصور، عقلاً أو شرعاً، في أوامر الله ونواهيه غير ذلك، لأنها كلها مرتبة واحدة، ذات حرمة وقدسية واحدة، فإذا هيمن أحدها وتحكم في آخر، فهو ناسخ وذاك منسوخ بالضروة، ومحال أن يكون الحال غير هذا، ولا يتصور في العقل إلا هذا، فهذا برهان ثالث على كون الشرائع السابقة منسوخة كلها، وعلى كوننا غير مخاطبين بها أصلاً، وأن (شرع من قبلنا شرع لنا) مقولة باطلة، بل إفك عظيم، لا يحل التفوه به مطلقاً بعد هذا البيان.
v ومن الأدلة على نسخ جميع الشرائع السابقة، والبطلان المطلق لمقولة: (شرع من قبلنا شرع لنا) قوله، جل جلاله، وتقدَّست أسماؤه: }ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ{، (الجاثـية؛ 45:18)، فهو، عليه وعلى آله الصلاة والسلام، على شريعة خاصة مستقلة، تختلف عن الشرائع السابقة، أوحيت إليه من أول أمره في مكة، لأن سورة الجاثـية مكية إجماعاً، لذلك ما سأل أهل الكتاب عن شئ من الهدى أو الأحكام قط، بل نهى عن ذلك أشد النهي، كما سيأتي قريباً. ولعل بعض الناس، وبخاصة اليهود، تسخطوا من ذلك، فأعلمهم الله، بعد ذلك في المدينة، أن سنته المطردة الثابتة هي: جعل كل أمة على شريعة، وكل شريعة هي، في وقت شرعها وللقوم الذين شرعت لهم، شريعة الله، والعمل بها طاعة لله، فالمهم هو المسارعة إلى الأعمال الصالحة، والمسابقة إلى الخيرات، فإذا نسخت كانت الشريعة الجديدة هي شريعة الله، تجب طاعتها، ولا تحل مخالفتها، كما نبَّه جل جلاله، وسما مقامه، إذ قال: }وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ: لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً، وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ{، (المائدة:48)، وسورة المائدة من أواخر ما نزل في المدينة إجماعاً.
v ومن الأدلة على نسخ جميع الشرائع السابقة، والبطلان المطلق للمقولة الكاذبة الباطلة: (شرع من قبلنا شرع لنا)، قوله عليه وعلى آله الصلاة والسلام: «لو أصبح موسى فيكم حيا اليوم فاتبعتموه وتركتموني لضللتم»، كما سنشبعه نقاشاً في الفصل المقبل. وموسى نبي ورسول معصوم، لا يحل له مخالفة أمر الله. فمن المحال الممتنع أن لا يسعه إلا متابعة محمد، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، بمعصية الله الذي أوحى إليه بشريعة معلومة مستقلة، فوجب ضرورة أن تكون شريعته منسوخة عن آخرها، بحيث لو بعث حياً لم يجز له إلا اتباع محمد، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وإلا كان عاصياً آثماً، حاشاه. فهذا كذلك برهان رابع على كون الشرائع السابقة منسوخة كلها، وعلى كوننا غير مخاطبين بها أصلاً، وأن (شرع من قبلنا شرع لنا) مقولة باطلة لا يحل التفوه بها.

v ومن القرائن القوية على نسخ جميع الشرائع السابقة، والبطلان المطلق للمقولة الكاذبة؛ (شرع من قبلنا شرع لنا)، إمامته، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، للأنبياء يوم أسريَ به إلى بيت الله المقدس، حيث بعث له الأنبياء السابقين، فتدافعوا من يتقدم، ثم قدموه أو قدمه جبريل أمامهم، فأمهم في الصلاة. يترتب على ذلك ضرورة أنه صلواتهم قد نسخت، لأنهم صلوا بصلاته، والصلاة عمود الدين، فغيرها نسخ من باب أولى. فهذا برهان خامس على كون الشرائع السابقة منسوخة كلها، وعلى كوننا غير مخاطبين بها أصلاً، وأن (شرع من قبلنا شرع لنا) مقولة باطلة لا يحل التفوه بها.
ــ وقد ثبتت قصة إمامته، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، للأنبياء بما جاء في «صحيح مسلم» حيث قال الإمام مسلم: [وحدثني زهير بن حرب حدثنا حجين بن المثنى حدثنا عبد العزيز وهو بن أبي سلمة عن عبد الله بن الفضل عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لقد رأيتني في الحجر وقريش تسألني عن مسراي فسألتني عن أشياء من بيت المقدس لم أثبتها فكربت كربة ما كربت مثله قط»، قال: «فرفعه الله لي أنظر إليه ما يسألوني عن شيء إلا أنبأتهم به، وقد رأيتني في جماعة من الأنبياء فإذا موسى قائم يصلي فإذا رجل ضرب جعد كأنه من رجال شنوءة، وإذا عيسى بن مريم عليه السلام قائم يصلي أقرب الناس به شبها عروة بن مسعود الثقفي، وإذا إبراهيم عليه السلام قائم يصلي أشبه الناس به صاحبكم يعني نفسه، فحانت الصلاة فأممتهم، فلما فرغت من الصلاة قال قائل: (يا محمد هذا مالك صاحب النار فسلم عليه!)، فالتفت إليه فبدأني بالسلام]،
ــ وهو في «السنن الكبرى» للإمام النسائي: [أخبرنا محمد بن رافع قال حدثنا حجين بن المثنى قال حدثنا عبد العزيز بن أبي سلمة بعينه إلى منتهاه سنداً ومتناً]
ــ وفي «مسند الشاميين» من حديث طويل: [حدثنا مطلب بن شعيب حدثنا عبد الله بن صالح (ح) وحدثنا أحمد بن خليد الحلبي حدثنا يحيى بن صالح الوحاظي قالا: حدثنا سعيد بن عبد العزيز التنوخي حدثنا يزيد بن أبي مالك عن أنس بن مالك أن النبي، صلى الله عليه وسلم قال: «أتيت بدابة فوق الحمار ودون البغل خطوتها عند منتهى طرفها فركبت ومعي جبريل عليه السلام فسارت بي، ...»] إلى أن قال: [«ثم دخلت بيت المقدس فجمع لي الأنبياء فصليت بهم، ثم صعد بي إلى السماء الدنيا، ...الحديث»]
ــ وفي «فتح الباري شرح صحيح البخاري» ذكر لرواية أخرى: [وفي حديث أبي امامة عند الطبراني في الأوسط ثم اقيمت الصلاة فتدافعوا حتى قدموا محمداً]

u فصل: «لو أصبح موسى فيكم حيا اليوم فاتبعتموه وتركتموني لضللتم»
v قال، عليه وعلى آله الصلاة والتبريكات والسلام: «لو أصبح موسى فيكم حيا اليوم فاتبعتموه وتركتموني لضللتم»، كما ثبت عن عبد الله بن ثابت وغيره: جاء عمر إلى النبي، صلى الله عليه وسلم، فقال: (يا رسول الله إني مررت بأخ لي من قريظة فكتب لي جوامع من التوراة [بالعربية، لنزداد به علما الى علمنا،] أحب أن أعرضها عليك)، فتغير وجه رسول الله، صلى الله عليه وسلم، [وغضب حتى احمرت عيناه]، قال: فقلت لعمر: (مسخ الله عقلك! أما ترى ما بوجه رسول الله صلى الله عليه وسلم)، وقال أبو بكر: (ثكلتك الثواكل! ما ترى بوجه رسول الله، صلى الله عليه وسلم؟!)، [وقالت الأنصار: (يا معشر الأنصار السلاح السلاح غضب نبيكم، صلى الله عليه وسلم)، فجاءوا حتى أحدقوا بمنبر رسول الله، صلى الله عليه وسلم]، فقال عمر: (رضيت بالله ربا، وبالإسلام دينا وبمحمد، صلى الله عليه وسلم، [رسولاً] نبيا)، قال: فسري عنه، ثم قال: «[أمتهوكون فيها يا بن الخطاب: والذي نفسي بيده: إني أوتيت جوامع الكلم، وخواتمه، واختصر لي الحديث اختصارا، ولقد جئتكم بها بيضاء نقية، فلا تهوكوا، ولا يغرنكم المتهوكون! لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء: فإنهم لن يهدوكم وقد ضلوا: فإنكم إما أن تصدقوا بباطل، أو تكذبوا بحق]، والذي نفسي بيده لو أصبح موسى فيكم حيا اليوم، فاتبعتموه، وتركتموني لضللتم [عن سواء السبيل ضلالاً بعيداً]، [والذي نفسي بيده لو أن موسى، صلى الله عليه وسلم، كان حيا ما وسعه إلا أن يتبعني]: إني حظكم من النبيين، وأنتم حظي من الأمم»، [ثم نزل عن المنبر]. وقد أثبتنا صحة هذا الحديث بطوله في الملحق.
وقد ثبتت لفظة: «لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء» من طرق أخرى بمفردها، عن عبد الله بن مسعود، رضي الله عنه، كما هو مبرهن عليه في الملحق أيضاً.
وقد جاءت لفظة: «ما حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم» من طرق أخرى بمفردها، عن العديد من الصحابة، فمن ذلك ما جاء عن أبي نملة الأنصاري، رضي الله عنه
v كما هي في «صحيح ابن حبان»: أخبرنا بن قتيبة قال حدثنا حرملة قال حدثنا بن وهب قال أخبرنا يونس عن بن شهاب أن نملة بن أبي نملة الأنصاري حدثه أن أبا نملة أخبره أنه بينما هو جالس عند رسول الله، صلى الله عليه وسلم، جاء رجل من اليهود فقال هل تكلم هذه الجنازة فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: «الله أعلم»، فقال اليهودي: (أنا أشهد أنها تتكلم)، فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: «ما حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم وقالوا آمنا بالله وملائكته وكتبه ورسله: فإن كان حقا لم تكذبوهم، وإن كان باطلا لم تصدقوهم»، وقال: «قاتل الله اليهود: لقد أوتوا علماً». وقال الشيخ شعيب الأرناؤوط: إسناده قوي. وقد أخرجه أبو داود، والطبراني من طرق كثيرة، والبيهقي، وغيرهم.
وكما جاءت عن عامر بن ربيعة، رضي الله عنه:
v في «المستدرك على الصحيحين»: أخبرناه أبو الفضل الفقيه حدثنا عثمان بن سعيد الدارمي أخبرنا عبد الله بن عبد الجبار بحمص حدثنا الحارث بن عبيدة حدثنا الزهري عن سالم عن أبيه عن عامر بن ربيعة قال: كنا مع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فمر بجنازة فقال رجل من اليهود: (يا محمد تكلم هذه الجنازة؟!)، فسكت رسول الله، صلى الله عليه وسلم. فقال اليهودي: (أنا أشهد أنها تكلم!)، فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: «إذا حدثكم أهل الكتاب حديثا فقولوا آمنا بالله وملائكته وكتبه ورسله».
أما لفظة: «حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج»، التي كثيراً ما أُسيء فهمها، فقد جاءت عن عدد من الصحابة بأصح الأسانيد، منها ما جاء عن عبد الله بن عمرو بن العاص، رضي الله عنه، كما:
v في «مسند الإمام أحمد بن حنبل»: حدثنا أبو المغيرة حدثنا الأوزاعي حدثني حسان بن عطية قال أقبل أبو كبشة السلولي ونحن في المسجد فقام إليه مكحول وابن أبي زكريا وأبو بحرية فقال: سمعت عبد الله بن عمرو يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «بلغوا عني ولو آية، وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج ومن كذب على متعمدا فليتبوأ مقعده من النار». هذا في غاية الصحة، مسلسل بالثقات المصرحين بالتحديث، وهو كذلك عند أحمد من طرق أخرى صحيحة، وعند البخاري، والداومي، وابن حبان، وفي مسند الشافعي، ومسند الحميدي، والطبراني الصغير، وشرح مهاني الآثار، ومواضع متعددة من «فتح الباري شرح صحيح البخاري»، وغيرهم.
وما جاء عن أبي سعيد الخدري، رضي الله عنه، كما:
v في «السنن الكبرى»: أنبأ الفضل بن العباس بن إبراهيم قال حدثنا عفان قال حدثنا همام قال حدثنا زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، وحدثوا عني ولا تكذبوا علي». هذا صحيح جداً، وهو كذلك في مسند أحمد من عدة طرق صحاح.
وما جاء عن جابر بن عبد الله، رضي الله عنه، كما:
v في «مسند عبد بن حميد»: حدثني بن أبي شيبة حدثنا وكيع عن الربيع بن سعد عن بن سابط عن جابر قال قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: «تحدثوا عن بني إسرائيل فإنه كانت فيهم الأعاجيب»، ثم أنشأ يحدث قال: «خرجت طائفة منهم فأتوا مقبرة من مقابرهم فقالوا لو صلينا ركعتين فدعونا الله عز وجل يخرج لنا بعض الأموات يخبرنا عن الموت قال ففعلوا فبينا هم كذلك إذ طلع رجل رأسه من قبر بن عينيه أثر السجود فقال: يا هؤلاء ما أردتم إلي؟! فوالله لقد مت منذ مائة سنة فما سكنت عني حرارة الموت حتى كان الآن فادعوا الله أن يعيدني كما كنت».
ولإزالة سوء الفهم الذي كثيراً ما أحاط بهذه الأحاديث نبدأ باستعراض أقوا الأئمة السابقين حول الموضوع التي يمثلها أحسن تمثيل ما قاله الإمام الحافظ الكبير ابن حجر العسقلاني:
v حيث قال في «فتح الباري شرح صحيح البخاري»: [والذي يظهر ان كراهية ذلك للتنزيه لا للتحريم والأولى في هذه المسئلة التفرقة بين من لم يتمكن ويصر من الراسخين في الإيمان فلا يجوز له النظر في شيء من ذلك بخلاف الراسخ فيجوز له ولا سيما عند الاحتياج الى الرد على المخالف ويدل على ذلك نقل الأئمة قديما وحديثا من التوراة وإلزامهم اليهود بالتصديق بمحمد، صلى الله عليه وسلم، بما يستخرجونه من كتابهم ولولا اعتقادهم جواز النظر فيه لما فعلوه وتواردوا عليه واما استدلاله للتحريم بما ورد من الغضب ودعواه أنه لو لم يكن معصية ما غضب منه فهو معترض بأنه قد يغضب من فعل المكروه ومن فعل ما هو خلاف الأولى إذا صدر ممن لا يليق منه ذلك كغضبه من تطويل معاذ صلاة الصبح بالقراءة وقد يغضب ممن يقع منه تقصير في فهم الأمر الواضح مثل الذي سأل عن لقطة الإبل وقد تقدم في كتاب العلم الغضب في الموعظة ومضى في كتاب الأدب ما يجوز من الغضب]، انتهى كلام الحافظ. وقال في موضع آخر: [قوله وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج أي لا ضيق عليكم في الحديث عنهم لأنه كان تقدم منه، صلى الله عليه وسلم، الزجر عن الأخذ عنهم والنظر في كتبهم ثم حصل التوسع في ذلك وكأن النهي وقع قبل استقرار الأحكام الإسلامية والقواعد الدينية خشية الفتنة ثم لما زال المحذور وقع الإذن في ذلك لما في سماع الأخبار التي كانت في زمانهم من الاعتبار وقيل معنى قوله لا حرج لا تضيق صدوركم بما تسمعونه عنهم من الأعاجيب فإن ذلك وقع لهم كثيرا وقيل لا حرج في أن لا تحدثوا عنهم لأن قوله أولا حدثوا صيغة أمر تقتضي الوجوب فأشار إلى عدم الوجوب وأن الأمر فيه للإباحة بقوله ولا حرج أي في ترك التحديث عنهم وقيل المراد رفع الحرج عن حاكي ذلك لما في أخبارهم من الألفاظ الشنيعة نحو قولهم اذهب أنت وربك فقاتلا وقولهم اجعل لنا إلها وقيل المراد ببني إسرائيل أولاد إسرائيل نفسه وهم أولاد يعقوب والمراد حدثوا عنهم بقصتهم مع أخيهم يوسف وهذا أبعد الأوجه وقال مالك المراد جواز التحدث عنهم بما كان من أمر حسن أما ما علم كذبه فلا وقيل المعنى حدثوا عنهم بمثل ما ورد في القرآن والحديث الصحيح وقيل المراد جواز التحدث عنهم بأي صورة وقعت من انقطاع أو بلاغ لتعذر الإتصال في التحدث عنهم بخلاف الأحكام الإسلامية فإن الأصل في التحدث بها الإتصال ولا يتعذر ذلك لقرب العهد وقال الشافعي من المعلوم أن النبي، صلى الله عليه وسلم، لا يجيز التحدث بالكذب فالمعنى حدثوا عن بني إسرائيل بما لا تعلمون كذبه وأما ما تجوزونه فلا حرج عليكم في التحدث به عنهم وهو نظير قوله إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم ولم يرد الإذن ولا المنع من التحدث بما يقطع بصدقه]، انتهت القطعة الثانية من كلام الحافظ.
قلت: رحم الله الحافظ، لقد اختلط عليه، وعلى الكثير من العلماء غيره، حكم ثلاثة أقضية متباينة، فجعلها قضية واحدة، كما يظهر من الدراسة المدققة التالية:

القضية الأولى: سؤال أهل الكتاب، أو غيرهم من الكفار، عن شيء من «الدين» طلباً للعلم والهدى (لاحظ قول عمر: لنزداد علماً إلى علمنا) وهذا محرم تحريماً قطعياً لا شك فيه بقرينة أنه، عليه وعلى آله صلوات وتسليمات وتبريكات من الله، غضب غضباً شديداً حتى احمرت عيناه من فعل عمر، حتى صاح به عبد الله بن ثابت: (مسخ الله عقلك! أما ترى ما بوجه رسول الله صلى الله عليه وسلم)، وصاح به أبو بكر: (ثكلتك الثواكل ما ترى بوجه رسول الله، صلى الله عليه وسلم؟!)، وتنادت الأنصار إلى السلاح، وهذا لا يكون إلا في العظائم. وقد علَّل النبي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ذلك بأمور عدة تختلف حسب مرتبتها في الأهمية، وهي:
الاعتبار الأول: أن ما في أيدي أهل الكتاب السابق من الكتب والروايات محرف غيرت ألفاظه، وأدخل فيه ما ليس منه، قد اختلط فيه الحق والباطل، والصدق والكذب على وجه لا يمكن التمييز، من داخله، بين أجزائه على وجه متيقن أبداً، كما أنه ناقص لحذف أشياء منه عمداً أو لضياعها. فما ببأيديهم مظلم ملوَّث، لا تقوم به حجة، ولا تبرأ به ذمة. أما ما أتى به محمد، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فهو منير نقي، وهو شاف كاف (لاحظ قوله: إني أوتيت جوامع الكلم، وخواتمه، واختصر لي الحديث اختصارا، ولقد جئتكم بها بيضاء نقية) قد تكفل الله بحفظه بحيث يبقى إلى يوم القيامة نقياً تقوم به الحجة، وتبرأ به الذمة. فكيف يسوغ للعاقل طالب الحق أن يترك المنبع النقي الصافي ويتجه إلى المشوب الملوَّث؟! نعم: قد يعذر من لم يجد إلا الملوَّث إذا شرب منه مضطراً كحال المؤمنين بالكتب السابقة قبل بعثته، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أما بعد بعثته فلا.
الاعتبار الثاني: وهو أهم من سابقه وأخطر: أن أهل الكتاب السابق لما سبق ذكره من تحريف الكتب وضياعها، ولانتشار الفسق والنفاق في أحبارهم وكهنتهم ورهبانهم، الذين يحرفون الكلم الثابت الصحيح عن مواضعه، ويتأولون الكتاب على غير تأويله، ويجعلون الكتاب قراطيس يبدون بعضها ويخفون كثيراً، ويبقون الكتاب بلغات ميتة بائدة لا يحسنها جمهور الناس ليحتكروا تفسيره، ويتسلطوا على العامة بمعرفته، ولمداهنتهم للسلاطين، وأكلهم أموال الناس بالباطل، أنهم لذلك كله ضلال بعيدون عن الهدى، ومن كان ضالاً بنفسه لا ينتظر منه أن يهدي غيره، ولا يجوز أن يوثق بفتواه، ولا أن يعتد برأيه.
وعلم «الدين» إنما يؤخذ فقط عن أهل الهداية والاستقامة، لا عن أهل الغواية والضلالة (لاحظ قوله: فإنهم لن يهدوكم وقد ضلوا). وهذا يصح كذلك، ومن باب أولى، حتى على منافقة القراء من هذه الأمة المحمدية، لا سيما فقهاء السلاطين، لعنهم الله، بالرغم من حفظ الذكر وسلامته من التحريف والضياع في ذاته، وبالرغم من حفظهم هم للكتب والمتون والشروح، كالحمار يحمل أسفاراً، لأنهم لم يرفعوا بها رأساً، فلا يجوز أيضاً سؤالهم، ولا طلب الهدي منهم وهم قد ضلوا.
الاعتبار الثالث: وهو الاعتبار الأهم والأخطر: أن الكتب السابقة حتى ولو قدرنا جدلاً، وتنزلاً في الاحتجاج، أنها كانت محفوظة حرفاً حرفاً، بل حركة حركة، وصوتا صوتا، كحفظ القرآن عند المسلمين، وحتى لو سلمنا جدلاً بأن حملتها من الكهنة والأحبار والرهبان ثقاة مأمونون، لا يحرفون الكلم عن مواضعه، ولا يكتمون شيئاً مما أنزل الله، ويبلغون عن الله ولا يخشون أحداً إلا الله، إي أنهم بحق ورثة للأنبياء، لو فرضنا ذلك كله جدلاً لم تعد مصدر هداية: لأنها نسخت كلها من أولها إلى آخرها، كبيرها وصغيرها. بل لو أن موسى، وهو من أعظم رسل الله السابقين مكانة، وأكثرهم تشريعاً، بعث حياً اليوم للزمه اتباع النبي محمد، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، من غير قيد أو شرط.
ولما كان موسى، صلى الله عليه وسلم، رسولاً نبياً معصوماً لا يجوز له أن يخالف شيئا من أوامر الله نواهيه التي أوحاها إليه من قبل، لزم ضرورة أن يكون كل ما أوحي إليه منسوخ كله، دقه وجله فور بعثة محمد، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ولو تبع الناس موسى، وتركو محمداً لضلوا ضلالاً بعيداً، أي لكفروا، لأن الضلال البعيد لا يطلق إلا على الكفر.
فمن لحظة نزلت: }إقرأ بسم ربك الذي خلق{، على الصحيح، أو على أبعد تقدير لحظة نزول قوله، تباركت أسماؤه: }قل: يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعاً{، نسخت جميع الشرائع السابقة كلها جميعاً، وعاد الأمر أنف كيوم خوطب آدم وزوجه: }لا تقربا هذه الشجرة{، بل كحالهما قبل ذلك الخطاب. فلم يكن ثم صلاة ولا زكاة ولا صيام، وما ثمة تكليف حتى جاء ذلك الأمر الواحد اليتيم. لذلك كان الحق الذي لا ريب فيه أن (شرع من قبلنا ليس شرعاً لنا)، كما أقمنا عليه قواطع الأدلة فيما سبق. نعم قال بخلاف ذلك بعض أهل العلم، وهو خطأ منكر فادح، وزلة جسيمة شنعاء من زلات العلماء، نسأل الله أن يغفرها لهم، ونعوذ بالله من شرها.
أما حمل الحافظ ابن حجر، رحمه الله، غضب النبي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، الشديد على الكراهية فحسب فهو عجيب، وهو من زلات العلماء الشنيعة، أعاذنا الله من شرها. وأعجب منه القياس على تأنيب معاذ، رضي الله عنه، على إطالته الصلاة. وكان الأولى به، سامحه الله وعفا عنه، أن يحكم بحرمة تطويل الإمام لصلاة الفرض فوق طاقة المأمومين، وهو الحق إن شاء الله تعالى، بدلاً من تنكيس القضية، والذهاب إلى مقالته الساقطة العجيبة. وأما غضب النبي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، على من سأل عن ضوال الإبل فالأرجح، والله أعلم، أنه استشعر من السائل محاولة المراوغة لاستحلال أخذها أو ركوبها على الأقل، كما يظهر من تتبع ألفاظ الحديث، فاشتد غضبه لا من مجرد السؤال، ولكن من ما ظهر من مقاصد السائل ونيته الملتوية، وهي نية محرمة خبيثة، يستحق صاحبها الذم والتوبيخ، وأن يعنَّف ويغضب عليه.

القضية الثانية: وهو غير الأولى، ومباينة لها، تتعلق بالموقف من إخبار أهل الكتاب لنا بشيء من أمور «الدين»، كأخبار الغيب، وأحوال القيامة، وصفات الله وأسمائه، وذلك عندما يتطوعون هم بتقديم الخبر، غير مسبوق بسؤال منا، لأن سؤالهم عن ذلك غير جائز كما أسلفنا. ففي مثل هذه الأحوال يوجب العقل التوقف في كل مقولة لم يقم عليها أو على ضدها برهان، لأن الإثبات والنفي كلاهما أحكام تفتقر إلى البرهان. وحتى لو كانت تلك المقولات مستندة على كتبهم ورواياتهم، مستنبطة استنباطا صحيحاً من النصوص التي في أيديهم، فلا يجوز إلا التوقف في أمرها لأن نصوصهم غير ثابته، ولم يقم البرهان القاطع على حجيتها. هذا هو الموقف «المعرفي» العقلي السليم، والتعامل المنصف، من كل قضية لم تتم بعد البرهنة عليها: التوقف والامتناع عن النفي أو الإثبات. ثم جاء الشرع المطهر فأوجب هذا الموقف «المعرفي» السليم على المؤمنين بالرسالة المحمدية فأصبح هو كذلك الحكم الشرعي الملزم، لأن خلاف ذلك يفضي إلى التصديق بباطل، وهو أمر محرم شنيع: أقل مراتبه التخريف والسفاهة، وربما وصل إلى درجة الكفر والضلالة، أو التكذيب بحق، وهو كسابقه في الشناعة.
وهذا الموقف هو كذلك الواجب على من عصى الله ورسوله وبدأهم بالسؤال، فالوقوع في المعصية أولاً بسؤالهم لا يبرر الوقوع في المعصية تالياً بتكذيبهم أو تصديقهم من غير برهان. نعم: هذا هو الواجب على كل حال تجاه تحديثهم لنا عن أي شأن من شؤون «الدين»، سواء كان هذا ابتداءً وتبرعاً منهم، أو رداً على سؤال منا.

القضية الثالثة: التحديث «عنهم»، أي رواية أخبارهم، وما حدث في تاريخهم الطويل من الفتن والحروب، والارتقاء والانحطاط، والنصر والهزيمة، وصلاح الحكام وفسادهم، وإحسان الأحبار وانحرافهم، وكذلك الأعاجيب التي كانت فيهم، كل ذلك لأخذ العبرة والموعظة، ولفهم حركة التاريخ، وسنن الأمم والدول والمجتمعات، لا سيما وأن بني إسرائيل كانوا أمة رسالة ودعوة. ويدخل في ذلك، بل هو الأولى بالتقديم لأنه كالمدخل لما سبق: دراسة كتبهم ومروياتهم لغربلة المتناقض والمكذوب، واستجلاء الراجح والصحيح، لا سيما إذا دعم ذلك بدراسة آثارهم، وأطلال مدنهم، وما رواه مؤرخو الشعوب الأخرى عنهم، إلى غير ذلك من آليِّات البحث التاريخي. ومن البديهي أنه لا يجوز، كما أسلفنا في القضايا السابقة، أخذ مروياتهم، أو مرويات غيرهم، موضع التسليم، بل لا بد من التوقف فيها أولاً، ثم فحصها وتمييزها ثانياً. فإن ثبت أو ترجح شيء من ذلك جاز بعدئذ التحدث عنهم به، ولا حرج، لأخذ العبرة منه.
ولكن الفهم الخاطيء السقيم للأحاديث المذكورة أعلاه، حتى من قبل بعض الأكابر، كما يظهر مثلاً في كلام الإمام الحافظ الحجة ابن حجر، أدى إلى انتكاس القضايا في أذهان المسلمين. نعم: قل أن يوجد من المسلمين من سأل أهل الكتاب طالباً الهدى من عندهم، ولكن كثر من طلب الهدى من كتب الفلاسفة، وهم شر من أهل الكتاب، وأبعد عن الهدى والوحي، ظاناً أنها مباحث عقلية، مهملاً للكتاب والسنة. والحق أنها أسوأ حالاً من كتب بني إسرائيل: فما هي إلا فرضيات خيالية، ومباحث خرافية، إلا أقل القليل.
وانتشر التصديق لمرويات أهل الكتابين وأخذها قضية مسلمة خاصة في كتب التفاسير، بل وجد من حاول تأويل النصوص القرآنية لتتوافق مع الخرافات العبرانية: سبحان الله هذا بهتان عظيم!
وفي المقابل قلت الأبحاث النقدية الموضوعية لكتبهم. نعم: قام الإمام الفحل أبو محمد علي بن حزم الأندلسي، فيما نعلم، بأول دراسة موضوعية في تاريخ البشرية لكتب أهل الكتابين في «الفصل بين الملل والنحل»؛ ولكن لم يتبعه كثير من علماء المسلمين بل أهملوا الموضوع إهمالاً، إلا الإمام ابن تيمية في «الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح»، ولم يأت من غيرهما إلا أشياء يسيرة أخرى، لا تسمن ولا تغني من جوع، فلا حول ولا قوة إلا بالله.

u فصل: النهي عن كثرة السؤال
اشتد نهي الله ورسوله عن كثرة السؤال، والتردد على رسول الله بالمسائل والفرضيات، والتقعر والتعمق في الجدليات، لا فرق في ذلك بين سؤال الرجل المطعون في نسبه: من هو أبي؟! وسؤال الأعرابي الأحمق عن الحج: أهو في كل عام.
ثبت ذلك بالبرهان القاطع، والحجة اليقينية الملزمة بذلك كما هي في الآيات والأحاديث التالية:
v قال الحق، جل جلاله، وتباركت أسماؤه: }يأيها لذين آمنوا لا تسألوا عن أشيآء إن تبد لكم تسؤكم وإن تسألوا عنها حين ينزل لقرآن تبد لكم عفا لله عنها ولله غفور حليم{، (المائدة: 5:101)، وإليك جماع قول أئمة التفسير كما وردت في:
v فقد جاء في « تفسير الطبري»: [القول في تأويل قوله تعالى: }يأيها لذين آمنوا لا تسألوا عن أشيآء إن تبد لكم تسؤكم وإن تسألوا عنها حين ينزل لقرآن تبد لكم عفا الله عنها، والله غفور حليم{، ذكر أن هذه الآية أنزلت على رسول الله بسبب مسائل كان يسألها إياه أقوام امتحانا له أحيانا، واستهزاء أحيانا، فيقول له بعضهم: من أبي؟!، ويقول له بعضهم إذا ضلت ناقته: أين ناقتي؟! فقال لهم تعالى ذكره: لا تسألوا عن أشياء من ذلك (كمسألة عبد الله بن حذافة إياه من أبوه) إن تبد لكم تسؤكم يقول إن أبدينا لكم حقيقة ما تسألون عنه ساءكم إبداؤها وإظهارها وبنحو الذي قلنا في ذلك تظاهرت الأخبار عن أصحاب رسول الله. ذكر الرواية بذلك: ...] ثم استعرض الطبري نحواً من عشر روايات أكثرها صحاح بذلك المعنى المذكور، وهي في الملحق مع كامل نص الإمام الطبري.
v واستأنف الإمام: [وقال آخرون نزلت هذه الآية على رسول الله من أجل مسألة سائل سأله عن شيء في أمر الحج. ذكر من قال ذلك: ...] وذكر كذلك نحواً من ثمانية طرق، أكثرها صحاح، ، وهي كذلك في الملحق مع كامل النص.
v ثم قال: [وقال آخرون بل نزلت هذه الآية من أجل أنهم سألوا رسول الله عن البحيرة والسائبة والوصيلة والحامي. ذكر من قال ذلك:...] ثم ذكر روايتين، لا غير.
v ثم قال الإمام الطبري: [ وأولى الأقوال بالصواب في ذلك قول من قال نزلت هذه الآية من أجل إكثار السائلين رسول الله المسائل كمسألة ابن حذافة إياه من أبوه ومسألة سائله إذ قال إن الله فرض عليكم الحج أفي كل عام وما أشبه ذلك من المسائل لتظاهر الأخبار بذلك عن الصحابة والتابعين وعامة أهل التأويل.
وأما القول الذي رواه مجاهد عن ابن عباس فقول غير بعيد من الصواب ولكن الأخبار المتظاهرة عن الصحابة والتابعين بخلافه وكرهنا القول به من أجل ذلك على أنه غير مستنكر أن تكون المسألة عن البحيرة والسائبة والوصيلة والحام كانت فيما سألوا النبي عنه من المسائل التي كره الله لهم السؤال عنها كما كره الله لهم المسألة عن الحج أكل عام هو أم عاما واحدا وكما كره لعبد الله بن حذافة مسألته عن أبيه فنزلت الآية بالنهي عن المسائل لها فأخبر كل مخبر منهم ببعض ما نزلت الآية من أجله وأجل غيره.
وهذا القول أولى الأقوال في ذلك عندي بالصحة لأن مخارج الأخبار بجميع المعاني التي ذكرت صحاح فتوجيهها إلى الصواب من وجودها أولى]، وقد ذكرنا نص كلام الطبري بكامله في الملحق، وكذلك تفسير ما جاء بعده من آيات لعلاقته بالموضوع، فليراجع هناك.
v وفي تفسير ابن كثير نحو ما قال الطبري مختصراً مع زيادات موفقة مفيدة: [نهى الله تعالى المؤمنين في هذه الآية الكريمة عن كثرة سؤال النبي صلى الله عليه وسلم عن الأشياء قبل كونها كما قال تعالى: }يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن تبد لكم{، أي وإن تسألوا عن تفصيلها بعد نزولها تبين لكم ولاتسألوا عن الشيء قبل كونه فلعله أن يحرم من أجل تلك المسألة ولهذا جاء في الصحيح: «إن أعظم المسلمين جرما من سأل عن شيء لم يحرم فحرم من أجل مسئلته»، ولما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الرجل يجد مع امرأته رجلا فإن تكلم تكلم بأمر عظيم وإن سكت سكت على مثل ذلك فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم المسائل وعابها ثم أنزل الله حكم الملاعنة ولهذا ثبت في الصحيحين من حديث المغيرة بن شعبة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ينهى عن قيل وقال وإضاعة المال وكثرة السؤال وفي صحيح مسلم ذروني ما تركتكم فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم فإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه مااستطعتم وإن نهيتكم عن شيء فاجتنبوه وهذا إنما قاله بعد ما أخبرهم أن الله كتب عليهم الحج فقال رجل أكل عام يا رسول الله فسكت عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثا ثم قال عليه السلام لا ولو قلت نعم لوجبت ولو وجبت لما استطعتم ثم قال ذروني ما تركتم الحديث ولهذا قال أنس بن مالك: (نهينا أن نسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شيء فكان يعجبنا أن يأتي الرجل من أهل البادية فيسأله ونحن نسمع).
وقال الحافظ أبو يعلى الموصلي في مسنده أخبرنا أبو كريب أخبرنا إسحاق بن سليمان عن أبي سنان عن أبي إسحاق عن البراء ابن عازب قال: (إن كان ليأتي علي السنة أريد أن أسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الشيء فأتهيب منه، وإن كنا لنتمنى الأعراب).
وقال البزار أخبرنا محمد بن المثنى أخبرنا ابن فضيل عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال مارأيت قوما خيرا من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ما سألوه إلا عن اثنتي عشرة مسألة كلها في القرآن يسألونك عن الخمر والميسر ويسألونك عن الشهر الحرام و يسألونك عن اليتامى يعني هذا وأشباهه وقوله تعالى أم تريدون أن تسألوا رسولكم كما سئل موسى من قبل أي بل تريدون أو هي على بابها في الإستفهام وهو إنكاري وهو يعم المؤمنين والكافرين فإنه عليه الصلاة والسلام رسول الله إلى الجميع كما قال تعالى يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابا من السماء فقد سألوا موسى أكبر من ذلك فقالوا أرنا الله جهرة فأخذتهم الصاعقة بظلمهم قال محمد بن إسحاق حدثني محمد بن أبي محمد عن عكرمة أو سعيد عن ابن عباس قال قال رافع بن حريملة أو وهب بن زيد يا محمد ائتنا بكتاب تنزله علينا من السماء نقرؤه وفجر لنا أنهارا نتبعك ونصدقك فأنزل الله من قولهم أم تريدون أن تسألوا رسولكم كما سئل موسى من قبل ومن يتبدل الكفر بالإيمان فقد ضل سواء السبيل وقال أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبي العالية في قوله تعالى أم تريدون أن تسألوا رسولكم كما سئل موسى من قبل قال قال رجل يا رسول الله لو كانت كفارتنا ككفارات بني إسرائيل فقال النبي صلى الله عليه وسلم اللهم لا نبغيها ثلاثا ما أعطاكم الله خير مما أعطى بني إسرائيل كانت بنو إسرائيل إذا أصاب أحدهم الخطيئة وجدها مكتوبة على بابه وكفارتها فإن كفرها كانت له خزيا في الدنيا وإن لم يكفرها كانت له خزيا في الآخرة فما أعطاكم الله خير مما أعطى بني إسرائيل قال ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما وقال الصلوات الخمس من الجمعة إلى الجمعة كفارة لما بينهن وقال من هم بسيئة فلم يعملها لم تكتب عليه وإن عملها كتبت سيئة واحدة ومن هم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة واحدة وان عملها كتبت له عشر أمثالها ولا يهلك على الله إلا هالك فأنزل الله أم تريدون أن تسألوا رسولكم كما سئل موسى من قبل وقال مجاهد أم تريدون أن تسألوا رسولكم كما سئل موسى من قبل أن يريهم الله جهرة قال سألت قريش محمدا صلى الله عليه وسلم ان يجعل لهم الصفا ذهبا قال نعم وهو لكم كالمائدة لبني إسرائيل فأبوا ورجعوا وعن السدي وقتادة نحو هذا والله أعلم والمراد أن الله ذم من سأل الرسول صلى الله عليه وسلم عن شيء على وجه التعنت والإقتراح كما سألت بنو إسرائيل موسى عليه السلام تعنتا وتكذيبا وعنادا قال الله تعالى ومن يتبدل الكفر بالإيمان أي ومن يشتر الكفر بالإيمان فقد ضل سواء السبيل أي فقد خرج عن الطريق المستقيم إلى الجهل والضلال وهكذا حال الذين عدلوا عن تصديق الأنبياء واتباعهم والإنقياد لهم إلى مخالفتهم وتكذيبهم والإقتراح عليهم بالأسئلة التي لا يحتاجون إليها على وجه التعنت والكفر كما قال تعالى ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفرا وأحلوا قومهم دار البوار جهنم يصلونها وبئس القرار وقال أبو العالية يتبدل الشدة بالرخاء، ...، الآيات]، انتهى كلام الإمام بن كثير، وقد أحسن فيه وأجاد.
وأنت ترى مما سلف من أقوال الإمامين، وما أوردا من أدلة تحدث بمجموعها علماً قطعياً، لا محيص من الإقرار بصحته، على قولنا أن الآية، كما هو منطوقها، عامة في كل المسائل: لا فرق في ذلك بين سؤال الرجل متعنتاً: من هو أبي؟! أو أين أبي: في الجنة أو النار؟! وسؤال الأعرابي الجاهل عن الحج: أهو في كل عام؟!
ولاستكمال البرهان القاطع على ذلك، ولزيادة إيضاح المسألة بكافة أبعادها، نورد أهم الروايات الصحيحة في هذا الموضوع مع أسانيدها، مبتدئين بحديث أبي هريرة، رضي الله عنه:
v ففي «الجامع الصحيح المختصر» للإمام البخاري: [حدثنا إسماعيل حدثني مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة عن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال: «دعوني ما تركتكم: إنما أهلك من كان قبلكم سؤالهم، واختلافهم على أنبيائهم، فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم»]. هذا الإسناد صحيح كالشمس، بل هو «السلسلة الذهبية» من أسانيد أبي هريرة!
v وهو في «صحيح مسلم» بلفظ: «ما نهيتكم عنه فاجتنبوه وما أمرتكم به فافعلوا منه ما استطعتم، فإنما أهلك الذين من قبلكم كثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم» .
v في «صحيح مسلم» بلفظ آخر: «ذروني ما تركتكم، (وفي حديث همام: ما تركتم) فإنما هلك من كان قبلكم ...»،
ــ وهو في أكثر الصحاح، والسنن والمعاجم والمسانيد بأصح الأسانيد كما هو مفصل في الملحق.
v وفي «صحيح ابن حبان» زيادة مفيدة جيدة بإسناد قوي تقوم به الحجة، وتعليق جيد من الإمام أبي حاتم بن حبان البستي: [أخبرنا عمر بن محمد الهمداني قال حدثنا عبد الملك بن شعيب بن الليث بن سعد قال حدثني أبي عن جدي عن محمد بن عجلان عن أبيه عن أبي هريرة به. قال بن عجلان حدثني زيد بن أسلم عن أبي صالح السمان عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وزاد فيه: «وما أخبرتكم أنه من عند الله فهو الذي لا شك فيه»، قال أبو حاتم، رضي الله تعالى عنه: (في هذا الخبر بيان واضح: أن النواهي عن المصطفى صلى الله عليه وسلم كلها على الحتم والإيجاب حتى تقوم الدلالة على ندبيتها وأن أوامره صلى الله عليه وسلم بحسب الطاقة والوسع على الإيجاب حتى تقوم الدلالة على ندبيتها، قال الله جل وعلا: وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا ثم نفى الإيمان عن من لم يحكم رسوله فيما شجر بينهم من حيث لا يجدوا في أنفسهم مما قضى وحكم حرجا ويسلموا لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم تسليما بترك الآراء المعكوسة، والمقايسات المنكوسة، فقال فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما)، وقال الشيخ شعيب الأرناؤوط: (إسناده قوي على شرط مسلم).
ولم ينفرد أبو هريرة بهذا المعنى، بل قد جاء في هذا الموضوع، من زاوية أخرى، عن سعد بن أبي وقاص، رضي الله عنه، كما هو:
v في «الجامع الصحيح المختصر» للإمام البخاري: [حدثنا عبد الله بن يزيد المقرئ حدثنا سعيد حدثني عقيل عن بن شهاب عن عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه أن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال: «إن أعظم المسلمين جرما من سأل عن شيء لم يحرم فحرم من أجل مسألته»]
v هو وفي «صحيح مسلم» بلفظ: «إن أعظم المسلمين في المسلمين جرما من سأل عن شيء لم يحرم على المسلمين فحرم عليهم من أجل مسألته». وقال مسلم: حدثناه أبو بكر بن أبي شيبة وابن أبي عمر قالا حدثنا سفيان بن عيينة عن الزهري (ح) وحدثنا محمد بن عباد حدثنا سفيان قال أحفظه كما أحفظ بسم الله الرحمن الرحيم عن الزهري عن عامر بن سعد عن أبيه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أعظم المسلمين في المسلمين جرما من سأل عن أمر لم يحرم فحرم على الناس من أجل مسألته»]
ويزيد حديث النواس بن سمعان، وهو صحيح كذلك، هذه القضية وضوحاً، حيث جاء:
v في «صحيح مسلم»: [حدثني هارون بن سعيد الأيلي حدثنا عبد الله بن وهب حدثني معاوية يعنى بن صالح عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير عن أبيه عن نواس بن سمعان قال: (أقمت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة سنة ما يمنعني من الهجرة إلا المسألة: كان أحدنا إذا هاجر لم يسأل رسول الله، صلى الله عليه وسلم، عن شيء، قال فسألته عن البر والإثم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «البر حسن الخلق، والإثم ما حاك في نفسك وكرهت أن يطلع عليه الناس»).
وهناك حديث أبي ثعلبة الخشني، وهو قوي صحيح، في نفس الموضوع:
v كما أخرجه الإمام ابن حزم في «الإحكام في أصول الأحكام» وحكم بصحته: [حدثنا أحمد بن قاسم حدثنا أبي قاسم بن محمد بن قاسم حدثنا جدي قاسم بن أصبغ أخبرنا بكر بن حماد أخبرنا حفص بن غياث عن داود بن أبي هند عن مكحول عن أبي ثعلبة الخشني قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها، وحد حدودا فلا تعتدوها، ونهى عن أشياء فلا تنتهكوها، وسكت عن أشياء من غير نسيان لها رحمة لكم فلا تبحثوا عنها!».]
v وهو في «المستدرك على الصحيحين» بلفظ: «إن الله حد حدودا فلا تعتدوها، وفرض لكم فرائض فلا تضيعوها، وحرم أشياء فلا تنتهكوها، وترك أشياء من غير نسيان من ربكم ولكن رحمة منه لكم فاقبلوها ولا تبحثوا فيها!»
v كما هي في «المعجم الصغير» عن أبي الدرداء بلفظ: «إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها، وحد حدودا فلا تعتدوها، وسكت عن كثير من غير نسيان فلا تتكلفوها: رحمة من الله فاقبلوها»،. وقد نسبه الحافظ في «الفتح» إلي البزار والحاكم، بلفظ مختلف مع زيادات، فقال: [ما أخرجه البزار وقال: (سنده صالح)، وصححه الحاكم، من حديث أبي الدرداء رفعه: «ما أحل الله في كتابه فهو حلال وما حرم فهو حرام وما سكت عنه فهو عفو فاقبلوا من الله عافيته فان الله لم يكن ينسى شيئا»، ثم تلا هذه الآية: }وما كان ربك نسيا{]. وتصحيح الحاكم، مع قول البزار: (سنده صالح)، وعدم اعتراض الحافظ بن حجر يدل على قوة الحديث، وجودة إسناده، إذا كان هو الوارد في المعجم الصغير، وإن كان إسناد المعجم الصغير مستقلاً عن ذاك لدى البزار والحاكم فزيادة قوة وخير وبركة!

وجاء نحو هذا عن عمير بن قتادة الجندعي الليثي، رضي الله عنه، من طريق محتملة، لا بأس بها:
v كما هي في «المستدرك على الصحيحين»: [أخبرنا أبو جعفر البغدادي حدثنا أبو علاثة حدثني أبي حدثنا محمد بن سلمة الحراني عن بكر بن خنيس (عن أبي بدر) عن عبد الله بن عبيد بن عمير عن أبيه عن جده قال : [كانت في نفسي مسألة قد أحزنني أني لم أسأل رسول الله، صلى الله عليه وسلم، عنها ولم أسمع أحدا يسأله عنها فكنت أتحينه فدخلت عليه ذات يوم وهو يتوضأ فوافقته على حالتين كنت أحب أن أوافقه عليهما وجدته فارغا وطيب النفس فقلت يا رسول الله أتأذن لي أن أسألك قال نعم سل عما بدا لك قلت يا رسول الله ما الإيمان قال السماحة والصبر قلت فأي المؤمنين أفضل إيمانا قال أحسنهم خلقا قلت فأي المسلمين أفضلهم إسلاما قال من سلم المسلمون من لسانه ويده قلت فأي الجهاد أفضل فطأطأ رأسه فصمت طويلا حتى خفت أن أكون قد شققت عليه وتمنيت إن لم أكن سألته وقد سمعته بالأمس يقول: «إن أعظم المسلمين في المسلمين جرما لمن سأل عن شيء لم يحرم عليهم فحرم عليهم من أجل مسألته»، فقلت: أعوذ بالله من غضب الله وغضب رسوله، صلى الله عليه وسلم، فرفع رأسه فقال كيف قلت قلت أي الجهاد أفضل فقال: «كلمة عدل عند إمام جائر»]، بخٍ بخ لك يا عمير بن قتادة، أخا بني ليث، على هذه الأسئلة العظيمة الموفقة، وهنيئاً لك سماع البيان النبوي الشافي الكافي من الشفتين الشريفتين مباشرة من غير واسطة.
وكان غضب خاتمة أنبياء الله، عليه وعلى آله صلوات وتسليمات وتبريكات من الله، على من يسأل عن مثل هذه الأمور شديداًَ، كما جاء عن أبي قتادة الأنصاري، رضي الله تعالى عنه:
v كما جاء في «صحيح مسلم»: [حدثنا محمد بن المثنى ومحمد بن بشار واللفظ لابن المثنى قالا حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن غيلان بن جرير سمع عبد الله بن معبد الزماني عن أبي قتادة الأنصاري، رضي الله تعالى عنه، أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، سئل عن صومه قال: فغضب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فقال عمر، رضي الله تعالى عنه: (رضينا بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد رسولا، وببيعتنا بيعة!)، قال: فسُئِل عن صيام الدهر فقال: «لا صام ولا أفطر، (أو ما صام وما أفطر)»، قال: (فسئل عن صوم يومين وإفطار يوم) قال: «ومن يطيق ذلك؟!»، قال: (وسئل عن صوم يوم وإفطار يومين)، قال: «ليت أن الله قوانا لذلك!»، قال: (وسئل عن صوم يوم وإفطار يوم)، قال: «ذاك صوم أخي داود عليه السلام»، قال: (وسئل عن صوم يوم الإثنين)، قال: «ذاك يوم ولدت فيه، ويوم بعثت، (أو أنزل علي فيه)»، قال فقال: «صوم ثلاثة من كل شهر، ورمضان إلى رمضان: صوم الدهر»، قال: (وسئل عن صوم يوم عرفة)، فقال: « يكفر السنة الماضية والباقية»، قال: (وسئل عن صوم يوم عاشوراء)، فقال: «يكفر السنة الماضية»]، وهو في صحيح مسلم» من عدة طرق، وهو أيضاً في «المجتبى من السنن»، وفي «السنن الكبرى»، وكذلك في «مسند الإمام أحمد بن حنبل» من عدة طرق وفي «صحيح ابن خزيمة»، وهو في «صحيح ابن حبان»، كما أنه في «المستدرك على الصحيحين»، وفي «سنن أبي داود»، وقد استوعب الإمام البيهقي أهم طرقه في «سنن البيهقي الكبرى»، وفي غيرها بأصح الأسانيد.
ــ وهو بتجميع الأسانيد في «سنن البيهقي الكبرى»: [أخبرنا أبو بكر محمد بن الحسن بن فورك أنبأ عبد الله بن جعفر حدثنا يونس بن حبيب حدثنا أبو داود حدثنا حماد بن زيد وهشام ومهدي قال حماد ومهدي عن غيلان بن جرير وقال هشام عن قتادة عن غيلان بن جرير عن عبد الله بن معبد الزماني عن أبي قتادة رضي الله تعالى عنه، أن أعرابيا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم، عن صومه: فغضب حتى عرف ذلك في وجهه فقام عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه فقال رضينا بالله ربا وبالإسلام دينا وبك نبيا أعوذ بالله من غضب الله وغضب رسوله فلم يزل عمر رضي الله تعالى عنه يردد ذلك حتى سكن، ثم ساق الحديث بطوله إلى منتهاه بنحو حديث الإمام مسلم]، وقال الإمام البيهقي: (رواه مسلم في الصحيح عن يحيى بن يحيى وغيره عن حماد بن زيد ومن وجه آخر عن مهدي بن ميمون)
ــ وهو في «صحيح ابن حبان» مع تعقيب جيد موفق من الإمام أبي حاتم بن حبان: [أخبرنا أبو يعلى حدثنا خلف بن هشام البزار حدثنا حماد بن زيد عن غيلان بن جرير عن عبد الله بن معبد عن أبي قتادة به بطوله إلى قوله: «وددت انى طوقت ذاك»]، وقال أبو حاتم: (لم يكن غضب النبي صلى الله عليه وسلم من أجل مسألة هذا السائل عن كيفية الصوم وإنما كان غضبه صلى الله عليه وسلم لأن السائل سأله قال يا نبي الله كيف تصوم قال فكره النبي صلى الله عليه وسلم استخباره عن كيفية صومه: مخافة ان لو أخبره يعجز عن اتيان مثله، أو خشي صلى الله عليه وسلم على السائل وأمته جميعا ان يفرض عليهم ذلك فيعجزوا عنه)، وقال الشيخ شعيب الأرناؤوط: (إسناده صحيح على شرط مسلم).
# وسبق في خلال كلام ابن كثير، الذي أوردناه آنفاً حديث البراء بن عزب، رضي الله عنه، حيث قال ابن كثير: [وقال الحافظ أبو يعلى الموصلي في مسنده أخبرنا أبو كريب أخبرنا إسحاق بن سليمان عن أبي سنان عن أبي إسحاق عن البراء ابن عازب قال: (إن كان ليأتي علي السنة أريد أن أسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الشيء فأتهيب منه، وإن كنا لنتمنى الأعراب)]
v وقال الإمام أبو داود: [حدثنا قتيبة قال حدثنا الليث عن جعفر بن ربيعة عن بكر بن سوادة عن مسلم بن مخشي عن ابن الفراسي أن الفراسي قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: (أسأل يا رسول الله؟!)، قال: «لا، وإن كنت سائلا لا بد: فاسأل الصالحين»]، وأخرجه بعيمه الإمام النسائي إلا أنه قال: (أخبرنا قتيبة)، وكذلك الإمام عبد الله بن أحمد بن حنبل، إلا أنه قال: [حدثنا أبي حدثنا قتيبة بن سعيد، (قال أبو عبد الرحمن وكتب به إلي قتيبة بن سعيد: كتبت إليك بخطي، وختمت الكتاب بخاتمي، ونقشه الله ولي سعيد رحمه الله، وهو خاتم أبي) حدثنا ليث بن سعد به بعينه]
v وهو في «تهذيب الكمال» خلال ترجمة (مسلم بن مخشي المدلجي، أبو معاوية المصري) من طريق الطبراني: [أخبرنا به أبو إسحاق بن الدرجي وأحمد بن شيبان قالا أنبأنا أبو جعفر الصيدلاني قال أخبرنا أبو علي الحداد قال أخبرنا أبو نعيم الحافظ قال حدثنا عبد الله بن جعفر قال حدثنا إسماعيل بن عبد الله (ح) وأخبرنا بن الدرجي قال أنبأنا أبو جعفر الصيدلاني ومحمد بن معمر بن الفاخر في جماعة قالوا أخبرتنا فاطمة بنت عبد الله قالت أخبرنا أبو بكر بن ريذة قال أخبرنا أبو القاسم الطبراني قال حدثنا مطلب بن شعيب الأزدي قالا حدثنا عبد الله بن صالح قال حدثني الليث عن جعفر بن ربيعة عن بكر بن سوادة عن مسلم بن مخشي عن بن الفراسي أن أباه الفراسي أتى النبي، صلى الله عليه وسلم، فقال: (يا رسول الله: أسأل؟!)، فقال: «لا، وإن كنت لا بد سائلا فسل الصالحين!»] أخرجه أبو داود والنسائي من حديث الليث بن سعد فوقع لنا بدلا عاليا]
v وقد لخص الحافظ أكثر الروايات في هذا الخصوص تلخيصاً جيداً في «فتح الباري» فقال: [قوله باب ما يكره من كثرة السؤال وتكلف ما لا يعنيه وقوله تعالى لا تسألوا عن أشياء ان تبد لكم تسؤكم كأنه يريد ان يستدل بالآية على المدعي من الكراهة وهو مصير منه الى ترجيح بعض ما جاء في تفسيرها وقد ذكرت الاختلاف في سبب نزولها في تفسير سورة المائدة وترجيح بن المنير انه في كثرة المسائل عما كان وعما لم يكن وصنيع البخاري يقتضيه والأحاديث التي ساقها في الباب تؤيده وقد اشتد إنكار جماعة من الفقهاء ذلك منهم القاضي أبو بكر بن العربي فقال اعتقد قوم من الغافلين منع السؤال عن النوازل الى ان تقع تعلقا بهذه الآية وليس كذلك لأنها مصرحة بأن المنهي عنه ما تقع المسئلة في جوابه ومسائل النوازل ليست كذلك انتهى وهو كما قال لأن ظاهرها اختصاص ذلك بزمان نزول الوحي ويؤيده حديث سعد الذي صدر به المصنف الباب من سأل عن شيء لم يحرم فحرم من أجل مسألته فان مثل ذلك قد أمن وقوعه ويدخل في معنى حديث سعد ما أخرجه البزار وقال سنده صالح وصححه الحاكم من حديث أبي الدرداء رفعه: «ما أحل الله في كتابه فهو حلال وما حرم فهو حرام وما سكت عنه فهو عفو فاقبلوا من الله عافيته فان الله لم يكن ينسى شيئا»، ثم تلا هذه الآية: }وما كان ربك نسيا{. وأخرج الدارقطني من حديث أبي ثعلبة رفعه: «إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها وحد حدودا فلا تعتدوها وسكت عن أشياء رحمة لكم غير نسيان فلا تبحثوا عنها»، وله شاهد من حديث سلمان أخرجه الترمذي وآخر من حديث بن عباس أخرجه أبو داود وقد أخرج مسلم وأصله في البخاري كما تقدم في كتاب العلم من طريق ثابت عن أنس قال: (كنا نهينا أن نسأل رسول الله، صلى الله عليه وسلم، عن شيء وكان يعجبنا ان يجيء الرجل الغافل من أهل البادية فيسأله ونحن نسمع، ..)، فذكر الحديث ، ومضى في قصة اللعان من حديث بن عمر فكره رسول الله، صلى الله عليه وسلم، المسائل وعابها. ولمسلم عن النواس بن سمعان قال أقمت مع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، سنة بالمدينة ما يمنعني من الهجرة الا المسألة كان أحدنا إذا هاجر لم يسأل النبي، صلى الله عليه وسلم، ومراده انه قدم وافدا فاستمر بتلك الصورة ليحصل المسائل خشية أن يخرج من صفة الوفد الى استمرار الإقامة فيصير مهاجرا فيمتنع عليه السؤال وفيه إشارة الى ان المخاطب بالنهي عن السؤال غير الأعراب وفودا كانوا أو غيرهم. وأخرج أحمد عن أبي امامة قال لما نزلت يا أيها الذي آمنوا لا تسألوا عن أشياء الآية كنا قد اتقينا أن نسأله، صلى الله عليه وسلم، فأتينا أعرابيا فرشوناه بردا وقلنا سل النبي، صلى الله عليه وسلم، ولأبي يعلى عن البراء ان كان ليأتي علي السنة أريد أن أسأل رسول الله، صلى الله عليه وسلم، عن الشيء فأتهيب وان كنا لنتمنى الأعراب أي قدومهم ليسألوا فيسمعوهم أجوبة سؤالات الأعراب فيستفيدوها].
فأحاديث الباب ثابتة ثبوتاً قطعياً لا يرقى إليه شك، توجب العلم القاطع، وإذا انضمت إلى الآية، بعموم لفظها، والروايات الواردة عن ابن عباس، وغيره، في تفسيرها، أصبح الموضوع وهو نهي الله ورسوله المغلظ عن كثرة السوآل بشتى أنواعه، والتردد والاختلاف على النبي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، والإغراق في التفريع والجدليات، وكذلك السؤال عن أشياء معينة: على لا فرق في ذلك بين سؤال الرجل المطعون في نسبه: من هو أبي؟! وسؤال الأحمق المتعنت عن أبيه في الجنة هو أم في النار، وسؤال الأعرابي الجاهل عن الحج: أهو في كل عام، وغير ذلك.
لقد جاء كل ذلك على نحو قطعي، ثبوتاً ودلالة، يكفر منكره، ويخرج من الإسلام بجحده. وهو بذلك يصلح أن يكون أصلاً ترد إليه الفروع، وتستنبط منه الكليات في العقيدة وأصول الفقه وقواعد الأحكام، فلله الحمد والمنة على حفظه للذكر، قرآناً وسنة.
بقيت مسألة واحدة، وهي أننا لو تصفحنا أي كتاب من كتب الحديث المعتمدة، كالبخاري مثلاً، لوجدنا فيها الكثير من الروايات الدالة على أن بعضهم سأل بعض الأسئلة، فهذا يعارض ما ذكرتم أعلاه من النهي عن السؤال؟!
فنقول: فكان ماذا؟! ومن زعم أن القوم كانوا معصومين، لا يقعون في مخالفات شرعية. وإذا تصفحت البخاري فستجد أيضاً العديد من الروايات المشتملة على معاقبة الزناة، واللصوص، وجلد من قذف محصنة، وتوبيخ النبي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، لمن اغتاب أخاه أو لمن اغتابت أختها، وقد أوردنا أعلاه أن النبي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، قد غضب من بعض الأسئلة واستنكرها، وأن الآية الكريمة جادت في واقعة من تلك الوقائع، هذا أولاً.
وثانياً: أن أكثر تلك الأسئلة إنما جاء من الأعراب، وأهل الآفاق، ومن أعضاء الوفود، وهؤلاء لهم رخصة شرعية واضحة بذلك، لأن النبي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، كان يسألهم، لا سيما عند قرب رحيلهم: «هل بقيت لكم من حاجة»، أو كلامً نحو هذا. ولا شك أن هذا يشمل السؤال عما قد يكون مجهولاً عندهم، أو غامضاً في أذهانهم.
وثالثاً: أن النهي المغلَّظ إنما جاء عن السؤال عما لم يحرم، أي لم يأت فيه نص بعينه، فهو إذاً على الحل الأصلي. والسؤال يدل على سوء ظن السائل بالله، وأنه ربما غفل عن شئ، أو نسي شيئاً، أو فاته شئ، أو أن نبيه، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، قد كتم شيئاً أو أهمل شيئاً، وهذا كله محال وكفر صريح. وقد تؤدي هذه الوقاحة، وهذا الظن السئ، إلى مجئ حكم بالتحريم عقوبة لكافة الأمة. أما السؤال عن تفصيل حكم قد جاء، أو بيان دقيقة من دقائق حكم قد شرع، أو تفاصيل عبادة أو نسك سبق تشريعه فليس هو من هذا الباب أصلاً.

u فصل: الأصل في الأشياء، أعياناً وأفعالاً وأقوالاً، الإباحة
ولما كنا قد برهنا بالأدلة اليقينية القاطعة على أمور منها:
(1) أننا لسنا مخاطبين بشرائع الآنبياء السابقين أصلاً، فضلاً عن كونها نسخت من أولها إلى آخرها نسخاً فورياً نهائياً مطلقاً بمجرد مجئ الوحي إلى نبينا محمد، رسول الله وخاتم النبيين،
(2) مع علمنا الضروري بأنه تلقَّى الوحي والتشريعات منجماً على مدار بضع وعشرين عاماً، فلم ينزل عليه كتاب شامل أول الأمر جملة واحدة،
(3) النهي المغلظ عن كثرة السؤال، بشتى أنواعه، والتردد والاختلاف على النبي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، والإغراق في التفريع والجدليات،
(4) أن النبي، عليه وعلى اله الصلاة والسلام، وصحابته كانوا في العادة يتعاطون البيوع، والمهن، ويتزوجون، ويسافرون، ويتطببون، ويمارسون كافة شؤون الحياة، على عوائد العرب، من غير تكلف سؤال، أو انتظار وحي.
فلا بد من الوصول إلى الحق في مسألة ما هو الأصل في الأشياء والأفعال والأقوال: أهو الحرمة، أو الإباحة أم ماذا، وماذا كان الواجب على الناس أثناء تتابع نزول الوحي فيما لم يرد فيه نص آنذاك. فنقول، وبالله التوفيق:
أولا: قبل البعثة النبوية الشريفة: لا حكم قبل ورود الشرع، فليس حكم الأشياء والأفعال والأقوال هو الإباحة كما يتوهم البعض، لأن الإباحة حكم شرعي لا يعرف إلا بخطاب الشارع، فكيف يكون الحكم موجوداً قبل مجيء الخطاب المنشئ له؟! هذا خلف وتناقض مستحيل. والناس يفعلون ما يشاؤون وفق عقولهم، أو أهوائهم ومصالحم حتى تأتيهم رسالة الله: هذه حالة عدم التشريع الإلاهي، وليست حالة تشريع إلاهي بالإباحة، وشتان بين الأمرين، وبعد ما بينهما كما بعدت السماء عن الأرض، لا يخفى على عالم أو عاقل، ولكن أنَّى فهم ذلك للتافهين والسطحيين؟!
ثانياً: أثناء مجئ الوحي: فور بزوغ شمس الرسالة المحمدية أصبح كل من بلغته الرسالة مكلفاً، لأنه إنما خلق للعبودية، أي للسمع والطاعة لأوامر الله ونواهيه، لأن العبودية لله هي: منتهى الذل والخضوع والطاعة والتسليم المبنية على المحبة والتعظيم، وليست هي ركوع وسجود، وقيام وقعود، وطواف وسعي. والسؤال ها هنا: هل يوجد هناك حكم عام يرجع إليه في كل شئ وفعل حتى يرد عليه نسخ أو تغيير، أم أن ذلك غير موجود؟!
وجواب ذلك يستنبط من الآية الكريمة والأحاديث المتواترة الشريفة التي فصلنا ذكرها أعلاه المشددة في النهي عن كثرة السؤال، وعن أنواع معينة من السؤال، فقوله، عليه وعلى آله الصلاة والسلام: «ذروني ماتركتكم»، لا يحتما إلا معنىً واحد: افعلوا ما شئتم وقولوا ما شئتم فهو حلال لكم، وانتفعوا بكافة الأشياء فهي خلقت حلالاً طاهرة لكم، تنتفعون بها بكل وجه ممكن، وكل فائدة متخيلة، وأوفوا بعقودكم، والتزموا بعهودكم، وداوموا على أعرافكم، واستمروا على أنكحتكم ومواريثكم، حتى أكون أنا الذي أفصل لكم الحرام (والمكروه) أو الواجب (والمستحب) أو أحكم بخلاف ذلك.
هذا هو المعنى ضرورة وإلا كان النبي، عليه وعلى آله الصلاة والسلام، مقراً لهم على فعل الحرام، وترك الواجبات، والتمادي في العقود والشروط الفاسدات، فلم يعد مبلغاً عن الله، آمراً بالمعروف ناهياً عن المنكر: هذه صفة المتنبئ الكاذب، وليس النبي الصادق. حاشا لأبي القاسم، رسول الله، وخاتم النبيين، عليه وعلى آله الصلاة والسلام والتبريكات من الله: حاشاه ثم حاشاه!
هذا ما تقتضيه ضرورة العقل والشرع، مع كونه جاء مصرحاً به نصاً في مثل:
(1) حديث أبي الدرداء رفعه: «ما أحل الله في كتابه فهو حلال وما حرم فهو حرام وما سكت عنه فهو عفو فاقبلوا من الله عافيته فان الله لم يكن ينسى شيئا»، ثم تلا هذه الآية: }وما كان ربك نسيا{. وحديث أبي ثعلبة الخشني، الذي جاء فيه: «..، وسكت عن أشياء من غير نسيان لها رحمة لكم فلا تبحثوا عنها!». و«العافية» ها هنا هي عافية بعد ورود الشرع، وهذه هي الإباحة والحل المطلق بالضرورة، بخلاف «العافية» قبل ورود الشرع فهي «فراغ تشريعي»، لا يترتب عليه حساب أو عقاب، لأن الحساب والعقاب لا يكون إلا بعد بلوغ الشرائع، وقيام الحجة.
(2) وقوله عليه وعلى آله الصلاة والسلام: «إن أعظم المسلمين جرما من سأل عن شيء لم يحرم فحرم من أجل مسألته»، يعني ضرورة أن ذلك الشئ الذي اعتدى المعتدي الأثيم بالسؤال عنه كان ضروة حلالاً قبل السؤال الغبي الآثم الذي تسبب في التحريم، وهذا يقتضي ضرورة أن كل ما لم يأت من الله ورسوله عنه نص بتحريم (أو بإيجاب) فهو ضرورة على الحل والإباحة المطلقة، ومحال أن يكون الأمر غير ذلك.
فليس إذاً ثمة فراغ تشريعي منذ نزول قوله تعالى: }إقرأ{، وحتى نزول الشرائع الجديدة المفصلة. فكأن الله قال للناس حينئذ: افعلوا ماشئتم قد عفوت لكم عن كل شئ، وأذنت لكم في كل فعل، حتى أفصل لكم الحرام والواجب، وأبين المستحب من المكروه، وحتى ذلك الحين فكل شئ حلال وعفو، لطفاً ورحمة بكم، لا عن غفلة أو نسيان من ربكم؛ فلا تختلفوا إلى نبيكم، وتكثروا السؤال والتعنت على ربكم، فتذوقوا وبال أمركم. أو بلفظ آخر: ما أنتم عليه فهو حلال، حتى إشعار آخر. وما أنتم عليه من العقود والأنكحة والالتزامات والعادات والتقاليد صحيح ملزم نافذ حتى إشعار آخر.
(3) ما نقل نقل التواتر، وعلم بالضرورة من التاريخ والسير،أن النبي، عليه وعلى اله الصلاة والسلام، وصحابته كانوا في العادة يتعاطون البيوع، والمهن، ويتزوجون، ويسافرون، ويتطببون، ويمارسون كافة شؤون الحياة، على عوائد العرب، من غير تكلف سؤال، أو انتظار وحي، إلا في الشاذ النادر. فهذا يقتضي أنهم كانوا يعتقدون أن الأصل في الأشياء والأفعال الإباحة، وأن الإباحة هي الحكم الأصلي العام.

نعم: هنا قد يستنكر مستنكر: فيستمر صاحب بيت الدعارة، مثلاً، في تشغيله، وجني الأموال من مهور البغايا، حتى يأتي الوحي بنص صريح في تحريمه؟!
قلنا: فكان ماذا؟! مال حلال حتى يأتي تحريمه من صاحب السيادة، تقدست ذاته، وتباركت أسماؤه، فيصبح حينئذ حراماً، وليس قبل ذلك.
ولعلهم يقولون: أين العقول السليمة؟، والفطر المستقيمة! فنقول: دعونا من عقولكم المختلة، التي تسمونها «سليمة»، وفطركم الممسوخة، التي تسمُّنها «مستقيمة»: خالق العقول والفطر أعرف بها، فدعوه لها، فإذا شاء أخذها في الاعتبار إذا شرع، تلطفاً ورحمة، وإن شاء أهمل ذلك، تعبداً وابتلاءً. الأولى بكم، يا قوم، أن تقبلوا على ما خلقتم له: أن تعبدوا الله مخلصين له الدين، منيبين إليه: لا أن تعقبوا على ربكم، أو تقدموا بين يدي رسولكم!!
وعلى كمل حال فقد قال جمهور العلماء: إن الأصل في الأشياء هو الحل، لأن الله امتن على الناس فقال: }هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعاً{، وغيرها من الآيات كثير طيب، ولا تكون هذه منة بحق إلا إذا كانت الأشياء والمنافع كلها مباحة، إلا ما جاء نص بتحريمه، وكل الأشياء طاهرة، إلا ما جاء النص بنجاسته.
قلنا: هذا برهان ضروري وحجة قاطعة نزيده تفصيلاً فنقول: كا ما خلق في الكون من الأشياء، الأعيان بذاتها وكذلك منافعها، هو
أولا: مباح للإنسان،
وثانياً: طاهر من الناحية الشعائرية التعبدية،
لا فرق بين غاز كالهواء والبخار، ولا سائل كالماء والعصر ولبن ذوات الأثداء، والدماء، ولا صلب كالحديد والنحاس والتراب والصخور، ولا فرق بين بسيط عنصري كالماء والهواء، وخليط معقد مركب كالطين والتربة الزراعية،
ولا فرق بين الميت كالصخور والجبال والحي كالدواب والطيور، كل ذلك مما خلقه الله في الكون، ومباح طاهر للإنسان الانتفاع بالعين بما يترتب عليه زوالها وفنائها كذبح الشاة، وأكل الرغيف، أو التمتع بمنفعة كركوب الدابة وشم الوردة والنظر إلى جمال الجبال والسهول، إلا ما جاء نص باستثنائه من ذلك بإخراجه من الحل إلى الحرمة فيصبح حراماً، أو بإخراجه من الطهارة إلى النجاسة فيصبح نجساً، أو كليهما معاً. فالحل والطهارة مفهومان متغايران فحرمة الشئ لا تعني نجاسته ضروره، ونجاسته لا تعني حرمة الانتفاع به، كذلك بالضرورة.
وقالت قلة من العلماء: الأفعال غير الأشياء، والإنسان وأفعاله ليست داخلة فيما سبق نقاشه لأن الله، جل شأنه، امتن على الإنسان بتسليطه على سائر الكائنات وتمكينه من منفعتها، ونحن نعلم بضرورة الحس والعقل أن الممتن عليه، وهو الإنسان من حيث كونه إنساناً، غير الممتن به، وهو سائر ما في الكون من أشياء. فلا يصلح البرهان السابق على حل الأشياء وطهارتها برهاناً على أن الأصل في أفعال الإنسان هو الحل. بل إن الإنسان إنما خلق للعبودية: أي لطاعة أوامر الله ونواهيه مطلقاً، فلا يجوز أن يتصرف بشئ أو أن يقدم على فعل إلا بإذن الله.
فنقول: هذا قول جيد مؤصل، وتفريق عميق دقيق بين الأفعال، أفعال الإنسان الاختيارية لأنها وحدها محل النظر هنا، والأشياء الأخرى المخلوقة في الكون، المباينة للإنسان. كما أن الحق الذي لا شك فيه أن الإنسان إنما خلق للعبودية لا غير، قال، تقدست أسماؤه: }وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون{، لأن العبودية لله هي: منتهى الذل والخضوع والطاعة والتسليم المبنية على المحبة والتعظيم، وليست هي ركوع وسجود، وقيام وقعود، فالعبادة هي الطاعة، المبنية على المحبة والتعظيم، لا غير، كما سشبعه بحثاً في هذه الرسالة.
ولكن هذا كله لا علاقة له بكون الأصل في الأشياء الإباحة أم لا، ولا بكون الأصل في الأفعال الإباحة أم لا، لأن الإياحة حكم شرعي: فطاعة الله في الإباحة لا تختلف عن طاعته في الالتزام بالواجب أو في تحريم الحرام. فإذا حكم الله أن الأصل في الأشياء الإباحة فهذا حكمه الذي لا يجور تجاوزه، ولكان التسليم بذلك ولذلك هي العبودية التي خلق الإنسان لأجلها وأمر بها، ولو حكم فيها بالحرمة لكان ذاك حكمه الذي لا يجوز تعديه، ولكنت هذه هي العبودية التي خلق الإنسان لأجلها وأمر بها، ولا فرق.
وقوله تعالى: }فمن يفعل مثقال ذرة خيراً يره v ومن يفعل مثقال ذرة شراً يره{، وما جاء مجراه، كذلك لا علاقه له بالموضوع، وإنما هو كناية عن شمول المحاسبة والجزاء، من ثواب وعقاب، لكل عمل مها صغر. والخير هو ما حكم الله أنه خير، والشر ما ذمه الله وسماه شراً، وليس غير ذلك مطلقاً. فما علاقة هذا بالحكم الأصلي على الأفعال أو الأشياء؟! لا علاقة لذلك مطلقاً لأننا نبحث عن حكم الله، أي نريد تطبيق العبودية لله، التي هي التسليم لحكم الله، لا غير، بغض النظر عن ماهية هذا الحكم: هل هو مثلاً تحريم ألبان الإبل، كما كان على بني إسرائيل، أو إباحتها، كما هو لنا في هذه الشريعة المطهرة الخاتمة. إذاً لا مندوحة عن البحث في المسألة من غير هذا المنطلق.

ومن زاوية أخرى فنلاحظ:
(أ) أن ما ثبت من كون الأصل في الأشياء الإباحة يقتضي ضرورة أن كل الأفعال المتعلقة بتلك الأشياء مباحة كذلك، وإلا فقدت تلك الإباحة معناها. فكون الشاة حلالاً يعني جواز ذبحها، وسلخها، ودبغ جلدها، وبيعها وشرائها، ودفنها، وإذابة شحمها، والاستصبح بذلك الشحم أو صنع الصابون منه، وهكذا مما لا يعد ولا يحصى من الأفعال الإنسانية المتعلقة بعين الشاة أو منفعتها. هذا قسم كبير من الأفعال الإنسانية صار ضرورة مباحاً في الأصل، حتى يرد الدليل بخلاف ذلك، كورود الأدلة بتحريم تعذيب الحيران، أو وسمه بالنار في وجهه، بل ولعنة من فعل ذلك.
(ب) أن الله، جل ذكره، قد امتن على الإنسان أيضاً بالسمع والبصر والفؤاد، وبالقلب، وبالأعين والآذان، أي بالعقل ومداخله من آلات الحس، وباللسان والشفتين، والنفس وما ألهمها من فجور وتقوى، أي بالإرادة والمشيئة والاختيار، وبأنه خلق في أحسن تقويم، فلزم من ذلك كضرورة، كما لزم أعلاه، أن جميع الأفعال الناشئة من ذلك مباحة في الأصل حتى يأتي النص بخلاف ذلك: فاللسان والشفتان، ومن ورائهما النفس والعقل (الفؤاد والقلب)، هما آلة النطق والكلام، وإنشاء الأصوات. لذلك وجب ضرورة أن يكون كل ما يخرج من اللسان والشفتين من أصوات كالصفير والهمهمة والتمتمة والصراخ والبكاء والنوح والعويل والنطق والكلام وشتى الأصوات، ما كان منها حسناً، أي موافقاً للطبع الإنساني، كتغريد البلابل، والغناء، أو قبيحاً كنهيق الحمير، مباحاً حتى يأتي النص بخلافه، وكذلك سائر الكلام والنطق بغض النظر عن مضمونه ومحتواه، لا فرق بين شتم، أو غيبة أو نميمة أو تنابز بالألقاب أو وصف للخيل أو تشبيب بالنساء، أو وصف للجماع، حتى يأتي النص بخلاف ذلك. فأي فعل أو كلام يخرج عن هذا؟!
(ج) أن النهي المغلظ عن السؤال، الذي أثبتنا قطعيته فيما سلف، يقتضي ضرورة إباحة كل شئ وكل فعل، حتى يأتي النص بخلاف ذلك، لا يجوز أن يكون غير ذلك. والإنسان لا يخلو من فعاليات وأنشطة طوال حياته، فإذا قيل له لا تسأل، ولا تراجع حتى يكون الشارع، تبارك وتعالى، هو الذي يبادر بالأمر أو النهي، وجب ضرورة أن يكون معنى هذا: إفعل ما شئت، فهو مباح لك، حتى يأتيك من الشارع أمر بخلاف ذلك. لا سيما أنه عليه وعلى آله الصلاة والسلام قال تصريحاً، لا تلميحاً: «دعوني ما تركتكم إنما أهلك من كان قبلكم سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم»، فهل يعقل من المعصوم بعصمة الله، المبلغ البلاغ التام المبين عن الله، أن يأمر الناس أن يتركوه حتى يكون هو الذي يبدؤهم، تاركاً لهم يقعون في الحرام ويتركون الواجبات؟! حاشا لله، ثم حاشا لله، وقال: «إن أعظم المسلمين في المسلمين جرما من سأل عن شيء لم يحرم على المسلمين فحرم عليهم من أجل مسألته»، قطعي الدلالة على أن الشئ المسؤول عنه عدواناً وتكلفاً وظلماً كان مباحاً قبل السؤال المتعنت الغبي، الذي أدى إلى التحريم، ولفظة «شئ» هنا على معناها اللغوي تشمل كل شئ: الأعيان والصفات والأفعال. وقال بصراحة ووضوح أكثر: «إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها، وحد حدودا فلا تعتدوها، وسكت عن كثير من غير نسيان فلا تتكلفوها: رحمة من الله فاقبلوها»، فهل بعد هذا البيان بيان؟! وهل ثمة إلا الغلو والعناد والتكلف الممقوت من حمار بليد، أو كافر عنيد؟!
(د) أن الله، تباركت أسماؤه، صرح بأنه فصل لنا ما حرم علينا: }وما لكم ألا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه، وقد فصل لكم ما حرم عليكم، إلا ما اضطررتم إليه، وإن كثيراً ليضلون بأهوائهم بغير علم، إن ربك هو أعلم بالمعتدين{، فالحرام قد فصل كله، أي جاء مصرحاً به، مبيناً تفصيله، وكذلك الواجب، لأن ترك الواجب إثم وحرام. وقد عاتب الله، بل وبَّخ وشجب، في هذه الآية من امتنع عن بعض المأكولات خوفاً من حرام لم يأتي تفصيلة، فدل ذلك ضرورة على أن كل شئ، الأعيان والأفعال، حلال على الإجمال حتى يأتي تفصيل يحرم أو يوجب شيئاً.
وهذا هو كذلك فهم جابر بن عبد الله الأنصاري، ومعه كثير من الصحابة، الذين عبر هو عنهم بضمير الجمع: في لفظة: (كنا)، عندما قال: (كنا نعزل والقرآن ينزل) أو (كنا نعزل على عهد النبي، صلى الله عليه وسلم، والقرآن ينزل)، كما هو في الصحيحين، وفي رواية مسلم: زاد إسحاق قال سفيان: (لو كان شيئا ينهى عنه لنهانا عنه القرآن).
v ولكن قال الحافظ في «فتح الباري»: [وشرحه بن دقيق العيد على ما وقع في العمدة فقال استدلال جابر بالتقرير من الله غريب ويمكن أن يكون استدل بتقرير الرسول لكنه مشروط بعلمه بذلك انتهى ويكفي في علمه به قول الصحابي أنه فعله في عهده والمسألة مشهورة في الأصول وفي علم الحديث وهي أن الصحابي إذا أضافه الى زمن النبي، صلى الله عليه وسلم كان له حكم الرفع عند الأكثر لأن الظاهر أن النبي، صلى الله عليه وسلم، اطلع على ذلك وأقره لتوفر دواعيهم على سؤالهم إياه عن الأحكام وإذا لم يضفه فله حكم الرفع عند قوم وهذا من الأول فإن جابرا صرح بوقوعه في عهده، صلى الله عليه وسلم، وقد وردت عدة طرق تصرح باطلاعه على ذلك والذي يظهر لي أن الذي استنبط ذلك سواء كان هو جابرا أو سفيان أراد بنزول القرآن ما يقرأ أعم من المتعبد بتلاوته أو غيره مما يوحي إلى النبي، صلى الله عليه وسلم فكأنه يقول فعلناه في زمن التشريع ولو كان حراما لم نقر عليه وإلى ذلك يشير قول بن عمر كنا نتقي الكلام والإنبساط إلى نسائنا هيبة أن ينزل فينا شيء على عهد النبي، صلى الله عليه وسلم، فلما مات النبي، صلى الله عليه وسلم، تكلمنا وانبسطنا أخرجه البخاري].
قلت: قول من قال: (استدلال جابر بالتقرير من الله غريب)، لا شئ، بل استغراب الإمام الحافظ، رضي الله عنه، هو الغريب حقاً، أليس الله قد أحاط بكل شئ علماً؟! وهل كان بيان النبي، عليه وعلى آله الصلاة والسلام، من عند نفسه؟! حاشا لله، ثم حاشا لله، بل هو من عند الله، والله هو المتكفل بذلك: }ثم إن علينا بيانه{، أما حديث ابن عمر، وهو موافق لجابر في المعنى، فهو التالي بنصه:
v كما أخرجه الإمام البخاري في «الجامع الصحيح»: [حدثنا أبو نعيم حدثنا سفيان عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر، رضي الله عنهما، قال: (كنا نتقي الكلام والانبساط إلى نسائنا، هيبة أن ينزل فينا شيء على عهد النبي، صلى الله عليه وسلم، فلما مات النبي، صلى الله عليه وسلم، تكلمنا وانبسطنا)]، هذا من أصح أسانيد الدنيا، ومن أكثرها علوَّاً. وأخرجه ابن ماجه، فقال: حدثنا محمد بن بشار حدثنا عبد الرحمن بن مهدي حدثنا سفيان به، وكذلك أحمد في «المسند»: حدثنا عبد الرحمن عن سفيان به.
وكان النبي، عليه وعلى اله الصلاة والسلام، يبتدرهم بأمور لم تكن تخطر لهم على بال، بل بعضها لم يره هو وإنما أخبره بها الوحي فقط، كوصيته لوفد عبد القيس ألا ينتبذوا في ظروف وأوعية معينة منه: «الدباء، والنقير، والمحنتم، والمزفت» فتعجبوا من معرفته لبعضها مع أنها مجهولة لأهل مكة والمدينة، ولا يعرفها سوى أهل اليمامة، كما جاء:
v في «صحيح مسلم»: حدثني محمد بن بكار البصري حدثنا أبو عاصم عن بن جريج (ح) وحدثني محمد بن رافع واللفظ له حدثنا عبد الرزاق أخبرنا بن جريح قال أخبرني أبو قزعة أن أبا نضرة أخبره (وحسنا أخبرهما) أن أبا سعيد الخدري أخبره: أن وفد عبد القيس لما أتوا نبي الله، صلى الله عليه وسلم، قالوا: (يا نبي الله جعلنا الله فداءك ماذا يصلح لنا من الأشربة؟!)، فقال: «لا تشربوا في النقير!»، قالو: (يا نبي الله، جعلنا الله فداءك، أو تدري ما النقير؟!)، قال: «نعم، الجذع ينقر، وسطه، ولا في الدباء، ولا في الحنتمة؛ وعليكم بالموكي».
ــ وهو في «مسند الإمام أحمد بن حنبل»: [حدثنا عبد الرزاق وروح قالا حدثنا بن جريج أخبرني أبو قزعة به بعينه. قلت: هذا في غاية الصحة، وقد صرح ابن جريج بالتحديث. أما قولّ: (وحسناً أخبرهما) فهو انقلاب لفظي، والصحيح: (وحسنا أخبره)، أي أن حسناً أخبر أبا قزعة،
ــ كما هو في «شرح معاني الآثار»: [حدثنا علي قال حدثنا الحجاج عن بن جريج قال أخبرني أبو قزعة أن أبا نضرة وحسنا أخبراه أن أبا سعيد الخدري أخبرهما به]
v وجاء مطولاً في «صحيح مسلم» من طريق أخرى، فيها كامل القصة: حدثنا يحيى بن أيوب حدثنا ابن علية حدثنا سعيد بن أبي عروبة عن قتادة قال حدثنا من لقي الوفد الذين قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم من عبد القيس قال سعيد وذكر قتادة أبا نضرة عن أبي سعيد الخدري في حديثه هذا أن أناسا من عبد القيس قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: ( يا نبي الله: إنا حي من ربيعة، وبيننا وبينك كفار مضر، ولا نقدر عليك إلا في أشهر الحرم فمرنا بأمر نأمر به من وراءنا وندخل به الجنة إذا نحن أخذنا به!)، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «آمركم بأربع وأنهاكم عن أربع اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وصوموا رمضان وأعطوا الخمس من الغنائم؛ وأنهاكم عن أربع عن الدباء والحنتم والمزفت والنقير»، قالوا: (يا نبي الله ما علمك بالنقير؟!)، قال: «بلى: جذع تنقرونه فتقذفون فيه من القطيعاء» (قال سعيد أو قال من التمر) ثم تصبون فيه من الماء حتى إذا سكن غليانه شربتموه حتى إن أحدكم أو إن أحدهم ليضرب ابن عمه بالسيف»، قال: (وفي القوم رجل أصابته جراحة كذلك قال: وكنت أخبؤها حياء من رسول الله صلى الله عليه وسلم)، فقلت: (ففيم نشرب يا رسول الله؟!)، قال: «في أسقية الأدم التي يلاث على أفواهها»، قالوا: (يا رسول الله إن أرضنا كثيرة الجرذان، ولا تبقى بها أسقية الأدم؟!)، فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم: «وإن أكلتها الجرذان، وإن أكلتها الجرذان، وإن أكلتها الجرذان»، قال: وقال نبي الله صلى الله عليه وسلم لأشج عبد القيس إن فيك لخصلتين يحبهما الله الحلم والأناة». وعقَّب الإمام مسلم فقال: حدثني محمد بن المثنى وابن بشار قالا حدثنا ابن أبي عدي عن سعيد عن قتادة قال حدثني غير واحد لقي ذاك الوفد وذكر أبا نضرة عن أبي سعيد الخدري أن وفد عبد القيس لما قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم بمثل حديث ابن علية غير أن فيه وتذيفون فيه من القطيعاء أو التمر والماء، ولم يقل: (قال سعيد: أو قال من التمر). قلت: هو أيضاً في «مسندأحمد»: حدثنا يحيى بن سعيد عن ابن أبي عروبة حدثنا قتادة عمن لقي الوفد وذكر أبا نضرة عن أبي سعيد بنحوه.
v وهذا «النقير» إنما كان معروفاً في اليمامة فقط، لا يعرفه أهل الحجاز كما هو في «سنن البيهقي الكبرى»: [حدثنا أبو بكر بن فورك أنبأ عبد الله بن جعفر حدثنا يونس بن حبيب حدثنا أبو داود حدثنا عيينة بن عبد الرحمن بن جوشن حدثني أبي قال: كان أبو بكرة ينتبذ له في جرة فقدم أبو برزة من غيبة كان غابها فنزل بمنزل أبي بكرة قبل أن يأتي منزله فذكر الحديث في إنكار ما نبذ له في جرة وقوله لامرأته وددت إنك جعلتيه في سقاء وأن أبا بكرة حين جاء قال قد عرفنا الذي نهينا عنه نهينا عن الدباء والنقير والحنتم والمزفت فإما الدباء فإنا معشر ثقيف بالطائف كنا نأخذ الدباء فنخرط فيها عناقيد العنب ثم ندفنها ثم نتركها حتى تهدر ثم تموت وأما النقير فإن أهل اليمامة كانوا ينقرون أصل النخلة فيشدخون فيه الرطب والبسر ثم يدعونه حتى يهدر ثم يموت وأما الحنتم فجرار كان يحمل إلينا فيها الخمر وأما المزفت فهي هذه الأوعية التي فيها هذا الزفت)، وقال البيهقي معقباً: ( كذا روي عن أبي بكرة وقد قال جماعة من أهل العلم أن المعنى في النهي عن الانتباذ في هذه الأوعية أن النبيذ فيها يكون أسرع إلى الفساد والاشتداد حتى يصير مسكرا وهو في الأسقية أبعد منه ثم وردت الرخصة في الأوعية كلها إذا لم يشربوا مسكرا والله أعلم).
وقد فجأهم، عليه وعلى آله الصلاة والسلام، في مناسبة أخرى، ومن غير سابق إنذار، بسؤال محرج، وهو:
v كما جاء في «مسند أحمد»: [حدثنا عبد الصمد قال حدثنا حفص السراج قال سمعت شهرا يقول حدثتني أسماء بنت يزيد أنها كانت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم والرجال والنساء قعود عنده فقال: «لعل رجلا يقول ما يفعل بأهله، ولعل امرأة تخبر بما فعلت مع زوجها؟!»، فأرم القوم فقلت: (إي والله يا رسول الله إنهن ليقلن وإنهم ليفعلون!)، قال: «فلا تفعلوا فإنما ذلك مثل الشيطان لقي شيطانة في طريق فغشيها والناس ينظرون»]. هذا خبر صحيح، نعم: شهر بن حوشب صدوق، ولكنه كثير الإرسال والأوهام، إلا أنه ها هنا صرح بالتحديث وهو معروف بإكثار الرواية عن أسماء بنت يزيد، رضي الله عنها، فهذا الإسناد حسن بذاته، ولا شك. ويشهد لكونه حفظ ها هنا الحديث التالي من طريق مستقلة تماما عن أبي هريرة، لا يتصور فيها تواطؤ على الكذب، ولا وقوع الخطأ مصادفة:
v كما هو في «مسند الإمام أحمد» عن أبي هريرة: [حدثنا إسماعيل بن إبراهيم عن سعيد الجريري عن أبي نضرة عن رجل من الطفاوة قال نزلت على أبي هريرة قال ولم أدرك من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا أشد تشميرا ولا أقوم على ضيف منه فبينما أنا عنده وهو على سرير له وأسفل منه جارية له سوداء ومعه كيس فيه حصى ونوى يقول سبحان الله سبحان الله حتى إذا أنفذ ما في الكيس ألقاه إليها فجمعته فجعلته في الكيس ثم دفعته إليه فقال لي ألا أحدثك عني وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت بلى قال فإني بينما أنا أوعك في مسجد المدينة إذ دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم المسجد فقال: «من أحس الفتى الدوسي، من أحس الفتى الدوسي»، فقال له قائل هو ذاك يوعك في جانب المسجد حيث ترى يا رسول الله فجاء فوضع يده علي وقال لي معروفا فقمت فانطلق حتى قام في مقامه الذي يصلي فيه ومعه يومئذ صفان من رجال وصف من نساء أو صفان من نساء وصف من رجال فأقبل عليهم فقال إن نساني الشيطان شيئا من صلاتي فليسبح القوم وليصفق النساء، فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم ينس من صلاته شيئا. فلما سلم أقبل عليهم بوجهه فقال: «مجالسكم: هل منكم إذا أتى أهله أغلق بابه وأرخى ستره ثم يخرج فيحدث فيقول فعلت بأهلي كذا وفعلت بأهلي كذا؟!»، فسكتوا فأقبل على النساء فقال: «هل منكن من تحدث؟!»، فجثت فتاة كعاب على إحدى ركبتيها وتطاولت ليراها رسول الله صلى الله عليه وسلم ويسمع كلامها فقالت: (إي والله إنهم ليحدثون، وإنهن ليحدثن!)، فقال: «هل تدرون ما مثل من فعل ذلك؟! إن مثل من فعل ذلك مثل شيطان وشيطانة لقي أحدهما صاحبه بالسكة قضى حاجته منها والناس ينظرون إليه»، ثم قال ألا لا يفضين رجل إلى رجل، ولا امرأة إلى امرأة إلا إلى ولد أو والد، قال وذكر ثالثة فنسيتها، ألا إن طيب الرجل ما وجد ريحه ولم يظهر لونه ألا إن طيب النساء ما ظهر لونه ولم يوجد ريحه»). فيه رجل مجهول من الطفاوة، وبقيته ثقات مشاهير. وهذه الفتاة، لله درها، هي، بلا شك، أسماء بنت يزيد بن السكن، رضي الله عنها، راوية الحديث السابق، فثبت حديثها ذاك يقيناً، وظهر صدق ودقة الرجل الطفاوي، رحمه الله، والحمد لله رب العالمين.
v وأخرجه أبو داود: حدثنا مسدد حدثنا بشر حدثنا الجريري (ح) وحدثنا مؤمل حدثنا إسماعيل (ح) وحدثنا موسى حدثنا حماد كلهم عن الجريري عن أبي نضرة حدثني شيخ من طفاوة به بطوله إلى قوله: «ألا إن طيب النساء ما ظهر لونه ولم يظهر ريحه». ثم قال أبو داود: (من ههنا حفظته عن مؤمل وموسى: ألا لا يفضين رجل إلى رجل ولا امرأة إلى امرأة إلا إلى ولد أو والد وذكر ثالثة فأنسيتها، وهو في حديث مسدد، ولكني لم أتقنه كما أحب، وقال موسى حدثنا حماد عن الجريري عن أبي نضرة عن الطفاوي به)، وقال الألباني: ضعيف. قلت: نعم أصاب شكلياً لجهالة الطفاوي، ولكن لا خوف من اختلاط الجريري، لتعدد الرواة عنه: إسماعيل بن إبراهيم (ابن علية)، وبشر، وحماد بن زيد، وكذلك يزيد بن زريع كما هو عند البيهقي، وكلهم حجة إمام، ومنهم من سمع من الجريري قبل الاختلاط.
v في «سنن البيهقي الكبرى»: [أخبرنا أبو الحسن علي بن محمد المقري أنبأ الحسن بن محمد بن إسحاق حدثنا يوسف بن يعقوب حدثنا محمد بن أبي بكر حدثنا يزيد بن زريع حدثنا الجريري عن أبي نضرة قال حدثني شيخ من الطفاوة به إلى قوله: «طيب النساء ما ظهر لونه ولم يجد ريحه»]
ولا نشك أن من استقصى السنن لواجد لكثير من مثل هذا، أي من ابتدار نبي الله لهم، من غير سؤال سابق منهم، بل وربما من غير مناسبة تقتضي ذلك، ولا من سابق اطلاع لنبي الله على شئ من شأنهم، بل بوحي من الله يأتيه فجأة، وهو عين قولنا: (أن إقرار القرآن لما كان زمن الوحي، كإقرار النبي لما رآه وسمعه، ولا فرق). بل إن الأول أقوى، وأعلى مرتبة، وهو الأصل، وهو الأعم والأكثر.
على كل حال لا يضرنا من هو القائل: (لو كان شيئا ينهى عنه لنهانا عنه القرآن)، لأنه هو الحق بأدلته التي سلفت. أما قوله: (والقرآن ينزل)، يعني ضرورة زمن نزول الوحي، لا فرق بين قرآن وسنة، كما أسلفنا، وكما هو وواضح كالشمس من براهيننا السابقة على حجية السنة وكونها وحياً وذكراً، كما هو أيضاً بين من مقالة عبد الله بن عمر: (كنا نتقي الكلام والإنبساط إلى نسائنا هيبة أن ينزل فينا شيء على عهد النبي، صلى الله عليه وسلم، فلما مات النبي، صلى الله عليه وسلم، تكلمنا وانبسطنا)، ونحن نعلم ضرورة أنه عليه الصلاة والسلام لم يكن يدخل على حريمهم، أو يتجسس على خصوصياتهم في غرف نومهم، وما يفعلون وكيف يتحدثون مع أزواجهم في فرشهم.

ثالثاً: بعد وفاة النبي، عليه وعلى آله الصلاة والسلام: نحن نعلم يقيناً أن الدين قد اكتمل بمعنى أن كل أوامر الله ونواهيه قد بلغتنا قبل وفاة النبي، صلوات الله وتسليماته وتبريكاته عليه وعلى آله، كاملة مفصلة مبينة واضحة لا شك فيها، كما قال، عليه وعلى آله الصلاة والسلام: «تركتكم على المحجة البيضاء ليلها كنهارها، لا يزيغ عنه إلا هالك». وقد كفل الله بحفظ الذكر قرآنا وسنة، نعم: ولغة عربية كذلك لأنها من لوازم «الذكر»، ولا يفهم «الذكر» إلا بها، إلى قيام الساعة، لأنه عليه وعلى آله الصلاة والسلام، هو أخر الأنياء والمرسلين، ليس بعده نبوة ولا رسالة، ولا يتصور بعده نسخ، ولا تشريع جديد، إلا من من بدل الشرائع، واستبدل الكفر بالإيمان، وضل سواء السبيل، وأبى إلا أن يحتجز قراراً بئيساً في نار جهنم، والعياذ بالله.
فبعد وفاته عليه وعلى آله الصلاة والسلام، أصبح الواجب على الناس عامة، والعلماء المجتهدين والمتبوعين منهم خاصة، الرجوع إلى النصوص الشرعية فقط لاستنباط الهدى منه: الأخبار الصحيحة والأحكام الملزمة، أي أن السؤال أصبح واجباً في كل شئ، وعن كل شئ، لأنه قد جاء من الله حكم في كل شئ، ولا يخرج عن حكمه أي شئ.
غير أن السؤال لا بد أن يكون سؤالاً صحيحاً: أي أن يكون عن دليل حرمة الشئ أو وجوبه، وعن استحبابه أو كراهيته، بذاته، ولا تكون مطلقاً عن الإباحة لأنها هي الأصل الثابت العام المطلق، بالأدلة الثابتة اليقينية العامة المذكورة أعلاه، ولا تحتاج إلى دليل جرئي غير ذلك إطلاقاً.
قلنا: يكون السؤال الصحيح عن دليل حرمة الشئ أو وجوبه، وعن استحبابه أو كراهيته بذاته، وقلنا: «بذاته»، احتياطاً من كون الإنسان قد يثاب على فعل المباح إذا أراد التقوِّي به على الواجبات والمستحبات، أو التمرس بمباعدة المكروهات والمحرمات، أو فعله بـ«وعي»، وهو حاضر الذهن، منتبه القلب على كونه قد أباحه الله، مستسلماً لحكم الله، أو فرحاً مسروراً برخصة الله، أو لغير ذلك من الاعتبارات الجميلة، التي جاءت بها الأدلة. ولكن الحق الذي لا ريب فيه أن الثواب ليس على ذات الفعل ها هنا وإنما هو على نية التقوِّي به للطاعات أو على ذكره لله، وإدراكه للصلة به أثناء العمل، أوغير ذلك من الاعتبارات، وكل ذلك غير ذات العمل من حيث هو عمل مجرد.
فلا يجوز أن يقال أن المباح انقلب بذلك مستحباً، لأنه ليس كذلك في ذاته، وإنما كان الثواب على أمور أخرى صاحبته، فلا يجوز خلط هذا بهذا، وإلا اختلت مقاييس الشرع، واختلط الحابل بالنابل.
لذلك يحتاج المستحب لذاته، وهو الذي يثاب فاعله، ولا يؤاخذ تاركه، والمكروه لذاته وهو الذي يثاب تاركه، ولا يعاقب فاعله، يحتاجان كلاهما إلى دليل مستقل لأنهما خلاف الإباحة الأصلية المطلقة، وما كان هكذا فلا بد له من دليل، وإلا كان قولاً على الله بغير علم، وشرعاً من الدين ما لم يأذن به الله، أي إحداثاً وابتداعاً في الدين: هذه هي طريق الهلكة، المفضية إلى الكفر والضلال البعيد.
ولعلنا نفرد موضوع النية، وتأثيرها على الثواب والعقاب، في فصل مستقل، هو: (فصل: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى»)، وسيأتي بعد هذا قريباً إن شاء الله.
وليس ما أصلناه آنفاً ببدع من القول، بل قد قال به أو ببعضه مشاهير الأئمة، فقال الإمام الحافظ الحجة أبو محمد علي بن حزم، قدس الله سره، في «الإحكام»: [فإن قالوا فأرونا جمع النوازل منصوصا عليها! قلنا لو عجزنا عن ذلك لما كان عجزنا حجة على الله تعالى ولا على رسوله صلى الله عليه وسلم إذ لم ندع لكم الواحد فالواحد منه الإحاطة بجميع الفتن لكن حسبنا أننا نقطع بأن الله تعالى بين لنا كل ما يقع من أحكام الدين إلى يوم القيامة فكيف ونحن نأتيكم بنص واحد فيه كل نازلة وقعت أو تقع إلى يوم القيامة وهو الخبر الصحيح الذي ذكرناه قبل بإسناده وهو قوله صلى الله عليه وسلم: «دعوني ما تركتكم فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه»، فصح نصا أن ما لم يقل فيه النبي صلى الله عليه وسلم فليس واجبا لأنه لم يأمر به وليس حراما لأنه لم ينه عنه فبقي ضرورة أنه مباح فمن ادعى أنه حرام مكلف أن يأتي فيه بنهي من النبي صلى الله عليه وسلم فإن جاء سمعنا وأطعنا وإلا فقوله باطل ومن ادعى فيه إيجابا كلف أن يأتي فيه بأمر من النبي صلى الله عليه وسلم فإن جاء به سمعنا وأطعنا وإن لم يأت به فقوله باطل وصح بهذا النص أن كل ما أمر به صلى الله عليه وسلم فهو فرض علينا إلا ما لم نستطع من ذلك وأن كل ما نهانا عنه فحرام حاشا ما بينه صلى الله عليه وسلم أنه مكروه أو ندب فقط فلم يبق في الدين حكم إلا وهو ههنا منصوص جملة]
ثم استطرد قائلاً: [فأي شيء بقي بعد هذا وهل في العالم نازلة تخرج من أن يقول قائل هذا واجب فنقول له إن أتيت على إيجابه بنص من القرآن أو بكلام صحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أو إجماع فسمعا وطاعة وهو واجب ومن أبى عن إيجابه حينئذ فهو كافر وإن لم يأت على إيجابه بنص ولا إجماع فإنه كاذب وذلك القول ليس بواجب أو يقول قال هذا حرام فنقول له إن أتيت على النهي عنه بنص أو إجماع فهو حرام وسمعا وطاعة ومن أراد استباحته حينئذ فهو آثم كاذب عاص وإن تأت على النهي عنه بنص ولا إجماع فأنت كاذب وذلك الشيء ليس حراما. فهل في العالم حكم يخرج عن هذا؟! فصح أن النص مستوعب لكل حكم يقع أو وقع إلى يوم القيامة ولا سبيل إلى نازلة تخرج عن هذه الأحكام الثلاثة وبالله تعالى التوفيق.
ثم قد جاءت الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بمثل ما جاءت به هذه الآيات كما حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله الهمذاني حدثنا أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد البلخي حدثنا محمد بن يوسف حدثنا محمد بن إسماعيل حدثنا إسماعيل هو ابن أبي أويس حدثنا مالك بن أنس عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال دعوني ما تركتكم إنما هلك من كان قبلكم بسؤالهم واختلافهم على أنبيائهم فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم. قال أبو محمد: فهذا حديث جامع لكل ما ذكرنا بين فيه صلى الله عليه وسلم أنه إذا نهى عن شيء فواجب أن يجتنب وأنه إذا أمر بأمر فواجب أن يؤتى منه حيث بلغت الاستطاعة وأن ما لم ينه عنه ولا أمر به فواجب ألا يبحث عنه في حياته صلى الله عليه وسلم وإذ هذه صفته ففرض على كل مسلم ألا يحرمه ولا يوجبه وإذا لم يكن حراما ولا واجبا فهو مباح ضرورة إذ لا قسم إلا هذه الأقسام الثلاثة فإذا بطل منها اثنان وجب الثالث ولا بد ضرورة وهذه قضية النص وقضية السمع وقضية العقل التي لا يفهم العقل غيرها إلا الضلال والكهانة والسخافة التي يدعيها أصحاب القياس أنهم يفهمون من الوطء الأكل ومن الثمر الجلوز ومن قطع السرقة مقدار الصداق وحسبنا الله ونعم الوكيل.
ثم نعكس عليهم سؤالهم فنقول لهم إذا جوزتم وجود نوازل لا حكم لها في قرآن ولا سنة فقولوا لنا ماذا تصنعون فيها، فهذا لازم لكم وليس يلزمنا لأن هذا عندنا باطل معدوم لا سبيل إلى وجوده أبدا،
فأخبرونا إذا وجدتم تلك النوازل أتتركون الحكم فيها فليس هذا قولكم أم تحكمون فيها ولا سبيل إلى قسم ثالث فإن حكمتم فيها فأخبرونا عن حكمكم فيها أبحكم الله تعالى وحكم رسوله صلى الله عليه وسلم حكمتم فيها فإن قلتم نعم قلنا قد تناقضتم لأنكم قلتم ليس فيها نص بحكم الله تعالى ولا لرسوله صلى الله عليه وسلم وقد كذب آخر قولكم أوله وإن قلتم بغير حكم الله تعالى أو بغير حكم رسوله صلى الله عليه وسلم نحن برآء إلى الله تعالى من كل حكم في الدين لم يحكم به الله عز وجل وفي هذا كفاية لمن عقل فوضح لنا وبطل ما سواه والحمد لله رب العالمين.
وبهذا جاءت الأحاديث كلها مؤكدة متناصرة كما حدثنا حمام بن أحمد حدثنا عبد الله بن إبراهيم حدثنا أبو زيد المروزي حدثنا الفربري حدثنا البخاري حدثنا عبد الله بن زيد المقرىء حدثنا سعيد حدثنا عقل عن ابن شهاب عن عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن أعظم المسلمين جرما من سأل عن شيء لم يحرم فحرم من أجل مسألته فنص صلى الله عليه وسلم كما تسمع أن كل ما لم يأت به تحريم من الله تعالى فهو غير محرم.
وهكذا أخبر صلى الله عليه وسلم في الواجب أيضا كم حدثنا عبد الله بن يوسف بن نامي حدثنا أحمد بن فتح حدثنا عبد الوهاب بن عيسى حدثنا أحمد بن محمد الفقيه الأشقر حدثنا أحمد بن علي القلانسي حدثنا مسلم بن الحجاج حدثني زهير بن حرب حدثنا يزيد بن هارون حدثنا الربيع بن مسلم القرشي عن محمد بن زياد عن أبي هريرة قال خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أيها الناس قد فرض الله عليكم الحج فحجوا، فقال رجل أكل عام يا رسول الله فسكت حتى قالها ثلاثا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لو قلت نعم لوجبت ولما استطعتم ثم قال ذروني ما تركتكم فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه
قال أبو محمد: فنص رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن ما لم يوجبه فهو غير واجب وما أوجبه بأمره فواجب ما أستطيع منه وأن ما لم يحرمه فهو حلال وأن ما نهى عنه فهو حرام فأين للقياس مدخل والنصوص قد استوعبت كل ما اختلف الناس فيه وكل نازلة تنزل إلى يوم القيامة باسمها وبالله تعالى التوفيق. وقال تعالى: }أم لهم شركاء شرعوا لهم من لدين ما لم يأذن به لله؟! ولولا كلمة الفصل لقضي بينهم وإن لظالمين لهم عذاب أليم{]. انتهى كلام الإمام الحافظ الحجة أبي محمد علي بن حزم الأندلسي، فتدبره، وأعد قراءته حتى تستوعبه وتعطيه حقه من الفهم والتذوق.
وأنت ترى أن هذا في مجمله هو عين قولنا، وهو: (أن الأصل في الأشياء والأفعال والأقوال الإباحة، وكذلك في العقود والشروط الإباحة والصحة، لذلك فإن الأصل هو الإلزام في العقود التي تم عقدها، والشروط التي تم الاتفاق عليها لأنها انعقدت صحيحة).
ونزيد هذا وضوحاً وتفصيلاً بأن نقول، أن قولنا: (الأصل في الأشياء والأفعال والأقوال الإباحة) يقتضي ضرورة خلوها، في الأصل، من الأحكام «الوضعية»، فلا يكون شئ منها سبباً، أو شرطاً، أو رخصة أو عزيمة، أو مبطلاً أو مصححاً لشئ آخر، أو غير ذلك من الأحكام الوضعية، إلا ببرهان، وكذلك هو الشأن في الحوادث الواقعة في الكون، مثل طلوع الشمس، ونزول المطر، وخسوف القمر، حتي يجئ النص بخلاف ذلك.
بقيت مسألة واحدة مهمة، في غاية الأهمية، وهي قولهم: (أن الأصل في العبادات الحظر، حتي يأتي بها دليل)، التي جعلها البعض قاعدة كلية. فنقول: هذه جملة لا معنى لها، يفترض القائلون بها أن هناك أفعال تستحق أن تسمَّى (عبادة) بذاتها من حيث كونها أفعالاً مجردة، وهذا غير صحيح، بل هو خطأ قاتل شنيع، كما سنبرهن عليه في الأبواب والفصول التالية، لا سيما في الباب المسمَّى: (توحيد التقديس والعبادة)، إن شاء الله. وإنما جرت عادة الناس أن يطلقوا هذه التسمية (عبادة) على الأفعال والأقوال والمعتقدات التي يراد بها التقرب ممن يعتقد فيه الألوهية، فالعبادة هي إذاً: [توجيه أفعال وشعائر معينة (وأقوال ومعتقدات) إلى من تعتقد فيه الألوهية للتقرب إليه وطلب رضاه ومحبته والزلفى إليه، أو اتفاء ضرره أو شره، أو استدرار عطفه وبره وإنعامه، أو الاستعانة به في دفع ضر أو جلب منفعة، ونحو ذلك].
فإذا تقدم إنسان بشعائر تعبدية إلى من يعتقد فيه الألوهية، فهو قطعاً يعتقد أن المعبود يحب تلك الشعائر ويرضاها، فهو يعتقد استحباب، أو حتى وجوب، أفعاله تلك. وبالنسبة لأهل الإسلام، بعد بزوغ شمس الرسالة المحمدية، فإن الحكم على فعل بأنه مستحب أو واجب، يعني أن حكمه هو خلاف الإباحة المحضة الأصلية، المقطوع بها، وهذا لا يجوز إلا ببرهان.
فالصحيح أن الله، جل جلاله، لا يجوز أن يتقرب إليه إلا بما جعله هو مستحباً أو واجباً، أي الصحيح هو أنه: (لا يعبد إلا بما شرع)، وهذه القاعدة الصحيحة ليست شيئاً جديداً، وإنما هي تطبيق وتفريع لقاعدتنا:[أن الأصل في الأشياء والأفعال والأقوال الإباحة، وكذلك في العقود والشروط الإباحة والصحة، والأصل هو الإلزام في العقود التي تم عقدها، والشروط التي تم الاتفاق عليها].
هذا هو ما قامت عليه قواطع الأدلة اليقينية، فلا يجوز اعتقاد غيره، ولا العمل به، لمن آمن بالله واليوم الآخر، ومن كفر فإن الله غني عن العالمين.

أبو عمر المنصور
19-04-2011, 05:52 PM
تابع: مسائل أصولية
u فصل: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى» استحقاق الثواب والثناء من الله علي أي عمل من أعمال الإنسان منوط بالنية، وكذلك استحقاق العقاب والذم من الله. فمن أراد إصابة الصيد بسلاح ناري، فأخطأه، وأصاب إنساناً فقتله، فهو قاتل خطأً، لإنه المباشر أو المتسبب في القتل، ولكنه لم يرد إصابة ذلك الإنسان، فهو بالقطع ليس آثماً كإثم القاتل عمداً، وليس فعله، وإن كان قتلاً على الحقيقة، من باب القتل العمد من صدر ولا ورد. هذا مدرك بالحس والعقل، وعليه جمهور العقلاء، وقد أكده الشرع، وزاد فيه، ووسعه:
v حيث قال، جل جلاله: }مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُوماً مَدْحُوراً v وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً{، (الاسراء؛ 17:18- 19)
v وقال، تباركت أسماؤه: }قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ{. (لأعراف؛ 7:29)
v وقال، تعالى ذكره: }فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ{، (غافر:14)
v وقال، جل وعز: }هُوَ الْحَيُّ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ{، (غافر؛ 40:65)
v وقال، تباركت أسماؤه: }وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ{، (البينة؛ 98:5)
v وقال، تعالى ذكره: }وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ{، (التوبة؛ 9:46)
v وقوله، عليه وعلى اله الصلاة والسلام: «إنما الأعمال بالنيات (وفي رواية: بالنية) وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، من كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو إلى امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه»، حديث صحيح، من أصح أحاديث الدنيا، أجمع الأئمة على صحته، وأجمعت الأمة على تلقيه بالقبول، وأخرجه الشيخان، والجماعة، وأحمد، وابن حبان، وابن خزيمة، والنسائي في «السنن الكبرى»، وهو أيضاً في «سنن البيهقي الكبرى»، و«المعجم الأوسط» للطبراني، و«سنن الدارقطني»، و في «مسند أبي داود الطيالسي»، و«مسند الحميدي»، و«المنتقى من السنن المسندة» لابن الجارود، و«مسند الشهاب»، و«شرح معاني الآثار»، وغيرها، بعشرات بالأسانيد الصحيحة عن العشرات من أصحاب يحيى بن سعيد الأنصاري، عنه، عن محمد بن إبراهيم التيمي عن علقمة بن وقاص عن عمر بن الخطاب، رضي الله عنه. وجاء في «تلخيص الحبير في أحاديث الرافعي الكبير»: (قال الحافظ أبو سعيد محمد بن علي الخشاب رواه عن يحيى بن سعيد نحو من مائتين وخمسين إنسانا؛ وقال الحافظ أبو موسى سمعت عبد الجليل بن أحمد في المذاكرة يقول قال أبو إسماعيل الهروي عبد الله بن محمد الأنصاري كتبت هذا الحديث عن سبعمائة نفر من أصحاب يحيى بن سعيد، قلت: تتبعته من الكتب والأجزاء حتى مررت على أكثر من ثلاثة آلاف جزء فما استطعت أن أكمل له سبعين طريقا)، وروي من طريق الإمام مالك، إلا أنه لم يخرجه في الموطأ، وأخرجه، سوى مالك، كل أصحاب الكتب المعتمدة.
وروى نحو هذا المعنى بأسانيد مختلفة الدرجة عن علي بن أبي طالب وسعد بن أبي وقاص وأبو سعيد الخدري وابن عمر وابن مسعود وابن عباس وأنس بن مالك وأبو هريرة وعتبة بن عبد السلمي وهلال بن سويد وعبادة بن الصامت وجابر بن عبد الله وعقبة بن عامر وأبو ذر وعتبة بن مسلم ومعاوية بن أبي سفيان، فالمعنى متواتر مقطوع بثبوته، مشهود عليه بآي القرآن، وضرورات الحس والعقل.
v وجاء في «صحيح مسلم» من طريق الأعرج عن أبي هريرة: [حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وزهير بن حرب وإسحاق بن إبراهيم واللفظ لأبي بكر قال إسحاق أخبرنا سفيان وقال الآخران حدثنا بن عيينة عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قال الله عز وجل: }إذا هم عبدي بسيئة فلا تكتبوها عليه، فإن عملها فاكتبوها سيئة، وإذا هم بحسنة فلم يعملها فاكتبوها حسنة فإن عملها فاكتبوها عشراً{»]، وهو في «صحيح ابن حبان» بحوه، وقال الشيخ شعيب الأرناؤوط: (إسناده صحيح)، وأخرجه كذلك أحمد، وغيرهم.
v وجاء في «صحيح ابن حبان» من طريق محمد بن سيرين عن أبي هريرة: [أخبرنا عبد الله بن محمد الأزدي قال حدثنا إسحاق بن إبراهيم قال حدثنا النضر بن شميل قال حدثنا هشام عن محمد عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، عن الله، جل وعلا، قال: (من هم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة، فإن عملها كتبتها بعشر أمثالها إلى سبع مائة؛ وإن هم بسيئة فلم يعملها لم أكتب عليه فإن عملها كتبتها عليه سيئة واحدة)]، وقال الشيخ شعيب الأرناؤوط: (إسناده صحيح على شرط الشيخين)، وهو كما قال، وهو أيضاً في «صحيح مسلم»، وفي «مسند الإمام أحمد بن حنبل» من عدة طرق غاية في الصحة، وفي «مسند الشاميين».
v وجاء في «صحيح ابن حبان» من طريق العلاء عن أبي هريرة: [أخبرنا الفضل بن الحباب قال حدثنا القعنبي قال حدثنا عبد العزيز بن محمد عن العلاء عن أبيه عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال قال الله تبارك وتعالى: (إذا هم عبدي بالحسنة فلم يعملها كتبتها له حسنة، فإن عملها كتبتها له عشر حسنات، وإن هم عبدي بسيئة ولم يعملها لم أكتبها عليه فإن عملها كتبتها واحدة)]، وعقّب الإمام أبو حاتم بن حبان، رضي الله تعالى عنه، قائلاً: [ قوله جل وعلا: (إذا هم عبدي)، أراد به إذا عزم فسمى العزم هما لأن العزم نهاية الهم، والعرب في لغتها تطلق اسم البداءة على النهاية واسم النهاية على البداءة لأن الهم لا يكتب على المرء لأنه خاطر لا حكم له ويحتمل أن يكون الله يكتب لمن هم بالحسنة الحسنة وإن لم يعزم عليه ولا عمله لفضل الإسلام فتوفيق الله العبد للإسلام فضل تفضل به عليه وكتبته ما هم به من الحسنات ولما يعملها فضل وكتبته ما هم به من السيئات ولما يعملها لو كتبها لكان عدلا وفضله قد سبق عدله كما أن رحمته سبقت غضبه فمن فضله ورحمته ما لم يكتب على صبيان المسلمين ما يعملون من سيئة قبل البلوغ وكتب لهم ما يعملونه من حسنة كذلك هذا ولا فرق]، وقال الشيخ شعيب الأرناؤوط: (إسناده صحيح على شرط مسلم)، وهو كما قال.
v وجاء في «صحيفة همام بن منبه» من طريق همام بن منبه عن أبي هريرة: [وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قال الله تعالى: (إذا تحدث عبدي بأن يعمل حسنة فأنا أكتبها له حسنة ما لم يعملها فإذا عملها فأنا أكتبها له بعشر أمثالها وإذا تحدث بأن يعمل سيئة فأنا أغفرها ما لم يعملها فإذا عملها فأنا أكتبها له بمثلها)]
v وجاء في «سنن الترمذي» من طريق سعيد بن المسيب عن أبي هريرة: [حدثنا عمران بن موسى القزاز حدثنا عبد الوارث بن سعيد حدثنا علي بن زيد عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن ربكم يقول: (كل حسنة بعشرة أمثالها إلى سبعمائة ضعف، والصوم لي وأنا أجزي به: الصوم جنة من النار، ولخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، وإن جهل على أحدكم جاهل وهو صائم فليقل إني صائم)»]، وقال الإمام أبو عيسى الترمذي: (وفي الباب عن معاذ بن جبل وسهل بن سعد وكعب بن عجرة وسلامة بن قيصر وبشير بن الخصاصية واسم بشير زحم بن معبد والخصاصية هي أمه)، وقال أبو عيسى: (وحديث أبي هريرة حديث حسن غريب من هذا الوجه)، وقال الألباني: (صحيح)، وهو عند أحمد من طرق،
قلت: ليس علي بن زيد بن جُدْعان بذاك القوي، ولكن هذا يصح بشواهده، كما أنه قد توبع ببعض اللفظ مختصراً:
ــ كما هو في «المعجم الأوسط»: [حدثنا أحمد بن محمد بن نافع قال حدثنا أحمد بن صالح قال حدثنا عبد الله بن وهب قال أخبرني عمرو عن بكير عن بن المسيب عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: «كل حسنة يعملها بن آدم بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلا الصيام هو لي وأنا أجزي به»]، وقال الإمام الطبراني: (لم يروه عن بكير إلا عمرو).
v وجاء في «مسند إسحاق بن راهويه» من طريق أبي عبد الرحمن السلمي عن أبي هريرة: [أخبرنا جرير عن عطاء بن السائب عن أبي عبد الرحمن السلمي عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من هم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة فإن عملها كتبت عشرا ومن هم بسيئة فلم يعملها لم تكتب عليه فإن عملها كتبت سيئة»]، لا خوف إلا من اختلاط عطاء بن السائب، فإن كان هذا قبل اختلاطه فهو إسناد صحيح.
v وجاء في «مسند الشاميين» من طريق عبد الله بن الفضل عن أبي هريرة: [حدثنا عبد الله بن محمد بن عزيز الموصلي ثنا غسان بن الربيع ثنا بن ثوبان عن عبد الله بن الفضل عن أبي هريرة عن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال: «إن الله، تبارك وتعالى، يقول: (إذا هم عبدي بسيئة فلم يعملها فلا تكتبوها، وإن عملها فاكتبوها واحدة، وإن تركها من أجلي فاكتبوها حسنة؛ وإذا هم بحسنة فلم يعملها فاكتبوها حسنة وإن عملها فاكتبوها بعشر أمثاها إلى سبع مائة ضعف)»]
قلت: فهذا نقل تواتر مقطوع بصحته عن أبي هريرة، لأنه من رواية الأعرج عنه، وكذلك: محمد بن سيرين، والعلاء، وهمام بن منبه، وسعيد بن المسيب، وأبي عبد الرحمن السلمي، وعبد الله بن الفضل، وكلهم ثقات أثبات، وربما غيرهم.
v وجاء حديث آخر في «صحيح مسلم» عن ثابت البناني عن أنس بن مالك: [حدثنا شيبان بن فروخ حدثنا حماد بن سلمة حدثنا ثابت البناني عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: «أتيت بالبراق، وهو دابة أبيض طويل فوق الحمار ودون البغل يضع حافره عند منتهى طرفه»]، فساق حديث الإسراء والمعراج بطوله، ونصح موسى صلوات الله وسلامه عليه لنبينا محمد، عليه وعلى آله الصلاة والسلام، بمراجعة ربه في عدد الصلوات، حتى قال: [«فلم أزل ارجع بين ربي تبارك وتعالى وبين موسى عليه السلام حتى قال: «يا محمد: إنهن خمس صلوات كل يوم وليلة لكل صلاة عشر فذلك خمسون صلاة؛ ومن هم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة، فإن عملها كتبت له عشرا؛ ومن هم بسيئة فلم يعملها لم تكتب شيئا فإن عملها كتبت سيئة واحدة» قال: «فنزلت حتى انتهيت إلى موسى صلى الله عليه وسلم فأخبرته فقال: (ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف!)، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: «قد رجعت إلى ربي حتى استحييت منه»]
ــ وجاء هذا بنحوه مطولاً، وكذلك مختصراً في «مسند أبي يعلى»، وقال الشيخ حسين أسد: (إسناده صحيح)، وهو كما قال، وهو على شرط مسلم كما ترى.
v وجاءت متابعة لذلك في «مسند الحارث»: [حدثنا يعلى حدثني عبد الحكم عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من هم بحسنة فعملها كتبت له عشر حسنات فان لم يعملها كتبت له حسنة واحدة ومن هم بسيئة فعملها كتبت عليه سيئة واحدة فان لم يعملها لم يكتب عليه شيء»]
v وجاء في «المعجم الصغير» عن صعصعة بن معاوية عن أبي ذر رضي الله تعالى عنهما: [حدثنا صدقة بن محمد بن خروف المصري حدثنا هشام بن محمد السدوسي حدثنا محمد بن أبي عدي حدثنا أشعث بن عبد الملك عن الحسن عن صعصعة بن معاوية عن أبي ذر رضي الله تعالى عنه، قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: «من هم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة فإن عملها كتبت له عشر أمثالها إلى سبع مائة وسبع أمثالها، ومن هم بسيئة فلم يعملها لم تكتب عليه، فإن عملها كتبت عليه سيئة أو يمحها الله، عز وجل»]، وقال الإمام الطبراني: (لم يروه عن الحسن إلا أشعث)
فهذه الأحاديث الصحاح آنفة الذكر تبرهن ليس فقط أن مدار ثواب الأعمال، (ومنها الأقوال)، وعقابها، على النية فحسب، بل هي برهان على أن النية، بمفردها من غير عمل، تستقل باستحقاق الثواب، وإن كان الله، جل جلاله، قد تفضل بالتجاوز عن العقاب، رحمة وفضلاً، ولو فعل لكان عدلاً، لا إلا إلا هو، عليه نتوكل، وبه نتأيد.
بل قد جاء ما هو أحسن من هذا: (من هم بسيئة فلم يعملها كتبها الله له عنده حسنة كاملة)، وهذا يضاف إلى محو السيئات تفضلاً من الله ونعمة، ووعد الله بغفرانها مع التوبة على كل حال، تباركت ربنا ما أكرمك وأرحمك، حقاً: (لا يهلك على الله إلا هالك)، كما ثبت:
v فيما أخرجه الإمام البخاري في «الجامع الصحيح المختصر» عن بن عباس، رضي الله تعالى عنهما: [حدثنا أبو معمر حدثنا عبد الوارث حدثنا جعد أبو عثمان حدثنا أبو رجاء العطاردي عن بن عباس، رضي الله تعالى عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم، فيما يروي عن ربه، عز وجل، قال: قال: «إن الله كتب الحسنات والسيئات، ثم بين ذلك :فمن هم بحسنة فلم يعملها كتبها الله له عنده حسنة كاملة، فإن هو هم بها وعملها كتبها الله له عنده عشر حسنات، إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة؛ ومن هم بسيئة فلم يعملها كتبها الله له عنده حسنة كاملة، فإن هو هم بها فعملها كتبها الله له سيئة واحدة»]، وأخرجه مسلم، والدارمي، وأحمد من طرق، والطبراني في «المعجم الكبير»
v وأخرجه أيضاً الإمام النسائي في «السنن الكبرى»: [أخبرنا قتيبة بن سعيد قال ثنا جعفر عن الجعد أبي عثمان قال ثنا أبو رجاء العطاردي عن بن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه تبارك وتعالى: «إن ربكم رحيم: من هم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة، فإن عملها كتبت له عشرا إلى سبعمائة إلى أضعاف كثيرة، ومن هم بسيئة ولم يعملها كتبت له حسنة، فإن عملها كتبت واحدة أو يمحاها الله، ولا يهلك على الله إلا هالك»]، وهو بنحوه في «مسند عبد بن حميد».
v وجاء في «صحيح ابن حبان» حديث عجيب آخر عن خريم بن فاتك الأسدي، رضي الله عنه: [أخبرنا الحسن بن سفيان قال حدثنا محمد بن بشار قال حدثنا أبو داود قال حدثنا شيبان النحوي قال حدثنا الركين بن الربيع عن أبيه عن عمه (وهو يسير بن عميلة) عن خريم بن فاتك الأسدي قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلمم: «الناس أربعة، والأعمال ستة: موجبتان، ومثل بمثل، وحسنة بعشر أمثالها، وحسنة بسبع مائة ضعف؛ والناس موسع عليه في الدنيا والآخرة، وموسع عليه في الدنيا مقتور عليه في الآخرة، ومقتور عليه في الدنيا موسع عليه في الآخرة، ومقتور عليه في الدنيا والآخرة، وشقي في الدنيا وشقي في الآخرة؛ والموجبتان: من قال لا إله إلا الله أو قال مؤمنا بالله دخل الجنة، ومن مات وهو يشرك بالله دخل النار، ومن هم بحسنة فعملها كتبت له عشرة أمثالها، ومن هم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة، ومن هم بسيئة فلم يعملها كتبت له حسنة، ومن هم بسيئة فعملها كتبت له سيئة واحدة، غير مضعفة، ومن أنفق نفقة فاضلة في سبيل الله فبسبع مائة ضعف»]، وقال الشيخ شعيب الأرناؤوط: (إسناده صحيح)، وهو بنحوه مع اختلف يسير في ترتيب الفقرات في «المستدرك على الصحيحين»، ومن عدة طرق في «المعجم الكبير»، وكذلك في «الآحاد والمثاني».
v وجاء في «مسند الشهاب» عن عبد الله بن عمرو بن العاص، رضي الله عنه: [أخبرنا عبد الرحمن بن عمر المعدل أبنا أبو الفضل يحيى بن الربيع ثنا عبد السلام بن محمد الأموي ثنا سعيد بن كثير بن عفير ثنا بن لهيعة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من هم بذنب ثم تركه كانت له حسنة ومن هم بذنب ثم عمله ثم استغفر الله منه غفر له»]، وهذا وإن لم يصح بذاته، فهو حسن صحيح بشواهده.
وهناك نصوص كثيرة مؤيدة لمقولتنا آنفة الذكر، آلا وهي: (إن النية، بمفردها من غير عمل، تستقل باستحقاق الثواب)، نكتفي ببعضها، فمن ذلك:
v ما أخرج الإمام مسلم من حديث سهل بن حنيف أنه، عليه وعلى اله الصلاة والسلام، قال: «من سأل الله الشهادة بصدق بلغه الله منازل الشهداء وان مات على فراشه»
v وما أخرجه عن أبي هريرة مرفوعا: «من مات ولم يغز ولم يحدث به نفسه مات على شعبة من النفاق».
وقد استشكل بعض من لا فقه له ذلك وظنه معارض بما:
v أخرجه الإمام البخاري في «الجامع الصحيح المختصر»: [حدثنا عبد الرحمن بن المبارك حدثنا حماد بن زيد حدثنا أيوب ويونس عن الحسن عن الأحنف بن قيس قال: (ذهبت لأنصر هذا الرجل، فلقيني أبو بكرة فقال: (أين تريد؟!)، قلت: (أنصر هذا الرجل!)، قال: (ارجع فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: « إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار!»، فقلت: (يا رسول الله: هذا القات، فما بال المقتول؟!)، قال: «إنه كان حريصا على قتل صاحبه»]، وهذا إسناد في غاية الصحة والاتصال، بأتم لفظ وأوجزه، وأخرجه الإمام البخاري في «الصحيح» من طرق أخرى، ومسلم من عدة طرق، وأخرجه الإمام أبو داود في «سننه» من طرق، وكاد الإمام النسائي أن يستوعب كل طرقه في «السنن الكبري» وكذلك في «المجتبى من السنن»، وهو في «صحيح ابن حبان» من طرق عدة، وجاء في «مسند الإمام أحمد بن حنبل»: من طرق كثيرة، وأخرجه الإمام البيهقي في «سنن البيهقي الكبرى» متقصياً، كعادته الحميدة، أصح الطرق وأنظفها.
قلت: مما لا شك فيه أن الأحنف بن قيس، رضي الله عنه، كان مصيباً في حمله السلاح لنصرة الإمام الحق، إمام الهدى علي بن أبي طالب، سلام الله عليه، على الفئة الباغية، التي ثبت بغيها، وتوجب قتالها حتى تفيء إلى أمر الله، وكان أبو بكرة مخطئاً في تنزيل حديث رسول الله على تلك الواقعة، ولكن الله لم يكلفنا قط قبول رأي أبي بكرة، وإنما كلفنا فقط قبول روايته، وهو والله الثقة المأمون.
أما بخصوص موضوعنا فليس ثمة تعارض ها هنا، فالمقتول لم يرد قتل صاحبه ثم ترك تلك الإرادة وعاد إلى منزله حتى يستحق ثواب الحسنة الكاملة الموعود، كلا بل هو خرج من الإرادة إلى الفعل، فخرج من بيته، واستل سيفه من غمده، ثم أهوى به إلى صاحبه يريد قتله، إلا أن الأجل سبقه فكان هو المقتول، ولولا ذلك لكان هو القاتل.
ومن ضعف فقهه إلى درجة عدم إدراك مثل هذه البديهيات فالأولى به أن يترك الفقه واستنباط الأحكام لأهلها، وليبحث عن مهنة يستطيع أن يبدع ويحسن فيها، فإن الله كتب الإحسان على كل شيء، ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها:


إذا لم تستطع شيئاً فدعه وجاوزه إلى ما تستطيع فثبت إذاً ثبوتاً قطعياً، بلا شبهة: أن الإنسان قد يثاب على النية المجردة، كما أشار إليه القرآن، وفصلته الأحاديث، فمن باب أولى أن يثاب على فعل المباح المحض، إذا صحبته نية صالحة، أو نباهة ذهن، وحضور قلب، وذكر لله، سبحانه وتعالى، بأي وجه من الوجوه الحسنة الجميلة: كالتقوِّي به على الواجبات والمستحبات، أو التمرس بمباعدة المكروهات والمحرمات، أو فعله بـ«وعي»، وهو حاضر الذهن، منتبه القلب على كونه قد أباحه الله، مستسلماً لحكم الله، أو فرحاً مسروراً برخصة الله، أو لغير ذلك من الاعتبارات الجميلة، التي جاءت بها الأدلة.
فالثواب إذاً على تلك النية، وذلك الذكر القلبي، وليس على الفعل المباح من حيث هو فعل مجرد مباح بذاته. فالمباح لذاته، أي الذي لا يستحق فاعلة مثوبة ولا عقوبة، محال أن ينقلب إلى مستحب، وإلا اختلت موازين الشريعة، واختلط الحابل بالنابل، معاذ الله.
والاستدلال الذي ذكرناه أعلاه، وما يشبهه وما هو من جنسه، هو الاستدلال الصحيح، وليس ما زلت به أقدام بعض الأكابر، من أمثال الإمام النووي، رضي الله عنه، ورفع درجته، حيث قال في شرحه على صحيح مسلم: (وفي هذا دليل على أن المباحات تصير طاعات، بالنيات الصادقات) مستشهداً بقوله، عليه وعلى اله الصلاة والسلام: «وفي بضع أحدكم صدقة».
فاستدلال الإمام النووي قطعاً استدلال باطل، ذلك أن قوله، عليه وعلى اله الصلاة والسلام: «وفي بضع أحدكم صدقة»، وكذلك قوله: «فكذلك فافعلوا فإنه من أماثل أعمالكم آتيان الحلال»، نصوص قاطعة بأن «الجماع» مستحب لذاته، يثاب فاعله، فليس هو إذاً مباح محض، لا يثاب فاعله ولا يأثم، فكيف جعله الإمام النووي، رحمه الله، مباحاً محضاً، كما يفهم من جملته، واشترط من ثم وجود نية معينة لاستحقاق الثواب؟!
بل إن الإمام أبا محمد علي بن حزم فهم الأمر في قوله، تعالى ذكره: }فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله{، أنه للوجوب، فجعل الجماع، ولو مرة مرة واحدة في كل طهر، فريضة، وليس فقط مباحاً أو مستحباً، وهذا أولى بالصواب!!
ثم أين ذكر النية في الحديث حتى يقال أن فيه دليلاً على أن الفعل المباح «ينقلب» بالنية الحسنة إلى مستحب، ومن ثم طاعة؟!
ثم إن استخدام لفظة طاعة ها هنا ليس بجيد، ولعل الإمام النووي قصد: المستحبات، وإلا فإن عمل المباح طاعة، وترك الحرام طاعة، والقيام بالفرض طاعة، لأن «الطاعة: هي طاعة التشريع»: فالإلتزام بحكم الله وشرعه هو الطاعة، لا فرق بين تحريم الحرام، وتحليل المباح، وإيجاب الواجب، وجعل كذا شرطاً لكذا، وهذا سبباً لذاك، واعتماد كذا وكذا رخصة، وذاك عزيمة، وهلم جراً.
لذلك نؤكد ونكرر ونشدد: أنه لا يجوز أن يقال أن المباح انقلب بـ«النية الحسنة» مستحباً، لأنه ليس كذلك في ذاته، وإنما كان الثواب على أمور أخرى صاحبته، فلا يجوز خلط هذا بهذا، وإلا اختلت مقاييس الشرع، واختلط الحابل بالنابل.
لذلك يحتاج المستحب لذاته، وهو الذي يستحق فاعله الثواب والثناء من الله، ولا يستحق تاركه مؤاخذة أو ذماً أو عقوبة من الله، والمكروه لذاته وهو الذي يستحق تاركه الثواب والثناء من الله، ولا يستحق فاعله مؤاخذة أو ذماً أو عقوبة من الله، يحتاجان كلاهما إلى دليل مستقل لأنهما خلاف الإباحة المحضة المطلقة الأصلية، وما كان هكذا فلا بد له من دليل، وإلا كان قولاً على الله بغير علم، وشرعاً من الدين ما لم يأذن به الله، أي إحداثاً وابتداعاً في الدين: هذه هي طريق الهلكة، المفضية إلى الكفر والضلال البعيد.

u فصل: الإسلام دين كامل
إن جميع أفعال العباد الاختيارية هي محل الحكم الشرعي، لا يخرج شيء منها عن ذلك، لقوله سبحانه وتعالى: }ونزلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شيء{ (النحل؛ 16:89)، وقوله، تباركت أسماؤه: }... فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول، إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر{، (النساء؛ 4:59)، وقوله، جل وعز: }وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله{، (الشورى؛ 42:10)، ومعلوم بضرورة الحس والعقل أن الناس قد اختلفوا في كل شيء، وتنازعوا في كل شيء، حاشا ضروريات وأوليات الحس والعقل عند العقلاء، وحتى هذه خالف فيها السوفسطائيون، ....، والمجانين! فوجب، يقيناً، رد كل شيء وقع فيه خلاف وتنازع إلى حكم الله.
والرد }إلى الله والرسول{ لا بد، ضرورة، أن يكون فيه رفع الخلاف، كل خلاف، وفض النزاع، كل نزاع، وإلا كان أمر الله كذباً وتضليلاً، بإحالته عند النزاع إلى من ليس لديه فض النزاع، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً! لذلك لا بد من القطع والجزم بأن الكتاب والسنة فيهما فصل كل خلاف، وفض كل نزاع، لا يشك في ذلك إلا جاهل مركب دابته أفقه منه وأعقل، أو كافر خبيث!
ثم وجدناه، سبحانه وتعالى، أحال، في الوحي، أي في الكتاب والسنة، ما كان من شؤون «الدنيا»، أي خواص العالم المحسوس، وطبائعه، من جنس تأبير النخل: أي علوم الفيزياء والكيمياء والفلك وطبقات الأرض، وحرف الطب والزراعة والصناعة والهندسة، ونحوها، إلى الناس، أي إلى الحس والتجربة، والنظر والعقل، إحالة عامة، على وجه الإجمال: مراقبة وتجربة ودرساً وتنظيراً، وانتفاعاً وتطبيقاً. واستأثر بما سوى ذلك، وهو ضرورة من «الدين»، أي الشريعة العامة، والطراز المعين من العيش، لنفسه، وبالأخص ما كان: من الخبر عن ذاته العظيمة المقدسة، وملائكته الأطهار، واليوم الآخر، ونحوه، ومن الحكم على أفعال العباد، بالحل والحرمة والوجوب، وعلى أخلاقهم بالحسن أو القبح، ونحوه.
وقد استغرقت الشريعة المطهرة الخاتمة كل أفعال العباد بأحكامها على أكمل وجه، لما ذكرناه، ولقوله تعالى: }اليوم أكملت لكم دينكم، وأتممت عليكم نعمتي، ورضيت لكم الإسلام ديناً{، (المائدة؛ 5:3)، مؤكداً، عقيبها مباشرة، في تناسب بديع، على أحكام الاضطرار المتعلقة بالمحرمات من الطعام، التي سبق نزولها في أوائل الوحي المكي: }فمن اضطر في مخمصة، غير متجانف لإثم، فإن الله غفور رحيم{، (المائدة؛ 5:3). فالدين قد كمُل، وهو الإسلام لا دين غيره، وليس غيره إلا الجاهلية والكفر، والنعمة قد تمت، ليس وراءها إلا النقص، ثم المصائب والنقم، في معصية الله، ومخالفة أمره، وعدم التقيد بشرعه، ثم بعد ذلك في الآخرة: النار الأبدية، واللعنة السرمدية!
والالتزام بالأحكام الشرعية هو القصد من خلق الإنسان، وهو معنى الوجود الإنساني، قال تعالى: }وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون{، (الذاريات؛ 51:56)، والعبادة هي التسليم، والخضوع، والطاعة، المبنية على منتهى الحب والتعظيم، أي الالتزام بكل أمر ونهي، كما سنفصله بما لا مزيد عليه، إن شاء الله تعالى، في هذا الكتاب!
وقد أوجبت الشريعة الكاملة أعمالاً، هي «الفرائض» أو «الواجبات»، لا تسقط إلا «بعدم القدرة»، أو برخصة شرعية منصوص عليها لتلك الفريضة بعينها، كالصيام في السفر، حتى ولو كان سفراً غير شاق، مع بقاء وجوبه على من ابتلي بعمل بدني شاق، مشقته قد تفوق مشقة السفر على ظهر الراحلة بكثير، ما دام قادراً!
وحرمت أعمالاً، هي «المحرمات»، لا يرخص لأحد فيها إلا برخصة منصوص عليها شرعاً، كالرخصة في الكذب في مواطن معدودة، جاء النص بها. وكذلك في أحوال الضرورة والإكراه الملجئ، أي الأحوال المؤدية إلى الموت، أو تلف الأعضاء، أو الأذى بالتعذيب والضرب الشديد يقيناً.
وحتى أحوال الضرورة هذه لا تبيح للإنسان قتل غيره، أو اتلاف أعضائه، فليست نفس المكره المضطر أعلى مرتبة أو أولى بالصيانة من نفس الغير. والضرورة، والإكراه الملجيء بالتهديد بالقتل المؤكد، لا يبيح للمسلم أن ينصر الكفار الحربيين على قتال المسلمين وقتلهم لأن جمهور العلماء، بل لعله إجماعهم، على أن المكره على القتل ليس له أن يفعل ذلك، لأن نفسه ليست أولى من نفوس الآخرين بالصيانة والحفظ، هذا بين واضح، وإليك كلام جيد للإمام شيخ الإسلام أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن تيمية، رضي الله عنه:
v حيث قال الإمام في «الفتاوى الكبرى»، (ج: 4 ص: 351): [....، فلا ريب أن هذا يجب عليه إذا أكره على الحضور أن لا يقاتل وإن قتله المسلمون كما لو أكرهه الكفار على حضور صفهم ليقاتل المسلمين، وكما لو أكره رجل رجلا على قتل مسلم معصوم، فإنه لا يجوز له قتله باتفاق المسلمين، وإن أكرهه بالقتل فإنه ليس حفظ نفسه بقتل ذلك المعصوم أولى من العكس. فليس له أن يظلم غيره فيقتله لئلا يقتل هو، بل إذا فعل ذلك كان القود على المكرِه والمكرَه جميعا عند أكثر العلماء كأحمد ومالك والشافعي في أحد قوليه وفي الآخر الجواب يجب القود على المكرِه فقط كقول أبي حنيفة ومحمد وقيل القود على المكرَه المباشر كما روي ذلك عن زفر وأبو يوسف يوجب الضمان بالدية بدل القود ولم يوجبه]، أنتهى كلام ابن تيمية، وقد كرر نحوا من هذا الكلام في موضع آخر من «مجموع الفتاوى»، (ج: 28 ص: 540).
v وله في «كتب ورسائل وفتاوى ابن تيمية في الفقه»، (ج: 28 ص: 537) كلام جيد من زاوية أخرى: [...، بل قد أمر النبى المكره فى قتال الفتنة بكسر سيفه وليس له أن يقاتل، وإن قتل، كما فى صحيح مسلم عن أبى بكرة قال قال رسول الله أنها ستكون فتن ألا ثم تكون فتن ألا ثم تكون فتن القاعد فيها خير من الماشى و الماشى فيها خير من الساعى ألا فإذا نزلت أو وقعت فمن كان له إبل فليلحق بابله ومن كانت له غنم فليلحق بغنمه ومن كانت له أرض فليلحق بأرضه قال فقال رجل يا رسول الله أرأيت من لم يكن له إبل ولا غنم ولا أرض قال يعمد إلى سيفه فيدق على حده بحجر ثم لينج أن إستطاع النجاة اللهم هل بلغت اللهم هل بلغت اللهم هل بلغت فقال رجل يا رسول الله أرأيت أن أكرهت حتى ينطلق بى إلى إحدى الصفين أو إحدى الفئتين فيضربنى رجل بسيفه أو بسهمه فيقتلنى قال يبوء باثمه وإثمك ويكون من أصحاب النار]
هذان نصان في غاية الجودة من كلام الإمام شيخ الإسلام ابن تيمية، قدس الله سره، ورفع درجته، فتأمله حق تأمله، وراجعه مراراً.
وهناك أفعال، وهي، بحمد الله وتيسيره، أكثر أفعال العباد: ترك للمكلف الخيار فيها: إن شاء فعل، وإن شاء ترك. وربما كان الفعل في بعضها أولى، وهي «المستحبات». وقد يكون الترك في بعضها أولى، وهي «المكروهات». وربما تعادل الطرفان، وهي «المباحات». والمكلف يفعل المباحات أو يتركها، باختياره، على ما يظهر له في كل حالة ووضع من منفعة أو مصلحة، فيقوم بصفقة «مباحة»، ويترك أخرى «مباحة» لما ظهر له من كثرة ربح الأولى، وقلة الثانية، ويتجنب ثالثة «مباحة» خشية الخسارة!
فالنظر في المصالح والمنافع، وبضدها المفاسد والمضار، إنما يرد إذا كان أصل الفعل مباحاً، لا غير. فلا بد من دراسة لمشروعية الفعل، أي فعل، والوصول إلى حكم الله فيه أولا. فإذا ثبت أنه مما خُيِّر المكلف فيه، ورد حينئذ، وحينئذ فقط، النظر في المصالح والمنافع، وما يقابلها من مفاسد ومضار.
وعلى هذا فلا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يترك واجباً، بغير رخصة شرعية، أو لعدم قدرة، أو يرتكب حراماً، من غير إكراه ملجئ، بدعوى درء المفسدة، أو جلب المصلحة، مهما عظمت. فليس في ما أوجب الله مفسدة، مطلقاً، ولا في ما حرمه مصلحة، مطلقاً!
وكل ما يقال بخلاف ذلك ما هو إلا وسوسة من الشيطان، وطعن في الشريعة الكاملة، وترك لما خلقنا من أجله، وهو: «العبودية»، أي الطاعة والالتزام بالأحكام الشرعية، وإقبال على ما كفيناه، وهو: الأرزاق، والمعايش، و«المصالح»، بل ولا حتى النصر أو التمكين.
فنحن لم نكلف بالنصر والتمكين لأنهما من أفعال المولى، جل وعلا، وإنما كلفنا بالجهاد، وبالحكم بما أنزل الله حال التمكين. وكذلك كلفنا الله بالدعوة إليه على بصيرة، والعمل على نشر الدعوة، والعمل على إظهار الدين، ولم يكلفنا قط بـ«انتشار الدين» أو بـ«ظهور الدين»، فهذه من أفعال الله تبارك وتعالى، وتدبيره للأمر، وتصرفه الإلاهي في الكون، وتلك من أفعال العباد الاختيارية التي هي موضع التكليف!
والنصوص الشرعية، أي نصوص الوحي، أي الكتاب والسنة، كافية بحمد الله، لجميع الوقائع، من يوم وفاة النبي، صلوات الله وسلامه وتبريكاته عليه، إلى آخر الأبد. لا يقال أن الوقائع والأحداث والمستجدات غير متناهية، والنصوص متناهية، لأن الوقائع غير المتناهية هي الوقائع العينية، والأحداث المشخصة، أما أصناف الوقائع، وأجناس الأحداث فهي نهائية محدودة تشملها النصوص على الكفاية، والتمام، والكمال. فصلاة زيد، غير صلاة عمرو، وهكذا إلى ما لا نهاية، ولكن جنس الصلاة واحد، أو أجناس قليلة محصورة، قد استوعبتها النصوص، وهكذا!
v فقد أخرج ابن ماجه، بإسناد غاية في الصحة، عن سلمان الفارسي، رضي الله عنه، قال: قال له بعض المشركين، وهم يستهزئون به: (إني أرى صاحبكم يعلمكم كل شيء حتى الخراءة؟!)، قال: (أجل: أمرنا أن لا نستقبل القبلة، ولا نستنجي بأيماننا، ولا نكتفي بدون ثلاثة أحجار، ليس فيها رجيع ولا عظم)، وفي لفظ لأحمد بإسناد غاية في الصحة: قال رجل: (إني لأرى صاحبكم يعلمكم كيف تصنعون حتى إنه ليعلمكم إذا أتى أحدكم الغائط؟!)، قال: قلت: (نعم، أجل، ولو سخرت: إنه ليعلمنا كيف يأتي أحدنا الغائط، وإنه ينهانا أن يستقبل أحدنا القبلة، وأن يستدبرها، وأن يستنجي أحدنا بيمينه، وأن يتمسح أحدنا برجيع ولا عظم، وأن يستنجي بأقل من ثلاثة أحجار). وقد أخرج مثله، من غير ذكر الاستهزاء، بأسانيد صحاح، الأئمة: مسلم، والترمذي، والنسائي، وأحمد وغيرهم.
تأمل هذا المشرك العنيد، بل الحمار البلبد، وتعجب من رباطة جأش سلمان، وحسن جوابه، وعظيم أدبه، وحسن تعامله وتجمله، وما تضمنه الجواب من أحكام وآداب.
فإذا كان كلام سلمان حقاً، ونحن نشهد بالله الذي لا إله إلا هو أنه حق، فكيف يسوغ لمن يزعم أنه يؤمن بالله واليوم الآخر أن يزعم أن الشريعة فيها «مناطق فراغ»، أو «ثغرات»، أو أن هناك ما لم يأت به نص؟! ثم يذهب لملئه بالهوى والابتداع الذي يسمونه بالأسماء الجميلة، أي بغير اسمه القبيح، لتضليل الناس. ومن هذه الأسماء الجميلة المضللة: (فهم السلف الصالح)، (جلب المصالح، ودرء المفاسد)، (تسكين الدهماء، وإسكات الرعاع)، (سيرة العقلاء)، أو (خشية الفتنة)، التي هي «الحجة» المحببة إلى قلوب الخونة من فقهاء السلاطين، أخزاهم الله وأبعدهم، ولعنهم وأبادهم: }ألا في الفتنة سقطوا، وإن جهنم لمحيطة بالكافرين{.
v وأخرج الطبراني بإسناد صحيح عن أبي ذر، رضي الله تعالى عنه، قال: [تركنا رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وما طائر يقلب جناحيه في الهواء إلا وهو يذكر لنا منه علماً]، قال: فقال، صلوات الله وسلامه وتبريكاته عليه وعلى آله: «ما بقي شيء يقرب من الجنة، ويباعد من النار، إلا وقد بين لكم». هذا حديث صحيح، قد برهنا على صحته في الملحق، مؤيد لما ذكرنا من كمال الدين، وتمام النعمة.
v وفي «الجامع الصحيح المختصر» للبخاري: [حدثنا موسى بن مسعود حدثنا سفيان عن الأعمش عن أبي وائل عن حذيفة رضي الله تعالى عنه قال لقد خطبنا النبي صلى الله عليه وسلم خطبة ما ترك فيها شيئا إلى قيام الساعة إلا ذكره علمه من علمه وجهله من جهله إن كنت لأرى الشيء قد نسيت فأعرفه كما يعرف الرجل إذا غاب عنه فرآه فعرفه]
فلا صحة إذن لما تورط فيه جهلة المنتسبين إلى الدعوة الوهابية، والمتسمين زوراً وبهتنانآ بـ«السلفية»، من أن الدين كان ناقصاً حتى استكمل فهمه الصحيح السلف الصالح من القرون الثلاثة الفاضلة، أو حتى من الصحابة، أو حتى من الخلفاء الراشدين، وهم يقولون ذلك تلميحاً، بضحالة وسطحية، وتفاهة فكر، كما هي عادة القوم، للأسف الشديد، من معاداة الفكر، ونبذ التعقُّل والعقل، والإيغال في تفاهة النظر والرأي.
نعم: هم يقولون هذا من غير تحرير للمسألة، ولا دراسة متعمقة لها، لا تصريحاً بني على فكر عميق، لأن التصريح بذلك بعد تحرير المسألة كفر.
وهم بقولهم: القرآن والسنة بفهم السلف الصالح يحكمون لا محالة بنقص الدين، وعدم كمال البيان، ولا بتمام النعمة عند وفاة النبي، صلوات ربي وسلامه وتبركاته عليه وعلى آله، فكأن النبي لم يفهم، أو فهم ولم يبين، معاذ الله!
كما أنهم يطعنون في ختم النبوة، وعالمية الرسالة من حيث لا يشعرون، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً، فما أعظم تلبيس إبليس؟!
بل القرآن والسنة ميسرة للذكر، مفهومة لكل من أراد تدبرها، ونفر للتفقه فيها كما أمر الله في سورة التوبة، لا فرق بين «سلف صالح»، و«خلف طالح»!
أما الكسالى والسطحيين الذين أبوا أن ينفروا للتفقه في الكتاب والسنة، وأخلدوا إلى راحة التقليد و«اتباع السلف الصالح»، أما هؤلاء فلن يفقهوا ما أنزل الله على وجهه، وسيبقون متخبطين بين قال فلان، ورد عليه فلتان، وإن قلتم قلنا، ولنا أحمد بن حنبل، ولكم مالك بن أنس: وهكذا في دوامة لا تنتهي من الأقوال المتباينة، والمزاعم المتناقضة. وسترى في هذه الرسالة القصيرة الكثير من ذلك، ليس فقط من قصور الفهم وإسائته، بل من الأغلاط الشنيعة الفاحشة، والزلات المدمرة المهلكة!
وأكثر أدعياء «السلفية» هؤلاء جهلة عوام، يتبعون مشايخ ليسوا بأحسن منهم كثيراً في العلم. وهم في الجملة لا يعرفون أقوا «السلف» واختلافهم، ويندر أن تجد منهم من تصفح «مصنف ابن أبي شيبة»، أو «سنن سعيد بن منصور»، مجرد تصفح، ناهيك بالدراسة المتأنية، دع عنك «مصنف عبد الرزاق» أو حتى «الأوسط» لابن المنذر، ولكنهم يجيدون المزاعم الكاذبة، والدعاوى العريضة، كشأن كل غبي جاهل، وعادة كل سطحي تافه.
ونحن إنما اطلنا الكلام على «أدعياء السلفية» هؤلاء، واستطلنا في عرضهم، لأنهم أكثر خلق الله تزكية للنفس، فهم «أهل العقيدة الصافية الصحيحة»، وغيرهم مبتدع ضال، أو مرتد كافر. فهم، بزعمهم العريض، وادعائهم المجرد: «الفرقة الناجية»، و«الطائفة المصورة»، وغيرهم هالك أو معذب. فما أشبههم بالخوارج الغالية الهالكة، وأحقهم بأوفر نصيب من قوله، عليه وعلى آله الصلاة والسلام: «من قال هلك الناس، فهو أهلكهم».
كما أنه لا صحة، كذلك، لما تورط فيه بعض الإسلاميين المعاصرين، وكذلك قلة من القدامى، من الزعم بوجود «فراغ تشريعي» يملؤه الناس بـ«العقل»، أو «الاستحسان»، أو «المصالح المرسلة»، أو «قياس الشبه»، أو «سيرة العقلاء»، أو بمراعاة «روح التشريع ومقاصده»! ولا صحة لقول من قال أن الوحي فصَّل في العقائد، والعبادات، وأجمل في المعاملات!
ويكفي لإبطال هذا الوهم الخطير، الذي يؤول إلى الكفر، حديث سلمان السالف الذكر في ما يتعلق بالطهارة وآداب الخلاء، أما فيما يتعلق بالمعاملات فيكفي إحصاء البيوع المنصوص على فسادها وحرمتها، وهي نيف وأربعون نوعاً، بعضها نادر جداً، لا يكاد يعرف! فأين الإجمال يا أهل الإنصاف؟! ثم حتى لو لم يذكر إلا صنفاً واحداً من البيوع فحرمه، كان ذلك بذاته دليلاً على أن البيوع سواه مباحة حلال، كما أصلناه في الفصول السابقة، لا سيما مع قوله تعالى: }وأحل الله البيع، وحرم الربا{، فأين الفراغ التشريعي إذاً؟! وهل كل هذه المزاعم الساقطة إلا أساطير الرخ والعنقاء؟!
ولكن الحق هو ما نص عليه الإمام الحجة محمد بن إدريس الشافعي، رضي الله عنه، حين قال في «الرسالة»: [فليست تنزل بأحد من أهل دين الله نازلة إلا وفي كتاب الله الدليل على سبيل الهدى فيها!]. نعم، صدقت يا أبا عبد الله! هذه حقيقة يقينية ثابتة: جهل ذلك من جهله، أو علمه من علمه.
وقد فصل ذلك وأصله الإمام الحجة أبو محمد علي بن حزم، رفع الله درجته، في كلامه الذي نقلناه آنفاً قبل عدة صفحات، حيث دحض أقوال المخالفين دحضاً، فطحنها، ومزقها تمزيقاً!

وهذه الأقوال الخبيثة الملعونة إنما تصدر من:
(1) أقوام كفرة من أهل النفاق الاعتقادي، يبطنون الكفر، ويظهرون الإسلام، ويريدون مزج الشريعة بالكفر، تدريجياً وبطريقة حذرة، حتى إذا فسدت أذواق الناس، وتبلدت أحاسيسهم، أماطوا اللثام، ثم نزعوا الثياب، ومشوا عرايا مظهرين العورة المغلظة، أي أظهروا الكفر البواح. وقد كثر هذا في عصرنا هذا (أواخر القرن الهجري الرابع عشر، وأوائل الخامس عشر الحالي)، وهم في أغلبيتهم من الحكام والمتنفذين.
(2) أو من قوم فسقة كسالى: أعيتهم السنن أن يحفظوها، أو أن يراجعوها في مصادرها، وقصرت هممهم عن تمييز صحيحها من سقيمها، وتكاسلوا عن بذل الجهد، واستفراغ الوسع في تدبر معانيها واستنباط الحكمة والهدى منها،
(3) أو من مقلدة جامدين، جهلة مبتدعين، ظلاميين متخلفين، أحالوا عقولهم، التي كرمهم الله بها، إلى التقاعد، ونصبوا لأنفسهم أحباراً ورهباناً، جعلوهم في مرتبة القداسة، يتبعونهم اتباع الدواب العجماء لقادتها!
نعم: لا ننكر أنه قد زلَّت القدم ببعض العلماء المخلصين الأكابر: فقاس بعضهم الشريعة الإلاهية الكاملة على الشرائع الوضعية الناقصة، المملوءة، ضرورة، بالثغرات، والتي تحتاج إلى ترقيع ثقوبها، وملء ثغراتها بـ«روح التشريع»، و«الاستحسان»، و«سيرة العقلاء»، و«المصالح المرسلة»، و«سد الذرائع»، وغيره من الفضائح والمخازي، والدجل والهراء!
والعالم المخلص الورع، أياً كانت مرتبته، لا يجوز أن يتابع على زلته، ولكن يستعاذ بالله منها، ويتضرع إلى الله أن يغفرها له، كما نفعل الآن سائلين الله لجميع علماء الأمة المخلصين الأثبات الذين أخطئوا في هذا الباب، مجتهدين طالبين للحق بعد استفراغ الجهد، وبذل الوسع، من الله المسامحة عن الخطأ والعفو والغفران، وعلى بذلهم الوسع جزيل الثواب والرحمة والرضوان، لا إله إلا هو الرحمن الرحيم؛
أما فقهاء السلاطين الخونة، والحكام الجبابرة الظلمة الفسقة، فلا رحمهم الله، ولا غفر لهم، بل عليهم من الله لعنة وغضب وسخط، وتعساً لهم، وأضل أعمالهم.

u فصل: محمد، صلى اله عليه وعلى آله وسلم: }يحل لهم الطيبات، ويحرم عليهم الخبائث{
v قال الله، سبحانه وتعالى: }الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْأِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ{، (لأعراف؛ 7:157).
v وقال، تعالى ذكره: }يَسْأَلونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ{، (المائدة؛ 5:4)
v وقال، جل جلاله: }الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْأِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ{، (المائدة؛ 5:5)
v وكذلك قال، تقدست أسماؤه: }فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيراً{، (النساء؛ 4:160).
ونسارع فنبين أن قولنا عن شئ أنه طيب في ذاته، أو لاعتبارات ومتعلقات لتلك الذات، أو خبيث في ذاته، أو لاعتبارات ومتعلقات لتلك الذات، يعني أنه كذلك في إطار هذا الكون، الذي هو مخلوق، حادث، وممكن من الممكنات،، وليس واجب الوجود، ولا هو ضروري، وإنما هو هكذا بجعل الله له، جعلاً تكوينياً قدرياً، وتقديره إياه، تقديراً كونياً، هكذا وفق الإرادة الإلاهية الكونية القدرية الحرة الطليقة المتعالية على كل قيد أو شرط، فليس وراء الله سلطة، ولا فوقه حاكم، بل هو العلي الأعلى، والحكيم الأحكم، وهو الأول والآخر، والظاهر، والباطن، وهو بكل شئ عليم. فالطيب إنما هو كذلك بجعل الله له كذلك، في إطار كون ممكن معين، لا لأمر ذاتي ضروري، أو لضرورة مفاهيمية مطلقة، والخبيث كذلك: فالخبيث إنما هو كذلك بجعل الله له كذلك، لا لأمر ذاتي ضروري: فالمرجع هو الله في كل شأن تكويني قدري.
والحلال هو ما أحله الله، أي جعل الانتفاع به متروكاً للمكلف: إن شاء فعل، وإن شاء لم يفعل، من غير ملامة عليه، ولا ذم أو توبيخ. فالحلال هو: ما أحله الله بحكمه الديني التشريعي؛ وكذلك الحرام هو: ما حرمه الله بحكمه الديني التشريعي، حرفاً بحرف: فالمرجع هو الله في كل شأن تشريعي ديني.
فالله جل جلاله هو الأول والآخر، وهو المرجع وإليه المنتهى، وهو كذلك الآخر: فليس وراء الله غاية، بال هو غاية الغايات وهو منتهى النهايات!

وهذه الآيات البينات المباركات، المرفوعات المطهرات، بيان ساطع، وبرهان يقيني قاطع، على الحقائق التالية:
(1) أن مفهوم «الطيب» مغاير لمفهوم «الحلال»، وهو مستقل عنه تمام الاستقلال: فالطيب إنما كان طيباً لأن الإرادة الإلاهية الكونية القدرية جعلته هكذا، والحلال إنما كان حلالاً لأن الإرادة الإلاهية التشريعية الدينية حكمت به هكذا. وكذلك مفهوم «الخبيث»، و«الحرام» متغايران مستقلان عن بعضهما تمام الاستقلال، كما أسلفناه بالنسبة لمفهوم «الطيب» و«الحلال» حرفاً بحرف!
(2) أن الله، جل جلاه، بوصفه الرب كامل الربوبية، والسيد التام السيادة، قد يحرم بعض الطيبات (وكذلك سواء بسواء قد يحل بعض الخبائث، كما سيأتي بيانه قريباً).
فكون الشيء طيباً في ذاته، كما هو معلوم لله تعالى، أو خبيثاً في ذاته، كما هو معلوم لله تعالى، على أهمية ذلك، هو في مراتب الاعتبار دون اتصاف الله بالربوبية والسيادة، وأقل مرتبة من حقه أن يحكم بما يشاء ويختار فيحرم الطيبات، ويحل الخبائث إن شاء، ولا معقب على حكمه: }لا يسأل عما يفعل وهم يسألون{.
فمهما شرع رب العزة، جل جلاله، أو حكم، فإن حكمه وشرعه نهائي مطلق، فوق كل مراجعة، ولا يجوز أن يخضع لأي مساءلة، بل طاعته مطلقاً، بدون قيد أو شرط فريضة شرعية مطلقة، وهي قبل ذلك ضرورة عقلية ملزمة.
(3) أن هذه الأمة الخاتمة مرحومة، وقد خصت بنبي خاتم من خصائصه الكبرى، وفضائله العظمى أن امتن الله عليه بإباحة كل طيب، وتحريم كل خبيث، خلافاً للأمم السابقة التي ضربت عليه الآصار، ووضعت في أعناقها الأغلال، فحرمت عليها طيبات كانت حلالاً قبل ذلك، وهي حلال بعد ذلك في هذه الشريعة المباركة الخاتمة، كما هو بنص القرآن، وحرمت علي هذه الأمة المرحومة خبائث كانت مباحة في الشرائع السابقة، كالخمر مثلاً.
وقد قام البرهان على أن الإسلام دين كامل، قد استوعبت نصوصه، بحمد الله، أحكام كل شيء، أي كل الأعيان والأفعال، إلى يوم القيامة، من غير حاجة إلى بحث في حقيقة العين أو الفعل: هل هو طيب أو خبيث؟!
بل الحق أن ما ثبت بالنصوص، في هذه الشريعة المباركة الخاتمة، من الأعيان والمنافع، أنه حلال فهو طيب لا محالة، وما ثبت أنه حرام فهو خبيث لا محالة، وذلك بضمانة الله، جل جلاله لذلك. أي أننا نشهد بشهادة الله أن كل ما أحل الله من المنافع والأعيان، في هذه الشريعة المباركة الخاتمة، فهو طيب في ذاته، وكل ما حرمه، في هذه الشريعة المباركة الخاتمة، من ذلك فهو خبيث في ذاته.
فالبحث في كون الأعيان والمنافع (وربما بعض الأفعال والأقوال) طيبة أو خبيثة في ذاتها، وما هي ماهية الخبث أو الطيبة، وما هي جزئياتها ومركباتها، ومدى ارتباط ذلك بالنسب والمتعلقات، والظروف والملابسات، على أهميته من الناحية المعرفية والفلسفية، ليس له كبير أهمية أو قيمة من الناحية التشريعية، مع رجحان كونه في ذاته مستحيلاً إلا لمن أحاط بكل شيء علماً، وهو الله العزيز الحكيم.
وحتى لو سلمنا بإمكانية ذلك من حيث المبدأ، فإن واقع التشريع الإنساني، وما نشاهده عند كافة الأمم والشعوب من سن التشريعات، ثم فشلها بعد سنين أو عقود، أو حتى قرون، وإلغائها وسن غيرها، يجبرنا على أن الاعتقاد أن ذلك لا يتحقق، لعسره وشدة غموضه، إلا مع مرور الأزمنة وتعاقب أجيال من الدارسين والمفكرين، والسياسيين والمشترعين، وبكلفة ومشقة ضخمة، وتجارب خطرة فاشلة، لا تتناسب في أغلب الأحيان مع صغر النتيجة وهزالها.
وحتى لو سلمنا جدلاً أن العقل الإنساني قادر، من حيث المبدأ على استجلاء خواص الشيء المدروس، وعلاقته بغيره من الأشياء في الكون، وما يترتب عليه من المصالح والمنافع واللذَّات والمتعة، في العاجل والآجل، فهو من ثم قادر على الوصول إلى حكم «عقلاني» بأن هذا الشيء طيب أو خبيث، وحتى لو سلمنا جدلاً أن ذلك في غاية اليسر والسهولة، حتى لو سلمنا بكل ذلك جدلاً، فلا محصول يرجى من ذلك، باستثناء المتعة العقلية المحضة في معالجة تلك المباحث المعقدة المتشابكة.
أما الحكم الشرعي فقد ثبت قبل ذلك بالنص الشرعي، ولا يجوز إلا أن يكون ثبوته إلا بالنص الشرعي، لأن الإيمان والإسلام هو الرد لله ورسوله، كما أشبعناه برهنة في كتابنا هذا: (التوحيد: أصل الإسلام، وحقيقة التوحيد)، ومحال أن يكون غير ذلك.
وما قلناه آنفاً عن «الخبائث» ينطبق حرفاً بحرف على «الفواحش»، فكون الشيء فاحشة أمر ذاتي فيه لا علاقة له بورود الشرائع. و«الفاحشة» هي مجاوزة الشيء، أو الفعل، لحده اللائق به، وهو مفهوم يستخدم عادة في تصنيف الأفعال والأقوال، وكذلك العلاقات والنسب والنظم المجردة، وكذلك الأمور الوضعية والاتفاقية، ولا تحضرني الآن، ولا حالة واحدة، استخدم فيه لوصف عين أو منفعة، وإنما توصف المنافع والأعيان بـ«الخبث» وليس بـ«الفحش».
ونؤكد فنقول أن قولنا عن شئ أو فعل أنه «فاحشة»، في ذاته، أو لاعتبارات ومتعلقات لتلك الذات، إنما هو هكذا بجعل الله له، جعلاً تكوينياً قدرياً، وتقديره إياه، تقديراً كونياً، هكذا وفق الإرادة الإلاهية الكونية القدرية الحرة الطليقة المتعالية على كل قيد أو شرط، في إطار كون ممكن معين، لا لأمر ذاتي ضروري.
وقد حرم الله «الفواحش» ما ظهر منها، وما بطن في هذه الشريعة الخاتمة، تماماً كما حرم «الخبائث»، وذلك بدلالة الآيات التالية:
v قال، جل جلاله وسما مقامه: }قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ «الْفَوَاحِشَ» مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْأِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ، وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً، وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ{، (لأعراف؛ 7:33)
v وقال، عز وجل: }قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلا تَقْرَبُوا «الْفَوَاحِشَ» مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ{، (الأنعام؛ 6:151).
فنص جل جلاله على أنه، في هذه الشريعة المباركة الخاتمة في أقل تقدير، قد حرم جنس الفواحش، أي الفواحش كلها،ما ظهر منها وما بطن، فصار الأمر بالنسبة لـ«الفواحش» من الأقوال والأفعال، وكذلك العلاقات والنسب والنظم المجردة، وكذلك الأمور الوضعية والاتفاقية، كمثيله بالنسبة لـ«الخبائث» من الأعيان والمنافع تماماً، حرفاً بحرف، فما قلناه آنفاً عن «الخبائث» ينطبق ها هنا بأحرفه عن «الفواحش»، فلا نطيل بإعادته، وبالله التوفيق.
وقد رخص الله للأمم السابقة في «خبائث» و«فواحش» عادت وبالاً عليها، كما هو بين من إحلال «الخمر» لهم، التي هي أم الخبائث، ومن مشروعية «الملكية الوراثية» لبني إسرائيل، وهو نظام خبيث ملعون فاحش، ألحّ القوم عليه، وترددوا إلى نبيهم مطاليين بعناد به، ولعله كان مفتاح هلاك بني إسرائيل ودمارهم، كما هو مفصل في كتابنا: (الحاكمية، وسيادة الشرع)، على نحو هو تصديق لقوله، عليه وعلى آله الصلاة والسلام: «إنما أهلك من كان قبلكم سؤالهم، واختلافهم على أنبيائهم»:
v كما جاء في «الجامع الصحيح المختصر» للإمام البخاري: [حدثنا إسماعيل حدثني مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة عن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال: «دعوني ما تركتكم: إنما أهلك من كان قبلكم سؤالهم، واختلافهم على أنبيائهم، فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم»]، هذا الإسناد صحيح كالشمس، بل هو «السلسلة الذهبية» من أسانيد أبي هريرة. وهو في «صحيح مسلم» بلفظ: «ما نهيتكم عنه فاجتنبوه وما أمرتكم به فافعلوا منه ما استطعتم، فإنما أهلك الذين من قبلكم كثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم»، وأيضاً في «صحيح مسلم» بلفظ آخر: «ذروني ما تركتكم، (وفي حديث همام: ما تركتم) فإنما هلك من كان قبلكم ...»، كما أنه في أكثر الصحاح، والسنن والمعاجم والمسانيد بأصح الأسانيد.
ونسارع ها هنا إلى التأكيد على أمرين:
أولاً: أن الله تكفَّل فقط في هذه الشريعة المباركة الخاتمة بتحريم الفواحش والخبائث، أما في الشرائع السابقة فليس الأمر كذلك: فيجوز أن تكون بعض الفواحش والخبائث مكروهة فقط، أو مباحة محضة من غير كراهية، وذلك لأن الله هو السيد المطلق السيادة، كما أسلفنا،
وثانياً: أن الفاحشة لا يجوز أن يكون مأموراً بها من الله جل جلاله، لا أمر أيجاب، ولا على وجه الاستحباب، لأن المستحب مأمور به أيضاً، وذلك لأن الله جل جلاله، قد حرم على ذلك على نفسه، أزلاً وأبداً. أي أن ذلك لا يقع من الله بموجب «القداسة»، و«القداسة» هي: السلامة من كل عيب ونقص، والتعالي فوق كل خسة ودناءة، وذلك هو مقتضى قوله، جل جلاله، وسمى مقامه: } إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاء{، وسنفصل الكلام عن هذه الحقيقة المهمة في فصل لاحق بعنوان: (} إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاء{).
ونزيد ما سلف من القواعد العامة، والمفاهيم الكلية، إيضاحاً بتطبيقه على بعض الأمثلة مبتدئين بمثال «لحم الخنزيز»، الذي ثبت بالنصوص الشرعية القاطعة أنه حرام، فالأمر بالنسبة لـ«لحم الخنزيز» لا يخرج عن واحد من الاحتمالات التالية:
(1) أن يعتقد الإنسان حرمته لأن الله حرمه، فيكون بذلك مسلماً مؤمناً، راداً إلي الله ورسوله. ولا يضر في ذلك إن اعتقد:
(أ) أنه حرم لخبث ذاتي فيه، تفضلاً من الله ونعمة، ولطفاً ورحمة بعباده حيث كفاهم مؤنة البحث والتنقيب، وأعطاهم النتيجة سهلة ميسورة. وهذا هو الواجب اعتقاده لأهل الإسلام في هذه الرسالة الخاتمة لما ذكرناه أعلاه.
(ب) أنه حرم ابتلاءً وتعبداًمحضاً، أو تشديداً وعقوبة، أو تأديباً وتهذيباً وتدريباً على معالي الأمور، أو لغير ذلك مما هو معلوم لله، أو لمحض التعبد وممارسة الرب جل وعلا لحق الربوبية ومرتبة السيادة، مع كونه من الناحية الحسية والطبية طيباً في ذاته، بل لعله من أطيب اللحوم وأشهاها. وهذا قول جيد، ومعتقد لا بأس به لأتباع الشرائع السابقة، ولمن لم يعلم ببرهاننا أعلاه من أهل الإسلام، وهو قول الفيلسوف اليهودي فيلو الأسكندراني، الذي كان معاصراً للسيد المسيح عيسى بن مريم، صلوات الله وسلامه وتبريكاته عليه وعلى والدته.
(2) أن يعتقد الإنسان عدم جواز أكله لأنه خبيث في ذاته، والعقل يوجب على العاقل تجنب الخبيث والضار. هذا هو ما ينتظر من العقلاء قبل مجئ الرساله، وقيام الحجة، أما بعد مجئ الرسالة، وتمام البيان، وقيام الحجة، فهذا معتقد كفر يخرج صاحبه عن الملة، لأنه قبول لتشريع العقل، أي جعل العقل رباً وسيداً وإلاهاً من دون الله، أو قبول حكمه بغير إذن من الله، وهو على كل حال عدم رد إلى الله ورسوله، وهذا هو الشرك، شرك الكفر، المناقض للإسلام كل المناقضة، المخرج من الملة. فالمتورط في شئ من ذلك مشرك كافر، خارج عن الإسلام، إلا من عذر بجهل أو تأويل أو إكراه، ونحوه من موانع تكفير المعين.
ويزداد هذا القول فحشاً، وكفراً على كفر، إذا جعل التحريم على الله واجباً بموجب حكم العقل عليه بأنه «خبيث» لأسباب منها:
(أ) لأن في ذلك إيجاب وتحريم على الله ما لم يوجبه أو يحرمه على نفسه، وهذا مناقض عقلاً للألوهية ومن أخص خصائصها: السيادة والمرجعية النهائية،
(ب) ولأنه تكذيب صريح لنص القرآن القاطع بأن تحريم بعض الطيبات قد وقع فعلاً في شرائع سماوية سابقة، جاء بها الوحي، وكانت هي الدين الحق قبل نسخها. فهذا اتهام لله بمخالفة الحق الذي كان واجباً عليه وفق هذا الزعم الداحض الباطل، ومن ثم الوقوع ضرورة في الباطل والعدوان والظلم، وهذا أقبح من سابقة: لأنه منتهى الكفر وهدم العقل، أو هو طعن في ورود القرآن من عند الله، وهذا كفر أيضاً، وخروج عن الإسلام.
غير أن الأمر يختلف اختلافاً تاماً إذا جاء النص الشرعي في هذه الشريعة المباركة الخاتمة واصفاً لشيء، عيناً كان أو فعلاً، بأنه «خبيث»، فحينئذ لا بد من القطع، في هذه الشريعة المحمدية الخاتمة في أقل تقدير، بأنه حرام، إلا إذا جاء بيان بأن ذلك لاعتبار مخصوص، أو بقيود معينة، كما جاء بالنسبة للثوم، والبصل، وغيرها من المأكولات ذات الرائحة المنتنة، حيث وصفها الشارع بالخبث، إلا أنه أبان أيضاً أن ذلك لاعتبار الرائحة الكريهة فقط:
v حيث جاء في «صحيح مسلم»: [وحدثني عمرو الناقد حدثنا إسماعيل بن علية عن الجريري عن أبي نضرة عن أبي سعيد قال لم نعد أن فتحت خيبر فوقعنا أصحاب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، في تلك البقلة، الثوم، والناس جياع فأكلنا منها أكلا شديدا ثم رحنا إلى المسجد فوجد رسول الله، صلى الله عليه وسلم، الريح فقال من أكل من هذه الشجرة «الخبيثة» شيئا فلا يقربنا في المسجد»، فقال الناس: (حرمت، حرمت)، فبلغ ذاك النبي، صلى الله عليه وسلم، فقال: «أيها الناس: إنه ليس بي تحريم ما أحل الله لي، ولكنها شجرة أكره ريحها!»]، وهو أيضاً في «مسند الإمام أحمد بن حنبل»، كما أنه في «سنن البيهقي الكبرى»
ــ وهو في «صحيح ابن خزيمة»: [أنا أبو طاهر نا أبو بكر نا أبو موسى محمد بن المثنى نا عبد الأعلى ثنا سعيد الجريري (ح) وثنا أبو هاشم زياد بن أيوب نا إسماعيل نا سعيد الجريري عن أبي نضرة عن أبي سعيد قاله بمثل حديث مسلم]، ثم قال ابن خزيمة:(هذا حديث أبي هاشم، وزاد أبو موسى في آخر حديثه: «وإنه يأتينني من الملائكة فأكره أن يشموا ريحها»)
v وفي «مسند الإمام أحمد بن حنبل»: [حدثنا عبد الملك بن عمرو قال ثنا خالد بن ميسرة ثنا معاوية بن قرة عن أبيه قال نهى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، عن هاتين الشجرتين «الخبيثتين» وقال: «من أكلهما فلا يقربن مسجدنا!»، وقال: «ان كنتم لا بد آكليهما فأميتموهما طبخا»، قال يعنى البصل والثوم]، وهو في «السنن الكبرى للنسائي»، كما أنه أيضاً في «شرح معاني الآثار».
ففي ما سلف وصف النبي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، بعض الأشجار بأنها خبيث، ففهم الصحابة ذلك على الفور، وللوهلة الأولى، كما هو الواجب المحتوم القطعي، الذي لا يجوز خلافه، على أنه تحريم لها، غير أنه، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، بين لهم أن هذا الوصف بـ«الخبث» في هذه الحالة إنما هو لنتن رائحتها، وهو «خبث» في جانب محدود من جوانبها، لم يؤد إلى تحريمها، وإنما فقط لتحريم إتيان المساجد حتى تزول رائحتها، كما أنه أرشد إلى إماتة الرائحة بالمبالغة في طبخها. ولما كان النبي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، له علاقة خاصة بجبريل وملائكة الوحي، صلوات الله وسلامه عليهم، كانت الكراهية في حقه أشد، كما سلف، وكما يظهر من الأحاديث التالية:
v كما جاء في «صحيح مسلم» بمزيد بيان: [حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا كثير بن هشام عن هشام الدستوائي عن أبي الزبير عن جابر قال: نهى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، عن أكل البصل والكراث فغلبتنا الحاجة فأكلنا منها فقال: «من أكل من هذه الشجرة المنتنة فلا يقربن مسجدنا، فإن الملائكة تأذى مما يتأذى منه الإنس»]، وهو بنحوه في «صحيح ابن حبان»، وهو أيضاً في «سنن البيهقي الكبرى»، وهو في «مسند أبي يعلى»، وقال الشيخ حسين أسد: (رجاله رجال الصحيح).
v وفي «صحيح مسلم» ما يشير أن الامتناع عن أكلها من خصوصياته، صلى الله عليه وعلى آله وسلم: [وحدثني أبو الطاهر وحرملة قالا أخبرنا بن وهب أخبرني يونس عن بن شهاب قال حدثني عطاء بن أبي رباح أن جابر بن عبد الله قال، (وفي رواية حرملة وزعم) أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من أكل ثوما أو بصلا فليعتزلنا أو ليعتزل مسجدنا وليقعد في بيته»، وإنه أتي بقدر فيه خضرات من بقول فوجد لها ريحا فسأل فأخبر بما فيها من البقول فقال قربوها إلى بعض أصحابه فلما رآه كره أكلها قال: «كل فإني أناجي من لا تناجي»]، وفي «مسند الإمام أحمد بن حنبل» شطره الأول إلى قوله: «وليقعد في بيته»، وهو أيضاً في «صحيح ابن خزيمة» بنحو حديث أحمد، وكذلك في «المعجم الصغير للطبراني».
v وفي «صحيح ابن خزيمة»: [أنا أبو طاهر نا أبو بكر نا يونس بن عبد الأعلى نا بن وهب أخبرني عمرو بن الحارث عن بكر بن سوادة ان أبا النجيب مولى عبد الله بن سعد حدثه ان أبا سعيد الخدري حدثه انه ذكر عند رسول الله صلى الله عليه وسلم الثوم والبصل والكراث وقيل يا رسول الله وأشد ذلك كله الثوم أفتحرمه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كلوه، ومن أكله منكم فلا يقرب هذا المسجد حتى يذهب ريحه منه»]، وهو أيضاً في «سنن البيهقي الكبرى».
v وفي «السنن الكبرى للنسائي»: [أنبأ محمد بن المثنى قال حدثنا يحيى بن سعيد قال حدثنا هشام قال حدثنا قتادة عن سالم بن أبي الجعد عن معدان بن أبي طلحة أن عمر بن الخطاب قال: (إنكم أيها الناس تأكلون من شجرتين ما أراهما إلا خبيثتين هذا البصل والثوم لقد رأيت نبي الله صلى الله عليه وسلم إذا وجد ريحهما من الرجل أمر به فأخرج إلى البقيع فمن أكلهما فليمتهما طبخا)]، وهو في «السنن الكبرى للنسائي»: [أخبرنا محمد بن عبد الله بن المبارك قال ثنا شبابة بن سوار قال ثنا شعبة عن قتادة به إلى منتهاه]، وهو في «مسند الحميدي» بنحوه.
v وفي «شرح معاني الآثار»: [حدثنا فهد قال ثنا أبو غسان قال ثنا قيس عن أبي إسحاق عن شريك بن حنبل عن علي عن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال: «من أكل هذه البقلة فلا يقربنا، أو يؤذينا في مساجدنا»]، وعقَّب الإمام الطحاوي قائلاً: (فكره قوم أكل البقول ذوات الريح أصلا واحتجوا في ذلك بهذه الآثار وخالفهم في ذلك آخرون وقالوا إنما نهى النبي صلى الله عليه وسلم، عن أكلها لا لأنها حرام ولكن لئلا يؤذي بريحها من يحضر معه المسجد وقد جاء في ذلك آثار أخر ما قد دل على ذلك).
وبخلاف موضوع الثوم والبصل، وعلى الضد منه، فإن التحريم لعمل قوم لوط تحريم قاطع، بدلالة قوله تعالى: }وَلُوطاً آتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ تَعْمَلُ الْخَبَائِثَ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَاسِقِينَ{، (الانبياء؛ 21:74). ورأس تلك الخبائث إتيان الرجال شهوة من دون النساء، كما يظهر يقيناً من الآيات الكريمة التالية:
v وقال، تباركت أسماؤه: }ولُوطاً إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ v إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ{، (لأعراف؛ 7: 80-81).
v وقال، جل جلاله وسمى مقامه: }وَلُوطاً إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ v أَإِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ{، (النمل؛ 27:54-55)
v حيث قال، تعالى ذكره: }أَإِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ، وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ، وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ، فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ{، (العنكبوت؛ 29:29).
v وقال، عز وجل: }أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ v وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ{، (الشعراء؛ 26:165-166).
فلو لم تأت إلا آيات العنكبوت والشعراء لما ثبت بها تحريم في هذه الشريعة الخاتمة لأنها تكون حينئذ، ضرورة ولا بد كما برهنا عليه في كتابنا هذا: (كتاب التوحيد: أصل الإسلام، وحقيقة التوحيد)، شريعة منسوخة لا يحل اتباعها. ولكن تصنيف «عمل قوم لوط» الذي أنكره عليهم نبيهم لوط، صلوات الله عليه، أشد الإنكار، ودعاهم إلى تركه، تصنيفه بأنه «خبيث»، أي أنه «خبيث» بذاته قبل ورود الشرع بخطاب يتعلق به، وهو إتيان الذكران شهوة من دون النساء، مع ما ذكرنا أعلاه من القواعد اليقينية، يوجب القطع بأنه محرم أيضاً في هذه الشريعة الخاتمة، وحتى قيام الساعة الكبرى في آخر الزمن.
ويزداد هذا وضوحاً بدلالة آيات الأعراف والنمل حيث وصف إتيان الرجال شهوة من دون النساء بأنه «فاحشة»، فهو محرم أيضاً حرمة قطعية بموجب كونه «فاحشة». وقد انعقد الإجماع اليقيني من الصحابة، ومن بعدهم من أهل الإسلام، على حرمة «عمل قوم لوط»، وقد جاءت في ذلك أحاديث ليس هذا موضع ذكرها.
ونسارع فنكرر ونؤكد مرة أخرى في الختام: أن كون بعض الأشياء: أعياناً، وأقوالاً، وأفعالاً تستحق أن تسمَّى خبائث أو فواحش لأمور ذاتية فيها، أو لاعتبارات ومتعلقات لتلك الذات، إنما هو بجعل الله لها كذلك بتقديره التكويني في إطار كون معيَّن، فليس من ذلك شئ ضروري بالضرورة العقلية أو المفاهيمية المطلقة، التي يستحيل خرقها، لأن الكون بأكمله بنظامه الأساسي، وشروطه الابتدائية ممكن، مخلوق، حادث؛ وهو هكذا بجعل الله له بأمره التكويني القدري. وهناك أكوان ممكنة لا خبث ولا فواحش فيها (مثال ذلك: الجنة التي هي دار السلام)، وهناك أكوان أخرى ممكنة لا تصلح لحياة كائنات مكلفة أو حتى حية أصلاً، وهكذا أبداً: كل ذلك ممكن ولن يخرج ممكن الوجد إلى الوجود فعلياً إلا بجعل الله وخلقه، وبإذن الله التكويني القدري: }إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون{!
نعم: هناك مقولات قليلة فاحشة في كل الأكوان الممكنة، لكونها تتناقض مع الضرورات العقلية المطلقة وفي مقدمتها كون الباري، جل وعلا، تباركت أسماؤه، وسمى مقامه، هو الواحد الأحد، الحي القيوم، الحق المبين، كالقول بأن لله شريكاً، أو أنه ليس على كل شئ قدير، أو القول أنه ما أحاط بكل شئ علماً، أو الزعم بأنه يكذب، أو أنه يظلم ويعتدى، أو أنه يخلف الميعاد، حاشا لله، تعالى ربنا وتقدس! هذه مقولات كاذبة باطلة في كل الأكوان، فاحشة في كل الأكوان، لكونه تتناقض مع كون الرب، جل جلاله وسما مقامه، هو الواحد الأحد الحق المبين، فمن رابع المستحيلات أن يكون مأموراً بها في أي شريعة متخيلة، في أي كون ممكن، معاذ الله!
وطريق النجاة في هذا الكون الذي نحن الآن فيه، أثناء هذه الدنيا وعلى هذه الأرض التي نعيش فوقها، بعد مجئ سيدي أبي القاسم محمد بن عبد الله، عبد الله ورسوله، النبي الأمي خاتمة أنبياء الله، عليه وعلى آله صلوات وتسليمات وتبريكات من الله، بعد مجيئه بهذه الرسالة الخاتمة، طريق النجاة هو: الرد إلى النصوص الشرعية، أي إلى نصوص الكتواب والسنة، فقط لا غير، لأنها هي وحدها النصوص الشرعية، والبحث فيها، للتوصل إلى حكم الله في كل مسألة.
فالنصوص الشرعية هي «سفينة نوح»، من ركبها سلم ونجا، ومن تخلف عنها غرق وهلك، مهما خادع نفسه فتوهم أنه قادر على مصارعة الأمواج، والإفلات من الطوفان باللجوء إلى رووس الجبال.
على أن الرد إلى الله ورسوله، أي إلى النصوص الشرعية ضرورة، هو الإسلام والإيمان والإحسان، وهو جوهر «العبودية» التي خلق الإنس والجن لها. فحتى لو كان البحث العقلي في ماهية الأشياء: أعياناً، وأفعالاً، وأقوالاً لمعرفة كونها «طيبة»، أو لكونها «خبيثة» أو «فاحشة»، حتى لو كان هذا ممكناً، بل وفي غاية اليسر والسهولة، لما جاز ذلك في حق من يطلب الوصول إلى الحكم الشرعي، لأن ذلك ليس رداً إلى الله ورسوله، وإن كان جائزاً في إطار الدرس الموضوعي، أو البحث الفلسفي، لمعرفة طبائع الأشياء وماهياتها، أو لغير ذلك من المقاصد والأهداف الواجبة أو المستحبة أو المباحة، ولكنه لا يجوز مطلقاً بقصد معرفة حكم الله فيها.
وعلى ذلك فلا محصول من الجدل البيزنطي العقيم: هل التحسين والتقبيح عقلي محض، أو شرعي محض، أو كلامها بتركيبة معينة، أو ترتيب معين. نقول: هذا قد يكون مبحثاً فكرياً فلسفياً، أو شرعياً محترماً، ولكنه نظري محض، ليس ورائه عمل، وليس هو من باب السنة والبدعة من صدر ولا ورد، كما زعم بعض المهووسين، من المعتزلة قديماً، أو من أدعياء السلفية حديثاً، المعجبين بأنفسهم وعقيدتهم «الصحيحة»، المزكين لأنفسهم الشاهدين لها بأنهم وحدهم «الفرقة الناجية» و«الطائفة المنصورة»، القائلين بلسان حالهم، إن لم يكن، بكل وقاحة، بلسان مقالهم: (لن يدخل الجنة إلا من كان سلفياً)، فنقول لهم: }تلك أمانيهم، قل: هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين v بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن، فله أجره عند ربه، ولا خوف عليهم، ولا هم يحزنون{، (البقرة؛ 2:111-112)!
ونحن إنما أمرنا فقط: }اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم{، وقيل لنا قطعاً: }اليوم أكملت لكم دينكم{، وفي هذا كما أسلفنا الكفاية التامة المطلقة لكل حكم من الأحكام إلى يوم القيامة الكبرى، ولسنا نبالي أكان ما جاء النص بحسنه معقولاً أو غير معقول، ممكناً أن يدرك بالعقل مستقلاً أو غير ممكن، أو مدركاً بالعقل ثم الشرع، أو بالشرع ثم بالعقل، أو بالشرع والعقل في آن، أو بالشرع فقط.
هذا هو الحق الذي يجب اعتقاده، ولا يجوز العمل بغيره لمن كان يؤمن بالله واليوم الآخر، ومن كفر فإن الله غني عن العالمين.

u فصل: } إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاء{
أسلفنا قريباً أنه من الجائز أن يأذن الله ببعض «الفواحش» و«الخبائث»، وأن يحرم بعض «الطيبات»، كما وقع فعلاً في الشرائع السابقة، ولكن من المحال الممتنع أن يأمر بـ«الفاحشة» أصلاً، أي أن يجعلها فريضة واجبة واجبة، أو مندوبة مستحبة، لا في شريعة سابقة، ولا في هذه الشريعة المباركة الخاتمة، ومن باب أولى. ليس في هذا الكون، ولا في غيره من الأكوان الممكنة، التي يوجد فيها ما يستحق أن يسمَّى فاحشة أصلاً:
البرهان القاطع على ذلك: أن الله، تباركت أسماؤه، وتعالى ذكره، قال: }وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ: إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ، أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ{، (لأعراف؛ 8:28) ، فهذا خبر يقيني صادق، أزلاً وأبداً، لا يتصور في العقل ما يناقضه، ولا يمكن نسخه لأن الأخبار لا تنسخ: (أنه، جل جلاله، لا يأمر بالفحشاء)، ولم يأمر بها قط في سابق الأزمنة، ولا في شئ من الأكوان الممكنة. وقال، جل وعز: }يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ{، (النور؛ 24::21)، ومن المحال الممتنع أن يأمر الله بما يأمر به إبليس، عدو الله!
وقد أسلفنا أن الحكم العقلي على الأعيان بالخبث والطيبة قد يكون في غاية الصعوبة، وهو ها هنا كذلك بالنسبة لما هو مستحق أن يسمَّى «فاحشة». بل لعل الحكم على فعل أو قول، وكذلك الحكم على العلاقات والنسب والنظم المجردة، وعلى الأمور الوضعية والاتفاقية، بأنه «فاحشة» بموجب العقل، إن سلمنا جدلاً بأنه ممكن من حيث المبدأ، أكثر صعوبة وعسراً من الحكم على شيء بأنه «خبيث»، لأنه يتطلب النظر في دوافع الفعل وبواعثه، وماهية الفعل نفسه، ومما ذا يتركب، وبماذا يرتبط، ثم النظر فيما يترتب عليه من أشياء وأفعال وحوادث، لا تكاد تنحصر في هذا الكون الفسيح المترامي الأطراف!
فمن رابع المستحيلات إذاً أن يثبت بنص الشرع، (أو بضرورة الحس والعقل مع استبعادنا أن يكون ذلك مدركاً بالحس، أو نظر العقل، منفردين)، أن فعلاً من الأفعال فاحشة من حيث هو، ثم يأتي من الله أمر بفعله وجوباً، أو حتى استحباباً، لأن المستحب مأمور بفعله، وإن كان الأمر به ليس جازماً، وليس على تاركه حرج أو ملامة، إلا أنه مأمور به. ومن المحال الممتنع أن يأمر الله بفعل، ثم يظهر بعد ذلك أن ذلك الفعل كان فاحشة
ونسارع إلى التنبيه بأن التقابل بين «الخبيث» و«الطيب» في الأعيان والمنافع الموجب لها بأحكام «الحرام» و«الحلال»، في هذه الشريعة الخاتمة المباركة، وكذلك البرهان الملزم الذي أقمناه على أن الأصل في الأشياء، لا سيما الأعيان والمنافع، هو الإباحة، مما يترتب عليه ضرورة أن «الشئ» المعين لا بد أن يكون خبيثاً أو طيباً، لا محالة؛ هذا التقابل ليس له ما يماثله فيما يتعلق بمفهوم «الفاحشة» مطلقاً.
نعم: قد تكفل الله في، في هذه الشريعة الخاتمة المباركة، بتحريم كل فاحشة: هذا حق. ولكن ما ليس بفاحشة من الأقوال والأفعال، وكذلك العلاقات والنسب والنظم المجردة، وكذلك الأمور الوضعية والاتفاقية، قد يكون واجباً، أو مستحباً، أو مباحاً، أو مكروهاً، أو حتى حراماً؛ وقد يكون أمراً وضعياً يدخل تحت مفاهيم الشرط أو السبب أو المانع أو الرخصة أو العزيمة، وغير ذلك من الأحكام الوضعية. فكون الشئ (خصوصاً: الأقوال والأفعال) ليس فاحشة، ومن ثم ليس باطلاً محرماً، لا يوجب له حكماً معيناً، لا فرق بين كون الحكم تكليفياً كالوجوب أو الاستحباب أو الإباحة أو الكراهة أو حتى التحريم؛ أو كونه حكما وضعياً كجعله شرطاً، أو سبباً، أو مانعاً أو رخصة أو عزيمة أو الحكم عليه بالصحة أو الفساد أو البطلان، ونحو ذلك. كل ذلك يحكم الله فيه بما يشاء وفق الحكمة الإلاهية، والتفرد بالسيادة والربوبية والحاكمية.
وحتى لا يبقى كلامنا عامَّاً مجرداً يصعب استيعابه يحسن بنا أن نتأمّل مثلاً فردياً معيناً ألا وهو كشف المرأة البالغة للعورة المغلظة، أي السوأتين، لغير حليلها، وهو من المحرمات المعلومة من الدين الإسلامي بالضرورة، لأنها من المقطوع بثبوته بأدلة القرآن، والسنة المتواترة، وإجماع أهل الإسلام المتيقن، المقطوع به.
فكشف المرأة للعورة المغلظة «حرام» مقطوع بحرمته، (بغض النظر عن مرتبة الحرمة: أهو من الصغائر المحرمة، أم من كبائر الذنوب)، وهو أيضاً بذلك «فاحشة» بالضرورة الشرعية بموجب كونه «حراماً». البرهان على ذلك ظاهر من قوله، جل جلاله، وسما مقامه: }قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ «الْفَوَاحِشَ» مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْأِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ، وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً، وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ{، (لأعراف؛ 7:33).
فهذه قسمة حاصرة تبين أن المحرمات أربعة أصناف رئيسية:
(أ) القول على الله بغير علم، وهو أشنعها، ولا يكون إلا في الأقوال والمعتقدات. وليس كشف العورة من جنس الأقوال والمعتقدات، فليس هو من هذا الباب قطعاً؛
(ب) الشرك بالله، شرك الاعتقاد الذي هو شرك الكفر، وذلك بأن يجعل مع الله إلاهاً آخر، وشرك العمل، والشرك الخفي، كالرياء، ونحوه، وليس كشف العورة من الشرك الاعتقادي أو العملي في صدر ولا ورد، فليس هو إذاً من هذا الصنف بلا شك ولا جدال،
(ج) وليس هو إثم عدوان وبغي على حقوق الآخرين، كما هو بين، نعم: كشف العورة قد يكون فيه إزعاج لبعض الناس، وإثارة للبعض الآخر، وربما متعة لصنف ثالث، ولكن لا يقول أحد في العالم أنه بغي وظلم للآخرين، كسفك الدماء وأخذ الأموال وأكلها بالباطل، وضرب الظهور والأبشار، وانتهاك العرض والحرمة بالقذف والسباب، ونقض العهود والمواثيق، وما شابه ذلك،
(د) فلزم ضرورة أن يكون من الصنف الرابع، وهو «الفواحش»، بالمعنى الضيق، وهو بداهة من الفواحش الظاهرة،
نقول: الفواحش بالمعنى الضيق لأن الإثم والبغي والعدوان هو أيضاً تجاوز للحد اللائق، فهو إذاً فحش وإسراف بالمعنى الواسع، وكذلك الشرك بالله هو اعتداء على حق الله في أن يعبد وحده لا شريك، واعتداء على العقل والصدق بالكذب في زعم وجود شريك للباري، وهو ادعاء لوجود المحال الممتنع، فالشرك إذاً فحش وإسراف بالمعنى الواسع، والقول على الله بغير علم أوغل في الإسراف والفحش، وفي الظلم والعدوان على حق الله، وعلى العقل الذي هو مناط التكليف.
فلو قال قائل: كل المحرمات فواحش، بهذا المعنى الواسع، لكان مصيباً. فعلى هذا تكون إضافة الأصناف الثلاثة الأخيرة في الآية من باب إضافة الخاص إلى العام.
كما نلاحظ أن الترتيب للأصناف الأربعة الرئيسة في الآية الكريمة هو ترتيب تصاعدي للصنف العام، بمعنى: أن أقبح أنواع الفواحش بالمعنى الضيق (عمل قوم لوط مثلاً) لا تصل في الإثم إلى درجة أعلى أنواع البغي والعدوان (القتل، وانتهاك الأعراض بالاغتصاب وقذف المحصنات)، وهذه بدورها ليست في الشر بمرتبة من جعل مع الله إله آخر، وهذه وإن كانت كذباً وإفكاً وقولاً على الله بغير علم، إلا أنها ليست في مرتبة من اتهم الله بالظلم أو السفه أو بمخالفة الحق، كما فعل إبليس، لعنه الله. هذا مبحث لطيف، ولكن ليست هذه الرسالة المختصرة مكانه.
وما قلناه آنفاً ظاهر ومؤيد أيضاً بقوله، عز وجل: }قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلا تَقْرَبُوا «الْفَوَاحِشَ» مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ{، (الأنعام؛ 6:151).
وقد يستشكل ذلك البعض معترضين عليه بأن الله، جل جلاله، قد أمر في سابق الأزمنة إبراهيم عليه وعلى آله الصلاة والسلام، بذبح ابنه، وقتل الإنسان، إلا في عقوبة شرعية، أو في حرب عادلة مشروعة، أو دفاعاً عن النفس ضد عدو صائل لا يندفع شره إلا بالقتل، جريمة شنعاء، وفاحشة منكرة. فعلى هذا يكون الله، تعالى وتقدس، قد أمر بفاحشة واحدة على أقل تقدير؟!
ولكن هذا اعتراض باطل، بني على مقدمات فاسدة، لأن النفوس كلها، نفوس بني آدم وغيرهم من ذوات الأرواح، ملك لله، له أن يتصرف بها كما يشاء، وهو السيد التام السيادة، والمالك صاحب الحق المطلق. فليس قتل الإنسان نفسه تقرباً إلى الله، أو قتل غيره تقرباً إلى الله، فاحشة مطلقاً، إلا عند الدنيويين و«العلمانيين»، الذين يزعمون أن الإنسان ليس عبداً مملوكاً لله، فهو سيد نفسه، ورب نفسه، وإله نفسه، وهذا يتناقض كلية مع «التوحيد»، الذي جاء به نبي الإسلام، محمد بن عبد الله، خاتمة أنبياء ورسل الله، عليه وعلى آله صلوات وتسليمات وتبريكات من الله، ويتناقض مع العقل، وهو مع ذ لك معتقد كفر، يتناقض مع الإسلام كل المناقضة.
ومن ناحية أخرى فإن قتل الإنسان لنفسه منهي عنه، إلا في إطار عملية استشهادية مشروعة، أو قتل غيره، إلا في جهاد مشروع، أو في حالة المدافعة للصائل المعتدي الذي لا يندفع شره وعدوانه إلا بالقتل، أو في عقوبة شرعية بعد حكم قضائي معتبر.
وأي قتل سوى ذلك هو إما:
(1) فاحشة منكرة، بل ظلم واعتداء على حق المخلوق، وملكية الخالق، فهو حرام لهذه الاعتبارات،كما هو بين من الآية الكريمة؛
(2) أو قولا على الله بغير علم في حالة من قتل نفسه أو قتل غيره لمحض التقرب إلى الله، كما تذبح الأضاحي والهدي والقرابين ونحوه، لأن الله، تقدست أسماؤه، نسخ ذلك الأمر الذي أمر به آبراهيم، وفدى إسماعيل بذبح عظيم. ثم لم يأمر بشئ من ذلك في الشرائع اللاحقة، لا لأنه، جل وعلا، ليس أهلاً أن يتقرب إليه بالقرابين البشرية، بل تفضلاً منه ورحمة، وتلطفاً ورفقاً: لا إله إلا هو: ما أكرمه وأرحمه!
فمن فعل ذلك فقد ارتكب حراماً بقوله على الله بغير علم، وهو مبتدع في الدين: إذ جعل فعله قربة إلى الله، مع أن الله جل جلاله لم يجعله قربة مشروعة، وهذا أحد، بل أهم اعتبارات التحريم، كما هو بين من الآية الكريمة.

أبو عمر المنصور
19-04-2011, 05:53 PM
انتهت المقدمة الأصولية للبحث

أبو عمر المنصور
19-04-2011, 05:56 PM
يتبع في الرد القادم
التوحيد : تعريفه , وبراهينه .

أبو عمر المنصور
19-04-2011, 06:01 PM
التوحيد: تعريفه، وبراهينه
u فصل: تعريف لفظة «التوحيد»
التوحيد مصدر من وحَّد ــ بتشديد الحاء المهملة ــ وهو يعني واحدًا من أمرين:
أولا: جَمَعَ الأشياء المتفرقة وجعلها وحدة، فنقول أن الزعيم الفلاني جاء إلى قبائل وكيانات متنافرة فوحدها في كيان واحد توحيدا.
ثانيا:إدراك الشيء الواحد أو الوحدة أو الوحدانية والإقرار بذلك فيقال: وحَّدت الله توحيدًا، أي أدركت أنه واحد، وأقررت بذلك، وهذا المعنى هو المقصود هنا.

أبو عمر المنصور
19-04-2011, 06:03 PM
فصل: الأدلة على مشروعية لفظة «التوحيد»
v قال الله تعالى: }وإذا ذكرتَ ربُك في القرءان وحده، ولَّوا على أدبارهم نفورًا{، (الاسراء؛ 17:46).
v وقال تعالى: }وإذا ُذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين لايؤمنون بالأخرة، وإذا ذكرالذين من دونه ، إذا هم يستبشرون{، (الزمر؛ 39:45).
v وقال تعالى: }ذلكم بأنه إذا دُعى الله وحده كفرتم وإن يشرك به تؤمنوا، فالحكم لله العلي الكبير{، (غافر؛ 40:40).
v عن ابن عباس ــ رضى الله عنهما ــ أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم لما بعث معاذًا إلى اليمن قال له: «إنك تقدم على قوم من أهل الكتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه أن يوحدوا الله تعالى»، حديث صحيح، أخرجه البخاري واللفظ له، ومسلم، والترمذي، والنسائي، وأبو داود، وابن ماجه، وأحمد، وغيرهم..
v عن طارق بن أشيم ــ رضى الله عنهما ــ قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول: «من وحّد الله، وكفر بما يعبد من دونه، حرُمَ ماله ودمه، وحسابه على الله عز وجل»، حديث صحيح، أخرجه مسلم، واحمد.
v عن ابن عمر ــ رضى الله عنهما ــ عن النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «بُنى الإسلام على خمس: على أن يُوحَّد الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان»، حديث صحيح، أخرجه مسلم.
v وفي الحديث الطويل الصحيح عن جابر بن عبد الله رضى الله عنهما في سياق حجة الوداع: «فأهَلّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتوحيد». أخرجه مسلم، وأبو داود، وابن ماجه، وأحمد، وعبد بن حميد، وغيرهم.
وفي هذه النصوص دليل قاطع على أن لفظ (التوحيد) لفظ شرعي، وأنه مكافيء للشهادتين فلا فرق بين قوله: «يوحد الله»، وقوله: «شهادة أن لا اله إلا الله، وأن محمداً رسول الله».

أبو عمر المنصور
19-04-2011, 06:05 PM
فصل: براهين «لا اله إلا الله»
كتابنا هذا هو في الأصل لأهل الإسلام، وهم الذين صدقوا تصديقاً جازما، وآمنوا إيماناً خالصاً أنه: «لا اله إلا الله، وأن محمداً رسول الله». وكل واحد من هؤلاء قامت عنده البراهين اليقينية على صحة معتقده هذا، ولا نظن أحداً يكون في العالم يعتقد شيئاً اعتقاداً جازما إلا بدليل اقتنع هو به، حتى ولو كان في نفس الأمر باطلاً. لذلك لا نطيل في مناقشة البراهين على وجود الله، سبحانه وتعالى، ووحدانيته، وعلى صدق نبوة محمد بن عبد الله، عليه وعلى اله صلوات وتسليمات وتبريكات من الله، ونحيل في كل ذلك على كتابنا: «طريق الإيمان»، وهو ما زال تحت الإعداد، ونقتصر ها هنا على مناقشة مختصرة محدودة.
البرهان اليقيني القاطع على صحة «لا اله إلا الله»: أن الإنسان من لحظة وعيه على نفسه، ووعيه على العلم المحيط به، يدرك ضرورة، وعلى الفور للوهلة الأولى، أن له بداية، لم يكن موجوداً قبلها، وكذلك والديه، ووالدَي والديه. وهذا ينطبق على كل الأشياء المحيطة به، وجدت بعد أن لم تكن موجودة، مها طال زمن وجودها وبقائها. ويشاهد موت الأقارب والأحبة، ويعالج مشكلة الموت والبلى والفناء، لا يستطيع منها هروباً.
ثم يرتقي الإنسان في مدارج الفكر والتجريد فيدرك أن كل ما يمكن تعقله من الموجودات هو بالضرورة إما محتاج لغيره في وجوده، أي أن وجوده ليس من ذاته، ولا هو مكتفي بنفسه، قائم بذاته، مستقل عن غيره، وهذا يستحيل أن ينشأ من العدم من غير سبب أو علة كافية، فلا بد له إذاً من موجد. هذا النوع من الموجودات يسمَّى: «ممكن الوجود»، أو، بلفظ مختصر، «الممكن» لأنه ليس مستحيلاً، وإلا لم يوجد أصلاً، وكان مجرد تقدير ذهني لا غير.
والصنف الآخر: هو ما كان قائماً بذاته، مستقلاً بها عن غيرها، لا يحتاج في وجوده إلى غيره مطلقاً، ولا بأي صورة من الصور، أو بأي اعتبار من الاعتبارات، وهذا هو «واجب الوجود»، أو «القيُّوم»، لأن وجوده وجب له من نفسه بنفسه، لا من غيره. ولا يوجد غير هاذان الصنفان مطلقاً.
أما «مستحيل الوجود» فهو تقدير وفرض ذهني، لا غير، وليس هو من الموجودات أصلاً، ولا هو كائن أصلاً، فهو من «أشياء» الذهن وفرضياته، لا من أشياء الواقع.
فإذا تقرر هذا علمنا ضرورة أن بين الأشياء الموجودة حقيقة، أي خارج الذهن، لابد أن يكون بينها «واجب وجود» واحد على الأقل، لأن الممكن يحتاج إلى غيره لكي يوجد، ولا بد، وإلا لم يظهر في الوجود أصلاً. فكل ممكن الوجود مشروط بغيره، معلول له، وهذه العلة إما أن تكون كافية بذاتها، مستقلة بذاتها، غنية بذاتها، خالقة موجدة محدثة لغيرها، وهذا هو «القيوم» أو «واجب الوجود» الذي نبحث عنه، وإما أن تكون ممكنة، فالبحث فيها إذاً كالبحث في سابقتها، فلا بد لسلسلة العلل والمعلولات من علة أو سبب أول، هو واجب الوجود ضرورة، أو يتسلسل الأمر إلى غير نهاية وهو مستحيل، أو يدور الأمر بحيث يكون (أ) مثلاً علة (ب)، وفي نفس الوقت يكون (ب) علة (أ)، وهذا يقتضي أن يكون (أ) موجوداً ومعدوماً في نفس الوقت، من نفس الجهة، ونفس الاعتبار، وهذا «دور قبلي» مستحيل، وكذلك بالنسبة لـ(ب).
وكل ما لوجوده بداية فهو ممكن ضرورة، لأنه مسبوق بالعدم، إما بالزمان أو في رتبة الوجود.
ومجرد التصفح لجميع موجودات هذا الكون المادي الفسيح، التي يقع عليها الحس مباشرة، أو التي يستدل على وجودها من مقدمات حسية وبراهين رياضية ملزمة، كلها ذات بداية، ولها مهما طال الأمد نهاية، حتى الشموس والنجم، وهي أجرام في غاية الضخامة، ذات أعمار طويلة جداً، ثبت بالرصد المباشر والاستدلال الحسابي اليقيني أنها تفقد ملايين الأطنان كل ثانية من كتلتها، ولا بد، ولو بعد آلاف الملايين من السنين، أن تستهلك مادتها وتنتهي، هذا إذا لم تنفجر أو تنهار قبل ذلك، كما هو مشاهد في مجرتنا وفي غيرها من المجرات، حيث يرصد علماء الفلك هذه الظواهر يومياً. فوجب أن يكون لهذا الكون موجداً، يختلف في ذاته وصفاته عن مادة العالم، وصنف العالم. وهو ضرورة خارج إطار الزمان والمكان لأن الزمان والمكان صفة من صفات هذا العالم المحسوس، كما دل عليه نظر حذاق الفلاسفة والمتكلمين في الماضي، وضرورات العلم التجريبي، وبراهينه الرياضية في زمننا الحاضر.
وقد جاء الكتاب العزيز بهذا البرهان في صورة أخرى تضمنها قوله، تباركت أسماؤه، وسمى مقامه: }أم خلقوا من غير شيء، أم هم الخالقون v أم خلوقا السماوات والأرض، بل لا يوقنون{، (الطور؛ 52:35-36).
هذه سلسلة من الأسئلة الاستنكارية: إذا لم يكن الله هو الذي خلقك، وخلق السماوات والأرض من حولك:
(1) فهل خلقت من غير شيء، أي هل جئت من العدم المحض؟! هذا محال ممتنع!
(2) فلعلك أنت الذي خلقت نفسك، أي كنت ضرورة موجوداً قبل أن توجد؟! وهذا أوغل في الاستحالة والبطلان!
(3) هل خلقت أنت السماوات والأرض؟! طبعاً لا!
(4) فهل جاء الكون من العدم المحض؟! هذا مستحيل كذلك!
(5) ومحال أن يكون الكون خلق نفسه، تماماً بنفس الحجة التي أبطلنا بها خلقك لنفسك!
ونزيد ذلك بسطاً بصياغته على شكل حوار:
أنت تعلم أنك حادث وجدت بعد أن لم تكن: فإما أن تكون وجدت من العدم المحض، أو أن يكون شيئاً آخر قد أوجدك؟!
ومن المستحيل أن تكون جئت من العدم المحض، إذاً لا بد لك من موجد!
هذا الموجد أما أن يكون أنت أو غيرك
ومن المستحيل أن تكون أنت الذي أوجدت نفسك، أي كنت ضرورة موجوداً قبل أن توجد؟! هذا أوغل في البطلان!
إذاً لا بد أن يكون موجدك غيرك، ضرورة.
هذا الغير إما أن يكون محتاجاً إلى موجد، أو أن لا يكون
لا يجوز أن يكون مثلك محتاجاً لأن ما قلناه عنك ينطبق عليه تماماً
إذاً لا بد أن يكون الموجد خالقاً قيوماً، أي قائما بذاته، غنياً بنفسه غير محتاج إلى موجد أصلاً: وهذا هو الله العزيز الحكيم!
وقال الإمام أبو محمد علي بن حزم من زاوية أخرى طريفة: [أن العالم بكل ما فيه ذو زمان لم ينفك عنه قط ولا يتوهم ولا يمكن أن يخلو العالم عن زمان. ومعنى الزمان هو مدة بقاء الجسم متحركا أو ساكنا ومدة وجود العرض في الجسم وإذا الزمان مدة كما ذكرنا فهو عدد معدود ويزيد بمروره ودوامه والزيادة لا تكون ألبتة إلا في ذي مبدأ ونهاية من أوله إلى ما زاد فيه والعدد أيضا ذو مبدأ ولا بد والزمان مركب بلا شك من أجزائه وكل جزء من أجزاء الزمان فهو بيقين ذو نهاية من أوله ومنتهاه والكل ليس هو شيئا غير أجزائه وأجزاؤه كلها ذات مبدأ فهو كله ذو مبدأ ضرورة.
فلما كان الزمان لا بد له من مبدأ ضرورة وكان العالم كله لا ينفك عن زمان والزمان ذو مبدأ فما لم يتقدم ذا المبدأ فهو ذو مبدأ ولا بد فالعالم كله جوهره وعرضه ذو مبدأ وإذ هو ذو مبدأ فهو محدث والمحدث يقتضي محدثا ضرورة إذ لا يتوهم أصلا ولا يمكن محدث إلا وله محدث فالعالم كله مخلوق وله خالق لم يزل وهو ملك كل ما خلق فهو إله كل ما خلق ومخترعه لا إله إلا هو]، انتهى نص كلام أبي محمد، وفيه اختصار، فإن عسر عليك فخذ ورقة وقلم وأعد كتابته مفصلاً مطولاً، مع ضرب الأمثال العملية، حتى تستوعبه، مع ملاحظة أن المحدث هو بالضرورة «ممكن الوجود»، ومحال أن يكون «واجب الوجود» وإلا لما كان لوجوده بداية، ومن المحال أن يكون مستحيلاً، لأنه موجود في الواقع خارج الذهن الآن..
واجب الوجود لا يمكن إلا أن يكون واحداً، لأنه لو كان هناك ثمة إثنان «واجبان الوجود» لزم أن يتميز أحدهما عن الآخر ولو في صفة واحدة أو اعتبار واحد على أقل تقدير وإلا كانا متطابقين لا تمايز بينهما مطلقاً، ولا يمكن الإشارة إلى أحدهما دون الإشارة إلى الآخر، ولا التعبير عن أحدهما دون التعبير عن الآخر، ولا الكلام عن أحدهما، دون الكلام عن الآخر، أي لكانا شيئاً واحداً، وهذا مناقض لمفهوم الإثنينية أصلاً، فيكون المشار إليه واحداً هو إثنين، في نفس الوقت، ومن نفس الجهة، ومن نفس الاعتبار، ويكون المشار اليهما إثنان هما واحد، في نفس الوقت، ومن نفس الجهة، ومن نفس الاعتبار، وهذا تناقض، وخلف مستحيل.
فإذاً لا بد من اختلافهما في صفة أو اعتبار واحد على الأقل. وهذه الصفة أو الاعتبار لا تخلو أن تكون ضرورية لمن قامت به منهما، لأنه واجب الوجود، وهي من ضرورات وجوده، لا يعقل أن يكون واجباً إلا بها، بتلك الكيفية وعلى ذلك النحو، فيكون الآخر الذي يفتقد هذه الصفة ليس واجباً لأنه فقد إحدى ضروريات الوجود، التي يقتضيها كونه «واجب الوجود»، فعاد ممكناً، وليس هو بواجب، فتحصل لنا «واجب وجود» واحد فقط لا إثنان، وهو المطلوب إثباته.
أو تكون تلك الصفة ليست ضرورية لوجوده، لا يحتاج إليها لتحقيق كونه واجب الوجود، فتكون بالضرورة غيره، لأنه وجوده واجب، هكذا محضاً، لا تشوبه شائبة إمكان، ولا بأي اعتبار من الاعتبارات، لأن هذا هو معنى «وجوب الوجود»، هذه ضرورة عقلية مفاهيمية مطلقة. ولكن هذا مستحيل لأن «واجب الوجود» لا يحتاج إلى غيره مطلقاً، وإلا جعلناه واجباً ممكناً في آن واحد، وهذا تناقض مستحيل، بل هو شر من ذلك لأننا جعلنا الواجب محتاجاً للمكن، وهذا هو هدم كل عقل، بل هو انتكاس العقل، وانعكاس المفاهيم، ومسخ كل فطرة، وكل ذوق، وهو الجنون المحض، والهوس الخالص.
فتحصل ضرورة أن مفهوم «وجوب الوجود» لا يمكن أن ينطبق إلا على كائن واحد، لا غير، على أقصى تقدير، ولا يجوز أن ينطبق على إثنين فصاعداً. وقد برهنا من قبل أنه لا بد من وجود «واجب وجود» واحد على الأقل، وإلا استحال أن يكون هناك كون أو موجودات البتة، خلافاً لضرورة الحس والعقل والإدراك المباشر.
إذاً هناك «واجب وجود» واحد فقط لا غير، لا أكثر، ولا أقل، من غير زيادة ولا نقصان، وهو ضرورة: الله، لا إله إلا هو العزيز الحكيم.
وقال الإمام الكبير أبو محمد علي بن حزم من زاوية أخرى، بعضها يشبه ما قلنا، وإن كانت مجملة، وبعضها مختلف: [هو الله لا إله إلا هو وأنه تعالى واحد لم يزل ولا يزال: برهان ذلك أنه لما صح ضرورة أن العالم كله مخلوق وأن له خالقا وجب أن لو كان الخالق أكثر من واحد أن يكون قد حصرهما العدد وكل معدود فذو نهاية كما ذكرنا وكل ذي نهاية فمحدث.
وأيضا فكل اثنين فهما غيران وكل غيرين ففيهما أو في أحدهما معنى ما صار به غير الآخر فعلى هذا كان يكون أحدهما ولا بد مركبا من ذاته ومما غاير به الآخر وإذا كان مركبا فهو مخلوق مدبر فبطل كل ذلك وعاد الأمر إلى وجوب أنه واحد ولا بد وأنه بخلاف خلقه من جميع الوجوه والخلق كثير محدث فصح أنه تعالى بخلاف ذلك وأنه واحد لم يزل إذ لو لم يكن كذلك لكان من جملة العالم تعالى الله عن ذلك
قال تعالى: }فاطر السماوات والأرض جعل لكم من أنفسكم أزواجا ومن الأنعام أزواجا يذرؤكم فيه ليس كمثله شيء وهو السميع البصير{، وقال تعالى: }ولم يكن له كفوا أحد{]، انتهى كلام الإمام الكبير أبي محمد علي بن حزم.
على أن العلوم الرياضية والفيزيائية قد بلغت الآن شأواً بعيداً، وأصبحت لدينا نظريات تفصيلية عن البنية الأساسية للكون: حقوله (Fields)، وجسيماته، (Particles)، وقواه الأساسية، (Forces). كما أن لدينا وصفاً جيداً لتطور الكون من لحظاته الأولى: لحظة الانفجار العظيم. كل ذلك صمد للنقد، ومحاولة الإبطال والتزييف، صموداً جيداً، وتطابق مع التجربة المحكومة، والرصد المتقن، والحساب الرياضي، بل وكذلك التطبيق الهندسي الذي نستمتع به يومياً، إلى أبعد الحدود.
نعم: نحن لا ننكر أن هذه النظريات ما زالت تخضع لمزيد من التنقيح والتطوير إلا أنها جميعها، وكذلك كل صورها المستقبلية المتخيلة، عجزت عن حل مشكلة الشروط الابتدائية، ومن المحال أن تحلها لأنها، بالضرورة، في صورة معادلات تفاضلية، لا يمكن حلها إلا بوضع شروط ابتدائية، أو شروط حدية.
ذلك لأن المعادلات الرياضية التي تصف بنية الكون، وعلاقة مركباته بعضها ببعض، ليست ضرورية أو مكتفية بذاتها لإيجاد حلولها، بل تحتاج إلى تحديد شروط ابتدائية أو حدية، وقيم أولية لبعض النسب والمتغيرات الحرة. وهذه النسب والقيم والشروط «حرة» بحق، أي أنها مستقلة عن القوانين، والمعادلات الواصفة للكون وأجزائه، مغايرة لها في الماهية: فلا القوانين والمعادلات تحدد تلك القيم، ولا القيم تحدد أو تفرض قوانين ومعادلات بعينها، فهما شيئان متغايران، ومفهومان مستقلان.
هذه النسب والقيم الابتدائية لا بد أن تكون محددة معينة عند لحظة البدء نفسها، ثم يتطور الكون بعد ذلك بموجب قوانينه على النحو الذي حددته تلك الشروط الابتدائية.
وقد أثبت الرصد والدرس الفيزيائي، والحساب والتحليل الرياضي أن حال الكون الآن يتعلق بـ«حسن» اختيار تلك الشروط والقيم الابتدائية، وأن تغييراً طفيفاً في بعضها، ولو بجزء من مائة مليون مليون مليون، كاف لإنتاج كون ميت مقفر، لا حياة فيه مطلقاً.
ولما كانت القوانين والمعادلات لا تحدد تلك الشروط والقيم والنسب الابتدائية، بل هي مستقلة عنها تمام الاستقلال، كما أسلفنا،
ولما كانت تلك الشروط الابتدائية «ضرورية التحقق عند لحظة الابتداء»، أي لا بد أن تكون معينة محددة موجودة، لحظة «الصفر» بعينها، وليست هي من جنس تلك القيم والمعطيات والمتغيرات الأخرى التي تنشأ بعد لحظة «الصفر»، ثم تتطور وتتغير أثناء مسيرة الكون وتطوره،
فكيف نفسر أننا موجودون الآن هنا ندرس ونتأمل؟! ومن الذي حدد القيم الابتدائية هكذا بحيث ينتهي الحال إلى ما هو عليه الآن: أرض تزخر بالأحياء، وإنسان منتصب القامة، مرفوع الرأس إلى السماء، يفكر ويتكلم ويتفلسف ويسعى إلى غزو الفضاء؟!
سيقول الملحدون: هكذا بفعل الصدفة، من دون فعل فاعل، أو ترجيح مرجح. فنقول: هذا كلام فارغ، وهراء محض، فلفظة الصدفة مجرد وصف لحال، وليست تفسيراً أو برهاناً على شيء، وهي تعني إما:
(1) أن هناك أفراد كثيرون من نفس النوع أو الجنس لكل ظروفه التي تتفاوت في مدى معين، فإذا التقطنا أحدها فلا غرابة أن تكون القيمة محل الدرس بذلك القدر الذي وجدناه، بنسب معينة أو احتمال معين، وهذا ما يدرسه علم الإحصاء الرياضي، وكذلك نظرية الاحتمالات، وهي علوم رياضية محترمة صارمة. وهذا لا ينطبق على هذا الكون فما ثمة إلا هذا الكون الواحد فقط، هذا الذي نرصده.
لم يخف علينا أن بعضكم، معشر الملحدين، يزعم أن هناك عدد غير متناه من الأكوان، طبعاً نحن لا نراها ولا نحسها، يتحقق في كل واحد منها بعض تلك القيم الابتدائية. فنقول: نعم، وفي أحدها كوكب فيه قرود تكتب الشعر على آلة كاتبة انبثقت من الصخر مباشرة، وفي كون آخر قرآن، كقرآننا هنا، محفور في الصخر بفعل الرياح وعوامل التعرية هناك؟! أما نحن فلا نتعاطى المخدرات والعقاقير المهلوسة، فتناولوها أنتم وزودونا بمزيد من الخيالات الشاطحة، والكوابيس المزعجة.
(2) وإما أن تعني من غير علة أصلاً، وهذا ليس تفسيراً، وإنما هو هروب من التفسير، وهو هدم لمبدأ العلة الكافية، التي قام عليها بنيان العقل. فإن كنتم رضيتم لأنفسكم بهدم العقل، أي بالجنون، فهنيئاً لكم، أما نحن فمستمسكون بالعقل، الذي هو من أكبر نعم الله علينا، لا نرضى به بديلاً!
وهناك في داخل هذا الكون الذي نعيش فيه عجائب وغرائب أخرى تجعل فرضيات الملحدين أوغل في الجنون أو الهلوسة أو «السكر»، وما ثمة تفسير محترم معتبر إلا أن لهذا الكون خالق، حدد الشروط الابتدائية، وأخرجه من ثم إلى الوجود، قال: كن، فكان!
وهذا الخالق فاعل مختار، أي فاعل بالمشيئة والإرادة الحرة الطليقة، وهذا يقتضي ضرورة، كما أسلفنا، أنه يدرك نفسه، ويعلم بها، ويعلم حقائق كل الممكنات، ويحيط بها علماً، ويختار منها ما يشاء من العوالم والكائنات الممكنة، ويعلم أن هذه الشروط الابتدائية المعينة تنتج ذلك الكون المعين، ثم يخرجه من العدم بالكيفية والشروط الابتدائية التي يختار، فهو: }يخلق ما يشاء ويختار{!

أبو عمر المنصور
19-04-2011, 06:07 PM
فصل: أفعال الله وأحكامه لا تعلل، بل هو يفعل ما يشاء ويختار، ويحكم ما يريد
أفعال الله، جل جلاله، لا تعلل، فهو: }فعَّال لما يريد{، (البروج؛ 85:16)، }إن الله يحكم ما يريد{، (المائدة؛ 4:1)، }يخلق ما يشاء ويختار، ما كان لهم الخيرة، سبحان الله وتعالى عما يشركون{، (القصص؛ 28:68)، }لا يسأل عما يفعل، وهم يسألون{، (الأنبياء؛ 21:23).
فهو، جل جلاله وسما مقامه، خالق فاعل آمر حاكم بالمشيئة والإرادة الحرة الطليقة من كل قيد ولا شرط، إلا ما قيّد هو به نفسه أو اشترطه على نفسه أو أوجبه على نفسه، ليس وراءه أو فوقه سلطة تلزمه: لا يغالبه غالب، ولا يقلت منه هارب.
هذا وحده هو الذي يفهم ضرورة من نصوص القرآن القطعية ثبوتاً، والقطعية دلالة بمجموعها، وتفسير بعضها ببعض، وكذلك من السنة النبوية، وهي بمجموعها قطعية ثبوتاً ودلالة كذلك.
فالله سبحانه وتعالى: }يخلق ما يشاء ويختار، ما كان لهم الخيرة، سبحان الله وتعالى عما يشركون{، (القصص؛ 28:68)، أي أنه خالق بالإرادة الحرة المطلقة، المتعالية على كل قيد أو شرط، لا لعلة أو ضرورة أوجبت عليه ذلك. هذه ضرورة عقلية، أكدها الوحي، ويستحيل عقلاً غير ذلك.
v قال الإمام الحجة أبو محمد علي بن حزم: [وأنه خلق كل شيء لغير علة أوجبت عليه أن يخلق: لو فعل شيئا مما فعل لعلة لكانت تلك العلة إما لم تزل معه وإما مخلوقة محدثة ولا سبيل إلى قسم ثالث. فلو كانت لم تزل معه لوجب من ذلك شيئان ممتنعان:
أحدهما: أن معه تعالى غيره لم يزل فكان يبطل التوحيد الذي قد أبنا برهانه آنفا
والثاني: أنه كان يجب إذ كانت علة الخلق لم تزل أن يكون الخلق لم يزل لأن العلة لا تفارق المعلول ولو فارقته لم تكن علة له وقد أوضحنا آنفا برهان وجوب حدوث العالم كله.
وأيضا فلو كانت ههنا علة موجبة عليه تعالى أن يفعل ما فعل لكان مضطرا مطبوعا أو مدبرا مقهورا لتلك العلة وهذا خروج عن الإلهية.
ولو كانت العلة محدثة لكانت ولا بد إما مخلوقة له تعالى وإما غير مخلوقة فإن كانت غير مخلوقة فقد أوضحنا آنفا وجوب كون كل شيء محدث مخلوقا فبطل هذا القسم وإن كانت مخلوقة وجب ولا بد أن تكون مخلوقة لعلة أخرى أو لغير علة فإن وجب أن تكون مخلوقة لعلة أخرى وجب مثل ذلك في العلة الثانية وهكذا أبدا وهذا يوجب وجوب محدثين لا نهاية لعددهم وهذا باطل لما ذكرنا آنفا وبأن كل ما خرج إلى الفعل فقد حصره العدد ضرورة بمساحته أو بزمانه ولا بد وكل ما حصره العدد فهو متناه فبطل هذا القسم أيضا وصح ما قلناه ولله تعالى الحمد.
وإن قالوا بل خلقت العلة لا لعلة سئلوا من أين وجب أن يخلق الأشياء لعلة ويخلق العلة لا لعلة ولا سبيل إلى دليل]، انتهى كلام أبي محمد نصاً، إلا من علامات الترقيم.
قلت: كلام أبي محمد تضمَّن براهين ضرورية لا مزيد عليها، وإن كانت مختصرة، فتدبرها بدقة.
ونحن نزيدها ها هنا إيضاحاً وبياناً، فنقول: أن من زعم أن لأفعال الله وأقضيته (التكوينية القدرية) أو لأوامره وأحكامه وأقضيته (التشريعية الدينية) علل، (والعلل ضرورية موجبة) قيل لهم: أخبرونا عن أي واحدة من هذه العلل الضرورية الموجبة التي تزعمون:
(1) أهي من فعل غيره أو حكم غيره أو قضاء غيره أو أمر غيره؟!
(2) أم لا من فعله أو حكمه أو قضائه أو أمره تعالى، ولا من فعل غيره ولا من حكمه ولا من قضائه ولا من أمره؟!
(3) أم من فعل الله تعالى وحكمه وأمره وقضائه؟!
ومن المحال الممتنع أن يجدوا قسماً رابعاً أصلاً!
فإن قالوا من فعل غير الله، أو من حكم غيره جعلوا ههنا خالقا غيره، وحاكماً غيره، وهذا شرك مجرد وكفر صريح، بل هو أشنع من ذلك: جعلوا فعل ذلك الفاعل، أو حكم ذلك الحاكم موجبا على الله تعالى أن يفعل ما فعل وأن يحكم بما حكم به، فليس مع الله شركاء فحسب، بل منهم من هو أعلى منه مرتبة، وأشد قوة، وأسمى مقاماً!
وإن قالوا ليست من فعله، ولا من فعل غيره، لزمهم أن في الوجود أشياء قديمة لم تزل، لا فاعل لها؛ أو أنهم في هذا الحاكمون على الله تعالى بها وهم الذين يحللون ويحرمون ويقضون على الباري عز وجل، وهذا كذلك كفر وشرك مجرد، وهو في غاية التناقض:
(أ) لأن تعدد القدماء محال كما قام عليه البرهان أن واجب الوجود الأول الأزلي القديم من غير ابتداء واحد فقط لا غير،
(ب) وعلى فرض تعدد القدماء (وهو مستحيل) جدلاً، فإن تسلط بعضهم بعض محال، وعلو بعضهم على بعض محال، وحكم بعضهم على بعض محال، لأنهم في مرتبة واحدة ضرورة.
(ج) وخروج شئ إلى الوجود مع تمانع القدماء وتساويهم في مراتب القدرة والسيادة والعلو والحاكمية محال أيضاً، لأن كل واحد يقدر على منع الآخر، وكل واحد منهم يقدر على إبطال فعل الآخر، فإن كان الأمر كذلك: فمن أين جاءت هذه الممكنات التي لا تحصى في هذا الكون الفسيح؟!
فمذهب منكري الصانع، من الدهريين والماديين، أمثل من هذا وأعدل، وأقل تناقضاً لأنه يقولون بقديم واحد هو الطبيعة الخلاقة الفعالة بالضرورة، لا بالاختيار، وهذا إنما يتناقض فقط مع الواقع، أي مع حالة الكون المحسوس المشاهد، كما هو اليوم، ولا يستلزم ذلك البحر المتلاطم من التناقضات والمستحيلات!
فإن رجعوا إلى الحق، وقالوا بل هي من فعل الله عز وجل وحكمه، وحده لا شريك له؛ قلنا لهم أخبرونا عن أي علة من تلك العلل، واعلنا نفرض علة واحدة معينة، نجعلها موضع نظرنا وبحثنا، هذه العلة المعينة موضع الدرس:
(أ) أفعلها الله تعالى، أو حكم بها، لعلة أخرى؟!
(ب) أو فعلها وحكم بها لغير علة أصلاً؟!
فإن أصابوا الحق، وقالوا: بل فعلها تعالى، أو حكم بها، لغير علة أصلاً تركوا مقولتهم الشنعاء، وأقروا أنه، تبارك وتعالى، يفعل الأشياء لا لعلة، من حيث المبدأ.
وإن قالوا بل فعَل الأشياء الثانوية أو حكَم الأحكام الثانوية لعلة، أما الأوليات، وهي العلل نفسها، فهي هكذا بدون علة، قيل لهم: ما الذي أوجب أن تكون الأفعال والأحكام الثواني لعلل، وتكون الأفعال والأحكام الأول، التي هي علل تلك الأفعال والأحكام الثواني لا لعلل؟! وهذا تحكم بلا دليل ودعوى ساقطة لا برهان عليها، إلا أنه أمر ممكن في ذاته، لا تناقض فيه، فإذا جاء من الله خبر بذلك نأخذ به، ونتوقَّف عنده. وعلى كل حال فهذا هدم لقاعدتهم الأصلية: أنه، جل جلاله وسما مقامه، لا يفعل أو يحكم مطلقاً إلا لعلة!
وإن قالوا بل فعلها تعالى، أو حكم بها، لعلل أخر سئلوا في هذه العلل أيضا كما سئلوا في التي قبلها وهكذا أبدا إلى ما لا نهاية؛ فلا بد لهم، بالضرورة العقلية المطلقة، من أحد أمرين، لا ثالث لهما:
(أ) إما أن يصلوا إلى أفعال وأحكام ما فيقولون إنه فعلها لغير علة، فيكونون بذلك تاركين لقولهم المكذوب الباطل: (إنه، تعالى ذكره، لا يفعل شيئا، أو يحكم ويأمر بشى، إلا لعلة)، فيكون الرب، جل جلاله وسمى مقامه، لا يفعل أو يحكم أو يأمر أو يقضي بشئ لعلة في التحليل النهائي، وإن كان ربما جعل شيئاً علة لشئ، أو شيئاً سبباً لشئ، في النظر المتوسط، أو المراتب المتوسطة، أما في التحليل والنظر النهائي، فلا!
(ب) أو يقولون بمفعولات وأحكام وأوامر وأقضية لا بداية لها، مع ترتب بعضها على بعض بالعلية أو السببية الضرورية، وهذا تسلسل في العلل والمعلولات، وهو مستحيل بإجماع العقلاء، لأنه هدم للعقل، وتحطيم له، وهو مع هذا كفر وخروج عن الإسلام بإجماع الأمة.
فقبّح الله قولا يؤول إلى المستحيل الممتنع عقلاً، وإلى الكفر المناقض للشريعة من كل وجه!!
فهذا هو البرهان الضروري الذي لا انفكاك عنه على صحة قولنا: (إن الله، تعالى وتقدَّس، يفعل ما يشاء ويختار، ويحكم ما يريد لا لعلة أوجبت عليه ذلك الفعل أو الحكم، أصلا، ولا بوجه من الوجوه، في التحليل والنظر النهائي)، وبطلان غيره من الأقوال المتناقضة.
فواجب الوجود، وهو كائن واحد فقط لا غير، من غير زيادة ولا نقصان، ليس جماداً ميتاً، ولا هو قوة خارقة ميتة عمياء صماء تخلق بالضرورة وهي لا تعي ما تفعل، فهذا كله محال كما سلف، وإنما هو فاعل مختار، أي فاعل بالمشيئة والإرادة الحرة الطليقة، وهذا يقتضي ضرورة أنه يدرك نفسه، ويعلم بها، ويعلم حقائق كل الممكنات، ويحيط بها علماً، ويختار منها ما يشاء من العوالم والكائنات الممكنة، ثم يخرجه من العدم بالكيفية والشروط الابتدائية التي يختارها هو، فهو: }يخلق ما يشاء ويختار، ما كان لهم الخيرة، سبحان الله وتعالى عما يشركون{، (القصص؛ 28:68).
والكائن الوصوف بالعلم والإدراك، وبالمشيئة والإرادة والفعل الاختياري يسمّى حياً، وواجب الوجود له، ضرورة، من معاني «الحياة» أكمل معانيها، ومنتهى غايتها، حياة أزلية أبدية دائمة، لا يتصور في حقها موت ولا ذهول، ولا سنة ولا نوم، ولا ضعف أو مرض أو قصور، فالله هو «الحي»، وهو واجب الوجود، قائم بذاته، غني بذاته عن غيره، وهذا هو: «القيُّوم»: فهو: }الله لا إله إلا هو الحي القيوم، لا تأخذه سنة ولا نوم{، جل جلاله، وسمى مقامه، حقاً وصدقاً. أزلاً وأبداً.

u فصل: القدر خيره وشره من الله تعالى
أسلفنا أن العالم كله، بما في ذلك الكون المرئي وغيره من الأكوان غير المرئية، والأكوان القديمة التي بادت وذهبت قبل كوننا هذا، إن كان ذلك قد وقع أصلاً، والأكوان التي ستأتي وليست هي موجودة الآن بعد، أي كل الممكنات، أي كل الكائنات والموجودات، باستثناء الله الحي القيوم واجب الوجود الأحد، إنما خلقها الله، ووضع نظامها، وقدر مقاديرها، وحدد شروطها الابتدائية المحددة لمسار تطورها، وعلم على التفصيل والإجمال ما سيكون واقعاً فيها، وأذن بوقوع ذلك كله، ولو لم يأذن بوقوعه وخروجه إلى الوجود لما خرج إلى الوجود فعلاً، ضرورة ولا بد بحكم العقل، لا محيص من التسليم لها، وهكذا جاء الشرع آمراً بالإيمان والتسليم بـ(القدر خيره وشره من الله تعالى).
ومن حق قائل أن يقول: خيره، فهمناها، وعلى العين والرأس، ولكن شره؟!
نعم، وشره: بغض النظر عن كون الإنسان قد يحكم على أمور حكماً خاطئاً أو نسبياً بأنها شر من وجهة النظر الإنسانية المحدودة، لأنها مؤلمة مثلاً، كافتراس أسد كاسر لإنسان، وهي ليست كذلك، أي ليست شراً، أو ليست شراً بإطلاق، بل هي بعض ما يقتضيه تناسق نظام الكون، واطراد قواعده.
وقد يكون ما يسميه الإنسان شراً، هو شر بحق، كمعصية أمر الله، من بعض المخلوقين، المتمتعين بالعقل والإدراك والتمييز، الذين منَّ الله عليهم بحرية الإرادة والاختيار، وهي حرية حقيقية، فهم فاعلين بالاختيار في داخل هذا الكون، وفي إطار نظامه. فبدلاً من شكر المنعم بطاعته، والإحسان إلى خليقته، انقلب هذا الإنسان إلى خصيم مبين، فعصى وتمرد، وأجرم وتجبر، ونشر الفساد والدمار، وأهلك الحرث والنسل: هذا شر قطعاً! وما كان هذا ليقع ويخرج إلى الوجود إلا بإذن الله ورخصته، بالرغم من كراهية الله لذلك وسخطه على فاعله، ومن المحال عقلاً، وشرعاً، أن يكون غير ذلك.
قد يقول قائل هذا ثمن زهيد في مقابل نعمة العقل والتمييز، والإرادة الحرة، وهو مترتب عليها ضرورة. فمن المحال أن يتمتع مخلوق بالعقل والتمييز والإرادة الحرة، ثم يمنع من اختيار ما يريد مع تحمله لكافة مسؤوليته.
فنقول: نعم، ولكن هذا لا يفسر لم وقع اختيار الله على كون كهذا، فلولا خلق كوناً من الآلات المجبرة، أو الملائكة المعصومة المسخرة المسيرة؟! والجواب لأن الله، جل جلاله، وتباركت أسماؤه، هكذا هو، كما هو هو: ولن تدرك ذلك إلا إذا أحطت به علماً، وهذا محال.
فليس لك إذاً إلا القبول والتسليم، بضرورة العقل، قبل ورود الشرع: فكما سلمت بأنه موجود، وأنه الأزلي الأول واجب الوجود، فكذلك سلم بهذه، أي أن: (القدر خيره وشره من الله تعالى).
فإذا بلغت هاهنا فتوقَّف وأمسك: فليس فوق الله مرجعية، ولا لفعله مسائلة، ولا لقضائه تعقيب أو مراجعة، لأنه هو غاية الغاية، ونهاية النهاية.
وهبك أرت أن تراجع أو تعقب أو تقاضي أو تحاكم، فإلى من يا ترى؟!
(1) إلى واجب وجود آخر يعلو عليه أو يساويه في المرتبة؟! ولكن ما ثمة في الوجود واجب غيره، فاستحال هذا!
(2) أو إلى عقلك، أو عقول جمهور العقلاء من المخلوقين: فهذا العقل من خلق الله، والعقل نهائي ممكن، دون الله في المرتبة، فكيف يحكم الأسفل على الأعلى؟!
ولو تواقحت وحكمت بعقلك الأدنى أن ما تسميه شراً، غير مقبول، وأنه ظلم وتجاوز من الله، تعالى الله عن ذلك، فكذلك عقلك ليس بموثوق به، فلعله مختل في أصل خلقته، فكما أنك جوَّزت أن الله، تعالى وتقدس، ظلم، فكذلك يجوز أن يكون قد تلاعب وعبث: فخلق عقلك آلة مختلة، لا تصلح للحكم، فبعض أحكامها مناقض للحق. بل إن الحق والصدق لم يعد لهما معنى أصلاً، وكذلك الخير والشر: فمرحباً بك في مصحة الأمراض العقلية!!
(2) أم إلى «عقله»، أي علمه وإدراكه المحيط بكل شيء؟! هذا تحاكم حسن جميل، ولكنه وقع فعلاً، وفرغ منه: ولولا أنه، تبارك وتعالى، قد حكم (من قبل أن تخلق أنت أصلاً، وتأت مجادلاً محاججاً) أن هذا الكون حسن جميل، (من وجهة نظره هو طبعاً، وبالضرورة، تعالى وتقدس)، وأهل أن يخلق هكذا، بهذه الصفة، لولا ذلك لما خلقه أصلاً، ولما كنت أنت ها هنا تجادل وتسأل، وتطلب التحكيم: فمجرد وجودك اليوم ها هنا، وتساؤلك وجدالك، هو «عينه» جواب سؤالك، والحكم الفصل في قضيتك!
فمشكلة القدر، كما ترى أيها الإنسان المجادل، أي مشكلة وجود «الشر» في العالم، بحر ليس له قرار، ولا يدرك له غوار، إلا لمن أدرك وأحاط علماً بذات الواحد القهار، الملك الجبار، وليس علم ذلك، علماً شاملاً، وإدراكه، وإدراك إحاطة واستيعاب كامل، ليس ذلك ممكناً إلا لكائن واحد فقط: هو الله الحي القيوم، العزيز الغفار، إذاً توقَّف وأمسك، وسلّم واستسلم!!

u فصل: الله، جل جلاله: }لم يلد ولم يولد{
أقمنا من قبل البرهان القاطع على أن مفهوم «وجوب الوجود» لا يمكن أن ينطبق إلا على كائن واحد، فقط لا غير، ولا يجوز أن ينطبق على إثنين فصاعداً.
وهذا «الكائن» له أسماء وصفات ونعوت تعبر عن معاني ومفاهيم تتعلق به، أي بذاته، وهي قائمة بهذه الذات، مرتبطة بها ارتباطاً حتمياً، ويستحيل أن تنفك عنها، لأن ذلك لو جاز لعاد «ممكناً» ولو في اعتبار واحد، أو موضوع واحد، أو صفة واحدة، أو نعت واحد، وهذا مناقض لمفهوم «واجب الوجود» الذي يقتضي أنه واجب، ضروري في ذاته وصفاته وارتباطاتهما من كل وجه، وفي كل اعتبار، أزلاً وأبداً، في جميع الأزمنة، إن جاز، أصلاً، التعبير عنه بمفاهيم الزمان.
وهذا «الكائن» يستحيل أن يكون مركبا من أبعاض، أي من جزئين فصاعداً، يقبلان الانفصال بحيث يمكن أن يكون كل جزء ذاتاً مستقلة قائمة بنفسها، كما هو حال الجوارح عند الانسان، إذ يجوز أن تقطع يده وتدفن، ويبقى هو بعدها حياً لمدة طويلة، ولو على قصور ونقص. هذا ظاهر الاستحالة في حق «واجب الوجود» لأن وجود جزء منه يقبل الانفصال يعني أن فيه شى من معاني الإمكان: فيمكن أن يوجد بذلك الجزء، ويجوز أن يبقى بعد انفصاله، وهذا يعني أحد أمرين:
الأول: أن ذلك الجزء ليس ضرورياً لوجوده، وأن ذاته تقبل الزيادة والنقصان، وجاز أن يقتطع بعضه، أو أن يقتطع نصفه، أو أن يزول كله، وهذا مناقض لمعنى «وجوب الوجود»، أي أنه «واجب» و«ممكن» في نفس الوقت، في آن واحد، من نفس الجهة والاعتبار، وهذا من ثم مستحيل.
الثاني: أنه كامل، قائم بذاته، غني بذاته غنىً مطلقاً من دون ذلك الجزء، فيكون ذلك الجزء ليس منه أي ليس بعضاً، وهو بعض في نفس الوقت، ومن نفس الاعتبار، وهذا كذلك جمع بين التقيضين، وهو كذلك محال.
ولا يقال: لعله مركب من ذاتين مستقلتين، كل منهما كانت بمفردها ذات كاملة «واجبة الوجود»، ثم قررت الاندماج واختارته، وهذا محال أيضاً من عدة وجوه:
أولها: لأننا أثبتنا أن «وجوب الوجود» لا ينطبق إلا على ذات واحدة فقط، لا على اثنين فصاعداً، فما ثمة ذاتان واجبتان في الوجود أصلاً، فمن أين أتت الذات الواجبة الثانية التي تركبت مع الأولى؟!
وثانيها: أنه مع تقدير ذلك المحال، والتسليم جدلاً بتعدد الكائنات «الواجبة» لا يبقى للتركيب معنى لأن كل واحد منها قد بلغ غاية النهاية من الكمال المطلق، فلن يزيده التركيب كمالاً، فلا معنى له إذاً على الإطلاق، بل إن التركيب يلزم كل واحد منهما بأخذ الآخر في الاعتبار، أي مراعاة «خاطره»، والقيام بحق «الألفة والصحبة»، ولو في معنى واحد، أو فعل واحد، وهذا «تحديد»، و«تقييد»، وهو من ثم نقص، وليس كمالاً، فيعود كل واحد منهما ناقصاً، فيالها من صفقة «خاسرة»، مع كونها أوغل في الاستحالة، لأنها بنيت على مقدمات مستحيلة!
وأوغل في الاستحالة أن يكون مركباً من ذات واجبة وأخرى أو أخريات ممكنة، لأن الواجب لا يحتاج الممكن، وهو قائم بذاته، مكتمل بذاته، فليس ثمة تركيب أصلاً، وهذا يناقض مفهوم كونه مركباً، الذي افترضناه في البداية جدلاً.
فواجب الوجود إذاً ضرورة «أحد صمد» بكل معناني الأحدية والصمدية، أي أنه ذات واحدة «بسيطة» غير مركبة، لا تقبل التبعيض ولا التجزئة بأي معنىً من المعاني مطلقاً، أزلاً وأبداً.
فهو لم يتركب أصلاً من عدة ذوات «واجبة» موجودة من قبل، ولا يتفكك أو يتجزأ أو يتبعض إلى ذوات متعددة منفصلة يقوم كل منه مستقلاً بنفسه أيا كان نوع هذه الذوات الناشئة من التفكك: واجبة أم ممكنة. هذا كله محال، ولا يجوز على «واجب الوجود» الأزلي الأبدي مطلقاً.
كما يظهر من ذلك استحالة أن يكون «واجب الوجود» والداً، لأن القول بأن أحد الكائنات، ولنسمه «ب» مولود من آخر «أ» يقتضي أن يكون جزء من «أ» قد انفصل منه فتكون منه «ب» إما:
(1) بـ«الانقسام» فوراً، كما هو الحال في بعض الأحياء البسيطة، التي تتكاثر بالانقسام فتنقسم الخلية الأم إلى خليتين ابنتين، وتبدأ هاتان في النمو إلى تمام حجمهما، وهكذا دواليك. أما الأم فهي على التحقيق، تزول تماماً وتنعدم. ولا داعي لإطالة القول أن ذلك على «واجب الوجود» محال، فهو لا يتبعض ولا يفنى.
ثم على فرض المحال فإن «المولود» الناتج كان بعد أن لم يكن، فهو مسبوق بالعدم إما بمقاييس الزمان أو في رتبة الوجود، وهذا يعني أنه ليس «واجباً»، فهو إذن ليس من جنس «والده»، بل هو من جنس «المخلوقات»، و«الحادثات» و«الممكنات». والمولود، ولا بد، من جنس والده، إلا أن يكون «ولد حرام»، عياذاً بالله، أي ليس ولداً أصلاً لمن نسب إليه، وإنما هي نسبة مكذوبة!
فإن وجدنا بين الكائنات من نشأ هكذا فهو في الحقيقة مخلوق «ممكن الوجود» قطعاً. ومن عبر عنه بلفظ التبرعم، أو الولادة، أو الانبثاق، أو غيرها ممن الألفاظ قد غلط غلطاً فادحاً، وأساء إساءة منكرة إلى العقل ومفاهيمه، واللغات ومصطلحاتها، وضل ضلالاً بعيداً.
(2) بـ«التبرعم»، كما هو الحال بالنسبة لكثير من الطحالب والفطريات، بل وبعض النباتات الراقية. وذلك يتم بانفصال جزء من «الوالد«، مع بقاء الوالد على حاله أو بنقص طفيف، ونمو الجزء المنفصل إلى كائن من نوع الوالد في مدة مناسبة له. وهذا محال أيضاً، فـ«واجب الوجود» يستحيل عليه الانتقسام والتجزئة، كما اسلفنا. أما «المولود» فحاله كحال المولود في القسم السابق، ما هو إلا «مخلوق» أسئ التعبير عنه إساءة بالغة.
(3) بـ«التزاوج»، كما هو الحال بالنسبة للحيوانات وبعض النباتات الراقية. في هذه الحالة يشترك والدان في انتاج «المولود»، فينفصل من الأب «لقاح» يتحد مع «بويضة» أو «بذرة» من الأم. هذا أوغل في الاستحالة من سوابقه، فما ثم في الوجود إلا واجب واحد، فمن أين جاء الطرف الآخر في هذه الزيجة العجيبة؟! ولعل أحد الطرفين «ممكن» مخلوق، والآخر «واجب وجود» ؟! فتحصل جميع المحالات التي أسلفنا بالنسبة لـ«واجب الوجود» منهما، وزيادة محالات تتعلق باندماج أو اتحاد «الواجب» في «الممكن»، أو حتى حلوله فيه، تحتاج إلى بعض تفصيل ونظر مستقل، لذا سنتطرق إليها قريباً، إن شاء الله.
(4) أو بأي طريقة أخرى، حقيقية لها انموذج واقعي موجود في العالم أو مقدرة متخيلة في الذهن: وهذه، مهما كانت، لا بد من أن تتضمن انفصال جزء من «واجب الوجود»، وإلا كان التعبير بالولادة تخليطاً وعبثاً. وكل تجزئة وتبعض، على كل حال، محال لا يجوز على «واجب الوجود». أو تقتضي مشاركة ذات أخرى في «وجوب الوجود»، على أي نحو من الأنحاء، وهذا كما برهنا محال أيضاً، فما ثم إلا «واجب وجود» واحد فقط، لا غير، من غير زيادة ولا نقصان.
وما فصلناه آنفاً بالنسبة لـ«التولد» من الله، ينطبق حرفياً على القول بأن الكائن الفلاني «انبثق» عن الله، أو «انبثق» من الله، أو «فاض» عن الله، أو «فاض» من الله، وما شابه، لأن كل ذلك يتضمَّن، ضرورة، مفهوم خروج شئ من شئ، أو تولد شئ من، كما «ينبثق» الماء من الصخر، و«يفيض» السائل من الوعاء، ونحوه، وكل ذلك محال في حق «واجب الوجود»، إلا أن يكون إساءة تعبير عن «خلق» كائن مستقل، بائن عن خالقه، وما عدا ذلك فهو باطل ومحال.
وكل ذلك محال من حيث هو بغض النظر عن مفاهيم الزمان والمكان: فـ«التولد» من الله محال سواء كان التولد الآن، أو في الماضي، أو قبل جميع الأزمنة والدهور. بل إن جعل ذلك قبل الأزمنة والدهور، كما هو في «الأمانة» النيقية، التي يؤمن بها جمهور النصارى المثلثين الضلال، يزيد المشكلة تعقيداً، ويضيف محالات أخرى إلى ما برهنا عليه آنفاً من التناقضات والمستحيلات.
أما صفات واجب الوجود، كالعلم والقدرة والإرادة والحياة، وهي أشياء مختلفة: فمفهوم العلم قطعاً ليس هو مفهوم القدرة، ومفهوم الإرادة، ضرورة، ليست هو مفهوم العلم، وهلم جراً، هذه الصفات ليست أبعاضاً أو أجزاءً بالمعنى المبين أعلاه، فهي ليست ذوات مستقلة قابلة للانفصال، فليست هي جارحة يمكن أن تنفصل وتقطع كيد الإنسان مثلاً، وإنما هي معاني تقوم بالذات المناسبة لها. وتفكيكها إلي أشياء مستقلة، أو مفاهيم مستقلة، وكذلك الكلام عن الذات «المجردة» من كل صفاتها بوصفها شيئاً، كل ذلك إنما هو في «التقدير الذهني» لتسهيل دراستها، والتمكين من البحث في موضوعها، وترتيب ذلك وتبويبه، وكذلك القول بأن الصفات هي غير الذات، أي أن الصفات المقدرة أشياءً مستقلة في الذهن هي غير الذات المحضة المجردة من صفاتها مقدرة في الذهن. كل هذه الأقوال والتعبيرات، وما شابهها، إنما حيث فيما يتعلق بالتقدير الذهني، أو الفرض الجدلي، لتسهيل الدراسة والبحث.
أما في الواقع الموجود، أي خارج الذهن، فإن الصفة الموجودة في الخارج قائمة بالذات الحقيقية، المتصفة بتلك الصفة، الموجودة في الخارج، مرتبطة بها، لا تستطيع عنها فكاكاً، فلا يقال أن الصفة غير الذات، بإجماع جميع العقلاء، والنظار، والباحثين، قولاً واحداً، وقال جمهور الفلاسفة والمتكلمين والنظار لا يقال أنها «عين الذات»، ولكن قالت قلة منهم: أنها «عين الذات» الموجودة في الخارج وذلك فقط في حق «واجب الوجود»، وهي ليست عين الذات في حق «ممكن الوجود» بإجماعهم، وهذه مباحث فلسفية ثانوية، وليست هي مباحث شرعية، فهي من ثم لا تعنينا، ولا يترتب عليه كفر ولا إيمان، ولا زيادة تقوى أو يقين، ولا تقرب قيد أنملة من رب العالمين، خلافاً لمزاعم أهل الهوس والغلو.

u فصل: بطلان الحلول والتحاد
قول القائل إن صفات الله سبحانه وتعالى، ومن ذلك معاني أسماء الله الحسنى، صارت أوصافا لغيره من الموجودات، وهذا «الغير» هو من ثم بالضرورة عبد، مخلوق، لأن «واجب الوجود» هو كائن واحد فقط، لا غير، من غير زيادة ولا نقصان، وهو الله تبارك وتعالى، كما أشبعناه برهاناً وتفصيلاً. هذا القول لا يخلو إما أن يعني به:
(1) عين تلك الصفات
(2) أو مثلها،
فإن عنى به عينها، وهو القسم الرئيس الأول، فلا بد إما أن يكون:
(1.أ): بطريق انتقال الصفات من الرب إلى العبد
(1.ب): أو من غير انتقال،
فإن لم يكن بالانتقال فلا يخلو إما أن يكون:
(1.ب.1): باتحاد ذات العبد بذات الرب حتى يكون هو هو فتكون صفاته،
(1.ب.2): وإما أن يكون بطريق الحلول، فهذه أقسام ثلاثة وهي: الانتقال والاتحاد والحلول،
وإن عنى به مثلها فلا بد أن يكون المعنى به:
(2.أ): مثلها مطلقا من كل وجه،
(2.ب): وإما أنه عنى به مثلها من حيث الاسم والمشاركة في التعليق بعموم الصفات دون خواص المعاني، فهذان قسمان متفرعان من القسم الرئيس الثاني.
فهذه خمسة أقسام الصحيح الممكن منها قسم واحد، وهو المرقوم (2.ب)، أي أن يثبت للمخلوق من هذه الصفات أمور تناسبها على الجملة وتشاركها في الاسم ولكن لا تماثلها مماثلة تامة.
وأما القسم الثاني، المرقوم (2.أ)، وهو أن يثبت له أمثالها على التحقيق فمحال فإن من جملته أن يكون له علم محيط بجميع المعلومات حتى لا يعزب عنه ذرة في الأرض ولا في السموات، أو أن تكون له حياة كاملة مطلقة، لا يتطرق إليها الموت، ولا يدركها الفوت، أو أن يكون له قدرة واحدة تشمل جميع المخلوقات حتى يكون هو بها خالق الأرض والسموات وما بينهما وكيف يتصور هذا لغير الله تعالى وكيف يكون العبد خالق السموات والأرض وما بينها وهو من جملة ما بينهما فكيف يكون خالق نفسه ثم إن ثبتت هذه الصفات لعبدين يكون كل واحد منهما خالق صاحبه فيكون كل واحد خالقا من خلقه؟! وكيف يتصف مخلوق ممكن حادث محدود بصفة على النحو والكيفية والدرجة الذي اتصف بها واجب الوجود الأزلي الانهائي المطلق، على ذلك النحو وبتلك الدرجة، بسبب كونه واجباً، وكيف تحمل ذات «محدودة» صفة غير محدودة؟! كل ذلك ترهات ومحالات، بل جنون وهوس.
وأما القسم الثالث، المرقوم (1.أ)، وهو انتقال عين صفات الربوبية فهو أيضا محال لأن الصفات يستحيل مفارقتها للموصوفات وهذا لا يختص بالذات الواجبة القديمة، أي ذات الله تبارك وتعالى فحسب، بل لا يتصور أن ينتقل عين علم زيد إلى عمرو بل لا قيام للصفات إلا بخصوص الموصوفات ولأن الانتقال يوجب فراغ المنتقل عنه فيوجب أن تعرى الذات عن تلك الصفة التي اتقلت عنها، فلا تعود صفتها، ولا تجوز نسبتها إليها. وهذا في حق واجب الوجود، القديم الأزلي، محال مطلقاً، ومناقضة لمفهوم «وجوب الوجود» من أساسه، كما يترتب على انتقال صفات الربوبية أن يتعرى عن الربوبية فلا يعود رباً وإلاهاً، وهذا ظاهر الاستحالة.
وأما القسم الرابع، المرقوم (1.ب.1)، وهو الاتحاد فذلك أيضا أظهر بطلانا لأننا إذا تأملنا، وتفكرنا بدقة وعناية، وتعقلنا بعمق واستنارة، وأدركنا ذاتين مستقلتين: زيداً وحده وعمروا وحده، ثم قيل إن زيدا صار عمروا واتحد به فلا يخلو عند الاتحاد إما أن يكون كلاهما موجودين أو كلاهما معدومين أو زيد موجودا وعمرو معدوما أو بالعكس ولا يمكن قسم وراء هذه الأربعة.
فإن كانا موجودين فلم يصر عين أحدهما عين الآخر بل عين كل واحد منهما موجودة وإنما الغاية أن يتحد مكانهما أو محلهما، وذلك لا يعني الاتحاد فإن العلم والإرادة والقدرة قد تجتمع في ذات واحدة ولا تتباين محالها ولا تكون القدرة هي العلم، ولا يكون العلم هو الإرادة، بل يبقى كل شئ من هذه الأشياء مستقلاً، مختلفاً عن الآخر، ولا يكون قد اتحد البعض بالبعض، بل هذا اجتماع يمكن إلغائه بالتفريق، وقد يكون خلطاً أو مزجاً كما يحصل من مزج الماء والكحول، أو من مزيج الهيدروكاربنات التي يتكون منها سائل النفط (البترول)، وهذه المركبات يمكن الحصول عليها من المزيج بالتقطير، أو إذابة كما حال الملح في ماء البحر، ويسمَّى الناتج محلولاً ويمكن الحصول على أجزائه بالتبخير أو الترسيب. وكل ذلك ليس اتحاداً، ولا يجوز أن يسمَّى اتحاداً على التحقيق، وإن كابر مكابر وسمَّى ذلك اتحاداً فهو عابث بالألفاظ، لا يصح معه حوار حتى يحدد معاني ألفاظه التي يستخدمها.
وإن كان معدومين فما اتحدا بل عدما ولعل الحادث شيء ثالث، أي ذات ثالثة غير زيد وعمرو الذين بدأنا بهما، وكما هو الحاصل في اتحاد دولتين، فتنعدما، ولا يبقى لهما وجود مستقل في الموقف الدولي، وينشأ من ثم كيان جديد، وربما تحولت كل من الدولتين السابقتين إلى ولاية في الكيان الجديد، فيصبح لدينا: دولة جديدة في الموقف الدولي، وولايتان تابعتان لها، لا وجود لهما في الموقف الدولي، ولا تتعاملان مباشرة مع الدول المستقلة الأخرى. وهذا أيضاً هو الحاصل في التفاعلات الكيمياوية: فإذا حرقنا غاز الهيدروجين في الهواء مثلاً انعدم ذلك الهيدروجين وذهب، وانعدم معه مقدار من غاز الأكسوجين ونشأت مادة جديدة هي الماء، وهو من السوائل، وهو غير غاز الهيدروجين أو غاز الأكسوجين، ولا يمكن الحصول على الغازين مرة ثانية إلا بإعدام الماء، وتحليله كيمياوياً أو كهربائياً إلى الغازين الذين نشأ منها ابتداءً. وكل هذا في حق واجب الوجود الأزلي محال مطلقاً، فهو واجب باقي أبداً لا يفنى.
وإن كان أحدهما معدوما والآخر موجودا فلا اتحاد إذ لا يتحد موجود بمعدوم، كما لو ابتلعت دولة دولة أخرى، وأزالتها بالكلية من الوجود بوصفها كياناً مستقلاً، هذا «ابتلاع» وليس «اتحاداً». وهذا محال في حق واجب الوجود الأزلي، فهو باقي لا يفنى، ومحال أن يفنى، فلا يمكن أن يكون هو الذي انعدم، وهو كامل بذاته، ضروري بذاته، مكتف بذاته، فلا يحتاج إلى ابتلاع غيره، فلم «الابتلاع» إذاً؟! والابتلاع يؤدي إلى نشوء ذات جديدة مركبة من الذات الأصلية مضافا إليها كل أو بعض ما ابتلع، وهذا التركيب محال في حق «واجب الوجود» كما أسلفنا، فلا يمكن هذا أيضاً.
فاتحاد واجب الوجود الأزلي بغيره من الممكنات في غاية الاستحالة، لأن انعدام واجب الوجود الأزلي مستحيل، وتحوله إلى ممكن مستحيل، وتحول الممكن إلى واجب مستحيل، ونشوء شئ ليس بواجب ولا ممكن مستحيل أيضاَ، واحتياج الواجب الأزلي لغيره بحيث يتحد به من أجل ذلك محال أيضاً، وإذا فني الممكن فقد ذهب وانتهى وليس ثمة اتحاد إذاً، وبقي الأزلي واجب الوجود فقط، وخالصاً من كل شائبة، ليس هذا «اتحاداً»، بل هو «إفناء» للمكن المخلوق، و«إعدام» له بالكامل!
وأما القسم الخامس وهو الحلول وهو محال أيضاً، ووجه استحالة الحلول لا يفهم إلا بعد فهم دقيق لمعنى الحلول فإن المعاني المفردة إذا لم تدرك بطريق التصور، ولو على نحو مجمل، لم يمكن أن يفهم نفيها أو إثباتها فمن لا يدري معنى الحلول فمن أين يدري أن حلول الخالق في المخلوق، أو حلول واجب الوجود في ممكن الوجود، ممكن أو مستحيل؟!
المفهوم من الحلول أمران، أحدهما:
الأول: النسبة التي بين الجسم الممتد، الذي تسري عليه مفاهيم «المكان»، أي الذي له طول وعرض وارتفاع، وبين مكانه الذي يكون فيه، وذلك لا يكون إلا بين جسمين ممتدين تسري عليهما مقولات «المكان»، فحقيقة الحلول إنما هي أن يحصل جسم أو متحيز في شيء أو على شيء فيسمى الحاصل حالا والمحصول فيه يسمى محلا وتسمى النسبة بينهما حلولا، فالبريء عن معنى الجسمية يستحيل في حقه ذلك، لأنه لا تنطبق عليه مفاهيم «المكان» أصلاً. ومن ذلك ضرب النصارى المثل بـ«حلول» الماء في الزجاجة، فواقع ذلك أن الزجاجة جوفاء، فيها فراغ داخلي يملؤه الهواء، فإذا صب فيها الماء، طرد الهواء، واحتل الماء مكانه، أما الزجاجة فهي كما كانت لم يطرأ عليها تغيير. فالماء لم يحل في الزجاجة، وإنما هو حل مكان الهواء في التجويف الذي حددته بنية الزجاجة، لأنها صنعت جوفاء لهذا الغرض: أي لتكون وعاءً. وحلول «ذات» الله في مكان بهذا المعنى محال، لأنه جل وعلا لا تسري عليه مفاهيم الزمان والمكان، ولو فرضنا المستحيل، جدلاً، وأنها تسري عليه لم يجز أن يكون محدوداً محصوراً في «وعاء» مادي محدود، بخلاف السوائل، ومنها الماء، التي تحتاج إلى الأوعية لحفظها، وتحديد شكلها وقوامها.
هذا بالنسبة للذات الإلاهية أما الصفات فهي قائمة بذواتها، لا تنفصل عنها ضرورة، ما دامت موجودة، وما دامت الذات تستحق تلك الصفة أو النعت، وهذا في حق الذات الإلاهية أوكد، لأنه، جل وعلا، واجب الوجود، لا تنفك ذاته عن صفاته، ولا صفاته عن ذاته، أزلاً وأبداً، وهو مستحق لتلك الصفات دوماً وسرمداً، فأنى لصفته أن تنفصل وتبين عنه، فكيف تحل صفته في مخلوق، بدون أن يحل هو بـ«ذاته» في ذلك المخلوق؟!
ولو فرضنا المستحيل، أي أن الصفة تنفصل عن الموصوف، وأن واجب الوجود يعرى منها ويفتقدها، فينفصل عنه «العلم» مثلاً، فيعود جاهلاً، لزمنا محال آخر أن «صفة» بلغت غاية النهاية في كمالها المتصور لمفهومها، أي أنها لا نهائية حلت في مخلوق محدود نهائي: لا نهائي حل و«حشر» في نهائي، أي أن المحدود النهائي أصبح أكثر وأكبرمن المطلق الانهائي، ولا بأس حينئذ أن يصبح الجزء أكبر من الكل، أو لعل الصفة لم تنفصل عن الموصوف الأول، بل قامت في نفس الوقت والزمن، ومن نفس الاعتبار بذاتين متباينتين، ومرحباً بمستشفى الأمراض العقلية ؟!
والثاني: النسبة التي بين الصفة والموصوف فإن الصفة يكون قوامها بالموصوف فقد يعبر عنه بأنها، أي الصفة، حالة في الموصوف، على وجه النساهل والتجاوز في التعبير في حق الأعراض والصفات فيقال: (حل العرض في في محله) ومعناه صار المحل متصفا به وصار العرض قائما به وموجودا فيه، ولكن الأدق والأولى أن يقال: (أن الصفة محلها الموصوف)، لأنها هكذا دائماً وأبداً، ما دامت موجودة.
أما ما كان قوامه بنفسه فذلك محال في حقه. فإن كل ما قوامه بنفسه يستحيل أن يحل فيما قوامه بنفسه إلا بطريق المجاورة الواقعة بين الأجسام، كما أسلفناه قريباً، فلا يتصور الحلول بين عبدين مخلوقين، فكيف يتصور بين العبد والرب؟! فدع عنك ذكر الرب تعالى وتقدس في هذا المعرض أصلاً. فكيف يتصور أن يقال إن الرب تبارك وتعالى حل في العبد أو العبد حل في الرب تعالى رب الأرباب عن قول الظالمين علواً كبيرا
وإذا بطل الحلول والانتقال والاتحاد والاتصاف بأمثال صفات الله سبحانه وتعالى على سبيل الحقيقة لم يبق لقول القائل: (أن العبد اتصف بصفات الرب)، أو (أن صفات الرب انتقلت أو تمثلت في العبد)، أو (أن الألوهية تجلت في فلان)، أو (أن الألوهية تجسدت في فلان)، أو (أن فلان تجسدت فيه الألوهية)، أو ما شابه، معنى صحيحاً إلا ما أشرنا إليه، ألا وهو: (أن يثبت للمخلوق من هذه الصفات أمور تناسبها على الجملة وتشاركها في الاسم ولكن لا تماثلها مماثلة تامة). وذلك يمنع من إطلاق القول بأن معاني أسماء الله تعالى تصير أوصافا للعبد إلا على نوع من التقييد خال عن الإيهام، وإلا فمطلق هذا اللفظ موهم، وربما يكون فيه نوع من التوسع والاستعارة فإن معاني الأسماء هي صفات الله تعالى وصفاته لا تصير صفة لغيره ولكن معناه أنه يحصل له ما يناسب تلك الأوصاف كما يقال فلان حصل علم أستاذه، مع أن «عين» علم الأستاذ لا يحصل للتلميذ، بل يحصل له «مثل» علمه.
ولعل هذا سبب غلط جمهورالنصارى المثلثين، أتباع بولص الطرسوسي، حيث رأوا تلك المعاني الكاملة والصفات الباهرة في ذات المسيح عيسى بن مريم، الوجيه المقرب، صلوات الله وسلامه وتبريكاته عليه وعلى والدته، فقالوا هو الإله، بل هو غلط من ينظر إلى مرآة قد انطبع فيها صورة متلونة بتلونه فيظن أن تلك الصورة هي صورة المرآة وأن ذلك اللون لون المرآة وهيهات بل المرآة في ذاتها لا لون لها وشأنها قبول صور الألوان على وجه يتخايل إلى الناظرين إلى ظاهر الأمور أن ذلك صورة المرآة حتى إن الطفل الصغير إذا رأى إنسانا في المرآة ظن أن الإنسان في داخل المرآة، أو ورائها حقيقة، بل قد يحصل هذا للكبير المجرب في مواقف معينة، لا سيما إذا أخذ على غرة ولم ينتبه لوجود المرآة.
وقول النصارى بـ«ظهور اللاهوت على الناسوت»، أو «ظهور اللاهوت في الناسوت»، وربما عبروا عن ذلك بـ«الفيض»، فكلام غامض لا مفهوم له، وقد حاولوا التمثيل لذلك على أوجه متعددة:
v فمنهم من قال مثاله ما ينطبع في الأجسام الصقيلة من الأشياء التي تقابلها، أي كظهور الشئ في المرآة. وربما سمَّوا ذلك «ظهوراً» أو «فيضاً».
هذا تجلي، أو ارتسام صورة، وليس هو حلول أو اتحاد: فصاحب الصورة أمام المرآة، بائن منفصل عنها، فهو لم يتحد بها، ولا هو في داخلها. بل هناك ذاتان مستقلتان: الشخص، صاحب الصورة، والعاكس أو المرآة. فلا يقال ولا يعقل أن المرآة أصبحت شخصاً، ولا الشخص أصبح مرآةً، ولو قال هذا أحد لزج به في مستشفى الأمراض العقلية.
والخالق، جل وعلا، يتجلى في جميع مخلوقاته بهذا المعني فكلها مظهر للقدرة العلية، ولكن إدراك ذلك يحتاج إلى فكر مستنير عميق، وحس مرهف دقيق. وهو يتجلى في أنبيائه وأوليائه: ففيهم تتجلى الهداية والنعمة الإلاهية، وللسيد المسيح، بأبي هو وأمي، من ذلك أوفى نصيب، وليس هو الوحيد في ذلك فما معنى تخصيصه به؟!
وجسد المسيح، صلوات الله عليه، ليس مرآةً، ولا هو من جنسها، و«الكلمة» لم تتجلى فيه تجلي الصورة في المرآة، وإلا لصعق، وذهل، وآمن قسراً كل من رآه. هذا كله لم يحصل، بل خانه واحد من أقرب التلاميذ، لقاء ثمن بخس، دراهم معدودة، كما هو في مرويات القوم.
v ومنهم من قال: مثاله الطابع المنقوش إذا اتصل بشمع وما يضاهيه فيظهر نقش الطابع عليه وإن لم يحل فيه شيء من الطابع. وهذا ليس من مثال المرآة ببعيد: فالختم أو الطابع لم يحل في الشمع أو اندمج معه، بل بقي الختم موجوداً مستقلاً، كما كان قبل استخدامه، والشمع موجود مستقل بعد ختمه بالختم، إلا أنه ارتسمت فيه «صورة» الخاتم، كما هو الحال في المرآة، إلا أنها صورة، نشأت من تشكل وزحزحة الشمع تحت ضغط الختم، وهي ثابتة تبقى بعد إعادة الختم إلى صندوق حفظه، لا كصورة المرآة التي تزول إذا زال «الشخص» من أمامها.
v ومنهم من قال معنى ظهور اللاهوت على المسيح كمعنى استواء الإله على العرش عند الإسلاميين. وهذا كذلك لا مفهوم له، ولا علاقه له بالحلول أو الاتحاد أو التجسد، لأن الاستواء، مهما اختلف فيه أهل الإسلام، لم يتحول به العرش إلى كائن إلاهي أو نصف إلاهي، ولم يتجسد فيه الإله، ولا حل فيه، ولا به اتحد. ثم إن القول باستواء الله على العرش ليس قصراً على أهل الإسلام فهم يقولون كذلك بأن الأب مستوي على «العرش السماوي»، وأن «المسيح» صعد بعد صلبه، ثم قيامته، فقعد على يمين «الأب» فوق العرش الإلهي، ولكنهم لا يقولون أن العرش كائن «إلهي»، فمن أين جاؤوا بهذا التمثيل؟!
v وربما يعبرون عن الإتحاد بالتدرع كأنهم أخذوا ذلك من لفظ الدرع يشيرون إلى أن «اللاهوت اتخذ ناسوت المسيح درعا». وهذا يشبه مثال «الزجاجة» أو «الوعاء» آنف الذكر، لأن الدرع «وعاء» لمن ارتداه، يحيط به من كل أو بعض جوانبه، ويفصله عن الخارج، وقد فصلنا القول في هذا آنفاً. مع أن في هذه اللفظة، ألا وهي: «التدرع» شئ من قلة الأدب، فكأن «اللاهوت» يحتاج درعاً لحمايته، وهو محال.
v ومنهم من قال: (إن الكلمة خالطت جسم المسيح ومازجته امتزاج الخمر باللبن). وهذا مثال لا محصول منه، لأن الكلمة عندهم «أقنوم» من أقانيم الثالوث، وهي كناية عن «العلم الإلاهي»، والعلم الإلاهي ليس بجسد ولا جوهر ولا هو ذات مستقلة، فمحال، كما أسلفنا أن ينفصل عن الموصوف به، جل وعلا، فيعود الرب جاهلاً، بل يصبح كالأموات لا يعلم شيئاً، ولا يدرك شيئاً، بما في ذلك ذاته المقدسة، أي أنه يصبح كالميت أو يموت بالفعل!
وحتى لو قدرنا ذلك المحال، وزعمنا أن الكلمة خالطت جسد المسيح وامتزجت به امتزاجاً حقيقياً تاماً بحيث نشأ كائن جديد، ليس هو «الكلمة» فقط، ولا هو «الجسد» فقط لوقعنا في محالات وتناقضات لا تنتهي: ماذا حدث لـ«الكلمة» الأصلية؟! هل فنيت: هذا محال لأنها واجبة الوجود أزلية، وفق الفرضية الني زعمناها في البداية، هل طرأ عليها تغير جوهري في ماهيتها، هذا محال لأنها واجبة الوجود فكل صفاتها لازمة لها بالضرورة، لا تنفك عنها، فالكلمة إذا محال أن تكون تغيرت أو اتحدت، فما ثم اتحاد إذا ولا امتزاج، أما الجسد فأمره أهون فلعله فني وذهب، وبقيت صورة خيالية يراها الناس، ولكن ليس لها وجود حقيقي. فالمسيح إذا إله خالص، ليس فيه «ناسوت» قط، فإن كان كذلك: فعلى من وقع الصلب، والتعذيب؟! ومن هو المتألم المعاني؟!
v ومنهم من قال أن الكلمة، التي هي عندهم كائن أزلي وأقنوم إلهي، انقلبت لحماً ودماً. هذا خيال شاطح جامح، بل هو خيال مريض، لا معنى له، ولا محصول من ورائه: فالأزلي الواجب محال أن ينقلب إلى محدود حادث نهائي. فإن جاز ذلك فخروج العالم إلى الوجود من غير خالق موجد أولى وأقرب إلى العقل.
v ومنهم من أثبت «الاتحاد»، ولكنه قال: (لا يسأل عنه ولا يكيف).
فأما هؤلاء فقد كفونا، بحمد الله، مؤنة الرد عليهم لأنهم اعترفوا بجهلهم، ولكن يبقى السؤال: كيف أثبتم ذلك للمسيح وأنتم لا تعرفون عنه شيئاً مطلقاً؟! لا بد أن في أذهانكم تصوراً، أو مفهوماً، أو تعريفاً لـ«الاتحاد»، ولو بشكل مجمل، ولا بد أنه يمكنكم التعبير عنه، ولو بشكل مشوش غامض ناقص، وإلا فلم أثبتموه للمسيح إذاً؟!
هذه مذاهب المشتهرين من طوائفهم وأما اختلاف آحادهم وعوامهم فلا يكاد ينضبط ولا يرتبط، وهو أوغل في التخليط والخيال.
بقيت شبهة واحدة يستخدمها القائلون بأن لله ولداً، أو أنه حل في فلان، أو أن الله أو بعض الله أو كلمة الله قد انقلبت لحماً ودماً، وهي: أن القول باستحالة ذلك يعني تقييد قدرة الله، فلا يعود الله: }على كل شيء قدير{.
والحق أن القدرة الإلاهية إنما تتعلق بالممكنات العقلية والمنطقية فقط، ولا تتعلق بالمستحيلات المنطقية أو العقلية.
أما المستحيل عادة أو طبيعة، أي وفق العادة الجارية أو وفق قانون الطبيعة، كانقلاب العصا حية على الفور، فليس هو من المستحيلات العقلية أو المنطقية، أو الممنوعات بالضرورة المفاهيمية المطلقة، لأن العصا ممكنة، وهي موجودة الآن وقد بدأ وجودها بعد عدم، وهناك في الواقع المشاهد عصي كثيرة، والحية ممكنة، وهي موجودة الآن وقد بدأ وجودها بعد عدم، وهناك في الواقع المحسوس حيات كثيرة، وانعدام العصا أو الحية وتحولهما إلى (لا شيء) أمر ممكن، وكذلك نشوء العصا أو الحية من (لا شيء) أمر ممكن أيضاً، والكون كله قد نشأ من (لا شيء) في بدايته، مهما طالت سلسلة الأسباب والمسببات بين تلك البداية وبين هذه اللحظة الآنية..
فثبت إذاً أن انقلاب العصا حية، وعودة الحية عصاً ممكن عقلاً، فهو مقدور لله، وقد وقع ذلك فعلاً لموسى بن عمران، صلوات الله وسلامه عليه وعلى أخيه هارون، وإن كان ذلك محالاً في العادة، أي وفق قانون الطبيعة، ولكنه ممكن عقلاً، فليس هو من المحالات العقلية المنطقية.
أما القول بأن القدرة الإلاهية تتعلق بالمحالات العقلية فيجوز من ثم لله أن يتخذ ولداً حقيقياً ذي عنصر وجوهر إلاهي، ويجوز للكلمة الإلاهية أن تنقلب لحماً ودماً، القول بذلك ونحوه يفضي إلى جعل الله، تعالى وتقدس، باطلاً: فيجوز أن ينقلب من واجب وجود إلى ممكن، فالأولى أن يحكم بأنه معدوم، ونشوء الكون من لا شيء بغير خالق أهون من ذلك، وأسهل قبولاً. وبهذا ينهدم العقل، وتبطل اللغات والشرائع، عياذاً بالله.
وهذا المبحث في حقيقة الإرادة والمشيئة والأمر من أخطر مباحث العقيدة لذلك زلت فيه الأقدام، واحتارت فيه فيه الأفهام. فالقدرة لا تتعلق بالواجب لذاته، أي: واجب الوجود، ولا بالمستحيل لذاته، لأنها إن تعلقت بوجود الواجب لزم تحصيل الحاصل وهذا لغو لا معنى له، وان تعلقت بعدمه لزم انقلاب حقيقة الواجب، وحقيقته لا تقبل العدم أصلاً بالضرورة المفاهيمية المطلقة، لأن انعدام واجب الوجود محال مطلقاً.
والقدرة أيضاً لا تتعلق بالمستحيل، لأنها ان تعلقت بالمستحيل لإعدامه لزم تحصيل الحاصل أيضا وهو هراء لا معنى له، وان تعلقت به لإيجاده لزم انقلاب حقيقة المستحيل لذاته، وحقيقته لا تقبل الوجود أصلاً، بالضرورة المفاهيمية المطلقة، فلزم ضرورة أن القدرة لا تتعلق إلا بالممكن.
والله، جل جلالده، وسما مقامه، هو الحق المبين، الذي قد أحاط بكل شئ علماً، القدوس المنزه عن كل عيب ونقص، فمن المحال المتتنع أن تتجه مشيئته وإرادته أصلاً إلى الباطل، لذلك لا يمكن أن تتجه المشيئة والإرادة لا إلى الواجب بذاته، ولا إلى المستحيل لذاته
بناءً على هذا فان القدرة والإرادة كلاهما لا تتعلقان بالمستحيل لذاته ولا بالواجب بذاته. ولا يلزم من عدم تعلقهما بالواجبات والمستحيلات نسبة العجز والقصور إليهما، وإنما يلزم ذلك فقط فيما يمكن أن تتعلق به القدرة والإرادة، وليس هذا هو الحال ها هنا لأن القدرة لم تتعلق به أصلاً، ولا المشيئة اتجهت إليه ابتداءً.
والكثير من الناس يتخوف من النص على ما قلناه، وهو: (أن القدرة الإلاهية إنما تتعلق بالممكنات العقلية والمنطقية فقط، ولا تتعلق بالمحالات العقلية أو المنطقية)، وذلك تعظيماً لله، وتأدباً معه. فنقول: أحسنت وأجدتم إذ التزمت الأدب عند الكلام عن الرب، جل جلاله، وتقدست أسماؤه، ولكن لا تخافوا، فقد جاء هذا من كلام الله نصاً، حيث قال، تعالى ذكره: }لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً لاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ{، (الزمر؛ 39:4). فهذا تقدير امتناع لامتناع: فلو فرض المحال جدلاً أن الله يشتهي الولد، ويريد أن يتخذ ولداً، تعالى وتقدس عن تلك الشهوات والإرادات، لما كان في الإمكان أكثر من أن «التبني»، أي أن «يصطفي» من مخلوقاته ما يشاء، فقط لا غير. أما ولد للصلب فمحال، وأما تبني كائنا إلاهيا آخر فيصبح ولداً متبنىً فمحال أيضاً، إذا ما ثم إلا كائن إلاهي واحد، فقط لا غير، من غير زيادة ولا نقصان، هو الله العزيز الحكيم. وهذا هو قولنا الذي سلف، حرفاً بحرف، فالحمد لله الذي أنزل الذكر، قرآناً وسنة، شفاءً لما في الصدور، وهدىً ورحمة لقوم يوقنون.
وهذا الهدى والنور الذي أنزله الله على خاتمة أنبياء الله، محمد بن عبد الله، عليه وعلى آله صلوات وتسليمات وتبريكات من الله، يبين أيضاً أن الله، جل جلاله، لا يشتهي الولد أصلاً، ولا يريده، ومن ثم فهو لا «يتبنى» مطلقاً، قلا يجوز أن يوصف إنسان من البشر في الأرض، أو ملك من ملائكة السماء، أو أي مخلوق آخر، بأنه «ابن» الله، أو «بنت» الله. لذلك فإن القول بأن المسيح عيسى بن مريم، صلوات الله وسلامه وتبريكاته عليه وعلى والدته، ابن الله، حتى بمعنى «التبني» هذا، باطل، ومن قال به بعد نزول القرآن فهو كافر لأنه مكذب لله تعالى.
غير أن طوائف من النصارى، من أتباع آريوس وكذلك أغلب اليهود المتنصرين الأوائل، قد قالوا بذلك قديماً. وهم بذلك مخطؤون، إلا أنهم ليسوا مشركين، إن شاء الله تعالى، لأن الكتب الأولى لم تذكر من هذا شيئاً، بل قد جاءت ألفاظ في الكتب القديمة يفهم منها «التبني» بمعتى «الاصطفاء»، فهم إذاً مؤمنون موحدون، لم يكذبوا لله خبراً، ولم يجعلوا لله شريكاً، ولم ينسبوا له ولداً «حقيقياً»، أي من طبيعة أو عنصر إلاهي، مساوياً لأبيه في الجوهر، كما فعل المثلثون، وغيرهم من فرق الشرك والكفر، كما سيأتي تفصيله.
وحتى من قال بـ«البنوة» الحقيقية، وهي مقول شرك وكفر بذاتها، كثير منهم قد يكون معذوراً بجهل أو تأويل، أو بعض موانع التكفير المعروفة، وذلك قبل بزوغ شمس الرسالة المحمدية، وانبلاج نور الحجة الرسالية، فإلى الله ينبغي تفويض أمرهم، كما سيقول السيد المسيح عيسى بن مريم، صلوات الله وسلامه وتبريكاته عليه وعلى والدته، نفسه يوم القيامة: }إن تعذبهم فإنهم عبادك، وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم{، وهكذا نقول، والثانية أي المغفرة نرجو، ولن يهلك على الله إلا هالك!
هذه مجرد لمحة خاطفة في أهم المباحث المتعلقة بتوحيد الرب، جل جلاله، وسما مقامه، على وجه الإجمال والاختصار. أما بسط الكلام في هذا فيحتاج المجلدات، وله موضع غير هذا: نسأل الله فسحة في الأجل، وصحة في البدن لمحاولته، لا إله إلا هو، عليه نتوكل، وبه نستعين.

u فصل: براهين شهادة أن: «محمداً رسول الله»
ومن ناحية أخرى فإن كل ما غاب عنا، أي ما لم يقع عليه حسنا مباشرة، أو كان قبلنا، فلا يمكن أن يعرف إلا بالخبر عنه. وخبر التواتر يوجب العلم الضروري، ولا بد، ولو دخلت في نقل التواتر داخلة أو شك لوجب أن يدخل الشك هل كان قبلنا خلق من بني آدم أم لا إذ لم نعرف كون الخلق موجودا قبلنا بهذه الصفة إلا بالخبر المتواتر ومن شك في هذا هدم العقل، ولحق بالمجانين، ولم يعد يحسن معه خطاب أو حوار أو كلام.
والتواتر هو نقل عدد يستحيل تواطؤهم على الكذب عن مثلهم إلى منتهاه، بحيث يكون المنتهى مما يقع عليه الحس، أي مما يمكن أن يكون السامع لخبره ناقلاً له من جملة الناقلين لو كان حضره فشهده ببصره أو سمعه أو كليهما. أما إجماع الجم الغفير على معتقد أو رأي فلا قيمة له، وهو ليس بتواتر يثبت به شئ، وكدلك إجماعهم على ضروريات العقل، ليس بتواتر، وإن كانت ضروريات العقل هي المرجع والحكم النهائي في كل معرفة، ولكنه ليس بتواتر، ولا من جنسه، وإن كان أعلى منه في القيمة المعرفية. وإنما التواتر هو النقل الموصوف أعلاه المنتهي إلى الحس، أي إلى «الشهادة»، بالسمع أو البصر أو بكليهما، وربما بغيرهما من الحواس، لا غير.
وبنقل التواتر المذكور ثبت أن قوما من الناس أتوا أهل زمانهم يزعمون أن الله تعالى خالق الخلق أوحى إليهم يأمرهم بإنذار قومهم بأوامر ألزمهم الله تعالى إياها فسئلوا برهانا على صحة ما قالوا فأتوا بأعمال هي خلاف لطبائع ما في العالم لا يمكن البتة في العقل أن يقدر عليها مخلوق، حاشا خالقها الذي ابتدعها كما شاء:
ــ كقلب عصا حية تسعى،
ــ وشق البحر لشعب عظيم جازوا فيه وغرق من اتبعهم، وهم جيش كبير عليه ملك جبار،
ــ وكإحياء ميت قد صح موته يقيناً بعد موته بأيام عديدة، وفي أكثر الأحيان يكون قد دب فيه العفن المتقدم، أو يكون قد تطاول عليه الزمن حتى عاد عظاماً نخرة،
ــ وكإبراء أكمه ولد أعمى فارتد بصيراً على الفور،
ــ وكناقة حية من لحم ودم تأكل وتشرب وتُحلب خرجت من صخرة صمَّاء ميتة،
ــ وكإنسان رمي في النار المتأججة فلم يحترق،
ــ وكإشباع مئات من الناس من صاع شعير،
ــ وكنبعان الماء من بين أصابع إنسان حتى روي العسكر كله،
فثبت ضرورة أن الله تعالى شهد لهم بما أظهر على أيديهم بصحة ما أتوا به عنه وأنه تعالى صدقهم فيما قالوه.
وثبوت النبوة والرسالة لإنسان يعني أن من أرسله هو الله، خالق الكون والإنسان والحياة، وأن هذا الشخص نبي صادق، وأنه مؤيد بتلك البينات من الذي أرسله: فثبوت النبوة والرسالة يثبت فوراً، وللوهلة الأولى، وجود المرسل، فهو إذاً يغني عن البراهين المستقلة على وجود الخالق تبارك وتعالى.
أي أن براهين النبوة والرسالة هي في نفس الوقت، وعلى الفور للوهلة الأولى، أدلة على وجود المرسل، تبارك وتعالى، فلا حاجة لما ذكرناه من البراهين العقلية المحضة، آنفة الذكر، على وجود الخالق تبارك وتعالى، إذ أن براهين النبوة تجزئ عنها.
فما قد يقدمه بعض الفلاسفة من استشكالات على تلك البراهين العقلية، تتعلق أكثرها بإشكالية حدود تعقل وتصور الزمان والمكان، لا يضر شيئاً إذ أن النبوة والرسالة تبرهن برهاناً قاطعاً على وجود المرسل، وتخبر عن أهم صفاته، من غير أن ترد عليها تلك الإشكاليات. فالحمد لله الذي أقام صنوفاً مختلفة من البراهين على وجوده ووحدانيته وألوهيته وربوبيته، لا إله إلا هو، عليه نتوكل، وبه نتأيد!
ومحمد بن عبد الله بن عبد المطلب الهاشمي القرشي العربي هو رسول الله إلى جميع الإنس والجن كافرهم ومؤمنهم بالبراهين القطعية الكثيرة، ومنها:
v معجزة القرآن: وهي أهم معجزاته وأعلاها، أنه أتى بهذا القرآن المنقول إلينا بأتم ما يكون من نقل التواتر، المحفوظ حرفاً حرفاً، بل حركة حركة، مع كيفية ترتيله والتغني به، وأنه دعا من خالفه إلى أن يأتوا بمثله متحدياً لهم، ساخراً منهم، في أسلوب كله تقريع وتوبيخ، فعجزوا كلهم عن ذلك، وهذا التعجيز لجميع العرب عن أن يأتوا بمثله أولهم عن آخرهم موجود في نص القرآن في مواضع عديدة، بل إن التحدي على الإتيان بمثله كان لكل الجن والإنس، ثم قطع أنهم لا يستطيعون ذلك ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً ومعيناً، وقد عجزوا عن ذلك، وما زالوا عاجزين، وسيبقون عاجزين إلى يوم القيامة.
ولا يهم ماهية هذا الإعجاز: أهو لأمر ذاتي في القرآن، أي لأنه معجز بذاته، أو بـ«الصرفة» أي لأن الله صرفهم، وأحبط عزيمتهم، وأفشل إرادتهم، فكلا الأمرين خارق لنظام الكون. وعلى كل حال فالتحدي بالقرآن قد تم، وعجز العرب وغيرهم قد ثبت، هذه حقيقة تاريخية ثابتة.
نعم: لقد قامت الحجة واكتمل البرهان، لا سيما وأن العرب الأقحاح الذين يتكلمون اللسان العربي الفصيح على السليقة قد انقرضوا في أواسط القرن الهجري الرابع، أي الميلادي العاشر، ولم يبق من يتكلم باللسان العربي الفصيح إلا بعد تكلف وتعليم، وليس أحد منهم حجة على العربية الفصحى، فلا يقبل حكمه في القرآن: لا بالقول أنه معجز، ولا بالقول أنه ليس بمعجز من الناحية اللغوية البلاغية المحضة.
أما التحدي بالقرآن من ناحية معانيه، وما فيه من إبداع أدبي وبلاغي، وما تميز به من تصوير فني، وإخراج قصصي مسرحي، وما فيه من إخبار صادق عن الأمم السابقة، وما فيه من معجزات علمية، وخلوه من التناقض، وتأثيره المذهل في النفوس حتى في ترجماته، التي غالباً ما تكون هزيلة، إلى لغات أخرى، فهذا التحدي ما زال قائماً إلى اليوم، وسيبقى قائماً إلى أبد الأبد: قال، جل وعز، عن هذا القرآن نفسه: }سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسه حت« يتبين لهم أنه الحق، أو لم يكف بربك أنه على كل شئ شهيد{، (فصلت: 41؛53)، أي أن القرآن حق من عند الله، أو أن ما جاء به محمد حق من عند الله، وكل ذلك متلازم يقتضي بعضه بعضاً.
ولعلنا نؤكد حقيقة هامة، وهي أن خلو القرآن من التناقض جاء في صورة تحدي للخصوم بأن يتدبروه بكل دقة بقصد إثبات تناقضه، أي بقصد إبطاله، ثم قال متحدياً: لن تجدوا أبد الدهر فيه شيء من ذلك، لأنه من عند الله، كما قال رب العزة والجلال، تباركت أسماؤه: }أفلا يتدبرون القرآن؟! ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً{، (النساء؛ 4:82).
هذه دعوة صريحة للنقد والتمحيص، وليست دعوة للتسليم من غير برهان، وهي تقرير لمبدأ «الإبطال والتزييف»: أي أن كل ما لم يصمد للفحص والتدقيق، ومحاولة التزييف، فهو خلو من البرهان، وهو من ثم باطل، ومدعيه كاذب، حتى لو أصاب الحقيقة بالصدفة: }هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين!{، (النمل؛ 27:64) وهذه آية مكية، وكذلك: }هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين!{، (البقرة؛ 2:111) وهذه مدنية.
فالحقيقة، وإن كانت في ذاتها ثمينة مطلوبة، إلا أنها لا تصمد في ذهن المؤمن بها، ولا تنتج فكراً أو عملاً بحق إلا إذا كانت قد قامت على البرهان، وإلا عصفت بها الرياح.
ومن قبل بدعوى، حتى ولو كانت صحيحة في ذاتها، بغير برهان، فهو متقول بغير دليل، وهو من ثم كاذب، حتى ولو كانت المقولة في ذاتها صادقة، لأن من لم يأت بالبرهان كاذب: }هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين!{: أي إن كنت صادقاً فأرني برهانك، وإلا فأنت كاذب، لأنه ليس ثمة إلا: صادق أو كاذب، لا ثالث لهما!
وقوله، تعالى ذكره: }سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسه حت« يتبين لهم أنه الحق، أو لم يكف بربك أنه على كل شئ شهيد{، (فصلت: 41؛53)، إذا تدبرته مع ما أسلفناه دعوة صريحة للنظر في الآفاق، وفي ذات الإنسان، للبحث عما يثبت بطلان القرآن، من قبل من يزعم أنه ليس من عند الله، لأن الله الذي أنزل القرآن وعد أنه سيأتي بمزيد أدلة على صدق القرآن، شيئاً فشيئاًً، في العالم المحسوس: في الآفاق وفي أنفسنا، وقد تحقق من ذلك الكثير، فمثلاً:
ــ ذكر القرآن العظيم العديد من الأمور المتعلقة بتشكل الجنين وتطوره، وبعضها يستحيل الوصول إليه بمجرد التشريح المعتاد، بل هو بحاجة إلى استخدام المجاهر وآليات حديثة أخرى. وقد جمع أكثر ذلك بعض الدارسين وترجموه بكل دقة ثم عرضوه، كما هو الواجب عقلاً وشرعاً، على أهل الاختصاص من أساتذة علم الأجنة، ومنهم: الأستاذ الدكتور كيث مور، أستاذ علم الأجنة في جامعة تورونتو بكندا، فدهش الرجل من دقة تلك المعلومات، وقام بإجراء تعديلات على الطبعة الثانية من أحد كتبه، وقام بإظهار ذلك على الملأ، في الإذاعة والتلفاز، وحظي ذلك بتغطية في الصحافة التي خرج بعضها بعناوين مثل: (أشياء مدهشة وجدت في كتاب عتيق):

(SURPRISING THINGS FOUND IN ANCIENT BOOK!). ــ نص القرآن على أن الأحياء خلقت كلها «من» الماء. ليس هذا هو القول بأن الكائنات الحية «تحتاج» الماء، كما هو معروف لكل أحد منذ أقدم الأزمنة، وإنما هو أنها مكونة في جوهرها من الماء، وأن الماء مكون أساسي لها. وهذا إنما ثبت حديثاً من دراسة جميع الخلايا الحية دراسة مجهرية فثبت أن الزلال الخلوي يحتوي من 80% من الماء، وأن وظائف الحياة المعروفة كلها تتعذر إلا في الوسط المائي. v ومن معجزاته، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أنه شق له القمر قال الله عز وجل: }اقتربت الساعة وانشق القمر وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر وكذبوا واتبعوا أهوآءهم وكل أمر مستقر ولقد جآءهم من الأنبآء ما فيه مزدجر حكمة بالغة فما تغني النذر{، ورآه الكثير منهم عيانآ. وقد استشكل أقوام أن ذلك ما رؤي إلا في مكة وما حولها، لم يره غيرهم، فأين بقية سكان الأرض، على كثرتهم. فنقول: لو تابعتم نشرة الأحوال الجوية في التلفاز لأدركتم أن نصف الكرة الأرضية قد تغطيه السجب بأكمله إلا بقاع قليلة مرات كثيرة في السنة. وحادثة انشقاق القمر إنما استغرقت ثوان قليلة، ورآها أهل مكة، ومن حولهم، وهم المخاطبين بها لا غيرهم. أما بقية بقاع الأرض في جانبنا هذا من الكرة الأرضية فكانت تغطيها السحب. على أن ذلك كان ليلاً، وما لم يرفع الإنسان رأسه إلى السماء، حيث كانت صحواً، فلا يمكنه إدراك ذلك أو رؤيته.
ويحتمل أن قلة من الناس رأته فلم تجرؤ على الكلام عنه خشية أن تتهم في عقولها، فالحدث إنما دام ثوان معدودة. وأخبرني بعض أهل الهند أن أحد ملوكهم شهد هذا وسجله، ولكنه لم يأتني بمرجع أو إسناد معتبر.
أما من زعم أن هذا سيكون عند، أو قبيل، القيامة الكبرى فما أصاب، ونص الآية قطعي على أنهم رأوا الآية وأعرضوا واتهموا محمداً بالسحر، فلم المكابرة والتكلف إذاً؟! على أنه قد جاءت روايات صحيحة، في البخاري وغيره، عن نفر من الصحابة بوقوع ذلك في مكة.
v ودعا اليهود إلى تمني الموت إن كانوا صادقين في زعمهم أنهم أولياء الله وأنهم «شعب الله المختار» من دون الناس، وأن الجنة لهم وحدهم محجوزة مرتبة، وأخبرهم أنهم لا يتمنونه أبداً لكذبهم وسوء عملهم، فعجزوا كلهم جهاراً عن تمني الموت، ولزمتهم الفضيحة إلى آخر الأبد.
v ودعا النصارى، نصارى نجران، إلى مباهلته لحسم الخلاف حول طبيعة السيد المسيح عيسى بن مريم، صلوات الله وسلامه عليه وعلى والدته، ووصفهم بالكذب والكفر، وتوعدهم بالنار، فأبوا كلهم، وقبلوا أن يخضعوا لسلطانه، وأن يدفعوا الجزية وهم صاغرون، من غير كر ولا فر ولا قتال، ولزمتهم الفضيحة كذلك إلى آخر الدهر.
v وقطع على أن عمه أبا لهب بن عبد المطلب وزوجه أم جميل من أهل النار في سورة تتلى إلى اليوم، وإلى الأبد، وبقي عمه بعد نزول السورة أعواماً في ضلاله وغيه حتى مات على الكفر وعلى معاداة محمد، صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله. وكان أسهل شئ في الدنيا عليه أن بتقدم إليه معلناً التوبة والرغبة في اتباعه، فيظهر بذلك تناقضه، فلا يستطيع محمد محو السورة أو إنكارها من غير أن يفتضح، ولا هو بمستطيع الإفلات من مضمونها، وهو قطعي الدلالة لا محيص عنه، ولكن ذلك كله لم يحصل، مع أن أولياء أبي لهب من المشركين كان فيهم الدهاة، ورجال المناورة، ومن اعتاد دبلوماسية الملوك، مثل عمرو بن العاص، ولكنهم كلهم أعماهم الله عن هذه المناورة السهلة البسيطة، بالرغم من استماتتهم في البحث عما يبطل نبوته، وتآمرهم ليل نهار عليه وعلى دعوته وأصحابه، وتواطئهم على تعذيبهم، ومصادرة أموالهم، وقتلهم وإخراجهم.
v وجاء في القرآن العظيم أن الفرعون الذي غرق في مطاردة بني إسرائيل نُجِّي ببدنه: }ليكون لمن خلفه آية{، وهو أمر لم تذكره كتب بني إسرائيل، الذين شهدوا الواقعة، بل ذكروا أنه قد غرق وجيشه فقط، ثم انقطعت أخبار مصر عنهم بعد ذلك. وبالفعل وجدت أجسام جميع الفراعنة الذين كانوا قبل وبعد ذلك الزمن محنطة مصبرة، لم يفقد منهم أحد مطلقاً. وهذا سبب إشكالات كبيرة لعلماء الآثار المحاولين التحقق من صدق «العهد القديم»، وروايات بني إسرائيل. وهذه آية كبرى لمحمد بن عبد الله، عليه وعلى آله صلوات وتتسليمات وتبريكات من الله، تقوم بها وحدها الحجة اليقينية على نبوته.
v وأخبر في القرآن العظيم، والنص موجود فيه يقرأ حتى هذه الساعة، أن الروم الذين غلبهم الفرس وألحقوا بهم هزيمة نكراء، أوشكت أن تبيد دولتهم، وحاصروهم في عاصمتهم القسطنطينية، أخبر أنهم ستكون لهم كرة أخرى ينتصرون فيها على الفرس.
وكانت قريش الوثنية فرحت بهزيمة الروم، وهم أهل كتاب، على يد الفرس، وهم وثنيون يؤمنون بإلهين متحاربين متخاصمين: إله النور وإله الظلمة، وقالت قريش متفائلة ما معناه: (كما أن الفرس هزموا الروم، أهل الكتاب، ويوشكون على استئصالهم، فنحن كذلك سوف نستأصل محمداً وأتباعه)، وكانت هزيمة الروم على يد الفرس هزيمة ساحقة في موقعة أنطاكية الشهيرة عام 613م، فجاء القرآن مكذباً لفألهم، مخبراً أن الوضع سينقلب إلى ضده في بضع سنين. وقد قامر أبو بكر الصديق، رضوان الله وسلامه عليه، أحد المشركين على أن الروم سوف ينتصرون بعد ثلاث سنين وأخبر النبي، عليه وعلى آله الصلاة والسلام، بذلك فسأله: «ما البضع في لسان قومك؟!»، فقال: (من ثلاث إلي تسع)، فأمره بالزيادة في الرهان مقابل الزيادة في المدة، ففعل أبو بكر، وانعقد الرهان على تسع سنين، وربح الرهان، بانتصار الروم عام 622م، وذلك قبل مجئ الحكم بتحريم القمار والمراهنة، وهذه الأحداث مذكورة في (تاريخ الدولة البيزنطية) للمؤرخ الروسي «أوستروجورسكي»، وهو كذلك عند المؤرخ الإنجليزي الشهير «جيبون» في موسوعته العظيمة: (انحدار وسقوط الامبراطورية الرومانية).
v وجاء في القرآن الكثير من أخبار الأمم السابقة على نوح يشبه، ولكنه لا يتطابق مع الكتب القديمة، بل وأحياناً على خلاف جوهري لما في كتب أهل الكتابين السابقين:
ــ فمن ذلك رفعه لشأن سليمان الذي يتهمه اليهود بالردة والكفر والسحر، وأكثرهم عى أنه في أحسن أحواله ملك حكيم، وليس بنبي، فمن أين أتى بهذا؟! لو كان متنبئاً كاذباً ماكراً لما أدخل نفسه في هذه الورطات من غيرضرورة أو سبب موجب. ولو كان موسوساً مغلوباً على عقله، يعتقد في نفسه النبوة لعاطفة جامحة، أو لخيال مريض، فما هي دوافعه، أو دوافع «عقله الباطن» المزعومة، في التحمس لسليمان ووصفه بالنبوة، ومصادمة ما هو مشهور عند الناس ويعتقده حتى صغار الأطفال فيه من السحر وتنصيب الأوثان، وليس بينه وبين سليمان قرابة، أو مودة أو أي علاقة مصلحية من قريب أو بعيد، بل بينهما فوق ألف وخمسمائة عام، وهما من شعبين مختلفين، يكره كل منهما الآخر ويحتقره.
ــ وكذلك تبرئة هارون، صلوات الله عليه، من مزاعم اليهود، كما هي في العهد القديم، أنه هو الذي صنع «العجل الذهبي».، فكيف جاء هذا كله، وما هي دوافعه، ولماذا خالف ما وصل إلى علمه من أهل الكتاب، إن كان قد تعلم منهم، كما يزعم مكذبوه في جميع العصور، وبخاصة من المستشرقين «المتعالمين».
ــ وفي قصة يوسف وإخوته خالف في نقاط مهمة ما جاء في «العهد القديم»، كما هو في أيدي اليهود والنصارى. فمثلاً ينص «العهد القديم» على أن إخوة يوسف باعوه لقافلة من «الإسماعيليين». ولكن القرآن ينص على أنهم لم يباشروا ذلك بأنفسهم، وإنما ألقوه في الجب آملين أن يلتقطه بعض السيارة، أي أحد القوافل التي تعبر بانتظام، ولعلهم رصدوا في الأفق قافلة مقبلة من بعيد فألقوه حينئذ. ومهما كان الأمر فإن قصة العهد القديم غير معقولة، وتفوح منها رائحة الكذب: فبنو إسماعيل. وهو الأخ الأكبر لإسحاق، الجد الأول المباشر ليوسف وإخوته، لا يمكن أن تتكاثر أعدادهم في تلك المدة القصيرة بحيث يمكن أن تتكون منهم قافلة تتجه إلى مصر للتجارة، تستحق أن تسمَّى قافلة من «الإسماعيليين»، لا سيما وأنهم كانوا في أعماق الجزيرة العربية. هذه أكذوبة متأخرة، بعد أن أصبح الإسماعيليون أمة كبيرة، لها قوافل منظمة، وكانت بينهم وبين بني إسرائيل مناوشات وعداوات وحروب، فقام بعض المتأخرين من كذبة بني إسرائيل بوضع تلك الأكذوبة لإظهارهم بصورة سيئة، على عوائد أساطين الدعاية الكذابين عندما يخوضون الحروب المعنوية، وحرب الدعاية: فما دام إخوة يوسف، بنو يعقوب بن إسحاق، سلام الله عليهما، سقطوا تلك السقطة الشنيعة، وقاموا بذلك العمل القبيح في حق أخيهم يوسف، فلم لا نشرك بني إسماعيل معهم، حتى يصبح الجميع في القبح والإجرام سواء؟!
سيقول المستشرقون والمنصرون، كعادتهم طبعاً، هذا من نباهة محمد وعبقريته! فيا لله للعجب من هذا الرجل:
ــ فهو تارة عبقري فذ، وفيلسوف كبير، وسياسي ماهر، يتعمد الكذب ويتقنه، وكان يتظاهر بالأمية والعامية. هذه «فضيحة»: ولهذا قل من يقول بها اليوم، فحياة محمد من أولها إلى آخرها تظهر أنه كان على يقين راسخ، وإيمان جازم، لا يتزعزع، بأنه نبي مرسل.
ــ وأخرى جاهل أبله يغلط في البديهيات، حتى فاته أن هارون هو صانع العجل الذهبي، وأنه لم يكن زمن موسى من يسمًّى (سامري)، وأن (الصلب) عقوبة رومانية لم توجد في العالم قط، فكيف صلب فرعون السحرة؟! ولما كان قد درس على أهل الكتب السابقة فهو، ضرورة، تلميذ «خائب»، تكثر غلطاته حتى في البديهيات.
ــ وتارة درس على أحبار النصارى واليهود وحفظ، لذلك روى عنهم بدقة كبيرة، ولكنه ما أتى بكبير جديد، وإنما هو يجتر ما أبدعوه اجتراراً،
ــ بل لعله أسقف نصراني، متمكن في علوم النصرانية، تمرد على الكنيسة واتبع المبتدع «آريوس»، الذي ينكر ألوهية المسيح.
والمعضلة، بل «الفضيحة»، في هذه الحالة أعظم، لأن ذلك يتناقض مع النقل التاريخي المقطوع به: أنه كان أمياً، ولم تكن له أي علاقة مطلقاً بكنائس النصارى أو أحبار اليهود، كما يتناقض مع عدم وجود نص قرآني، أو حديث صحيح ثابت، يشبه أن يكون منقولاً، ولو بتصرف، من القصص الموجودة الكتب الأولى، أو يقترب من أسلوب سردها.
ــ بل لعله متطرف متحمس مهووس، يريد إصلاح المجتمع المكي «البورجوازي» الفاسد، فغلبه عقله الباطن، فاعتقد في نفسه النبوة اعتقاداً جازماً، فهو مخلص في ادعائه، ولكنه مغلوب على عقله،
ــ طبعاً قل اليوم جداً من يقول أن الشيطان هو الذي أوحى لمحمد بالقرآن. هذا الكلام «عيب»، ولا يوافق عقلية العصر الحديث، التي تنكر الجن والعفاريت والشياطين!
ولكن لا بأس: فما أحسن هذا «الشيطان» الذي يوحي بمثل هذا القرآن المملوء بالمواعظ والحكم، والأمر بالعدل والإحسان، وصلة الأرحام، والرحمة باليتيم والمسكين والضعيف؟! وأي «شيطان» عجيب هذا الذي يعلم غيوب المستقبل، ومطويات الماضي؟!
ولعل القوم يتحفوننا قريباً بنظرية جديدة لتفسير «الظاهرة المحمدية». وعلى كل حال فلا خير في أي تفسير لا يكون:
(1) «شاملاً» يفسر جميع جوانب «الظاهرة المحمدية»، بدون استثناء،
(2) مع كونه «متناسقاً»، أي خالياً من التناقض.
v وجاءت في القرآن بعض الأخبار عن الأمم السابقة التي لا وجود لها أصلاً في كتب أهل الكتابين السابقين:
ــ ذكر القرآن أن أحد وزراء فرعون، أو لعله أحد رجالات الدولة الفرعونية القياديين، كان يسمّى، أو يلقب، بـ«هامان»، وذلك في نصوص القرآن التالية:
(1) }وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ{، (غافر؛ 40:36)؛
(2) }وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ{، (القصص؛ 28:38)؛
(3) }وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ{، (القصص؛ 28:6)؛
(4) }فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ{، (القصص؛ 28:8)؛
(5) }وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ{، (العنكبوت؛ 29:39)؛
(6) }إِوَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآياتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ v لَى فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ{، (غافر؛ 40:23-24).
وقد أشكلت هذه الإشارة على كثيرين ممن يزعم أن محمداً، عليه وعلى آله الصلاة والسلام، إنما اقتبس معلوماته التاريخية من الكتب المتقدمة. ولكن الكتب الأولى لا تذكر هذا الإسم عند الكلام عن موسى وفرعون.
نعم: هناك هامان آخر، ولكن هذا كان وزيراَ لأحد ملوك بابل أثناء الأسر البابلي لبني إسرائيل، لذلك سارع بعض المستشرقين والمنصرين بالقول أن محمداً اختلطت عليه الأمور، فنقل هذا الوزير إلى قصة موسى، وهي متقدمة على الأسر البابلي بما يزيد على ألف عام.
إلا أن الحق هو أن لفظة «هامان» لفظة فرعونية، وجدت هكذا بعينها منقوشة على حجر رشيد الشهير، الذي كان المفتاح لفك رموز الكتابة الهيروغليفية، وليس هذا فحسب بل أن موصوف بكونه: (رئيس عمال المحاجر، وقطع الصخور)، أي ما يشبه (وزير الأشغال العامة) في العرف الحديث، فهو إذاً المسؤول عن المشاريع المعمارية الضخمة للدولة الفرعونية، تماماً كما هو في النص القرآني آنف الذكر.
بل إن هناك في الآيات مؤشرات أخرى، من أهمها أن ذلك الـ«هامان» المعين، الموجود في زمن فرعون موسى، كان يلعب دوراً سياسياً بارزاً، يشبه دور رئيس الوزراء أو الوزير الأول، ولا يتناسب عادة مع منصب (وزير الأشغال العامة) في الأحوال العادية. لذلك لا بد أن يكون ذلك العهد عهد منشئات ضخمة، وأعمال معمارية كبيرة، بحيث كان تأثير (وزير الأشغال العامة) كبيراً وبارزاً على نحو ملفت للنظر، أو كان رئيس الوزراء يحتفظ لنفسه بهذه «الحقيبة» المهمة. هذا يتناسب جيداً مع كون زمن موسى هو، في الأرجح، أيام رمسيس الثاني، أو قبله بقليل، أو بعده بقليل، وهي عصور أضخم الإنجازات المعمارية الفرعونية.
ــ وجاء في نص القرآن: }أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ v إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ v الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلادِ{، (الفجر؛ 89:6-8).
هذا النص يجعلنا نقطع بأن (إرم) هذه مدينة مهمة، لعلها عاصمة دولة (عاد) أو أهم مدنها، وأنها عديمة النظير في الدنيا آنذاك. كما أن نصوص القرآن الأخرى التي تذكر الأنبياء بترتيبهم الزمني تجعلنا نقطع أن قوم عاد، وكذلك ثمود، كانوا سابقين على زمن موسى وهارون، بل على زمن إبراهيم، عليه وعلى آله الصلاة والسلام، بمدة طويلة.
وقد بقي ذكر القرآن لمدينة (إرم) هذه هو الذكر الوحيد لها، ولم يوجد لها ذكر أو أثر في أي مرجع أو أثر تاريخي آخر، حتى وردت إشارة إليها في أحد الألواح المكتوبة بالخط المسماري، التي كانت ضمن مجموعة تزيد على خمسة عشر ألف لوحة مسمارية تشكل أكبر أرشيف تم اكتشافه على الإطلاق، ويعود هذا الأرشيف إلى الألفية الثالثة (قبل المسيح). وقد تم اكتشاف تلك «المكتبة» في أطلال قصر دُمِّر في القرن الثالث والعشرين قبل الميلاد. (راجع مجلة الجمعية القومية الجغرافية، ديسمبر 1978م).
فمن أين أتى محمد، عليه وعلى آله الصلاة والسلام، بذكر هذه المدينة التي دمرت في الماضي السحيق، قبل مولده بجولي ثلاثة آلاف عام، ولم يعد لها ذكر؟! وحتى مع التسليم جدلاً أنها كانت من ضمن أساطير العرب، فكيف وثق بوجودها أصلاً وذكرها في القرآن؟!
ويزداد ذكر (إرم) في القرآن غرابة أنه، عليه وعلى آله الصلاة والسلام، لم يرد عنه أن كان يذكر شيئاً من أساطير العرب إلا على وجه التكذيب والإنكار؛ حتى روي أنه كان يقف بنسبه الشريف عند عدنان، ويكتفي بالنص علي أن عدنان من ولد إسماعيل بدون ذكر سلسلة نسب فوق ذلك، ثم يقول: «كذب النسابون»، فكيف جزم ها هنا بوجود (إرم)، بل وذكرها في القرآن؟!
ما سبق ذكره من البراهين مذكور كله في نص القرآن، وهناك براهين كثيرة أخرى نقلت نقل التواتر، خارج النص القرآني، منها:
v حن الجذع إذ فقده حنينا سمعه كل من حضره، وهم جموع كثيرة،
v ونبع لهم الماء من بين أصابعه الشريفة في أكثر من واقعة، وفي مناسبات عديدة، فسقى به الجيش الكبير، وتوضئوا، واغتسل بعضهم، وتزوَّدوا.
v وأطعم مئات من الناس من طعام قليل لا يكفي العشرة، مثل صاع شعير وجدي، فأكلوا حتى شبعوا، وزادت فضلة. وقد حدث هذا كذلك في مناسبات عديدة.
v وأذعن ملوك اليمن والبحرين وعمان لأمره للآيات التي صحت عندهم عنه فنزلوا عن ملكهم كلهم طوعا دون رهبة أصلا ولا خوفا من أن يغزوهم ولا برغبة رغبهم بها بل كان فقيرا يتيما. وكان هناك قوم يدعون النبوة كصاحب صنعاء وكصاحب اليمامة كلاهما أقوى جيشا وأوسع منه بلادا فما التفت لهم أحد غير قومهما وكان هو أضعفهم جندا وأضعفهم بلدا وأبعدهم من بلاد الملوك دارا
v ودعا العرب، وهم شعب عنصري متغطرس متمرد لا يعترف بسلطة مركزية، ويأنف من الطاعة والانضباط، ويحتقر الشعوب الأخرى، إلى إقامة الصلاة وأداء الزكاة وإسقاط الفخر والتجبر والتزام التواضع والصبر للقصاص في النفس فما دونها من كل حقير أو رفيع، والسمع والطاعة للولاة الشرعيين، وتقديم أهل العلم والفضل، حتى ولو كانوا من العبيد السود، دون أن يكون معه مال ولا عشيرة تنصره، بل إن قبيلته كانت هي الأولى والأسبق لتكذيبه، ومطاردة أتباعه، وتعذيبهم، حتى فروا بجلودهم إلى النجاشي في الحبشة، وكان من رؤوس المكذبين عمه وبنو عمومته. بل اتبعه كل من اتبعه مذعنا لما بهرهم من آياته ولم يأخذ قط بلدة عنوة وغلبة إلا خيبر ومكة فقط.
v وتنبأ بكثير من الأحدلث المستقبلية، ذاكراً لبعض جزئياتها بدقة وتفصيل، وليس على عادة الكهان في الكلام الغامض، والعموميات التي تكاد تنطبق على كل واقعة. وقد تحقق الكثير مما أخبر به أو أنذر، وما زال الكثير في مطويات المستقبل، ورحم الغيب.
بعض تلك النبوءات تحقق في حياته، وبعضه بعد وفاته بمدد متفاوته، ولعلنا نستقصي ذلك في كتابنا «طريق الإيمان»، إن شاء الله تعالى، إلا أننا نكتفي ها هنا ببعض تلك النبوءات المفصلة التي تحققت بعده بزمن طويل، بحيث تم تدوين كتب الحديث، ونقلها بالتواتر عن مؤلفيها، وانتشارها في الآفاق بحيث يستحيل العبث بها، أو إدراج شئ فيها من خارجها، تم كل ذلك قبل تحقق تلك النبوءات. وإنما بالغنا في هذا الاحتياط تخلصا من اعتراضات بعض المكابرين الذين ربما زعموا أن تلك الروايات إنما افتريت ووضعت ثم أدخلت في الكتب بعد وقوع الأحداث، لا قبلها، ثم نسبها بعض «الأتقياء» إلى نبيهم لإثبات نبوته، وتكثير البراهين على صدقه.
وإليك بعض تلك النبوءات الصادقة التي تحققت قبل كتابة هذه السطور، وبعد تكامل تدوين كتب الحديث وانتشارها في الآفاق، بحيث يستحيل العبث بها أو تزويرها، أي بعد 450 هـ تقريباً، الموافقة لعام 1050 م:
v من دلائل نبوته، عليه وعلى آله الصلاتة والسلام: قوله، عليه وعلى آله الصلاة والسلام: «لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من أرض الحجاز تضيء أعناق الإبل ببصرى»، وجاء في بعض الوايات زيادة تفصيل أن ذلك في واد من «حرة بني سليم»، جنوب المدينة المنورة، اسمه: «حبس سيل»، قريباً من موقع يقال له «رومان» أو «ركوبة». وقد حاولنا استيعاب تلك الأحاديث المتعددة بطرقها المختلفة في الملحق.
هذه الطرق المتعددة عن كل من: أبي هريرة، وعاصم بن عدي الأنصاري، وبشير السلمي، وأبي ذر الغفاري، وحذيفة بن أسيد، رضي الله عنهم، نقل تواتر يحدث علماً يقينياً بصدور تلك النبوءة عن أبي القاسم، رسول الله وخاتم النبيين، عليه وعلى آله أتم الصلاة وأكمل التسليم. وهي كذلك في كتب نقلت نقل تواتر عن مؤلفيها: «صحيح البخاري»، و«صحيح مسلم»، و«مسند الإمام أحمد بن حنبل»، و«صحيح ابن حبان»، و«المعجم الكبير»، و«المستدرك على الصحيحين»، وغيرها. وهذا الكتب قد انتشرت في الآفاق، وتجاوزن نسخها الألوف المؤلفة مما يجعل العبث بها كلها في آن واحد من المستحيلات.
وقد ظهرت هذه النار بالفعل، ليلة الأربعاء، أي مساء يوم الثلاثاء، بعد صلاة العشاء، 03/جمادى الثانية/654 هـ، الموافق 27/يونيو/1256م، ودون المؤرخون والمؤلفون أخبارها، ووصفوهاً وصفاً حياً دقيقاً يثير الإعجاب، يتبين منه أنها ثورة بركانية دامت عدة أشهر وتدفقت منها كمية كبيرة من الحمم، (قدرها بعض الباحثين المعاصرين بأكثر من عشرة كيلومترات مكعبة)، فسالت مسافة لا يستهان بها حتى قاربت المدينة المنورة:
v كما جاء، على سبيل المثال في «فتح الباري شرح صحيح البخاري»: [قال القرطبي في التذكرة قد خرجت نار بالحجاز بالمدينة وكان بدؤها زلزلة عظيمة في ليلة الأربعاء بعد العتمة الثالث من جمادى الآخرة سنة أربع وخمسين وستمائة واستمرت الى ضحى النهار يوم الجمعة فسكنت وظهرت النار بقريظة بطرف الحرة ترى في صورة البلد العظيم عليها سور محيط عليه شراريف وابراج ومآذن وترى رجال يقودونها لا تمر على جبل الا دكته وأذابته ويخرج من مجموع ذلك مثل النهر أحمر وأزرق له دوي كدوي الرعد يأخذ الصخور بين يديه وينتهى الى محط الركب العراقي واجتمع من ذلك ردم صار كالجبل العظيم فانتهت النار الى قرب المدينة ومع ذلك فكان يأتي المدينة نسيم بارد وشوهد لهذه النار غليان كغليان البحر وقال لي بعض أصحابنا رأيتها صاعدة في الهواء من نحو خمسة أيام وسمعت انها رؤيت من مكة ومن جبال بصرى. وقال النووي: (تواتر العلم بخروج هذه النار عند جميع أهل الشام). وقال أبو شامة في ذيل الروضتين: (وردت في أوائل شعبان سنة أربع وخمسين كتب من المدينة الشريفة فيها شرح أمر عظيم حدث بها فيه تصديق لما في الصحيحين فذكر هذا الحديث قال فأخبرني بعض من أثق به ممن شاهدها انه بلغه انه كتب بتيماء على ضوئها الكتب فمن الكتب فذكر نحو ما تقدم ومن ذلك ان في بعض الكتب ظهر في أول جمعة من جمادى الآخرة في شرقي المدينة نار عظيمة بينها وبين المدينة نصف يوم انفجرت من الأرض وسال منها واد من نار حتى حاذى جبل أحد وفي كتاب آخر انبجست الأرض من الحرة بنار عظيمة يكون قدرها مثل مسجد المدينة وهي برأي العين من المدينة وسال منها واد يكون مقداره أربع فراسخ وعرضه أربع أميال يجري على وجه الأرض ويخرج منه مهاد وجبال صغار وفي كتاب آخر ظهر ضوؤها الى ان رأوها من مكة قال ولا أقدر أصف عظمها ولها دوي. قال أبو شامة: (ونظم الناس في هذا أشعارا ودام امرها أشهرا ثم خمدت)، والذي ظهر لي ان النار المذكورة في حديث الباب هي التي ظهرت بنواحي المدينة كما فهمه القرطبي وغيره] ، انتهى نص كلام الحافظ، وما نقله عن السابقين من شهود العيان، وكيفوا وصفوا تلك النار الهائلة.
وقد درس بعض الباحثين المعاصرين، من علماء طبقات الأرض (الجيولوجيا)، الصخور التي تكونت من تلك الثورة البركانية، وقدَّروا حجمها، وتثبتوا من أعمارها، فلعلك تتأكد من بعض ذلك في المراجع التالية:
(1) Sindi, H.O.; The Geochemical-Geophysical aspects of the tectonism in the Arabian Shield.
Workshop on the "Geophysics and its tectonic implications in the Arabian peninsula and the Red Sea region" held in 25-31 October 1986, at the Department of Geology, Faculty of Science, Sana'a University, Sana'a, Yemen Arab Republic.
Bulletin of the Faculty of Science (Special volume), Sana'a University, Sana'a, Yemen Arab Republic. 1987.
(2) Sindi, H.O.; Geochemical Evolution and Basement Tectonism of the Arabian-Nubian Dome.
Proceeding of the "Ninth international Conference on Basement Tectonics" held at the Australian National University, Geology Department, A.C.T.S., Canberra, Australia, July /1-7/1990.
International Basement Tectonic Association Incorporated, Publication No. 7, (Applied Geophysics, Inc.), M. J. Rickard, et al. (eds.), Salt Lake city, Utah, U.S.A; and Kluwer Academic Publishers; Printed in Netherlands. p. 161-168, 1992.
(3) Sindi, H.O.; The Geology and Geochemistry of the Red Sea, Saudi Arabia, and its relation to the Pacific region.
Proceeding of the "Fifth International conference and exhibition of the Circum-Pacific council for Energy and Mineral resources Transactions", convened at the Hilton Hawaiian Village, Honolulu, Hawaii, U.S.A. on July 29 - August 3, 1990.
Gerald P. Salisbury and Alice C. Salisbury (eds.), cosponsored by the American Association of Petroleum Geologists (A.A.P.G.), Gulf Publishing Company, Houston, Texas, U.S.A, p. 411-420, 1996.

v ومن دلائل نبوته، عليه وعلى آله الصلاتة والسلام: إخباره أن أمته سوف تقاتل قوماً فطس الأنوف، صغار العيون ذلفها، حمر الوجوه، كأن وجوههم «المجان المطرقة»، وهذا وصف دقيق للشعوب التركمانية المغولية الصينية، بل قد جاء التصريح بأنهم هم «الترك». وقد أكدت الروايات أن ذلك سيكون في هجمات كبرى ثلاث مرات في أقل تقدير، وربما أكثر، لأن هذه السلالة البشرية سوف تشكل القوام الأكبر لجنود المسيح الدجال، فهذه هجمة كبرى، وبعضهم هم يأجوج ومأجوج، وهؤلاء لهم هجمة كبرى بعيد القضاء على الدجال، لعنه الله، بمدة قليلة، لعلها انتقاماً لهزيمته، والقضاء عليه.
ولكن النصوص ذكرت هجمات كبرى لا علاقة لها بواقعة الدجال، أو بهجمة يأجوج ومأجوج إذ هم من كل حدب ينسلون. وقد صورت الروايات بعض ما يكون في الهجمات من مآسي مفزعة:
v الهجمة، أو الهجمات، الأولى:
ــ «لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا الترك صغار الأعين حمر الوجوه ذلف الأنوف كأن وجوههم المجان المطرقة ولا تقوم الساعة حتى تقاتلوا قوما نعالهم الشعر»
ــ «لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا قوما صغار الأعين، عراض الوجوه، كأن أعينهم حدق الجراد، كأن وجوههم المجان المطرقة، ينتعلون الشعر ويتخذون الدرق: حتى يربطوا خيولهم بالنخل»
ــ «يجيء قوم صغار العيون عراض الوجوه كأن وجوههم الحجف فيلحقون أهل الإسلام بمنابت الشيح كأني أنظر إليهم وقد ربطوا خيولهم بسواري المسجد»،
ــ «إن أمتي يسوقها قوم عراض الوجوه، صغار الأعين، كأن وجوههم الحجف ثلاث مرار حتى يلحقوهم بجزيرة العرب أما الساقة الأولى فينجو من هرب منهم وأما الثانية فيهلك بعض وينجوا بعض وأما الثالثة فيصطلون كلهم: من بقي منهم»، قالوا: (يا نبي الله: من هم؟!)، قال: «هم الترك»، قال: «أما والذي نفسي بيده ليربطن خيولهم إلى سواري مساجد المسلمين»
ــ وقال أبو هريرة: ( ليسوقنهم حمرا غضابا كأنما وجوههم المجان المطرقة حتى يلحقوا ذا الزرع بزرعه وذا الضرع بضرعه)
ــ وقال عبد الله بن عمرو بن العاصي: (ليوشكن بنو قنطوراء بن كركري: خنس الأنوف، صغار الأعين، كأن وجوههم المجان المطرقة، في كتاب الله المنزل، أن يسوقونكم من خراسان وسجستان سياقا عنيفا. قوم يوفون اللمم، وينتعلون الشعر، ويحتجزون السيوف على أوساطهم، حتى ينزلوا الأيلة)، ثم قال: (وكم الأيلة من البصرة؟!)، قلنا: (أربع فراسخ!)، قال: (ثم يعقدون بكل نخلة من نخل دجلة رأس فرس!)
ــ وقال شداد بن معقل: قال عبد الله: (يوشك أن لا تأخذوا من الكوفة نقدا ولا درهما!)، قلت: (وكيف يا عبد الله بن مسعود؟!)، قال: (يجيء قوم كأن وجوههم المجان المطرقة حتى يربطوا خيولهم على السواد فيجلوكم إلى منابت الشيح، حتى يكون البعير والزاد أحب إلى أحدكم من القصر من قصوركم هذه)
ــ وقال الربيع بن ناجذ عن ابن مسعود قال: (يأتيكم قوم من قبل المشرق عراض الوجوه صغار العيون كأنما ثقبت أعينهم في الصخر كأن وجوههم المجان المطرقة حتى يوثقوا خيولهم بشط الفرات)
ــ وقال ابي هريرة: «أعينهم كالودع ووجوههم كالحجف لهم وقعة بين الدجلة والفرات ووقعة بمرج حمار ووقعة بدجلة حتى يكون الجواز أول النهار بمائة دينار للعبور إلى الشام ثم يزيد آخر النهار»
ــ وقال حذيفة لأهل الكوفة: (ليخرجنكم منها قوم صغار الأعين، فطس الأنف، كأن وجوههم المجان المطرقة، ينتعلون الشعر، يربطون خيولهم بنخل جوخا ويشربون من فرض الفرات)
ــ وفي «شرح سنن ابن ماجه»: [قال النووي: (وقد وجد في زماننا هكذا وفي رواية حمر الوجود أي بيض الوجوه مشوبة بحمرة وهذه كلها معجزات لرسول الله، صلى الله عليه وسلم، فقد وجد قتال هؤلاء الترك بجميع صفاتهم التي ذكرها، صلى الله عليه وسلم، صغار الاعين حمر الوجوه ذلف الانوف عراض الوجوه كأن وجوههم المجان المطرقة ينتعلون الشعر فوجدوا بهن الصفات كلها في زماننا وقاتلهم المسلمون مرات وقاتلهم الآن ونسأل الله الكريم إحسان العاقبة للمسلمين في أمرهم وأمر غيرهم وسائر أحوالهم وادامة اللطف بهم والحماية وصلى الله على رسوله الذي لا ينطق عن الهوى ان هو الا وحي يوحى)]
ــ وفي «فتح الباري شرح صحيح البخاري»: [ثم جاءت الطامة الكبرى، ...، فكان خروج جنكزخان بعد الستمائة فأسعرت بهم الدنيا نارا خصوصا المشرق بأسره حتى لم يبق بلد منه حتى دخله شرهم، ثم كان خراب بغداد، وقتل الخليفة المسعتصم آخر خلفائهم على أيديهم في سنة ست وخمسين وستمائة، ثم لم تزل بقاياهم يخربون إلى أن كان آخرهم اللنك ومعناه الأعرج، واسمه تَمُر (بفتح المثناة وضم الميم، وربما أشبعت: تَمُّر)، فطرق الديار الشامية وعاث فيها، وحرق دمشق حتى صارت خاوية على عروشها، ودخل الروم، والهند وما بين ذلك، وطالت مدته إلى أن أخذه الله، وتفرق بنوه البلاد، وظهر بجميع ما أوردته مصداق قوله، صلى الله عليه وسلم، إن بني قنطورا أول من سلب أمتي ملكهم وهو حديث أخرجه الطبراني من حديث معاوية والمراد ببني قنطورا الترك]
v ثم هجمة الأعور المسيح الدجال:
ــ «إن الدجال يخرج من أرض بالمشرق يقال لها خراسان يتبعه أقوام كأن وجهوهم المجان المطرقة»
ــ يهبط الدجال خوز وكرمان في ثمانين ألفا ينتعلون الشعر ويلبسون الطيالسة كأن وجوههم المجان المطرقة»
ــ «لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا خوزا وكرمان من الأعاجم حمر الوجوه فطس الأنوف صغار الأعين وجوههم المجان المطرقة نعالهم الشعر»،
v فهجمة يأجوج ومأجوج:
ــ «انكم تقولون لأعدو وإنكم لا تزالون تقاتلون عدوا حتى يأتي يأجوج ومأجوج: عراض الوجوه، صغار العيون، شهب الشعاف، من كل حدب ينسلون كان وجوههم المجان المطرقة»
وفي الملحق سرد لإكثر الطرق والروايات، ومصادرها من الكتب والمؤلفات، فلتراجع هناك.

حقاً، وصدقاً: لا يمكن تفسير كل ذلك تفسيراً مقنعاً معقولاً، أي تفسيراً «شاملاً» لكل تلك الحقائق، و«متناسقاً»، أي خالياً من أي تناقض، لا سبيل إلى ذلك إلا بتصديق ما جاء في القرآن العظيم: }قل: يأيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا الذي له ملك السماوات والأرض لا إله إلا هو يحيي ويميت فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي الذي يؤمن بالله وكلماته واتبعوه لعلكم تهتدون{، وقال تعالى: }يامعشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي وينذرونكم لقآء يومكم هذا قالوا شهدنا على أنفسنا وغرتهم الحياة الدنيا وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين{، وقال تعالى: } قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن فقالوا إنا سمعنا قرآنا عجبا يهدي إلى الرشد فآمنا به{، إلى قوله: }وأنا منا المسلمون ومنا القاسطون فمن أسلم فأولئك تحروا رشدا وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطب{، وقال تعالى: }ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين{
مما سبق يظهر يقيناً أن النبوة بعامة حق، وأن نبوة محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف القرشي العدناني العربي الأمَّي، حق، لا يشك فيها إلا من مسخ الله عقله، وغلبت عليه شقوته، فأبى إلا أن يحتجز قراراً بئيساً في نار جهنم، حيث التعاسة الأبدية، واللعنة السرمدية، بدلاً السعادة والمسرة الأبدية في دار السلام، }... في جنات ونهر v في مقعد صدق عند مليك مقتدر{.
هذا هو، على الاختصار، البرهان العقلي على «التوحيد» أي على «شهادة أن لا اله إلا الله، وأن محمداً رسول الله»، أما إشباع ذلك بحثاً، مع تمام الرد على الماديين، والوضعيين المنطقيين، والطبائعيين، وكذلك المبتدعة الكفرة الضلال من اليهود والنصارى، وغيرهم من فرق الكفر والضلالة فذلك يتطلب كتاباً مستقلاً، نسأل الله فسحة في العمر، وسعة في الوقت والصحة والمال لإنجازه، لا إله إلا هو: عليه نتوكل، وبه نتأيد، وإليه ننيب.


يتبع

أبو عمر المنصور
19-04-2011, 06:13 PM
التوحيد: أركانه، وأقسامه
uفصل: أركان التوحيد
من مجموع ما سبق، ومما سيأتي، يتبين أن التوحيد له ركنان أساسيان وهما كما يلي:
الأول: إفراد الله بالعبادة، أي بالخضوع والطاعة، والتسليم، المبنية على منتهى المحبة والتوقير والتعظيم؛
v قال الله تعالى: }ألر كتاب أحكمت آياته، ثم فصلت من لدن حكيم خبير، ألا تعبدوا إلا الله إننى لكم منه نذير وبشير{، (هود؛ 11:1).
v وقال تعالى: }ولقد أرسلنا نوحًا إلى قومه، أني لكم نذير مبين، أن لاتعبدوا إلا الله، إني أخاف عليكم عذاب يوم أليم{، (هود؛ 11:25).
v وقال تعالى: }واذكر أخا عاد إذ أنذر قومه بالأحقاف، وقد خلت النذر من بين يديه ومن خلفه، ألا تعبدوا إلا الله إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم{، (الاحقاف؛ 46:21).
والثاني: إفراد رسوله محمد بن عبد الله، صلوات الله وتبريكاته وسلامه عليه وعلى آله، بالاتباع: فكما أننا لا نعبد إلا الله، فكذلك لا نتبع إلا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
قال الله تعالى: }قل إن كنتم تحبون الله، فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفورٌ رحيمٌ{، (آل عمران؛ 3:31).
v وقال تعالى: }وما أتاكم الرسول فخذوه، وما نهاكم عنه، فأنتهوا، واتقو الله إن الله شديد العقاب{، (الحشر؛ 59: 7).
v وقال تعالى: }فلا وربك لايؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم، ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت، ويسلموا تسليما{، (النساء؛ 4:25).

u فصل: أقسام التوحيد
ينقسم التوحيد إلى عدة أقسام منها:
(1) توحيد الذات (والاسماء والصفات)، وتندرج تحته فروع.
(2) توحيد الخلق والتكوين والإيجاد من عدم.
(3) توحيد التدبير والتصرف.
(4) توحيد الحاكمية والتشريع.
وهذه الأنواع الأربعة السابقة كلها تتعلق بالمعرفة والعلم والقول والاعتقاد فهى كلها إذاً من توحيد «العلم والاعتقاد»، ولا نبعد كثيراً إذا اعتبرناها كذلك أقساماً لـ «توحيد الربوبية والألوهية»، الذي هو باب واحد، إذا عرف التعريف الصحيح.
(5) توحيد العبادة والتقديس.
(6) توحيد الطاعة والاتباع.
(7) توحيد المحبة والولاء.
وهذا الانواع الثلاثة الأخيرة تتعلق بأفعال العبد الظاهرة والباطنة، فهي إذاً أقسام لتوحيد «القصد والإرادة والطلب»، ولا نبعد كثيراً إذا اعتبرناها كذلك أقساماً لـ «توحيد العبودية»، وهو الباب الآخر المقابل لـ ـ«توحيد الربوبية والألوهية»،إذا عُرِّفَ التعريف الصحيح.
وقد يقول قائل: ما ذا أصاب القسمة الثلاثية الشهيرة: «توحيد الربوبية»، «توحيد الألوهية»، و«توحيد الأسماء والصفات»؟!
فنقول: هذه قسمة غيرمنضبطة، لتداخل أقسامها، ولا حاصرة، لخروج أصناف مهمة من التوحيد منها، وهي منكوسة حيث يتم تقديم الربوبية على الألوهية،وهي مغلوطة لعدم تطابق محتوى كل قسم مع المعنى اللغوي للفظ المستخدم للتعبير عنه، فضلاً عما ترتب عليها من إشكالات لا تنحصر، لذلك قررنا هجرها.
ويتضح ذلك تماماً إذا استقرأنا معاني اللفظين: «رب»، و«إله»، كما جاءت في الكتاب العزيز، وكما استخدمها العرب الفصحاء زمن نزول القرآن، الذي نزل بلسانهم.
أما «الرب» فهو لفظ يأتي في العربية بمعنيين:
(1) السيد، أي المتصرف المدبر، الآمر الناهي، الحاكم المشرع: وهذا يتحقق في الفروع التالية:
(أ) السيد المطاع: وهو أهم المعاني الفرعية. يقول الجوهري في «الصحاح»، (ج1؛ ص 130): [والعرب تقولك ربَّيت القوم، أي كنت فوقهم].
(ب) المتصرف، المدبر، راعي الشوون، ومصلح الأحوال: قال الإمام العلامة المحدث أحمد بن فارس في «معجم مقاييس اللغة»، (ج2؛ ص 381): [الرب: المصلح للشئ، يقال: رب فلان ضيعته، إذا قام على إصلاحه]
(ج) المربي: قال الراغب الأصفهاني في «مفردات غريب القرآن»، (ص 184): [الرب في الأصل التربية، وهو إنشاد الشئ حالاً فحالاً إلى حد التمام، يقال: ربه، ورباه، وربيبه]. قلت: هذا كأنه فرع ثانوي وحالة خاصة للفرع السابق
(د) الملك: قاله الأزهري في تفسير قوله تعالى: }اذكرني عند ربك{، (يوسف؛ 12:42)، كما هو في «تهذيب اللغة»، (ج15؛ ص 176). قلت: هذا غريب، وليس بمقنع، بل هو ها هنا بمعنى: السيد المطاع، لا غير. ولو كانت لفظة يوسف الأصلية هي بمعنى «ملك»، لما نقلها الله جل جلاله إلى العربية إلا هكذا، لا سيما وأن لفظة «ملك» قد كثر استخدامها في القرآن، وقد أطلقت في هذه السورة نفسها على ملك مصر!
(2) المالك: أي مالك العين أو الشئ ملكية تعطيه حق التصرف في العين باستهلاكها كأكل الخبز، أو لحم الشاة بعد ذبحها، أو التمتع بمنفعتها كركوب الدابة، وكذلك حق البيع أو الهبة أو التأجير للعين أو المنفعة بحسبها. فالمالك له، بموجب الملكية، حقوق التصرف والتدبير والرعاية، فالمالك إذاً ضرورة: متصرف مدبر.
فـلفظة «الرب» أبلغ في الدلالة وأقوى من لفظتي «السيد»، و«المالك»، مع كونها مرادفةً لهما في مجمل المعاني. والرب أو السيد هو كذلك ضرورة الآمر الناهي، وإلا لم يكن مالكاً متصرفاً مدبراً. هذا معلوم بالضرورة من لغة العرب، ومن دين الإسلام ونصوصه، في مثل قول الله تعالى حاكياً كلام يوسف لصاحبي السجن: }أما أحدكما فيسقي «ربه» خمراً، ...{، (يوسف؛ 12:41)، أي سيده أو مالكه أو صاحب السلطان عليه، وليس بالضرورة معبوده، أي الذي تصرف له الشعائر التعبدية، وهذا المعنى هو بعينه في قوله تعالى في نفس السورة حاكياً كلام يوسف مرة أخرى: }وقال للذي ظن أنه ناج منهما اذكرني عند «ربك»،...{، (يوسف؛ 12:42)، وليس كما زعم الأزهري، ومرة ثالثة: }فلما جاءه الرسول قال: ارجع إلى «ربك» فسئله ما بال النسوة الاتي قطعن أيديهن...{، (يوسف؛ 12:50). وهذا المعنى هو كذلك المتداول في لسان العرب، فيقول قائلهم: رب البيت، وربة البيت.
وهذا المعنى نفسه هو المقصود من قوله تعالى في حق الأحبار والرهبان: }اتخذوا أحبارهم ورهبانهم «أرباباً» من دون الله، والمسيح بن مريم، ...{، (التوبة؛ 9: 31). أي سادة يشرعون ويطاعون، كما سنفصله في موضعه بعد قليل، مع أنه معلوم من ضرورة النقل التاريخي ومشاهدة الواقع الحالي أنهم لم تصرف لهم شعائر تعبدية، أي الأحبار والرهبان، أما المسيح بن مريم، عليه وعلى والدته أتم الصلاة وأزكى التسليم، فهو عندهم بخلاف ذلك «رب»، و«إله» تام الألوهيه، تصرف له العبادة، ويتقرب إليه بالشعائر والقرابين والأعمال الصالحة.
وقد جاء النص الشرعي بنهي العبد المملوك أن يقول لمالكه: «ربي»، و«ربتي»، وليقل بدلاً من ذلك: «سيدي، و«سيدتي»، وبنهي المالك عن مقولة: «عبدي»، و«أمتي» واستبدالها بألفاظ: «فتاي، و«فتاتي»، تأدباً مع الله، جل وعلا، وبحيث ينحصر استخدام افظة: «رب» في حق الله، جل وعز، كما هو الحال في الأغلبية الساحقة من آيات الكتاب العزبز، في قريب من ألف موضع.
أما لفظة: «إله»، وقريب منها «إل»، في العربية، وكذلك في اللغات السامية الأخرى، كالعبرانية والأرامية السريانية، وغيرهما، لفظة: «إيل»، الذي تتركب منه أسماء مثل: إسرائيل، وإسرافيل، وميكائيل، وجبرائيل، وعزرائيل، وعمانوئيل، وعزازيل، وغيرها. ولفظ الجلالة: الله، وهو في الآرامية مشتق في الأرجح من: الإله، بالتعريف، ثم تداولت الألسنة حتى أصبح علماً على الذات الإلاهية المقدسة، الجليلة المعظَّمة، إله إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب، والنبيين. كما يوجد في العربية فعل: «يتأله» بمعنى يعظم الشعائر، أو يتعبد، وهو كذلك على وزنه، والظاهر أنه مشتق من الأصل الثلاثي: «أ ل ه»، وهو لفظ جامد، لا يوجد منه فعل ثلاثي في العربية، وليسط العكس: فـ«التألَّه»، على وزن «تفعُّل» مشتق من مادة «أ ل ه» الثلاثية، وليس العكس، كما قد يتوهم البعض.
هذا من حيث اللفظ، ولكن المهم هو المعنى، وهو بحمد الله قد أوضحه الكتاب العزيز، في مواضع عدة، قال تباركت أسماؤه: }قل: أرأيتم إن أخذ الله سمعكم وأبصاركم وختم على قلوبكم، من «إله» غير الله يأتيكم به؟!{، (الأنعام؛ 6:46)، فالإله هو القادر على الإتيان بالسمع والبصر بقدرته الذاتية، عبد أو لم يعبد.
v وقال، جل وعز: }ما اتخذ الله من ولد، وما كان معه من «إله»، إذا لذهب كل «إله» بما خلق، ولعلا بعضهم على بعض ...{، (المؤمنون؛ 23:91)، فالإله هو الذي يخلق بقدرته الذاتية، وهو الذي يعلوا على غيره ويقهر فلا ينافس ولا يقهر بقدرته الذاتية، عبد أو لم يعبد.
v وقل، جل من قائل: }أمَّن خلق السموات والأرض، وأنزل لكم من السماء ماءً فأنبتنا به حدائق ذات بهجة ما كان لكم أن تنبتوا شجرها أ«إله» مع الله؟! بل هم قوم يعدلون{، (النمل؛ 27: 61)، فالإله هو القادر على الخلق، المنزل الماء من السماء منبتاً حدائق ذات بهجة. وتستمر الآيات التالية معددة صفات الإله، التي يستحق بها أن يكون إلها: خلق الأرض برواسيها وأنهارها وجعلها قراراً صالحة للحياة، إجابة المضطر إذا دعاه، وكشف السوء، استخلاف الإنسان في الأرض، الهداية في ظلمات البر والبحر، وإرسال الرياح بالمطر، بدء الخلق ثم إعادته، ... إلخ، إلخ، عبد أو لم يعبد.
v وفي سورة القصص: }من «إله» غير الله يأتيكم بضياء، أفلا تسمعون{، (القصص؛ 28:21)، فالإله هو القادر على الإتيان بالضياء. وتستمر الآيات التالية فتنص على أن الإله هو الذي يأتي بالليل والنهار، عبد أو لم يعبد.
v والإله هو السيد التام السيادة، والرب المطاع طاعة مطلقة، كما قال فرعون متوعداً لموسى: }لئن اتخذت «إلهاً» غيري لأجعلنك من المسجونين{، (الشعراء؛ 26:29).
v والإله هو الذي لا يضام. فيجير على الله، فلا ينقض جواره، ولا ترد شفاعته: }أم لهم آلهة تمنعهم من دوننا؟! لا يستطيعون نصر أنفسهم، ولا هم منا يصحبون{، (الأنبياء؛ 21:43)، وقال تعالى في سورة يس: }أأتخذ من دونه آلهة إن يردن الرحمن بضر لا تغن عني شفاعتهم شيئاً، ولا ينقذون{، (يس؛ 36:23).
v والإله هو الذي يحيي الموتى، فيخرجهم للبعث والنشور، قال تعالى: }أم اتخذوا آلهة من الأرض هم ينشرون؟!{، (الأنبياء؛ 21:21).
وهكذا، وهكذا، في مواضع كثيرة: صفات معينة يستحق من اتصف بها أن يسمَّى إلهاً، وحينئذ يمكن أن يتصور أن يتقرب إليه أو أن يعبد ويعظم. فالعبادة والتقديس تبع لكونه إلهاً، أي متصفاً بصفات معينة، كما سنفصله ونبوبه في أبوابه قريباً إن شاء الله تعالى.
علاوة على أنه: (لا إله إلا الله)، هكذا مطلقاً، وبدون زيادة احتياط، فليس ثمة في الوجود إله قط إلا الله، وكل من سمِّاه الناس إلاهاً، غير الله، فما هو إلا وهم وخرافة لا وجود لها إلا في أذهان زاعميها المريضة، وخيالاتهم الشاطحة، فهو من ثم (إله باطل)، بمعنى أنه من خرافات الذهن وتقديره، كما يقدر الذهن المستحيلات. ولكن هناك سادة وملاك وأرباب غير الله، إلا أن سيادتهم، وملكهم، وربوبيتهم، محدودة مخلوقة، ليست مطلقة أزلية، ومكتسبة تابعة وليست ذاتية على وجه الاستقلال، وفرعية مشروطة بإقدار الله وإذنه الكوني أو الشرعي أو كلاهما، ووليست أصلية ذاتية.
والحق أن «الإله»، المعرف بالألف واللام، ليس اسم جنس كلي، تندرج تحته أفراد كثيرة، بل هو خاص بالله تعالى، مثل «الرحمن»، وفي الناس كثيرون اسمهم عبد الإله، وإطلاقه على معبودات المشركين لا يجعله كلياً، لأنه ليس بإطلاق حقيقي، وإنما هو استعارة.، قال الفيومي في «المصباح المنير»: [الإله المعبود، وهو الله سبحانه وتعالى، ثم استعاره المشركون لما عبدوه من دون الله تعالى]، وقال الراغب في «مفردات القرآن»: [و«إله» حقه ألا يجمع؛ إذ لا معبود سواه، لكن العرب لاعتقادهم أن ههنا معبودات جمعوه فقالوا: الآلهة). بل قد جاء في القرآن الكريم، والذكر الحكيم: }ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنـزل الله بها من سلطان{، (يوسف؛ 12:40). ويتبين من هذا أن «الإله» في الحقيقة علم خاص، كما قلنا، وأنه لتضمنه معنى العبادة، أطلقه العرب على معبوداتهم على سبيل الاستعارة، وتوهم البعض أن هذا إطلاق حقيقي، فزعموه أنه «كلي»، مع أنه علم خاص. ونظير فعل العرب هذا إطلاقهم لفظ (حاتم) على الكريم، اشتقاقاً من معنى الكرم الذي كان صفة حاتم الطائي المعروف، ولم يخرجه ذلك الإطلاق عن علميته الشخصية. كذلك لفظ «الإله» لا يخرجه إطلاقه على المعبودات اشتقاقاً من معنى العبادة عن علميته الخاصة بالله، تباركم وتعالى.
لذلك فلو قال قائل: (لا رب إلا الله)، أو (لا مالك إلا الله)، أو (لا سيد إلا الله)، لكان مخطئاً لو أطلقها هكذا، فلا بد من قيد مثل: (لا رب بذاته مستقلاً إلا الله)، وهكذا، أو نحو ذلك، أو أن يكون المقام مبيناً للمقصود من السياق مثل قولنا كثيراً في هذا الكتاب عن الله، جل جلاله: (لا إله إلا هو، ولا رب سواه)، فهذا سياق يوجب أن الرب ها هنا هو الرب ذاتياً على وجه الاستقلال، أي هو ضرورة الله العزيز الحكيم. فهناك سادات كثيرون، وملاك كثيرون، وأرباب كثيرون، ولكن ما ثمة إلا رب واحد ذاتي الربوبية والسادة، كامل الربوبية مطلقها، على وجه الاستقلال، تباركت أسماوه، وسمى مقامه.
فمجرد استخدام لفظة: (توحيد الربوبية) هو هكذا جناية على الحقيقة، ونقص في الدقة. نعم: ليست هذه وسوسة، ولا تشقيق كلام، ولا هو تخليل باللسان كتخليل البقر. كلا: فقد أثبت الواقع التاريخي منذ وضع الإمام شيخ الإسلام ابن تيمية هذه اللفظة أنها أربكت مفهوم «التوحيد»، فأساءت ولم تصلح، كما سنبرهن عليه في هذه الرسالة، إن شاء الله.
كما ننبه سريعاً على أن كون الله، جل جلالة، الرب التام الربوبية، السيد المطلق السيادة، المالك حق الملك، إنما هو لأنه هو الحي القيوم، واجب الوجود الأزلي الأبدي، وهذه هي أخص خصائص الإلاهية. فالربوبية تترتب وتتفرع من الإلاهية، وليس العكس، كما زلت القدم بالإمام شيخ الإسلام أبي العباس أحمد بن تيمية، نعوذ بالله من: «زلات العلماء، وجدل المنافق بالكتاب، وحكم الأئمة المضلين»
وعلى كل حال فسوف نجتنب استخدام القسمة الثلاثية لأن شأنها أصبح ملتبساً، لا يعرف بدقة ما المقصود به: أهو القسم الأول: «توحيد العلم والاعتقاد»، وهو على التحقيق «توحيد الألوهية والربوبية»، وهو على التحقيق قسم رئيس واحد له فروع، أم القسم الثاني: «توحيد القصد والإرادة والطلب» وهو على التحقيق «توحيد التقديس والعبودية».
والذي يجب التأكيد عليه، والتشديد فيه، على كل حال، هو أن هذه التقسيمات كلها اصطلاحية، لم يأت بها النص الشرعي. وهي كلها محدثة لم يستعملها أحد من القرون (أي الأجيال) الثلاثة الفاضلة مطلقاَ، بل لم تظهر إلا بعد انقراض حوالي العشرين من الأجيال، في آواخر القرن السابع الهجري باجتهاد من الإمام شيخ الإسلام ابن تيمية، رحمه الله، لمعالجة بعض القضايا التي أهمته في عصره، ومع ذلك لم يسترح تلميذه شيخ الإسلام ابن قيم الجوزية لها فمال إلى تبني القسمة الثنائية المنضبطة: توحيد «العلم والاعتقاد»، وتوحيد «القصد والإرادة والطلب»،.
لذلك فلا مكان لفتوى «هيئة كبار العلماء» في ما يسمَّى بـ«السعودية» التي نشرتها مجلة «الهدي النبوي» في عددها السابع، صفحة (25-26)، وذلك جواباً على سؤال المدعو «د. صهيب حسن» التالي:
سؤال: [بدأ بعض الناس - من الدعاة - يهتم بذكر توحيد الحاكمية، بالإضافة إلى أنواع التوحيد الثلاثة المعروفة. فهل هذا القسم الرابع يدخل في أحد الأنواع الثلاثة، أو لا يدخل، فنجعله قسماً مستقلاً حتى يجب أن نهتم به؟! ويقال أن الشيخ/محمد بن عبد الوهاب اهتم بتوحيد الألوهية في زمنه حيث رأى الناس يقصرون من هذه الناحية، والإمام أحمد في زمنه في توحيد الأسماء والصفات حيث رأى الناس يقصرون في التوحيد، في هذه الناحية، أما الآن فبدأ الناس يقصرون في توحيد الحاكمية: فلذلك يجب أن نهتم به، فما مدى صحة هذا القول؟!]، انتهى السؤال بحروفه، إلا علامات الترقيم والفواصل فهي من اجتهادنا، لتسهيل قراءة النص الركيك.
الجواب: [أنواع التوحيد ثلاثة: توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية، وتوحيد الأسماء والصفات، وليس هناك توحيد رابع. والحكم بما أنزل الله يدخل في توحيد الألوهية. وجعل الحاكمية نوعاً مستقلاً من أنواع التوحيد عمل محدث لم يقل به أحد من الأئمة فيما نعلم. لكن منهم من أجمل، وجعل التوحيد نوعين: توحيد في المعرفة والإثبات: وهو توحيد الربوبية، والأسماء والصفات؛ وتوحيد في الطلب والقصد، وهو توحيد الألوهية ، ومنهم من فصل فجعل التوحيد ثلاثة أنواع كما سبق، والله أعلم.
ويجب الإهتمام بتوحيد الألوهية جميعه: ويبدأ بالنهي عن الشرك لأنه أعظم الذنوب، ويحبط جميع الأعمال، وصاحبه مخلد في النار. والأنبياء جميعهم يبدئون بالأمر بعبادة الله والنهي عن الشرك. وقد أمرنا الله باتباع طريقهم، والسير على منهجهم في الدعوة وغيرها من أمور الدين.
والاهتمام بالتوحيد بأنواعه الثلاثة واجب في كل زمان لأن الشرك، وتعطيل الأسماء والصفات، لا يزالان موجودين بل يكثر وقوعهما، ويشتد خطرهما في آخر الزمان، ويخفى أمرهما على كثير من المسلمين، والدعاة إليها كثيرون ونشيطون. وليس وقوع الشرك مقصوراً على زمن الشيخ/محمد بن عبد الوهاب، ولا تعطيل الأسماء والصفات مقصوراً على زمن الإمام أحمد - رحمهما الله - كما ورد في السؤال، بل زاد خطرهما، وكثر وقوعهما في في مجتمعات المسلمين اليوم فهم بحاجة ماسة إلى من ينهى عن الوقوع في فيهما، ويبين خطرهما مع العلم بأن الاستقامة على امتثال أوامر الله، وترك نواهيه، وتحكيم شريعته: كل ذلك داخل في تحقيق التوحيد والسلامة من الشرك، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم]، انتهى الجواب بحروفه، إلا علامات الترقيم والفواصل فهي من اجتهادنا. هذا هو جواب ما يسمَّى بـ «هيئة كبار العلماء»!
والمتأمل في هذا «الجواب» العبقري لا يجد أثارة من العلم، إلا قليلاً. فهناك:
(1) تدليس وتلبيس، إن لم يكن تضليل متعمد، في وصف التقسيم الآخر بأنه «عمل محدث»، يوهم القاريء أو السامع البسيط، بأنه بدعة من الناحية الشرعية، وهو بالقطع ليس كذلك، لأن كل التقاسيم المذكورة، بما فيها تقسيمنا في هذا الكتاب، مخترعة محدثة على كل حال. وهي اصطلاحات، لا مشاحة فيها، وإن كانت الدقة والمطابقة لواقعها مطلوبة، وإلا أصبحت عديمة الجدوى، قليلة النفع، بل تنقلب إلى مضرة.
وسيقيم كتابنا هذا البرهان على أن تقسيم ابن القيم، وهو القسمة الثنائية، التي سماها «كبار العلماء!» مجملة، تدليساً وتمويهاً، هي القسمة المنضبطة، لا سيما إذا فرعت إلى أقسامها الثانوية كما سيأتي في باقي هذه الرسالة!
وتخوفاتنا هذه ليست تهمة بالظنة، وليست «وسوسة»، ولكنها حقيقة واقعة، حيث صرح ابن عثيمين، عضو «هيئة كبار العلماء» هذه نفسها، بأنه قول محدث، مبتدع، منكر، وأنه بدعة ضلالة، كما سيأتي بعد قليل!
(2) تدليس وتلبيس في نسبة القسمتين لأهلها، لأن القسمة الثنائية تعود إلي ابن القيم، وهو تلميذ ابن تيمية، والجامع لعلمه، والمحرر لمذهبه، كما هو معلوم. فلو ذكر ذلك لشك القاريء في سلامة القسمة الثلاثية واقناعيتها، ووفائها بالمقصود، وإلا فلم خالف التلميذ شيخه المبجل في ذلك، على ما عرف من تعظيمه له، ونصرته لأقواله، وتحريره لها؟!
(3) الإصرار على القسمة الثلاثية بالرغم من قصورها ذاتياً، وكونها ذريعة لفقهاء السلاطين إلى إخراج ساداتهم وكبرائهم من فجرة الحكام من حمئة الشرك، ووصمة الكفر، وتعرضها للنقد الموضوعي على مدى نصف القرن الفائت. والقوم أصحاب نظر وقياس بزعمهم، يجيدون الجعجعة عن «سد الذرائع»، وارتكاب أخف المفسدتين، وتفويت أدنى المصلحتين وما أشبه من الخزعبلات والهراء، فأين ذهب هذا كله؟!
(4) وفي الجانب الآخر تتم الإشارة إلى «الحكم بغير ما أنزل الله» إشارة عرضية ضعيفة، لا تسمن ولا تغني من جوع، وتفتح باب الكفر المهلك على مصراعيه، ذالك الكفر الشركي الأكبر، المردي في نار جهنم الأبدية، الموجب للعنة السرمدية، والمتمثل في تبديل الشرائع وفي الحكم بغير ما أنرل الله على مصراعيه، مع أن القوم يزعمون أنهم أهل «قياس ونظر»، و«سد ذرائع»، و«جلب مصالح، ودرء مفاسد»، وغيره من الدجل والهراء.
(5) جهل مطبق بواقع الناس اليوم، وما يدور في مجالسهم من نقاش وجدال. فلا تكاد تجد أحداً في الدنيا يخوض في دقائق «الأسماء والصفات»، اللهم إلا جهلة أتباع الدعوة الوهابية، الذين يدعون «السلفية» أنفسهم فقط، من أمثال السائل «صهيب حسن»، وهيئة كبار العلماء «السعوديين»، ومقلديها، ومن لحق بهم من الجهلة والظلاميين والمبتدعة، أما كلام الناس فهو حول: التشريع والحاكمية، وحقوق الإنسان، وخيانات حكام المسلمين للأمة، وتوليهم للكفار، وحقوق المرأة، والمسيرات أو المظاهرات في بلد كيت وكيت، وما شابه ذلك.
أما «وساوس» «خلق القرآن»، وما قاله بشر المُرِيسي وغيره، و(هل النبي نور حقيقة أو مجاز)، فلا يتكلم عنها إلا بعض المهووسين من أدعياء «السلفية»، وكذلك أدعياء «التحقيق والتصوف» من «الأحباش»، ومن شابههم، والمجرمين القتلة من «الجماعة الإجرامية المسلحة» في الجزائر، والغلاة المارقين، أعداء الله ورسوله وصحابته، المتسمين زوراً وبهتاناً «جيش الصحابة» في باكستان، ومن لف لفهم من «الظلاميين»، الذين يعيشون ظلمات «الماضي»، أو في عوالم خيالية أخرى، لا تمت بصلة ولا سبب إلى واقع الدنيا المعاصر، وعالم الناس اليوم.
(6) بل هناك جهل قبيح بحقيقة دعوة الأنبياء إذ أن الظاهر أن أعضاء «الهيئة» يعتقدون أن الأنبياء كانوا يدعون الناس إلى عبادة الله وحده لا شريك له بالمعنى السطحي الساذج: قيام وقعود، وسجود، وذبح قرابين، وإيقاد شموع، ونحوه. وهذا كذب صريح على أنبياء الله المكرمين، المطهرين المعصومين، يكفي لإبطاله مراجعة دعوة لوط، صلوات الله وسلامه عليه: أين هناك السجود والركوع؟! إنما كانت دعوته، في المقام الأول، إلى ترك استحلال الفواحش والمنكرات، ولم يرد فيها قط ذكر وثن أو صنم، أو آلهة يسجد لها من دون الله، أو يستغاث بها، أو يستعاذ.
بل لو زعم زاعم أن قوم لوط كانوا لا يرون ألوهية غير الله بالمعنى المحدود كما تفهمه «الهيئة»، لما كان بعيداً عن الصواب. أما نحن فنستعيذ بالله من قول بدون برهان، وليس عندنا عن قوم لوط علم كاف يظهر لنا: هل كانوا أهل أوثان، أم لا بحيث اقتصر كفرهم وشركهم على شرك التشريع؟!
هذا إذاً هو فهم «هيئة كبار العلماء»، فيا له من فهم سخيف تافه، وفكر منحط بليد، وتعساً لـ«علم» هذا مبلغ حال «كبار» حملته!
ولكن ذلك في الحقيقة أيضاً يثير الشك في «الهيئة» وأعضائها، ويرجح أنهم، أو بعضهم من فقهاء السلاطين الفسقة، الخونة السفلة. لا سيما إذا عرفنا سكوتهم المريب على تولي دولتهم، دولة آل سعود «المباركة»، على حد تعبير كبيرهم بن باز، للكفار، وتمكينهم من احتلال جزيرة العرب، وحصار العراق، وغيره من بلاد المسلمين، لتجويع المسلمين وإذلالهم، بل لإبادتهم والقضاء عليهم، ثم تواطئهم على غزوه، فافتراسه واحتلاله؛ كل ذلك مقروناً مع تبديل الشرائع، وسن أنظمة التابعية والجنسية «السعودية»، العنصرية النتنة الخبيثة، بل الكفرية الملعونة، والترخيص للبنوك الربوية الخبيثة، ومحاربة الدعوة الإسلامية الواعية المخلصة، ووصمها بالإرهاب أو الانحراف أو الابتداع أو الغلو، وعضوية المنظمات الكفرية الدولية مثل الأمم المتحدة وجامعة الدول العربية ومجلس التعاون الخليجي، وغيرها، إلى غير ذلك من الكفريات والفظائع، التي يشيب لها، والله، الوليد.
وإذا كانت الفتوى آنفة الذكر لـ«هيئة كبار العلماء» ليس فيها كبير أثارة من علم، فالفتوى التالية لعضو نفس الهيئة «الشيخ» محمد الصالح العثيمين لا تصلح إلا أن توصف بأنها خزي وعار وفضيحة!
قال الشيخ في اللقاء رقم (150) من لقاء الباب المفتوح الأسبوعي، وهو مسجل على شريط كاسيت:
إجابة على السؤال «الألمعي»: [ما تقول، عفا الله عنك، فيمن أضاف للتوحيد قسماً رابعاً سماه توحيد الحاكمية؟!]،
فكان الجواب «العبقري»: [...، نقول أنه ضال، وهو جاهل! لأن توحيد الحاكمية هو توحيد الله عز وجل: فالحاكم هو الله عز وجل! فإذا قلت التوحيد ثلاثة أنواع، كما قاله العلماء، توحيد الربوبية فإن توحيد الحاكمية داخل في الربوبية، لأن توحيد الربوبية هو توحيد الحكم والخلق والتدبير لله عز وجل!
وهذا قول محدث منكر! وكيف توحيد الحاكمية؟! ما يمكن أن توحد الحاكمية! هل معناه أن يكون حاكم الدنيا كلها واحداً، أم ماذا؟!
فهذا قول محدث، مبتدع، منكر ينكر على صاحبه، ويقال له: إن أردت الحكم، فالحكم لله وحده، وهو داخل في توحيد الربوبية: لأن الرب هو الخالق، المالك، المدبر للأمور كلها! فهذه بدعة وضلالة]. إهـ.
أرأيت هذا الهذر واللغو المضحك؟! نحن لا نتكلم عن ركاكة الأسلوب، وضعف اللغة، فهو متوقع في مثل هذا التسجيل الشفوي. وليس ابن عثيمين ممن لم يعرف بالدقة، وحسن التفريع، بل هو كذلك، يعرفه من قرأ دراسته وفتاواه في دقائق فقه «الحيض والنفاس»، و«الدماء الطبيعية للنساء». كلا، والله: إنها المجاملة والمداهنة للسلاطين الذين يحكمون بغير ما أنزل الله!
أرأيت الجهل المركب في قوله: أن الرب هو الخالق، وقد بينا فيما سلف أن الرب هو السيد أو هو المالك، وهو من ثم الآمر النهي، والحاكم المشرع، ولا علاقة لهذه المفاهيم بمفهوم (الخلق). فيا لله، ويا للمسلمين: كيف يسلم أقوام قيادهم لهذا الرجل، فيسألوه الفتيا، ويعظمون رأيه الفاسد إلى حد التقديس؟!
ثم أليس الحكم الشرعي هو أن يكون المسلمون أمة واحدة، لها ذمة واحدة، حربها واحدة، وسلمها واحدة، وأمانها واحد، ودولتها واحدة، وإمامها: الإمام الأعظم أو الخليفة واحد؟! أليس كذلك؟!
أليست الحالة المثالية المطلوبة شرعاً هي: حمل الإسلام إلى كافة بني آدم حتى يدخلوه، أو يخضعوا لنظامه، تحت سلطان واحد؟! فأي غرابة في توحد المسلمين في كيان واحد، تحت حاكم واحد، لا سيما أنه هو الواجب الشرعي؟! وما القبيح في توحيد الدنيا كلها، عند الاستطاعة، تحت سلطان الإسلام الكامل العادل، فيهنأ المؤمن، ويستريح الكافر؟! إن ابن عثيمين يعلم ذلك بيقين، ولا يمكن أن يكون عن ذلك غافلاً، فلم الاستهزاء والسخرية إذن؟! ألا يخشى ابن عثيمين أن توبخه الملائكة عند موته: }أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزؤون v لا تعتذروا، قد كفرتم بعد إيمانكم{، (التوبة؛ 9:65-66)؟!
ويظهر لك بجلاء أيضاً تخبط القوم وتناقضهم، وفساد تقسيمهم للتوحيد إلى «توحيد ربوبية» و«توحيد ألوهية» من اختلافهم في تصنيف «الحاكمية»، التي لا يستطيعون لها إنكاراً، ولا منها فراراً، إلا بالكفر الصريح.
ف«هيئة كبار العلماء» في ما يسمَّى بـ«السعودية» تزعم أن «الحاكمية» فرع مما أسمته: «توحيد الألوهية»، إذ قالت نصاً: (والحكم بما أنزل الله يدخل في توحيد الألوهية)، في حين أن العضو المشهور البارز لنفس الهيئة «الشيخ» محمد الصالح العثيمين يقول نصاً: (فإن توحيد الحاكمية داخل في الربوبية).
وتأمل أيضاً الفرق الشاسع بين ما سلف من لغو وهذر من ابن عثيمين، وقبله هيئة كبار «العلماء»، وبين قول الإمام العلامة ابن قيم الجوزية:
v كما جاء في «مدارج السالكين»، (ج: 2 ص: 182): [وكثير من الناس يبتغي غيره حكما يتحاكم إليه ويخاصم إليه ويرضى بحكمه وهذه المقامات الثلاث هي أركان التوحيد: أن لا يتخذ سواه ربا، ولا إلها، ولا غيره حكما]، انتهى نصاً، حيث جعل الحاكمية، وهي اتخاذ الله حكماً، وحده لا شريك له، وعدم الرضا بغيره حكماً، ركناً من أركان التوحيد.
ولكن صدق رسول الله، خاتمة أنبياء الله، عليه وعلى آله صلوات وتسليمات وتبريكات من الله، حيث قال: «إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من الناس، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يترك عالما، اتخذ الناس رؤساء جهالا، فسئلوا، فأفتوا بغير علم: فضلوا وأضلوا»
v كما أخرجه أحمد: [حدثني يحيى عن هشام أملاه علينا حدثني أبي سمعت عبد الله بن عمرو من فِيه إلى فيِّ يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوله بعينه]، هذا من أصح أسانيد الدنيا، وهو مسلسل بصريح التحديث والإملاء هنا عند أحمد، وأخرجه أحمد بنحوه من طرق صحاح أخرى، وكذلك البخاري من عدة طرق صحاح بنحوه، واستوعب الإمام مسلم طرقه أو كاد فأخرجه من أكثر من عشرة طرق، وهو عند الترمذي، وابن ماجه، والدارمي بأصح الأسانيد، وفي غيرها.
v ورواه الإمام البخاري في «الصحيح» من طريق أخرى من زاوية طريفة: [حدثنا سعيد بن تليد حدثني ابن وهب حدثني عبد الرحمن بن شريح وغيره عن أبي الأسود عن عروة قال حج علينا عبد الله بن عمرو فسمعته يقول سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقوله (فساقه بنحوه)، فحدثت به عائشة زوج النبي، صلى الله عليه وسلم، ثم إن عبد الله بن عمرو حج بعد فقالت: (يا ابن أختي: انطلق إلى عبد الله فاستثبت لي منه الذي حدثتني عنه!)، فجئته فسألته فحدثني به كنحو ما حدثني فأتيت عائشة فأخبرتها فعجبت فقالت: (والله لقد حفظ عبد الله بن عمرو!)]، وهو كذلك بنحوه مع زيادات عند الإمام مسلم في «الصحيح».
ولعلنا لا نضيع الوقت في مناقشة هذا اللغو والهذر الصادر من أمثال «هيئة كبار الجهلاء»، أو لعلهم «عملاء» وليسوا فقط «جهلاء»، في ما يسمَّى بـ«السعودية»، ولا رجالاتها من أمثال: محمد الصالح بن عثيمين، فقد بين لنا الناصح الأمين، المعصوم بعصمة الله، حقيقتهم في الحديث آنف الذكر.
نعم: لنضرب عنهم صفحاً فالوقت والعمر أثمن من هذا، والعودة إلى موضوعنا الرئيس أولى وأحرى، بمناقشة أقسام التوحيد، وما يتعلق بذلك من مباحث مهمة، نكتسب بها علما مفيداً، ثم عملاً صالحاً، تصلح به النفوس والقلوب، يقربنا إلى حضرة علام الغيوب، فتحصل به السعادة الأبدية، والنجاة من النار السرمدية، بتوفيق الله ومنه وكرمه، لا إله إلا هو، ولا رب سواه، عليه نتوكل، وبه نستعين!

أبو عمر المنصور
19-04-2011, 06:17 PM
رأس أقسام التوحيد: تـوحـيـد الـذات

«توحيد الذات» هو رأس أقسام التوحيد، وهو الاعتقاد الجازم بأن الله سبحانه وتعالى هو الحي القيوم، وهو الحق المبين، وهو الأول والآخر والظاهر والباطن، وهو بكل شيء عليم. فهو وحده الأول، فليس قبله شيء، وهو الآخر فليس بعده شىء، وهو وحده واجب الوجود، الغنى بذاته، الأزلي القديم، الأول الموجود بغير ابتداء قبل جميع الأزمنة والدهور، الدائم الباقي بغير انتهاء بعد انقضاء الأزمنة والأيام والعصور. لم يتولد من شيء، ولا يتولد منه شيء. كل ذلك ثابت بالضرورة، وبالبراهين العقلية والفطرية القاطعة، قبل ورود الشرع، ذكرنا منها طرفاً يسيراً في ما مضى، أي أنه قضية عقلية وجودية لا شك فيها، ثم جاء الشرع مؤيداً، ومذكرا بها، ومفصلا لمعانيها، ومحولاً لها من مجرد تقرير لواقع، أي من مجرد قضية وجودية فلسفية أو عقلية، أو ضرورة منطقية، إلى عقيدة دينية شرعية: يتقرب إلى الله بالإيمان بها، والعمل بقتضاها:
v وذلك في مثل قوله، تعالى، مفصلاً مبيناً: }قل هو الله أحد v الله الصمد v لم يلد ولم يولد v ولم يكن له كفواً أحد{، (الإخلاص؛ 112:1-4).
v وقوله:: }هوالأول والآخر، والظاهر والباطن، وهو بكل شيء عليم{، (الحديد؛ 57:3).
v وقوله: }الله لاإله إلا هو الحي القيوم{، (آل عمران؛ 3:2).
v وقوله، جل جلاله، آمراً موجباً: }يا أيها الذين آمنوا: آمنوا بالله ورسوله، والكتاب الذي نزَّل على رسوله، والكتاب الذي أنزل من قبل؛ ومن يكفر بالله وملاتئكته وكتبه ورسله واليوم الآخر فقد ضل ضلالاً بعيداً{، (النساء؛ 4:136).
وهو فعال لما يريد، يفعل ما يشاء ويختار، وهو «كلي القدرة» أي أنه على كل شيء قدير، وهو «كلي العلم» أي أنه بكل شيء عليم، خلق كل شيء فقدره تقديرًا، رب كل شيء ومليكه. السيد المطلق السيادة، المتصرف في جميع الخلائق بالأمر والنهي، الموصوف بكل صفات الكمال والجمال والجلال، لا رب غيره ولا إله سواه.
وكل ذلك حق ثابت في ذاته، يجب التصديق به تصديقاً جازماً لا شك فيه، ولكن هذا لا يكفي، بل تجب إضافة الإقرار به، والتلفظ بذلك الإقرار، والالتزام بمقتضى ذلك: ليس لأنه حق في ذاته، وهو وايم الله كذلك، بل تدينا وتقرباً إلى الله،.
نعم: تجب إضافة ذلك كله، أي الإقرار به، والتلفظ بذلك الإقرار، والالتزام بمقتضى ذلك تديناً وتقرباً وتعبداً لله، حتى يتحول ذلك اليقين من مجرد يقين، وتصديق جازم بمجموعة من الحقائق الخبرية، أو المقولات النظرية الفلسفية، أي اعتقاد نظري، أو وجهة نظر فلسفية محضة، لا علاقة له بالدين أو التدين، ولا قيمة لها في الآخرة،، إلى إيمان ديني، أي عبادة اعتقادية، تترتب عليه التزامات معينة، تحددها تلك العقيدة. وهذا الإيمان الديني الشرعي هو سبيل النجاة في الآخرة، لأنه هو المطلوب ديناً وشرعاً.
وكل أنواع التوحيد تتفرع في الحقيقة من هذا الأساس، وإنما جرى فصلها في أقسام متميزة، لتسهيل دراستها، ولوقوع أنواع متميزة من الشرك بقسميه، الاعتقادي والعملي، في كل قسم منها.
وهذا التفريع، الذي هو الموضوع الرئيس لهذا الكتاب لم ينشأ من قسمة متخيَّلة، أو تعريفات موهومة تستند إلى ألفاظ لم يتم تعريفها بدقة، أو مزاعم مرسلة مجردة عارية عن البرهان، ولكنه إنما نشأ:
أولاً: من إستقراء آي الذكر الحكيم، مدعومة بنصوص صحيحة ثابتة من السنة النبوية الشريفة،
وثانياً: من النظرة الفاحصة المدققة إلى عقائد العرب قبل الإسلام، وعقائد وأديان غيرهم من الأمم والشعوب في المرتبة الثانية، لا سيما زمن نزول القرآن الذي جاء مخاطباً لها، كما سنفصله في باقي هذه الرسالة إلى درجة الإشباع.
ويناقض هذا القسم من التوحيد أنواع من الشرك الاعتقادي منها:
(أ) اعتقاد تعدد الذوات الإلهية في مذاهب مختلفة منها الفلسفي المتنطع المعقّد، ومنها العامي الساذج، ومن أمثلة ذلك:
ــ قول بعض الفلاسفة بتعدد القدماء، كقول أرسطو بقدم العالم وأزليته، مع قدم الله، وقول آخرين بقدم المادة الخام غير المصورة، المسماة بالهيولى: فهذا شرك في الذات حيث جعلوا مع الله ذوات قديمة، واجبة الوجود، غنية بذاتها، لم يخلقها الله تبارك وتعالى، بالرغم من قولهم أنه وحده المستحق للعبادة فهم يجمعون بين شرك وتوحيد: شرك في الذات، وتوحيد في العبادة، فلم يقل أحد منهم قط، فيما نعلم، بأن «الهيولي» تستحق العبادة. وهذا كما ترى قول فلسفي معقد، ظاهر البطلان، كما بيناه آنفاً.
ــ القول بإلهين أزليين قديمين: إله الخير (النور أو الله)، وإله الشر (الظلمة أو الشيطان) كما هو قول طائفة من الثنوية المجوس، فهذا كذلك شرك في الذات، وقد يرى بعضهم قصر العبادة والمحبة على الأول، أي على إله الخير، وبغض الثاني وعداوته والكفر به. وربما رأى بعضهم قصر المحبة على الأول، وعبادة الإثنين فيعبد الأول ويحب، ويعبد الثاني، أي يتذلل له، ويخضع لاكتفاء شره، والسلامة من ضرره ونقمته، مع الكراهية والبغضاء، وهذا كما ترى قول فلسفي، ولكن كثيرًا من عوامهم يدركه ويعتقده، وهو قول باطل، لا شك في بطلانه، بالبراهين اليقينية آنفة الذكر، وبغيرها، وهو طيب كثير، يحتاج إلى المؤلفات المستقلة، والأبحاث المتكاملة.
ــ الاعتقاد بأن الألوهية، كالإنسانية، اسم جنس تتعدد أفراده ويجوز عليهم التناسل والتوالد، كما تختلف مراتب أولئك الأفراد ودرجاتهم: فهذا رئيس، وذاك مرؤوس، وهذا كبير، وذاك صغير، بل هذا ملك، وذالك رقيق مملوك، كالبشر سواء بسواء. وليس القدم أو الأزلية متطلب ضروري لمفهوم الألوهية عند هؤلاء: فالآلهة عندهم تنشأ وتولد، بعد أن كانت معدومة، ولا يستغرب أن تفنى بعد ذلك؛ ومن باب أولى لا يشترط في الإله، عندهم، الكمال أو السلامة من النقص، بل إن نصيب بعض الآلهة من المخازي والفضائح كالزنا والسرقة، وغيرها، أكثر من غيرها!
هذا هو اعتقاد جمهور بسطاء المشركين كالمصريين القدماء، واليونان، وأكثر مشركي العرب، وعوام الهنود، بل هو جوهر كل شرك في العالم. ويجوز عند أكثر هؤلاء المشركين أن يتزاوج البشر والآلهة منتجين أنصاف آلهة أو عمالقة، كما تتزاوج الآلهة والجن منتجة الملائكة، إلى غير ذلك من العجائب والمخازي!!
كما تختلف الآلهة المزعومة في قدراتها وإختصاصاتها: فهذا إله للشمس، وآخر للحرب، وثالث للبحر، وتلك للحب، وهذه للصيد، والثالثة للموت والفناء، وهذا ينبت الزرع، والآخر يحمي التجار، بل يوجد إله متخصص في رعاية اللصوص، إلى غير ذلك من الأقوال الساقطة المتناقضة المنكرة.
فلا يستغرب أن يهتف أحدهم: (لبيك لاشريك لك، إلا شريكاً هو لك، تملكه وما ملك)، فهو يعتقد وجود آلهة أخرى، شركاء لله، وإن كانوا في مرتبة الرقيق المملوك مع كونهم من (جنس) أو (قبيلة) أو (صنف) الآلهة، وليس هو إقرار منه بأن الشريك المملوك مخلوق مربوب وليس من (جنس) الآلهة أصلاً، كما وهم من قرأ هذا النص، ولم يجمعه مع غيره من النصوص والمعلومات والأخبار المتضافرة فظن أن لفظة (تملكه وما ملك) تدل على اعتقاد القائل أن ذلك (المملوك) ليس إلاهاً، وإنما هو عبد مخلوق مربوب لا يملك لنفسه موتاً أو حياة أو نشوراً، ولعله ميت مقبور، على قبره قبة أو ضريح مشيَّد، ومع ذلك فقد (عبده) القوم، وجعلوه من ثم شريكاً مع الله!
ومع ذلك فليس في هذه اللفظة: (تملكه وما ملك)، ما يدل على أنهم يعتقدون أن المملوك ليس من جنس المالك ولا نوعه، فليس فيه أنهم يعتقدون: (أن المالك إله ورب وسيد، والمملوك هو بالضد من ذلك، ضرورة، عبد مخلوق مربوب لا يملك لنفسه موتاً أو حياة أو نشوراً)، ومن زعم أن هذا هو قطعاً وحصراً قصدهم، ومعنى قولهم، خلافاً لقرائن التاريخ المتضافرة، فعليه البرهان، اليقيني القاطع، وإلا فهو متحكم، قائل بالكذب.
والغريب أن قوماً يستدلون بهذا النص لنصرة باطلهم، ويحللون ألفاظه كأنه قرآن منزل، وهم بلا شك يعلمون أن المشركين هم في الذروة، أو بالأحرى في الحضيض، من تفاهة الفكر، وضحالة الفهم، وانعدام التدقيق، فكيف تصبح جملهم الموهمة، وألفاظهم المجملة، وعقولهم السطحية التافهة حجة؟! وكيف تضاع الأوقات والأعمار في مناقشة مقصودهم من مثل هذا اللفظ السخيف؟!
(ب) اعتقاد تعدد الأقانيم في ذات واحدة. وهذه أقوال معقدة متناقضة لا يقول بها إلا المتنطعون من الفلاسفة ونحوهم من المتقعرين الذين يحاولون الجمع بين توحيد الذات، وبين ما تورطوا فيه من شرك، فبدلاً من ترك الشرك كليةً والعودة إلى التوحيد إذا بهم يقعون في أقبح الأقوال وأكثرها تناقضًا فجعلوا الوحدة كثرة والكثرة وحدة، وهي مصادمة صريحة لضرورات العقل وبديهياته، كما نسبوا إلى الله عزوجل ما يتنزه عنه البشر ويعدونه جنونًا ومرضًا نفسيًا مثل «انفصام الشخصية» وتعددها، ومن أمثلة ذلك:
ــ تثليث النصارى أي قولهم أن الله آلهة ثلاثة هي الأب والإبن والروح القدس ثلاثة أقانيم أو ثلاثة أوجه لذات واحدة فهو واحد في ثلاثة أو ثلاثة في واحد. وقد عسر ذلك حتى على الحذاق من متكلميهم ونظارهم فقالوا أن «الثالوث المبارك» سر إلهي لا يدرك، ولا يتصور، ولا يفهم، وما علينا إلا الإيمان والتسليم!!
ــ تثليث البراهمة في قولهم أن الله الواحد له ثلاثة اوجه: «براهما» الخالق الموجد المكون، «فيشنو» الحافظ الرازق، إله الخير والرحمة، و«شيفا» المميت المدمر، إله الشر والنقمة.
ــ ومن ذلك قول بعض الثنوية بالقوة الكونية الخالقة ذات الجانبين: الجانب الخيّر المضيء، والجانب الشرير المظلم. واحد في إثنين، وإثنين في واحد، وهناك حملة يشبه أن تكون مدبرة منظمة تقوم بها بعض دور انتاج الأفلام السينمائية، وفئات من المخرجين لترويج هذه الخرافات بإلباسها لباساً عاطفياً، وزجها في النسق الكوني العام، كما هو في مسلسل «حرب النجوم»، تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً!
ونسارع فنقول أن استخدامنا لعبارة «انفصام الشخصية» ليس هو للتشنيع أو الإهانة، بل قد استخدمه فيلسوف وأستاذ جامعي نموذجاً لتقريب مفهوم «الثليث»، أو لتقريب معضلة وجود طبيعتين ومشيئتين للسيد المسيح في ذات واحدة، إلى أذهان القراء؟!!
(جـ) تحول غير الإله الى إله بالحلول والاتحاد فتنشأ بذلك ذوات إلهية جديدة لم تكن موجوده من قبل، مثل اعتقاد قلة من ملاحدة «الصوفية» الكفار في سيدي أبي القاسم محمد، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وفي بعض «أغواثهم»، و«أقطابهم»، واعتقاد جمهور النصارى في عيسى بن مريم، صلوات الله عليه وعلى والدته، الذي هو حلول الله، أو بلفظ أدق «أقنوم» الأبن، أو الكلمة، التي هي «المسيح» الإلهي، في جسد عيسى البشري، فتركب من ذلك عيسى المسيح، الذي هو بشر بوصفه عيسى المكون من لحم ودم، وكائن إلهي «سماوي»، الذي هو المسيح: وهذا كذلك اعتقاد فرقة صغيرة بائدة من النصارى في والدته «مريم»، صلوات الله وسلامه عليها وعلى ابنها.
وكل هذه المعتقدات باطلة في ذاتها، لا وجود لواقع لها إلا في الأذهان المختلة، والعقول الخرافية للمؤمنين بها كما دلت على ذلك البراهين اليقينية القاطعة أن واجب الوجود كائن واحد فقط، من غير زيادة ولا نقصان، فليس ثمة جنس أو نوع أو أمة أو قبيلة من واجبات الوجود تتعدد أفرادها، بل هو واحد أحد فرد فقط، من غير زيادة ولا نقصان، كما أسلفنا برهانه عند ذكر أدلة التوحيد.
u تعقيب مهم: أسلفنا أن الاعتقاد بـ(أن الألوهية، كالإنسانية، اسم جنس تتعدد أفراده ويجوز عليهم التناسل والتوالد، كما تختلف مراتب أولئك الأفراد ودرجاتهم: فهذا رئيس، وذاك مرؤوس، وهذا كبير، وذاك صغير، بل هذا ملك، وهذا سوقة، وهذا مالك حر، وذالك رقيق مملوك، كالبشر سواء بسواء)، أسلفنا أن هذا هو اعتقاد جمهور بسطاء المشركين كالمصريين القدماء، واليونان، وأكثر مشركي العرب، وعوام الهنود، وغيرهم.
أما العرب العدنانية ــ عرب الشمال ــ وقريشا بالأخص فقد كانت لهم جملة من الآلهه أكثرها إناث ــ كاللات والعزى ومناة وغيرها ــ يعتقدون أنها ملائكة، وأن الملائكة بنات الله، وربما اعتقدوا أن بين الله ــ تعالى عن ذلك ــ وبين الجن نسب ومصاهرة. ولكنهم لقرب عهدهم بالتوحيد، في ملة ابراهيم، كانوا ينسبون أكثر الخلق، والتصرف في الكون إلى الله تبارك وتعالى، بوصفه كبير الآلهة، أو رئيس قبيلة الآلهة، أو والد الآلهة، كما هو ظاهر من مناقشة القرآن لهم، وإيقاعه إياهم في التناقض بسبب ذلك. فهم كسائر عوام المشركين في شتى أنحاء الدنيا، إلا أن الله، تبارك وتقدس، بوصفه رئيس الآلهة وكبيرهم، ووالد نفر منهم، أعظم مكانة، وأوسع سلطاناً مما تجده عند غيرهم من مشركي الأمم الأخرى التي يكون رئيس الآلهة، إن وجد أصلاً، أقل سلطة، وأضعف نفوذاً!
نقول: (ينسبون أكثر الخلق، والتصرف في الكون إلى الله تبارك وتعالى)، وليس كل ذلك، أو التفرد به إلى الله، جل جلاله، كما سنقيم عليه قواطع الأدلة في هذه الرسالة.
وقد أدى الفهم المتعجل لهذا، وعدم ملاحظة جميع النصوص والروايات والأخبار في نفس الوقت، مع الحدة في المناظرة التي قد تنحرف بالإنسان إلى المراء المذموم، أدى ذلك ببعض الأكابر، مثل شيخ الإسلام ابن تيمية، رحمه الله، وتبعه في ذلك الإمام محمد بن عبد الوهاب، رحمه الله، إلى توهم أنهم كانوا يقرون بما أسمياه: «توحيد الربوبية»، وأن شركهم يقتصر على شرك في ما أسمباه «الألوهية». هذا خطأ فادح أدى إلى تخليط كبير، وتقاسيم باطلة، ما أنزل الله بها من سلطان، وإرباك وقصور في مفهوم «العبودية» التي إنما خلق الخلق لها، ومسخ وبتر لمفهوم «التوحيد»، الذي تحول إلى مجموعة من مباحث ثانوية، بعضها طريف مضحك، عن «القبور» و«التوسل»، وإلى نتائج أخرى مخيفة سنأتي على ذكرها في مواضعها أولاً فأول، وما كتبنا هذه الرسالة إلا لإزالة هذه الإلتباسات الجسيمة، والإشكالات الكبيرة، نسأل الله التوفيق لرفع الخلاف، وإيضاح الإشكال، مبتدئين هذا بفصل عن حقيقة شرك العرب، وكيف تغير دين إبراهيم، في أواخر هذا الباب.

u فصل: بعض ما يتعلق بالأسماء الحسنى
للإمام أبي حامد الغزالي رسالة قيمة كاملة في «أسماء الله الحسنى» سماها: «المقصد الأسنى، في أسماء الله الحسنى» نص فيها على أن الأسماء الحسنى، على كثرتها، ليست مترادفة، وأوجب أن يتضمن كل اسم منها معنىً لم يتضمنه غيره، ذلك لأن: (الأفعال كثيرة والإضافات كثيرة والسلوب كثيرة ويكاد يخرج جميع ذلك عن الحصر ثم يمكن التركيب من مجموع صفتين أو صفة وإضافة أو صفة وسلب أو سلب وإضافة ويوضع بإزائه اسم فتكثر الأسامي بذلك وكان مجموعها يرجع إلى ما يدل منها على الذات أو على الذات مع سلب أو على الذات مع إضافة أو على الذات مع سلب وإضافة أو على واحد من الصفات أو على صفة وسلب أو على صفة وإضافة أو على صفة فعل أو على صفة فعل وإضافة أو سلب فهذه عشرة أقسام:
الأول: ما يدل على الذات كقولك: «الله»، ويقرب منه اسم «الحق» إذا أريد به الذات من حيث هي واجبة الوجود.
الثاني: ما يدل على الذات مع سلب مثل القدوس والسلام والغني والأحد ونظائره فإن القدوس هو المسلوب عنه كل ما يخطر بالبال ويدخل في الوهم، والسلام هو المسلوب عنه العيوب، والغني هو المسلوب عنه الحاجة، والأحد هو المسلوب عنه النظير والقسمة.
الثالث: ما يرجع إلى الذات مع إضافة كالعلي والعظيم والأول والآخر والظاهر والباطن ونظائره فإن العلي هو الذات التي هي فوق سائر الذوات في المرتبة فهي إضافة، والعظيم يدل على الذات من حيث تجاوز حدود الإدراكات، والأول هو السابق على الموجودات، والآخر هو الذي إليه مصير الموجودات، والظاهر هو الذات بالإضافة إلى دلالة العقل، والباطن هو الذات مضافة إلى إدراك الحس والوهم، وقس على هذا غيره.
الرابع: ما يرجع إلى الذات مع سلب وإضافة كالملك والعزيز فإن الملك يدل على ذات لا تحتاج إلى شيء ويحتاج إليه كل شيء. والعزيز هو الذي لا نظير له وهو ما يصعب نيله والوصول إليه.
الخامس: ما يرجع إلى صفة كالعليم والقادر والحي والسميع والبصير.
السادس: ما يرجع إلى العلم مع إضافة كالخبير والشهيد والحكيم والمحصي فإن الخبير يدل على العلم مضافا إلى الأمور الباطنة، والشهيد يدل على العلم مضافا إلى ما يشاهد، والحكيم يدل على العلم مضافا إلى أشرف المعلومات، والمحصي يدل على العلم من حيث يحيط بمعلومات محصورة معدودة التفصيل.
السابع: ما يرجع إلى القدرة مع زيادة إضافة كالقهار والقوي والمقتدر والمتين فإن القوة هي تمام القدرة والمتانة شدتها والقهر تأثيرها في المقدور بالغلبة.
الثامن: ما يرجع إلى الإرادة مع إضافة أو مع فعل كالرحمن والرحيم والرؤوف والودود فإن الرحمة ترجع إلى الإرادة مضافة إلى قضاء حاجة المحتاج الضعيف، والرأفة شدة الرحمة، وهي مبالغة في الرحمة، والود يرجع إلى الإرادة مضافا إلى الإحسان والإنعام، وفعل الرحيم يستدعي محتاجا، وفعل الودود لا يستدعي ذلك، بل الإنعام على سبيل الابتداء يرجع إلى الإرادة مضافا إلى الإحسان وقضاء حاجة الضعيف وقد عرفت وجه ذلك فيما تقدم
التاسع: ما يرجع إلى صفات الفعل كالخالق والبارئ والمصور والوهاب والرزاق والفتاح والقابض والباسط والخافض والرافع والمعز والمذل والعدل والمغيث والمجيب والواسع والباعث والمبدئ والمعيد والمحيي والمميت والمقدم والمؤخر والوالي والبر والتواب والمنتقم والمقسط والجامع والمانع والمغني والهادي ونظائره
العاشر: ما يرجع إلى الدلالة على الفعل مع زيادة كالمجيد والكريم واللطيف فإن المجيد يدل على سعة الإكرام مع شرف الذات، والكريم كذلك، واللطيف يدل على الرفق في الفعل).
انتهى كلام الغزالي بتصرف يسير، وهو كلام جميل، فيه تحرير وتقسيم جيد.

أبو عمر المنصور
19-04-2011, 06:26 PM
الواقع التاريخي لشرك العرب
u فصل: حقيقة شرك العرب
والآن نعود إلى بسط الكلام عن حقيقة شرك العرب، فبالرغم من نسبة العرب العدنانية ــ وقريشا بالأخص ـ كما أسلفنا، أكثر الخلق، والتصرف في الكون إلى الله تبارك وتعالى، بالرغم من ذلك فقد كانوا ينسبون بعض ذلك إلى غيره، كنسبة التحكم في الموت، والتقدير إلى «مناة»، إلهة الموت (المنية)، والمتحكمة في مقادير البشر، فضلاً عن نسبتهم هؤلاء الأغيار إلى الله نسبة قرابة وتولد، أي مشاركة في «الجوهر الإلهي»، أو في «الجنس الإلاهي»، إو في «النسب الإلاهي»، بمعنى أو آخر، كما جاءت بذلك النصوص الثابتة الصحيحة:
v فقد قال البخاري في «الجامع الصحيح المختصر»: [باب ذكر الجن وثوابهم وعقابهم لقوله: } يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي{، إلى قوله: }عما يعملون{،} بخساً{، نقصاً، قال مجاهد: }وجعلوا بينه وبين الجنة نسباً{، قال كفار قريش: الملائكة بنات الله، وأمهاتهم بنات سروات الجن! قال الله: }ولقد علمت الجنة إنهم لمحضرون{، ستُحْضَر للحساب].
v وقال الحافظ في «فتح الباري شرح صحيح البخاري»: [قوله باب ذكر الجن وثوابهم وعقابهم أشار بهذه الترجمة إلى اثبات وجود الجن وإلى كونهم مكلفين ... إلخ) في كلام طويل، إلى قوله: (قوله: (وقال مجاهد وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا الخ)) وصله الفريابي من طريق بن أبي نجيح عن مجاهد به وفيه فقال أبو بكر: (فمن أمهاتهم؟!)، قالوا: (بنات سروات الجن ...الخ)، وفيه قال علمت الجن أنهم سيحضرون للحساب قلت وهذا الكلام الأخير هو المتعلق بالترجمة وسروات بفتح المهملة والراء جمع سرية بتخفيف الراء أي شريفة].
v وفي «فتح الباري شرح صحيح البخاري»: [... قال أبو عبيدة في قوله تعالى ان يدعون من دونه إلا إناثا: (الا الموات حجراً أو مدراً أو ما أشبه ذلك والمراد بالموات ضد الحيوان)، وقال غيره: (قيل لها إناث لأنهم سموها مناة واللات والعزى وإساف ونائلة ونحو ذلك)، وعن الحسن البصري: لم يكن حي من أحياء العرب الا ولهم صنم يعبدونه يسمى أنثى بني فلان! وسيأتي في الصافات حكاية عنهم أنهم كانوا يقولون الملائكة بنات الله، تعالى الله عن ذلك، وفي رواية عبد الله بن أحمد في مسند أبيه عن أبي بن كعب في هذه الآية قال مع كل صنم جنية، ورواته ثقات].
v وقال البخاري في «الجامع الصحيح المختصر»: باب تفسير سورة الصافات. وقال مجاهد: }وبين الجنة نسبا{، قال كفار قريش: (الملائكة بنات الله وأمهاتهم بنات سروات الجن!)
v وفي «فتح الباري شرح صحيح البخاري»: [قوله باب وقالوا أتخذ الله ولدا سبحانه كذا للجميع وهي قراءة الجمهور، وقرأ بن عامر: قالوا بحذف الواو، واتفقوا على أن الآية نزلت فيمن زعم أن لله ولداً من يهود خيبر ونصارى نجران ومن قال من مشركي العرب الملائكة بنات الله فرد الله تعالى عليهم]. لاحظ نص الحافظ على إجماعهم: (واتفقوا ...)
v وفي «تفسير الجلالين»: ونزل في النضر بن الحارث وجماعته: }ومن الناس من يجادل في الله بغير علم{، قالوا: الملائكة بنات الله، والقرآن أساطير الأولين، وأنكروا البعث وإحياء من صار ترابا!
v وفي «تفسير الجلالين»: }وجعلوا له من عباده جزءً{، حيث قالوا: الملائكة بنات الله، لأن الولد جزء من الوالد، والملائكة من عباده تعالى، }إن الإنسان {، القائل ما تقدم }لكفور مبين {، بين ظاهر الكفر!
v وفي «تفسير الجلالين»: }إن الذين لا يؤمنون بالآخرة ليسمون الملائكة تسمية الأنثى{، حيث قالوا هم بنات الله!
v أما قولهما في «تفسير الجلالين»: }وجعلوا{، أي المشركون، }بينه{، تعالى، }وبين الجنة{ أي الملائكة لاجتنانهم عن الأبصار }نسبا{، بقولهم إنها بنات الله. فهو خطأ، لأن العرب تفرق بين الجن والملائكة، وإنما عنوا أنه، تعالى وتقدس، صاهر إلى سروات الجن فولدن له الملائكة، كما سبق مراراً!
v وجاء في «ضعفاء العقيلي»: [حدثنا أحمد بن داود حدثنا أحمد بن منيع حدثنا أبو سعد الصغاني قال حدثنا أبو جعفر الرازي عن الربيع عن أبي عالية عن أبي، رضي الله تعالى عنه، أن المشركين قالوا للنبي، صلى الله عليه وسلم: (انسب لنا ربك!)، فنزلت قل هو الله أحد]، وهو في «التاريخ الكبير»، وفي «التاريخ الصغير (الأوسط)»
v وجاء في «ضعفاء العقيلي»: [حدثناه محمد بن إسماعيل قال حدثنا أبو النضر هاشم بن القاسم حدثنا أبو جعفر الرازي عن الربيع عن بن العالية نحوه]، يعني مرسلاً، ثم عقب العقيلي قائلاً: (وهذا أولى!)
v وهو في «تاريخ بغداد» مطولاً مجوداً: [أخبرني أبو الحسين أحمد بن عمر بن على القاضى بدرزيجان حدثنا أحمد بن أبى طالب الكاتب حدثنا محمد بن جرير الطبري حدثني أحمد بن منيع المروروزى حدثنا أبو سعد الصاغاني حدثنا أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبى العالية عن أبى بن كعب قال قال المشركون للنبي، صلى الله عليه وسلم: (انسب لنا ربك!)، فانزل الله تعالى: }قل هو الله أحد v الله الصمد (قال الصمد الذي:) v لم يلد ولم يولد (لأنه ليس شيء يولد الا وسيموت وان الله تعالى لا يموت ولا يورث) v ولم يكن له كفوا أحد{، لم يكن له شبه ولا عدل وليس كمثله شيء]، وعقَّب الخطيب قائلاً: (رواه عبد الله بن أبى جعفر الرازي عن أبيه عن الربيع عن النبي، صلى الله عليه وسلم، ولم يذكر في إسناده أبيا ولا أبا العالية)
قلت: فالإسناد صحيح، لا شك في صحته، مرسلاً، ولكن في وصله بواسطة أبي بن كعب نظر بسبب أبي سعد محمد بن ميسر الصغاني الجعفي البلخي، ويقال له محمد بن أبي زكريا. وأبو سعد هذا فيه اختلاف شديد، وأكثر ما قيل فيه لمذهبه فقد كان مرجئاً.
والحق الذي حررناه في الملحق أن الرجل صدوق، إلا أنه كان ضريراً، يعتمد على ذاكرته، وكان كثير الحديث جداً، فلا عجب أن يقع له بعض الاضطراب، لا سيما أنه لم يكن بالحافظ المتقن، فلا تقوم به إذاً حجة، إذا انفرد.
ولكن جاءت المتابعة المستقلة التالية:
v كما هي في «شعب الإيمان»، (ج: 2 ص: 508): [أخبرنا أبو الحسن علي بن عبدالله البيهقي حدثنا أبو بكر أحمد بن إبراهيم الإسماعيلي حدثنا أبو جعفر الحضرمي حدثنا شريح بن يونس حدثنا إسماعيل بن مجالد عن مجالد عن الشعبي عن جابر قال قالوا يا رسول الله أنسب لنا ربك فنزل قل هو الله أحد إلى آخرها]
v وجاء في «تفسير القرطبي»، (ج: 2 ص: 190): [قوله تعالى وإلهكم إله واحد لما حذر تعالى من كتمان الحق بين أن أول ما يجب إظهاره ولا يجوز كتمانه أمر التوحيد ووصل ذلك بذكر البرهان وعلم طريق النطر وهو الفكر في عجائب الصنع ليعلم أنه لابد له من فاعل لا يشبهه شئ. قال ابن عباس رضي الله عنه قالت كفار قريش: (يا محمد أنسب لنا ربك!)، فأنزل الله تعالى الإخلاص]
فلعل الحديث يصح بمجموع هاتين الطريقين المستقلتين، وما ذكره المفسرون منسوباً لابن عباس، لا سيما أون متنه في غاية النظافة والمطابقة للواقع التاريخي، والله أعلم وأحكم.
فقريش إذاً تعتقد:
(1) أن (الملائكة بنات الله وأمهاتهم بنات سروات الجن!)، ولعل «اللات» واحدة من (بنات سروات الجن) هؤلاء، كما سيأتي قريباً في الفصل المخصص لها ، والمعنون: (ما هي حقيقة «اللات»؟!)!
(2) أن لله نسباً، وأنه ينتمي إلى قبيلة كثيرة الأفراد، لذلك طالبت قريش النبي بإيضاح معتقده في «ماهية» الله، فنزلت سورة الإخلاص، التي ثبت أنها تعدل ثلث القرآن، ولا عجب: فـ«النسب» الإلهي أهل لتلك المكانة الرفيعة!
فلا صحة مطلقاً، إذاً، لما يقال أنهم لم يكن لديهم شرك في «الذات»، أي في «النوع الإلاهي» وأنه يجوز فيه التعدد، أو شرك في «الاسماء والصفات»، أو شرك في «الربوبية»، بل هذا هو عين شركهم وحقيقته، لا غير، وعليه ترتب الإشراك في العبادة والحكم والتشريع، وليس العكس، كما زلت القدم بالإمام شيخ الإسلام أبي العباس أحمد بن تيمية تلك الزلة الشنعاء.
فليتعظ كل مسلم، بل كل عاقل من مثل هذا، وليعود نفسه على المراجعة والتدقيق، والنقد والتمحيص، مع الرد إلى الله ورسوله، ولا تهولنه أقوال الرجال: فإن الرجال يُعْرَفون بالحق، وليس الحق يعرف بالرجال، وإنما يعرف الحق بالبرهان.
ومن أراد التوسع وإشباع المطالعة في تفاصيل عقائد العرب، وأساطيرهم، وخرافاتهم، وأصنامهم، وما إلى ذلك فليرجع إلى المجلد السادس من كتاب «تاريخ العرب» للدكتور جواد علي، فقد خصصه بكامله لذلك، فجمع وأوعى. وأكثر ذلك لا يهمنا، إلا أنه من المهم معرفة كيف تسرب الشرك إلى عرب الشمال، أبناء إسماعيل بن إبراهيم، صلوات الله عليهما وعلى آلهما، بعد أن كانوا قروناً طويلة على التوحيد. هذا ما ننعالجه في الفصول المقبلة بإذن الله.

u فصل: ما هي حقيقة «اللات»؟!
لا شك أن ما ورد بصحاح الأسانيد عن ترجمان القرآن، الحبر البحر، الإمام عبد الله بن العباس، رضوان الله وسلامه عليهما، وعن الثقاة من تلاميذه، هو أول ما ينبغي تناوله بالفحص والتدقيق، فمن ذلك:
v ما أخرجه البخاري بإسناد غاية في الصحة عن ابن عباس قال: [كان اللات رجلاً يلتّ السويق للحاج]، وأخرجه ابن جرير بسنده عن مجاهد في تفسير قوله تعالى: }أفرأيتم الات والعزى{، (النجم؛ 53:19) أنه قال: [كان يلتّ لهم السويق فمات، فعكفوا على قبره]، وأخرج ابن أبي حاتم عنه بلفظ: [كان يلت السويق على الحجر، فلا يشرب منه أحد إلا سمن، فعبدوه]، وأخرج سعيد بن منصور لفظاً آخر هو: [كان يلت لهم السويق، فيطعم من يمر من الناس، فلما مات عبدوه، وقالوا: هو اللات]،
هذه، وغيرها من الروايات المشابهة، وهي لا تخرج عن هذا المعنى، كلها موقوفة، ليس منها حرف واحد مرفوع إلى النبي، عليه وعلى آله الصلاة والسلام، فليست هي من الوحي، ولا حجة فيها، بل ما هي إلا خرافات عربية، وأساطير شعبية، كما سنقيم عليه البرهان القاطع قريباً، إن شاء الله تعالى.
نعم: الإمام الحبر البحر عبد الله بن عباس، رضي الله عنهما، هو والله ترجمان القرآن، وهو والله من آل البيت الطاهر، الذين حرمت عليهم الصدقة، تكريماً وتنزيهاً، وهو والله الإمام الثبت الحجة، والثقة الصادق المأمون، ولكنه ما قال قط أنه شهد هذا الرجل «اللات» الأسطوري، ولا شرب أو أكل من ذلك السويق العجيب الخرافي بنفسه. ولا هو زعم أن مشيخته من كبار الصحابة، ذوي الأسنان العالية، حضر ذلك أو شهده أو طعم سويقه بأنفسهم. كما أنه لم يقف على قبره ذلك الرجل العجيب ولا سمعه ممن وقف على قبره.
فلم يبق إذاً إلا أنه مما تداولته العرب من أخبارها، ومروياتها وأساطيرها، وكل ذلك لا حجة فيه مطلقاً، لا سيما أن رواة ذلك إنما هم من العرب الأميين الجهلة، المشركين الفجرة، المتغطرسين العنصريين، المعروفين بالكبر، والتفاخر بالأحساب، والطعن في الأنساب، والتنابز بالألقاب، فلا نستبعد أن تكون هذه القصص إنما وضعت تشنيعاً على «ثقيف» التي كانت مختصة بـ«اللات»، معظمة لها، لإظهارها بمظر الغباوة والبلادة، من باب التشنيع، والتنابز بالألقاب.، تماما كقصة أساف ونائلة، التي شنعت العرب بها على قريش، كما سيأتي قريباً.
ولا يقولن قائل: إن ابن عباس، رضوان الله وسلامه عليهما، إنما روى القصة بأسلوب المصدق لها، الموقن بوقوعها. وهو إنما رواها كذلك لاعتقاده بصحتها. فنقولك هذا حق، وهو الله الصادق البر الأمين، ولكن من قال لكم أنه معصوم أن يقع فريسة كذب الكذابين، أو خداع المخادعين أو شهادة زور من فجرة كاذبين؟! بل إن خاتمة رسل الله، المعصوم بعصمة الله، عليه وعلى آله صلوات وتسليمات وتبريكات من الله، لم يعصم من أن يخدع بكذب كاذب، أو يحكم بالظاهر بناءً على شهادة فاجر، أو حسن بيان محاجج ماهر:
v لما ثبت من قوله، عليه وعلى آله الصلاة والسلام: «إنما أنا بشر، وإنه يأتيني الخصم، فلعل بعضكم أن يكون أبلغ (وفي رواية: ألحن) من بعض، فأحسب أنه صدق، فأقضي له بذلك! فمن قضيت له بحق مسلم فإنما هي قطعة من النار فليأخذها أو فليتركها»، كما هو في حديث غاية في الصحة، أخرجه البخاري، وهذا لفظه، والإمام مالك، وأحمد، وأبو داود وغيرهم بأسانيد غاية في الصحة، تقوم بها الحجة اليقينية القاطعة. وهذا الحديث يؤكد عدة حقائق في غاية الأهمية أن الباطل قد يحسن صاحبه عرضه، والتدليل عليه، حتى ينخدع به المعصوم، عليه وعلى آله الصلاة والسلام، نفسه، فمن باب أولى قد يحصل بلا شك لمن هو دونه من أمثال ابن عباس، رضي الله عنهما.
وكنا قد نشرنا بعض هذا الفصل في أحد ساحات النقاش بالشبكة العنكبوتية الدولية، فاستشكله أحد المتعالمين من أدعياء «السلفية» مسائلاً كيف يكون الرد إذا (قال لك الزنادقة: ما دام أن نبيكم يخدع بكذب كاذب فما المانع أن تكون القصص التي قصها علينا خارج القرآن عن الأمم السابقة كلها انخدع فيها بكذب كاذب. وما دام أنه ينخدع بكذب الكاذبين وما دام أن الباطل قد يحسن عرضه له والتدليل عليه فما المانع أن يكون كثير مما حسنه لكم قد انخدع فيه ورآه حسنا).
نقبول: ما ذكر هذا المتعالم من كلام الزنادقة (ونرجو الله أن لا يكون هو منهم) فليس بجديد، فقد قالت قريش إنما يعلمه بشر، وذلك قبل تلفظه، عليه وعلى اله الصلاة والسلام، بذلك الحديث، وقالها المستشرقون، وقالوا أحياناً ما هو أفظع منها. ونبوة محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ثبتت بقواطع الأدلة، ومنها هذا القرآن المعجز (وهو بين أيدينا وليس هو مثل معجزات الأنبياء السابقين التي ذهبت أعيانها)، وشق له القمر، وتواتر عنه سقاء وإطعام المئين بماد أو طعام لا يكفي بضعة أنفس، وتواتر حنين الجذع إليه، وقلب مجرى التاريخ وحطَّم أتباعه أكبر الإمبراطوريات وأنشؤوا أكبر دولة في التاريخ في خلال جيل واحد فقط، وأخبر بمغيبات المستقبل: من انتصار الروم بعد هريمتهم المدمرة الساحقة، وموت عمه أبي لهب على الكفر، وامتناع اليهود عن تمني الموت، إلى هجمة المغول الشرسة على أمته، وتجمع اليهود في فلسطين حيث سيذبحون قريباً بإذن الله وتوفيقه، وغير ذلك من مئات الأدلة القاطعة.
فهو نبي الله، المبلغ عن الله البلاغ المعصوم، قبل أن يتلفظ حتى بكلمة واحدة خارج القرآن العظيم، عليه وعلى اله الصلاة والسلام.
ثم ثبت بالأدلة اليقينية القاطعة: من ضرورات الحس العقل، ونصوص القرآن أنه معصوم في قوله عن الكذب والخطأ، وفي فعله عن ارتكاب الحرام. وثبت كذلك أن الذكر الذي انزل عليه (والذكر هو القرآن والسنة كلاهما) محفوظ بحفظ الله.
ثم ثبت عنه ثبوتاً تقوم به الحجة أنه قال: «إنما أنا بشر، وإنه يأتيني الخصم، فلعل بعضكم أن يكون أبلغ (وفي رواية: ألحن) من بعض، فأحسب أنه صدق، فأقضي له بذلك! فمن قضيت له بحق مسلم فإنما هي قطعة من النار فليأخذها أو فليتركها»
فقلنا نحن: صدق الله، وصدق رسوله، فلا يتعارض تصديق النبي في مجلس قضاء لبعض من أحسن عرضة حجته، أو أجاد إخفاء كذبته، مع كونه معصوماً في التبليغ عن الله.
فيا لله، ويا للمسلمين: متى كان إخبار شخص مترافع في مجلس القضاء عن ملكيته لأرض زراعية، أو حتى لبعير أو حمار، إخباراً أو بلاغاً عن الله من هذا الشخص؟! ومتى كان تصديق النبي، عليه وعلى آله الصلاة والسلام، له أو تكذيبه إياه ذا علاقة بوحي الله أو بلاغاً عن الله؟!
يا لله، ويا للمسلمين: متى كان أبو القاسم، خاتمة أنبياء، المعصوم بعصمة الله، بأبي هو وأمي، يأخد البلاغ عن الله من أحد من الناس، حتى يرد أصلاً سؤال هذا «المتعالم الدعي» عندما قال: (فما المانع أن يكون كثير مما حسنه لكم قد انخدع فيه ورآه حسنا).
ثم قال «المتعالم الدعي»: [واعلم أن الحديث التي جئت به لكي تدلل على أن النبي صلى الله عليه وسلم قد يخدع بكذب كاذب ليس كما فهمته أنت، بل الحديث خاص في باب القضاء كما هو صريح لفظه. وفرق بين القضاء وبين الإخبار عن الله عز وجل في مقام التشريع أو تفسير كتاب الله، وكلام ابن عباس من هذه البابة. والقاضي إنما يقضي بما تدل عليه البينات والأيمان، ولو كانت مخالفة للواقع إذ هو مطالب بما تدل عليه البينات أو يتقحمه الخصم من الأيمان.
بل ذهب أكثر العلماء إلى أن القاضي يقضي حسب البينات والأيمان ولو كان يعلم بنفسه أن الحق بخلاف ماقضى به. وانظر في المسألة بدائع الصنائع (7/7) والتمهيد (22/219) وروضة الطالبين (11/156) والمغني (9/53)]
فأقول ما شاء الله كان: ما علاقة خصوصية هذا بباب القضاء بالموضوع أصلا؟! القضية هي: هل يجوز أصلاً أن ينخدع النبى بكلام من أحسن عرض حجته، أو أجاد إخفاء كذبته، أم لا يجوز عليه أصلاً بوصفه نبياً معصوماً. وكون الحديث عن القضاء أشد وأنكى: فالانخداع بالكذب أو الحجة المزوقة في مجلس القضاء أفظع وأشنع: فها هنا حقوق مالية، وفروج، وأعراض، ودماء معرضة للخطر.
وها هو، عليه وعلى آله الصلاة والسلام، بأبي هو وأمي، قد أدى الأمانة، وبلّغ الرسالة، وحذر وأنذر أن ليس بعده معصوم من تصديق من أحسن عرض حجته، أو أجاد إخفاء كذبته في مجلس قضاء ينظر فيه في حقوق مالية، وفروج، وأعراض، ودماء، فمن باب أولى إذاً جاز أن ينخدع الإمام الحجة الثقة المأمون، والحبر البحر، بخرافة اللات الذي كان يلت السويق للحجاج، إذ كانت العرب تتداولها في مجالسها، وتكثير من ترديدها. ولو طالبهم ابن عباس بالقسم لأقسموا أنهم سمعوا ذلك من أبائهم عن أجدادهم، فأي شئ يثبت بمثل هذا السماع، أو بمثل هذه الأيمان، وما شابه من القيل والقال؟!
أما كلام هذا (المتعالم) الفارغ عما ذهب إليه أكثر العلماء، بزعمه، أن القاضي يقضي حسب البينات والأيمان ولو كان يعلم بنفسه أن الحق بخلاف ماقضى به، فلا علاقة له بالموضوع، ولا محصول منه، وهو قضية شائكة، والقول كما ذكره هكذا لا محصول من ورائه، بل الأرجح أنه خطأ، والمسألة تحتاج على كل حال إلى تفصيل، وتفريع: فليست أقضية الحدود عامة، وأقضية الزنا والأعراض خاصة، من جنس الحكم في شاة أو بعير، وليس البينات كلها من نوع واحد أو درجة واحدة. ولكن من تسطح فكره، وتضائل عقله من أمثال ذلك «المتعالم الدعي» ربما ظن ذلك، وقد كان الأولى به، وبأمثاله من أدعياء السلفية، أولاً أن بطلب العلم طلباً جاداً.
فـ(حكم القاضي بعلمه) لا علاقة له بموضوعنا إلا إذا كان ذلك المتعالم الدعي يزعم أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان يعلم كذب الشهود، إن كذبوا، ويكشف تزويق المزويقين، ولكنه فقط يحكم بالظاهر، ثم زاد فكذب علينا وقال: «إنما أنا بشر، وإنه يأتيني الخصم، فلعل بعضكم أن يكون أبلغ (وفي رواية: ألحن) من بعض، فأحسب أنه صدق، فأقضي له بذلك! فمن قضيت له بحق مسلم فإنما هي قطعة من النار فليأخذها أو فليتركها»
بدلاً من أن يقول مثلاً: (لقد عصمني الله أن يجوز علي كذبكم، أو تنطلي علي حسن مرافعتكم، ولكن سيكون بعدي من يخدع ويضلل، فإن حكم أحدهم بخلاف الحق فإنما هي قطعة من النار فلا تأخذوها)، أو نحو ذلك
فيلزمه إذا على مقدمته الكاذبة الخبيثة الملعونة أنه، عليه وعلى آله الصلاة والسلام، كاذب مخادع: حاشاه ثم حاشاه. فحسب صاحبنا «المتعام الدعي» هذا الإلزام: وهو الكفر والشرك، قطعاً ولا جدال. فليته فكر، مرة وثانية وثالثة، قبل أن يفتح فاه بمثل ذلك اللغو الخطير.
نعم: هناك مخرج لا أحسبه يبعد كثيراً عن الكفر والزندقة، وهو رد هذا الحديث، وهذا لا يتأتى بطريقة مطردة منضبطة إلا برد كل أخبار الآحاد جملة، واللحاق ببعض غلاة المعتزلة، فيلزمه أن يرد رواية (اللاتُّ)، الذي كان يلت السويق للحجاج من باب أولى، وهي التي استمات صاحبنا في الدفاع عن صحتها، أي عن مطابقتها للواقع التاريخي، لأنها توافق ما اعتقده من الإفك والباطل.
أو أن يتناقض صاحبنا «المتعالم الدعي» فيصحح أحاديث ويرفض أخرى، بلا خطام أو زمام. والظاهر أن هذا هو مذهبه، ومذهب أمثاله من أدعياء «السلفية»، وإن أنكروا ذلك أشد الإنكار: فهم أصحاب هوى متلاعبون: ما وافق الهوى من الأحاديث صحيح، ومن القراءات متواتر، وما لم يكن على (المزاج) ففيه نظر، وكر وفر، واستشهاد بكلام (أكثر العلماء)، و(ما ذهب إليه الجمهور)، وأقوال (السلف الصالح)، ويصبح حينئذ (قول الصحابي حجة) بقدرة قادر، ناهيك بـ(سد الذرائع)، و(دفع أكبر المفسدتين، وتحصيل أعظم المصلحتين أو المنفعتين)، و(احتمال أدنى المصيبتين؟!)، (وقياس قطع اليد على استحلال الفرج)، وغير ذلك من الدجل الهراء.
ولعل ابن عباس إنما انخدع بهذه الأكذوبة الخرافية في محاولة لتفسير معنى لفظة «اللات»، بردها إلي المادة الثلاثية: (لتت)، ولو كان ذلك حقاً لكانت «اللاتّ» مشددة التاء، ولكانت مذكراً على عادة اللغة العربية في اسم الفاعل، على وزن (فاعل)، وهذا خلاف ما عليه إجماع الحجة من القراء، كما نص عليه الإمام الطبري:
v حيث جاء في «تفسير الطبري»، (ج 27، ص 58 وما بعدها): [القول في تأويل قوله تعالى: }أفرأيتم اللات والعزى v ومناة الثالثة الأخرى vألكم الذكر وله الأنثى v تلك إذا قسمة ضيزى{، يقول تعالى ذكره أفرأيتم أيها المشركون اللات، وهي من الله ألحقت فيه التاء فأنثت، كما قيل عمرو للذكر وللأنثى عمرة، وكما قيل للذكر عباس ثم قيل للأنثى عباسة، فكذلك سمى المشركون أوثانهم بأسماء الله تعالى ذكره وتقدست أسماؤه فقالوا من الله اللات، ومن العزيز العزى، وزعموا أنهن بنات الله تعالى الله عما يقولون وافتروا فقال جل ثناؤه لهم أفرأيتم أيها الزاعمون أن اللات والعزى ومناة الثالثة بنات الله ألكم الذكر يقول أتختارون لأنفسكم الذكر من الأولاد وتكرهون لها الأنثى وتجعلون له الأنثى التي لا ترضونها لأنفسكم ولكنكم تقتلونها كراهة منكم لهن؟!
واختلفت القراء في قراءة قوله اللات فقرأته عامة قراء الأمصار بتخفيف التاء على المعنى الذي وصفت. وذكر أن اللات بيت كان بنخلة تعبده قريش، وقال بعضهم كان بالطائف، ذكر من قال ذلك:
ــ حدثنا بشر قال حدثنا يزيد قال حدثنا سعيد عن قتادة أفرأيتم اللات والعزى أما اللات فكان بالطائف
ــ حدثني يونس قال أخبرنا بن وهب قال قال بن زيد في قوله أفرأيتم اللات والعزى قال اللات بيت كان بنخلة تعبده قريش
ــ وقرأ ذلك بن عباس ومجاهد وأبو صالح اللاتَّ بتشديد التاء وجعلوه صفة للوثن الذي عبدوه وقالوا: (كان رجلا يلت السويق للحاج فلما مات عكفوا على قبره فعبدوه)، ذكر الخبر بذلك عمن قاله:
حدثنا بن بشار قال حدثنا عبد الرحمن قال حدثنا سفيان عن منصور عن مجاهد أفرأيتم اللات والعزى قال: (كان يلت السويق للحاج فعكف على قبره)
قال حدثنا مؤمل قال حدثنا سفيان عن منصور عن مجاهد أفرأيتم اللات قال اللات كان يلت السويق للحاج
ــ حدثنا بن حميد قال حدثنا مهران عن سفيان عن منصور عن مجاهد اللات قال كان يلت السويق فمات فعكفوا على قبره
ــ حدثنا بن حميد قال حدثنا جرير عن منصور عن مجاهد في قوله اللات قال رجل يلت للمشركين السويق فمات فعكفوا على قبره.
ــ حدثنا أحمد بن هشام قال حدثنا عبيد الله بن موسى عن إسرائيل عن أبي صالح في قوله اللات قال اللات الذي كان يقوم على آلهتهم يلت لهم السويق وكان بالطائف
ــ حدثني أحمد بن يوسف قال حدثنا أبو عبيد قال حدثنا عبد الرحمن عن أبي الأشهب عن أبي الجوزاء عن بن عباس قال: (كان يلت السويق للحاج)
وأولى القراءتين بالصواب عندنا في ذلك قراءة من قرأه بتخفيف التاء على المعنى الذي وصفت لقارئه كذلك لإجماع الحجة من قراء الأمصار عليه.
وأما العزى فإن أهل التأويل اختلفوا فيها فقال بعضهم كان شجرات يعبدونها، ذكر من قال ذلك:
ــ حدثنا بن بشار قال حدثنا مؤمل قال حدثنا سفيان عن منصور عن مجاهد والعزى قال العزى شجيرات
وقال آخرون كانت العزى حجرا أبيض، ذكر من قال ذلك حدثنا بن حميد قال حدثنا يعقوب عن جعفر عن سعيد بن جبير قال العزى حجر أبيض
وقال آخرون كان بيتا بالطائف تعبده ثقيف، ذكر من قال ذلك:
ــ حدثني يونس قال أخبرنا بن وهب قال قال بن زيد في قوله والعزى قال العزى بيت بالطائف تعبده ثقيف
وقال آخرون بل كانت ببطن نخلة، ذكر من قال ذلك:
ــ حدثنا بشر قال حدثنا يزيد قال حدثنا سعيد عن قتادة ومناة الثالثة الأخرى قال أما مناة فكانت بقديد آلهة كانوا يعبدونها يعني اللات والعزى ومناة
ــ حدثني يونس قال أخبرنا بن وهب قال قال بن زيد في قوله ومناة الثالثة الأخرى قال مناة بيت كان بالمشلل يعبده بنو كعب
واختلف أهل العربية في وجه الوقف على اللات ومنات فكان بعض نحويي البصرة يقول إذا سكت قلت اللات وكذلك مناة تقول منات، وقال بعضهم اللات فجعله من اللت الذي يلت، ولغة للعرب يسكتون على ما فيه الهاء بالتاء يقولون رأيت طلحت وكل شيء مكتوب بالهاء فإنها تقف عليه بالتاء نحو نعمة ربك وشجرة، وكان بعض نحويي الكوفة يقف على اللات بالهاء أفرأيتم اللاه، وكان غيره منهم يقول الاختيار في كل ما لم يضف أن يكون بالهاء رحمة من ربي وشجرة تخرج وما كان مضافا فجائزا بالهاء والتاء فالتاء للإضافة والهاء لأنه يفرد ويوقف عليه دون الثاني وهذا القول الثالث أفشى اللغات وأكثرها في العرب وإن كان للأخرى وجه معروف.
وكان بعض أهل المعرفة بكلام العرب من أهل البصرة يقول: اللات والعزى ومناة الثالثة أصنام من حجارة كانت في جوف الكعبة يعبدونها]، انتهى كلام الإمام الطبري بتصرف طفيف جداً.
فأنت تلاحظ أن الإمام الطبري لم ينخدع بتلك القصة الخرافية عندما اعتصم بالحق الثابت ألا وهو: (إجماع الحجة من قراء الأمصار على قراءة اللات بالتاء المخففة)، خلافاً لقراءة ابن عباس الشاذة، الذي تبعه عليها نفر قليل. والقرآن لا تثبت قراءاته إلا بالنقل المتواتر أو الإجماع المتيقن، لا غير.
وقد اعترض صاحبنا «المتعالم الدعي»، المذكور آنفاً، علي هذا فزعم تواتر القراءة بتشديد التاء، مستشهداً بطريق اللهبي عن البزي عن ابن كثير، وكذلك برواية رويس عن يعقوب، كما هو في الملحق.
فنقول: هذا غير صحيح فتواتر القراءات، كل واحدة بمفردها على حدة، أمر مختلف فيه، كما يظهر من كلام الطبري، وأبي شامة، ومخالفة ابن الجزري لهما. والظاهر أن الأمر يحتاج إلى تفصيل، وقد فصلنا بعض هذا في الملحق.
وعلى كل حال فرواية اللهبي عن البزي لا تثبت شيئاً لأن الإمام البزي، رحمه الله، عرف بالشذوذ ومخالفة الجمهور، كما هو في الملحق. وأما يعقوب فلم يعرف بالتزامه بالتواتر، خلافاً لشيخ شيوخه أبي عمرو بن العلاء الذي كان لا يقرأ إلا بما ثبت عنده عن الكافة، أي بنقل التواتر أو بالإجماع.
أما بالنسبة لموضوعنا وهو (اللات) هل هي بالتشديد أو التخفيف، فنقول، وبالله التوفيق، أنه من المقطوع به أنه لم ترد إلا هاتان القراءتان مطلقاً:
(1) فمن المحال الممتنع أن تكونا كلاهما باطلتين، هذا خلاف النقل المتواتر، والحجة اليقينية القاطعة في قوله تعالى: }إنا نحن نزلنا الذكر وإتا له لحافظون{، وهذه مقولة كفر، يكفر قائلها بها، ويخرج من الإسلام، إلا إذا قام به بعينه مانع من موانع تكفير المعيَّن!
(2) كذلك محال ممتنع أن تكون الرواية بالتخفيف باطلة، لأنها قطعاً بمفردها متواترة، فهي إجماع السبعة، ما عدا ابن كثير من طريق اللهبي عن البزي، وهي لا شئ: قراءة شاذة باطلة، كما أسلفنا قريباً، والعشرة ما عدا يعقوب برواية رويس، والسلف ما عدا بن عباس ومجاهد وأبو صالح، وربما بعض تلامذة ابن عباس أو تلامذة تلامذتهم، وكلهم في الحقيقة متبعون لابن عباس في هذه القراءة، كما هو عند الطبري حيث قال: [واختلفت القراء في قراءة قوله اللات فقرأته عامة قراء الأمصار بتخفيف التاء على المعنى الذي وصفت، (...)، وقرأ ذلك بن عباس ومجاهد وأبو صالح اللاتَّ بتشديد التاء].
وعليه كذلك إجماع الحجة من القراء، كما نص عليه الإمام الطبري في «تفسير الطبري»، (ج 27، ص 58 وما بعدها): [القول في تأويل قوله تعالى: }أفرأيتم اللات والعزى v ومناة الثالثة الأخرى vألكم الذكر وله الأنثى v تلك إذا قسمة ضيزى{]، فذكر عدة روايات راجعها في النقل السابق، ثم عقَّب قائلاً: [وأولى القراءتين بالصواب عندنا في ذلك قراءة من قرأه بتخفيف التاء على المعنى الذي وصفت لقارئه كذلك لإجماع الحجة من قراء الأمصار عليه]. والإجماع ها هنا ليس إجماعاً على رأي أو قضية نظرية، وإنما هو إجماع على نقل، أي على قضية روائية نصِّية، فهو إذا من أعلى أنواع نقل التواتر.
والإمام الطبري إمام كبير، ومجتهد مطلق، وهو رأس في التفسير والقراءات فلا بد من حمل قوله ذلك محمل الجد، فهو إذا يعتقد أن من قرأ بالتشديد لا تقوم به حجة، ونحن لا نزعم أن ذلك أمر مقطوع به، يكفر منكره، وإنما هو أمر اجتهادي، ولكن سعة علم الطبري، وإمامته في القراءات والتفسير تعطي قوله أهمية خاصة، وهو أولى بالتقديم على الأئمة المتأخرين من أمثال أبي شامة، والجزري، والسبكي. فالقراءة بالتاء المخففة هي قرآن قطعاً، لا يشك في ذلك إلا كافر، وليس كذلك بالنسبة للمثَقَّلة.
وحتى لو ثبتت اللاتّ بالتاء المشددة قرآناً فلا يلزم من ذلك أن تكون من (لاتت)، على وزن فاعل من لتّ بلتّ كما هو في السويق والعجين ونحوه، بل هناك تخريجات أخرى لذلك، نحيل إلى الملحق لمناقشتها، بعضها أجود وأقوى، لا سيما أن ابن كثير وابن محيصن وقفا عليها بالهاء.
وقد حاول الإمام ابن كثير التأليف بين الأقوال المتباينة بعض الشيء، إلا أنه لم يأت بكبير جديد:
v حيث جاء في «تفسير ابن كثير»، (ج: 4 ص: 254 وما بعدها): [يقول تعالى مقرعا للمشركين في عبادتهم الأصنام والأنداد والأوثان واتخاذهم لها البيوت مضاهاة للكعبة التي بناها خليل الرحمن عليه السلام: }أفرأيتم اللات، ... الآيات{، وكانت اللات صخرة بيضاء منقوشة عليها بيت بالطائف له أستار وسدنة وحوله فناء معظم عن أهل الطائف وهم ثقيف ومن تابعها يفتخرون بها على من عداهم من أحياء العرب بعد قريش قال ابن جرير وكانوا قد اشتقوا عدا من اسم الله فقالوا اللات يعنون مؤنثة منه تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا.
وحكي عن ابن عباس ومجاهد والربيع بن أنس أنهم قرءوا اللاتَّ، بتشديد التاء، وفسروه بأنه كان رجلا يلت للحجيج في الجاهلية السويق فلما مات عكفوا على قبره فعبدوه.
وقال البخاري حدثنا مسلم هو ابن إبراهيم حدثنا أبو الأشهب حدثنا أبو الجوزاء عن ابن عباس رضي الله عنه في قوله اللات والعزى قال كان اللات رجلا يلت السويق سويق الحاج
قال ابن جرير وكذا العزى من العزيز وكانت شجرة عليها بناء وأستار بنخلة وهي بين مكة والطائف كانت قريش يعظمونها كما قال أبو سفيان يوم أحد لنا العزى ولا عزى لكم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم قولوا الله مولانا ولا مولى لكم
وروى البخاري من حديث الزهري عن حميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من حلف فقال في حلفه واللات والعزى فليقل لا إله إلا الله ومن قال لصاحبه تعالى أقامرك فليتصدق فهذا محمول على من سبق لسانه في ذلك كما كانت ألسنتهم قد اعتادته من زمن الجاهلية كما قال النسائي وفي اليوم والليلة أخبرنا أحمد بن بكار حدثنا عبد الحميد بن محمد قالا حدثنا مخلد حدثنا يونس عن أبيه حدثني مصعب بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه قال حلفت باللات والعزى فقال لي أصحابي بئس ما قلت قلت هجرا فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له فقال قل لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير وانفث عن شمالك ثلاثا وتعوذ بالله من الشيطان الرجيم ثم لا تعد
وأما مناة فكانت بالمشلل ثم قديد بين مكة والمدينة وكانت خزاعة والأوس والخزرج في جاهليتها يعظمونها ويهلون منها للحج إلى الكعبة وروى البخاري عن عائشة نحوه وقد كانت بجزيرة العرب وغيرها وطواغيت أخر تعظمها العرب كتعظيم هذه الثلاثة التي نص عليها في كتابه العزيز وإنما أفرد هذه بالذكر لأنها أشهر من غيرها قال ابن إسحاق في السيرة وقد كانت العرب اتخذت مع الكعبة طواغيت وهي بيوت تعظمها كتعظيم الكعبة لها سدنة وحجاب وتهدي لها كما يهدى للكعبة وتطوف بها كطوافها بها وتنحر عندها وهي تعرف فضل الكعبة عليها لأنها كانت قد عرفت أنها بيت إبراهيم عليه السلام مسجده فكانت لقريش ولبني كنانة العزى بنخلة وكان سدنتها وحجابها بني شيبان من سليم حلفاء بني هاشم قلت بعث إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد فهدمها وجعل يقول:

يا عزى كفرانك لا سبحانك إني رأيت الله قد أهانك وقال النسائي في «الكبرى»: أخبرنا علي بن المنذر أخبرنا ابن فضيل حدثنا الوليد بن جميع عن أبي الطفيل قال لما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة بعث خالد بن الوليد إلى نخلة وكانت بها العزى فأتاها خالد وكانت على ثلاث سمرات فقطع السمرات وهدم البيت الذي كان عليها ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره فقال ارجع فأنت لم تصنع شيئا فرجع خالد فلما أبصرته السدنة وهم حجيتها أمعنوا في الحيل وهم يقولون يا عزى يا عزى فأتاها خالد فإذا امرأة عريانة ناشرة شعرها تحثوا التراب على رأسها فغمسها بالسيف حتى قتلها ثم رجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره فقال تلك العزى قال ابن إسحاق وكانت اللات لثقيف بالطائف وكان سدنتها وحجابها بني معتب قلت وقد بعث إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم المغيرة بن شعبة وأبا سفيان صخر بن حرب فهدماها وجعلا مكانها مسجدا بالطائف.
قال ابن إسحاق وكان مناة للأوس والخزرج ومن دان بدينهم من أهل يثرب على ساحل من ناحية المشلل بقديد فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إليها أبا سفيان صخر بن حرب فهدمها ويقال علي بن أبي طالب
قال وكانت ذو الخلصة لدوس وخثعم وبجيلة ومن كان ببلادهم من العرب بتبالة قلت وكان يقال لها الكعبة اليمانية وللكعبة التي بمكة الكعبة الشامية فبعث إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم جرير بن عبد الله البجلي فهدمه.
قال وكانت قيس لطي ومن يليها بجبل طي بين سلمى وأجا قال ابن هشام فحدثني بعض أهل العلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث إليه علي بن أبي طالب فهدمه واصطفى منه سيفين الرسوب والمخزم فنفله إياهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فهما سيفا علي
قال ابن إسحاق وكان لحمير وأهل اليمن بيت بصنعاء يقال له ريام وذكر أنه كان به كلب أسود وأن الحبرين الذين ذهبا مع تبع استخرجاه وقتلاه وهدما البيت.
قال ابن إسحاق وكانت رضاء بيتا لبني ربيعة بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم ولها يقول المستوغر بن ربيعة بن كعب بن سعد حين هدمها في الإسلام:

ولقد شددت على رضاء شدة فتركتها قفرا بقاع أسمحا] v وجاء نحو ما سبق في «فتح القدير»، (ج: 5 ص: 107 وما بعدها) للإمام الشوكاني، مع إضافات ولمحات جيدة: [أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى: لما قص الله سبحانه هذه الأقاصيص قال للمشركين موبخا لهم ومقرعا أفرأيتم أي أخبروني عن الآلهة التي تعبدونها من دون الله هل لها قدرة توصف بها وهل أوحت إليكم شيئا كما أوحى الله إلى محمد أم هي جمادات لا تعقل ولا تنفع ثم ذكر هذه الأصنام الثلاثة التي أشتهرت في العرب وعظم اعتقادهم فيها وقال الواحدي وغيره وكانوا يشتقون لها أسماء من أسماء الله تعالى فقالوا من الله اللات ومن العزيز العزى وهي تأنيث الأعز بمعنى العزيزة ومناة من منى الله الشيء إذا قدره. قرأ الجمهور اللات، بتخفيف التاء فقيل هو مأخوذ من أسم الله سبحانه كما تقدم. وقيل أصله لات يليت فالتاء أصلية وقيل هي زائدة وأصله لوى يلوي لأنهم كانوا يلوون أعناقهم إليها أو يلتوون عليها ويطوفون بها.
واختلف القراء هل يوقف عليها بالتاء أو بالهاء فوقف عليها الجمهور بالتاء ووقف عليها الكسائي بالهاء واختار الزجاج الفراء والوقف بالتاء لاتباع رسم المصحف فإنها تكتب بالتاء وقرأ أبن عباس وأبن الزبير ومجاهد ومنصور بن المعتمر وأبو الجوزاء وأبو صالح وحميد(اللاتّ) بتشديد التاء ورويت هذه القراءة عن أبن كثير فقيل هو أسم رجل كان يلت السويق ويطعمه الحاج فلما مات عكفوا على قبره يعبدونه فهو أسم فاعل في الأصل غلب على هذا الرجل قال مجاهد كان رجلا في رأس جبل وسمنها حيسا ويطعم الحاج وكان ببطن نخلة فلما مات عبدوه وقال الكلبي كان رجلا من ثقيف له صرمة غنم وقيل إنه عامر بن الظرب العدواني وكان هذا الصنم لثقيف وفيه يقول الشاعر:

لا تنصروا اللات إن الله مهلكها وكيف ينصركم من ليس ينتصر قال في الصحاح واللات أسم صنم لثقيف وكان بالطائف وبعض العرب يقف عليها بالتاء وبعضهم بالهاء. والعزى: صنم قريش وبني كنانة قال مجاهد هي شجرة كانت بغطفان وكانوا يعبدونها فبعث إليها النبي صلى الله عليه وإله وسلم خالد بن الوليد فقطعها وقيل كانت شيطانة تأتي ثلاث سمرات ببطن نخلة وقال عن سعيد بن جبير العزى حجر أبيض كانوا يعبدونه وقال قتادة هي بيت كان ببطن نخلة.
ومناه: صنم بني هلال وقال أبن هشام صنم هذيل وخزاعة وقال قتادة كانت للأنصار قرأ الجمهور مناة بألف من دون همزة وقرأ أبن كثير وأبن محيصن وحميد ومجاهد والسلمي بالمد والهمزة فأما قراءة الجمهور فاشتقاقها من منى يمنى أي صب لأن دماء النسائك كانت تصب عندها يتقربون بذلك إليها وأما على القراءة الثانية فاشتقاقها من النوء وهو المطر لأنهم كانوا يستمطرون عندها الأنواء وقيل هما لغتان للعرب ومما جاء على القراءة الأولى قول جرير

أزيد مناة توعد يا بن تيم تأمل أين تاه بك الوعيد ومما جاء على القراءة الأخرى قول الحارثي:
إلا هل أتى التيم بن عبد مناءة على السر فيما بيننا أبن غيم وقف جمهور القراء عليها بالتاء اتباعا لرسم المصحف، ووقف أبن كثير وأبن محيصن عليها بالهاء. قال في الصحاح ومناة أسم صنم كان بين مكة والمدينة والهاء للتأنيث ويسكت عليها بالتاء وهي لغة قوله الثالثة الأخرى هذا وصف لمناة وصفها بأنها ثالثة وبأنها أخرى والثالثة لا تكون إلا أخرى قال أبو البقاء فالوصف بالأخرى للتأكيد وقد استشكل وصف الثالثة بالأخرى والعرب إنما تصف به الثانية فقال الخليل إنما قال ذلك لوفاق رؤوس الآي كقوله مآرب أخرى وقال الحسين بن الفضل فيه تقديم وتأخير والتقدير أفرأيتم اللات والعزى الأخرى ومناة الثالثة وقيل إن وصفها بالأخرى لقصد التعظيم لأنها كانت عند المشركين عظيمة وقيل إن ذلك للتحقير والذم وإن المراد المتأخرة الوضيعة كما في قوله قالت أخراهم لأولاهم أي وضعاؤهم لرؤسائهم ثم كرر سبحانه توبيخهم وتقريعهم بمقالة شنعاء قالوها فقال: }ألكم الذكر وله الأنثى{، أي كيف تجعلون لله ما تكرهون من الإناث وتجعلون لأنفسكم ما تحبون من الذكور وقيل وذلك قولهم إن الملائكة بنات الله وقيل المراد كيف تجعلون اللات والعزى ومناة وهي إناث في زعمكم شركاء الله ومن شأنهم أن يحتقروا الإناث ثم ذكر سبحانه أن هذه التسمية والقسمة المفهومة من الاستفهام قسمة جائزة فقال: (%}تلك إذا قسمة ضيزى{%)، قرأ الجمهور ضيزى بياء ساكنة بغير همزة وقرأ أبن كثير بهمزة ساكنة والمعنى أنها قسمة خارجة عن الصواب جائرة عن العدل ومائلة عن الحق قال الأخفش يقال ضاز في الحكم أي جار وضازه حقه يضيزه ضيزا أي نقصه وبخسه قال وقد يهمز وأنشد:

فإن تناء عنا تنتقصك وإن تغب vvvvv فحقك مضئوز وأنفك راغم وقال الكسائى ضاز يضيز ضيزا وضاز يضوز ضوزا إذا تعدى وظلم وبخس وانتقص ومنه قول الشاعر:
ضازت بنو أسد بحكمهم vvvvvv إذ يجعلون الرأس كالذنب قال الفراء وبعض العرب يقول ضيزى بالهمزة، ...، إلخ]، انتهى نص الإمام الشوكاني، رحمه الله، إلا من ترتيب السطور، وعلامات الترقيم فبعضها من اجتهادنا. v وجاءت في «معجم البلدان»، (ج: 4 ص: 116 وما بعدها) إضافة طريفة: [العُزَّى، بضم أوله، في قوله تعالى: }أفرأيتم اللات والعزى{، اللات صنم كان لثقيف، والعزى سمرة كانت لغطفان يعبدونها وكانوا بنوا عليها بيتا وأقاموا لها سدنة فبعث النبي صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد إليها فهدم البيت وأحرق السمرة والعزى تأنيث الأعز مثل الكبرى والأعز بمعنى العزيز والعزى بمعنى العزيزة.
وقال ابن حبيب العزى شجرة كانت بنخلة عندها وثن تعبده غطفان وسدنتها من بني صرمة بن مرة قال أبو منذر بعد ذكر مناة واللات ثم اتخذوا العزى وهي أحدث من اللات ومناة وذلك أني سمعت العرب سمت بها عبد العزى فوجدت:
ــ تميم بن مر سمى ابنه زيد مناة بن تميم بن مر بن أد بن طابخة،
ــ وعبد مناة بن أد،
ــ وباسم اللات سمى ثعلبة بن عكابة ابنه تيم اللات،
ــ وتيم اللات بن رفيدة بن ثور،
وزيد اللات بن رفيدة بن ثور بن وبرة بن مر بن أد بن طابخة،
ــ وتيم اللات بن النمر بن قاسط،
ــ وعبد العزى بن كعب بن سعد ابن زيد مناة بن تميم
فهي أحدث من الأولين وعبد العزى بن كعب من أقدم ما سمت به العرب وكان الذي اتخذ العزى السهو بن أسعد وكانت بواد من نخلة الشامية يقال له حراض بازاء الغمير عن يمين المصعد إلى العراق من مكة وذلك فوق ذات عرق إلى البستان بتسعة أميال فبنى عليها بسا يريد بيتا وكانوا يسمعون فيه الصوت وكانت العرب وقريش تسمي بها عبد العزى وكانت أعظم الأصنام عند قريش وكانوا يزورونها ويهدون لها ويتقربون عندها بالذبائح]
هذه الأقول التي يبدو لأول وهلة أنها متابينة، ليست كذلك في الحقيقة، لأن ما سماه القدامى: «اللات» إنما هو أحد دور عبادتها، أو بعض النصب الوثنية المتعلقة بها، أو بعض الأصنام الممثلة لها أو النائبة عنه: فلا يستغرب أن يكون معبد «اللات» الرئيس في الطائف، ثم تكون لها معابد في أماكن أخرى، وفي مكة على الخصوص، ولا شك أن تلك المعابد تضم بعض أصنامها وأنصابها وأوثانها وأشجارها في داخل بناء المعبد أو في فنائه، وقد يكون بعض ذلك أشجار وصخور في «الحرم» المخصص والمحيط بذلك المعبد أو النصب، ومن المستبعد أن لا يكون ثمة صنم لـ«اللات» في جوف الكعبة، التي كانت تضم مئات الأصنام. وما قلناه عن اللات ينطبق حرفاً بحرف على «مناة»، أو «العزى»، وغيرها من الطواغيت، إلا أن المعبد أو المشهد الرئيس سيكون عادة في مكان آخر، فمعبد «مناة» الرئيس كان على الأرجح في «المشلل»، وهكذا.
كما يجب أن نلاحظ بدقة عدم ورود ذكر قبر أو قبور عند الكلام عن تلك الآلهة، وأصنامها، وأوثانها، ومعابدها، وسدنتها، وكهنتها، وأساطيرها، إلا في القصة الخرافية الباطلة عن «اللات»، الذي كان يلت السويق، وذلك في رواية مجاهد فقط حيث يقول: (كان يلتّ لهم السويق فمات، فعكفوا على قبره)، ومع ذلك فلم يرد ذكر لذلك القبر المزعوم في غير هذه القصة، ولم يرد قط أن بيوت الطواغيت كانت فيها قبور أصلاً. نعم كانت فيها أشجار، وصخور منقوشة، كالصخرة البيضاء الطويلة المنقوشة في الطائف، وأنصاب تعلق عليها الذبائح، ولكن ما ورد ذكر قبر قط.
وعلى كل حال فإن هذه المحاولة الفاشلة لفهم اشتقاق لفظة «اللات» تتناقض مع نصوص القرآن القطعية الدالة على كون اللات، والعزى، ومناة الثالثة الأخرى، ثلاثة آلهة إناث، لأن جملة }أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى{ عائدة ضرورة إلى (اللات، والعزى، ومناة الثالثة الأخرى) لأن السياق التام هو:
v كما قال الله جل جلاله، وسمى مقامه: }مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى v لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى v أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى v وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى v أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى v تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزَى v إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى v أَمْ لِلْإِنْسَانِ مَا تَمَنَّى v فَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولَى v وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى v إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنْثَى v وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً v فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا v ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهتدى{، (النجم، 53: 17-30).
نعم: هذا هو السياق التام، وزيادة آيات سابقة ولاحقة خارجة عن السياق، فقوله تعالى: }أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى{ لم يسبقه في هذا السياق، بل ولا من أول السورة أي ذكر للملائكة، اللهم إلا إشارة إلى جبريل، صلوات الله عليه في قوله تعالى أول السورة: }علَّمه شديد القوى{، وقد قيل أنها إشارة إلى الرب جل وعلا، فمن المحال الممتنع أن تكون هذه الجملة محل البحث }أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى{ عائدة على شئ غير (اللات، والعزى، ومناة الثالثة الأخرى). فلا يوجد من أول السورة، إلى الآية محل البحث شيء يصلح أن تشير الجملة إليه إلا: (اللات، والعزى، ومناة الثالثة الأخرى)، ومن المحال الممتنع أن يكون شيء غير ذلك.
وهذه (اللات، والعزى، ومناة الثالثة الأخرى) كانت العرب تعتقد إما:
(1) أنها ملائكة، وأنها بنات الله، سبحانه وتعالى عما يقولون علواً كبيرا، فتكون «اللات» إحدى بنات الله. وهم على كل حال يكرهون أن يكون الولد بنتاً، ومع ذلك طابت أنفسهم بجعل ولد الله إناثاً، بلاً من الذكور، الذين يفضلونهم، لذلك جاء التوبيخ: }أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى v تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزَى{.
(2) أن «اللات» هي صاحبة الله، فتكون من جنس الجن، فتكون من (بنات سروات الجن)، كما هو في بعض الروايات أنهم كانوا يعتقدون أنه، تعالى وتقدس، صاهر إلى الجن أو إلى إبليس خاصة، تعالى الله عن ذلك، في حين أن العزَّى ومناة بنات الله من جنس الملائكة. وهم كذلك يحتقرون المرأة، ويكرهون أن تكون الزوجة شريكاً في الأمر، ولا يأذنون للنساء بالقيادة أو الزعامة، كعضوية دار الندوة المكية مثلاً، ولكنهم جعلوا (صاحبة) الله، تعالى وتقدس، شريكة في الملك والتدبير. وهذا كذلك أهل للتوبيخ: }أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى v تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزَى{.
وعلى هذا الاحتمال الثاني يجوز أن تكون (اللات) عندهم إلاهة أنثى هي (صاحبة) الله، تعالى وتقدس عن ذلك، في حين أن العزى ومناة ابنتان له. وهذا هو الصحيح والمنسجم مع قول جمهور المفسرين أن اللات تأنيث لفظ الجلالة، أو بتعبير أدق: أن (اللات) من (إيلات) في أكثر اللغات السامية، وهي بمعنى الإلاهة، وهذه بدون شك تأنيث لفظة (إيل)، وهي بمعنى الإله، وهو ما تدل عليه الحفريات وعلوم الآثار.
نعم: لقد دلت الأبحاث الحديثة في علوم التاريخ والآثار والنقوش والكتابات التاريخية على أن «اللات» كانت معروفة عند كثير من الشعوب السامية باسمها ذلك، أو قريباً جداً منه، قبل أن تخلق قبيلة ثقيف أصلاً، وكذلك «مناة»، إلاهة الموت (المنية) والقدر، كانت معروفة منذ أزمنة قديمة، وهي إلاهة أنثى، وبعض اللغات السامية يؤنث بالتاء المفتوحة، كما هو في «اللات»، وبعضها بالتاء المربوطة، كما هو في هذا اللسان العربي المبين.
ومن هذا تظهر متانة وجاهة كلام الإمام ابن جرير الطبري الذي قال فيه أن: (اللات من الله)، لأن الأرجح أن لفظة «اللات» العربية أصلها «إيلات» السامية التي هي تأنيث لفظ «إيل» في أكثر اللغات السامية، وهو ما يقابل «إل» أو «إله» في العربية، الذي تحول بعد تحليته بأداة التعريف إلى لفظ الجلالة «الله» في اللغة العربية.
وذلك لأن «إيلات» لفظة سامية قديمة قبل أن يخلق العرب أصلاً، (تماماً مثل: ود، وسواع، ويغوث، ويعوق، ونسر)، والظاهر أن ذلك القول، وهو قول لغوي، كان مشهوراً منتشراً عند اللغويين والمفسرين، فلم يجد الطبري ضرورة لذكر إسناد، فهو عن الجمهور، وليس من عند نفسه، وهوكذلك مشهور معلوم عن العبرانيين والسريانيين.
وهو كذلك الذي يظهر من نتائج الحفريات وعلم الأثار، كما هو في المراجع التالية:
v ففي الموقع المذكور أدناه نجد (دليل الآلهة) الذي يذكر أن:
ــ (إيلات) إلاهة أنثى سامية، وأن اسمها تأنيث لاسم (إيل)، واعتبرت أخيراً صاحبة لكبير الآلهة (إيل). وتعتبر هي بعينها الإلاهة السامية (عشيرة) أو (اللات).
ــ وهناك إلاهة في منطقة الرافدين (العراق) أسمها إلَّلات (بتشديد اللام) تختص بالعالم السفلي (عالم المردة أو الجن أو الشياطين؟! أو جهنم؟!)

Guide to the Gods 1.0
http://mrugala.free.fr/Religions/Divers/Anglais/index.html

v وفي موقع آخر يهتم بدراسة آثار الكنعانيين، وبالأخص ما تم اكتشافه في أنقاض مدينة (أوجاريت) العائدة إلى القرن العاشر قبل المسيح، ورد تحت عنوان [عطيرة، أو عشيرة، أو عشتروت، سيدة البحر، «إيلات» (يعني: الإلاهة)] النص التالي:
[قرينة (إيل) المحبة، وهي الحامية والحريصة على أطفالها السّبعين،المعروفين بالآلهة المهذّبة (أو الفاضلة)، فهي لهم الأمّ والمربّية. ولأبنائها، باستثناء (بعل) في أول الأمر، حضرة و«بلاط» إلهي سماوي. وهي تكثر من ارتياد شواطئ البحار]

alt.mythology Canaanite/Ugaritic Mythology FAQ, ver. 1.1
http://pubpages.unh.edu/~cbsiren/canaanite-faq.html

Athirat (Asherah, Ashtartian - 'the Lady of the Sea', Elat - 'the goddess'): [El's loving consort and is protective of her seventy children who may also be known as the gracious gods, to whom she is both mother and nursemaid. Her sons, unlike Baal initially, all have godly courts. She frequents the ocean shore]

وعلى كل حال فكون (اللات والعزى ومناة) آلهة مؤنثة مقطوع به من نص القرآن لا محيص عنه، وكذلك كونها شريكة لله، معبودة من دون الله، وهذا وحده هو الذي يعنينا، بغض النظر عن اعتقادهم فيها كونها من الملائكة، أو كونها بنات الله، أو أن أحدها (صاحبة) الله، تعالى وتقدس، أو غير ذلك، كل ذلك لا يعنينا هنا.
فكون «اللات» أنثى أمر مقطوع به من سياق الآية الكريمة، التي لا تدع مجالاً للشك أنهم كانوا يعتقدون أن اللات، والعزى، ومناة إناث.
وهذا أيضاً هو المقطوع به من روايات التاريخ كلها، بغض النظر عن كون (اللات) ابنة أو صاحبة، فمن ذلك شتم أبي بكر الصديق لعروة بن مسعود الثقفي عندما أغضبه، فقال أبو بكر له: (امصص ببظر اللات: أنحن نفر عنه وندعه؟!)، كما جاء بأصح الأسانيد:
v كما قال الإمام البخاري في «الجامع الصحيح المختصر»: [حدثني عبد الله بن محمد حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر قال أخبرني الزهري قال أخبرني عروة بن الزبير عن المسور بن مخرمة ومروان يصدق كل واحد منهما حديث صاحبه قالا: خرج رسول الله، صلى الله عليه وسلم، زمن الحديبية حتى كانوا ببعض الطريق، ..]، فساق حديث الحديبية الطويل حتى ذكر مجيء عروة بن مسعود لمفاوضة النبي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم: [فجعل يكلم النبي، صلى الله عليه وسلم، فقال النبي، صلى الله عليه وسلم، نحوا من قوله لبديل فقال عروة عند ذلك: (أي محمد: أرأيت إن استأصلت أمر قومك هل سمعت بأحد من العرب اجتاح أهله قبلك، وإن تكن الأخرى فإني والله لأرى وجوها وإني لأرى أشوابا من الناس خليقا أن يفروا ويدعوك!)، فقال له أبو بكر: (امصص ببظر اللات: أنحن نفر عنه وندعه؟!)، فقال: (من ذا؟!)، قالوا: (أبو بكر!)، قال: (أما والذي نفسي بيده لولا يد كانت لك عندي لم أجزك بها لأجبتك!)، ..إلحديث]، وهو من عدة طرق في «مسند الإمام أحمد بن حنبل»، وفي «سنن البيهقي الكبرى»، وفي «مسند أبي يعلى» مختصراً، وفي غيرها، كما هو في الملحق.
فكيف تحولت «اللات» وهي إما أحد «بنات الله»، وهي أنثى، وهي كائن إلاهي سماوي، من نفس نوع وجوهر ونسب أبيها، تعالى الله عن ذلك، أو «صاحبة الله»، وهي أنثى أيضاً، وهي كائن إلاهي من جنس الجن، إلى رجل، ذكر، من أهل الأرض يتكون من لحم ودم، كان يلت السويق للحجاج؟! وأي سويق هذا الذي يشربه الحجاج فيسمنون منه، بعد حسوات قليلة أو شرب أيام يسيرة؟! وهل في التخريف والشطح أوغل من ذلك؟!
وهل يجوز أن يبقى أحد في العالم متوهماً كون اللات رجل ذكر، كان يلت السويق للحجاج؟! وإن انخداع عبد الله بن عباس، رضي الله عنهما، بهذه الأسطورة لمن أعجب عجائب الدنيا، ومن أكثر زلات العلماء إثارة للدهشة، والمعصوم من عصمه الله.
ولعل عذر ابن عباس، رضي الله عنهما، إنما هو في أنه لم يدرك الجاهلية إلا طفلاً صغيراً، وإنما شب في الإسلام، فلا يتوقع منه معرفة أوضاع الجاهلية على حقيقتها!
ثم أن «اللات»، الذي يلت السويق، كان في الطائف، حيث تزعم القصة أن معبد «اللات» الرئيس إنما أنشيء على قبره، أو على الصخرة التي كان يلت عليها السويق، فهو إذاً ثقفي، أو حليف لثقيف. فإن كان كذلك فكيف نفسر تسمية العرب لبعض أبنائها بأسماء: تيم اللات، وزيد اللات، وعبد اللات، وذلك قبل أن تخلق قبيلة ثقيف أصلا؟!
v كما جاء في «الثقات»: [دحية بن خليفة بن فروة بن فضالة بن زيد بن امرئ القيس بن الخزرج بن عامر بن بكر بن عامر بن عوف بن بكر بن عوف بن عذرة بن زيد اللات بن رفيدة الكلبي كان يشبه بجبريل عليه السلام بعثه النبي، صلى الله عليه وسلم، رسولا إلى قيصر سكن مصر فمات في ولاية معاوية بن أبى سفيان]، فبين دحية، رضي الله عنه، وبين زيد اللات (بن رفيدة بن ثور بن كلب) 13 عشر أباً.
v وكما جاء في «الثقات»: [أسامة بن زيد بن حارثة بن شراحيل بن كعب بن عبد العزى بن يزيد بن امرئ القيس بن النعمان بن عامر بن عبد ود بن كنانة بن عوف بن زيد اللات بن رفيدة بن ثور بن كلب بن وبرة بن ثعلب بن حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم كنيته أبو زيد وقد قيل أبو محمد ويقال أبو زيد توفى بعد أن قتل عثمان بن عفان ونقش خاتمه حب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قبض رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وهو بن عشرين سنة وكان قد نزل وادى القرى وأمه أم أيمن اسمها بركة مولاة رسول الله صلى الله عليه وسلم]، فبين أسامة بن زيد، الحب بن الحب، رضوان الله وسلامه عليهما، وبين زيد اللات (بن رفيدة بن ثور بن كلب) 12 أباً.
v وجاء في «الإصابة في تمييز الصحابة»: [امرؤ القيس بن عدي بن أوس بن جابر بن كعب بن عليم بن هبل بن عبد الله بن كنانة بن بكر بن عوف بن عذرة بن زيد اللات بن رفيدة بن ثور بن كلب الكلبي له إدراك ذكره بن الكلبي قال وقد أمره عمر بن الخطاب على من أسلم بالشام من قضاعة وخطب إليه علي ومعه ابناه حسن وحسين فزوجهم بناته وفي بنته الرباب يقول الحسين بن علي وكان له منها ابنته سكينة

لعمرك إنني لأحب دارا تكون بها سكينة والرباب] قلت: فبين امرؤ القيس، رضي الله عنه، وبين زيد اللات (بن رفيدة بن ثور بن كلب) 11 أباً. v وجاء في «الطبقات الكبرى»: [محمد بن السائب الكلبي بن بشر بن عمرو بن الحارث بن عبد الحارث بن عبد العزى بن امرئ القيس بن عامر بن النعمان بن عامر بن عبد ود بن كنانة بن عوف بن عذرة بن زيد اللات بن رفيدة بن ثور بن كلب ويكنى محمد بن السائب الكلبي أبا النضر وكان جده بشر بن عمرو وبنوه السائب وعبيد وعبد الرحمن شهدوا الجمل مع علي بن أبي طالب عليه السلام وقتل السائب بن بشر مع مصعب بن الزبير]، فبين بشر بن عمرو، وهو من جيل الصحابة، وبين زيد اللات (بن رفيدة بن ثور بن كلب) 12 أباً.
v وجاء في «السيرة النبوية»، (ج: 1 ص: 237): [فأم العباس وضرار: نُتَيْلَة بنت جَنَاب بن كليب بن مالك (بن عبد مناف) بن عمرو بن عامر بن زيد مناة بن عامر وهو الضحيان بن سعد بن الخزرج بن تيم اللات بن النمر بن قاسط بن هنب بن أفصى بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار ويقال أفصى بن دعمي بن جديلة]، فبين العباس، رضي الله عنه، وبين تيم اللات بن النمر بن قاسط، 10 أو 11 أباً (من جهة أمه).
فالعرب كانت تسمي (زيد اللات)، و(تيم اللات) قبل النبي، صلوات الله وسلامه وتبريكاته عليه وعلى آله، بحوالي اثنا عشر جيلاً.
v ومن جهة أخرى جاء في «تهذيب الكمال»: [المغيرة بن شعبة بن أبي عامر بن مسعود بن معتب بن مالك بن كعب بن عمرو بن سعد بن عوف بن قسي، (وهو ثقيف)، بن منبه بن بكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس عيلان بن مضر بن نزار]، فبين المغيرة وبين قسي بن منبه، وهو ثقيف، 9 آباء.
v كما جاء في «الثقات»: [عثمان بن أبى العاص بن بشر بن عبد بن دهمان بن عبد الله بن همام بن أبان بن يسار بن مالك بن حطيط بن جشم بن ثقيف، انتقل في آخر عمره إلى البصرة، وبها مات. أمه: فاطمة بنت عبد الله بن ربيعة بن الحارث بن مالك بن حطيط بن جشم بن ثقيف] فبين عثمان وبين ثقيف، 11 آباء من جهة الأب، و7 آباب من جهة الأم، بمتوسط 9 آباء، كالمغيرة بت شعبة تماماً.
v كما جاء في «الإصابة في تمييز الصحابة»: [َأِسيد بن جارية بن أسيد بن عبد الله بن سلمة بن عبد الله بن غيرة بن عوف بن ثقيف الثقفي حليف بني زهرة ذكره العسكري وغيره من الصحابة وقال الواقدي أسلم يوم الفتح وشهد حنينا وأعطاه النبي، صلى الله عليه وسلم، مائة من الإبل]، فبين َأِسيد وبين ثقيف، 7 آباء.
v كما جاء في «الإصابة في تمييز الصحابة»: [الأخنس بن شريق بن عمرو بن وهب بن علاج بن أبي سلمة بن عبد العزى بن غيرة بن عوف بن ثقيف، الثقفي أبو ثعلبة، حليف بني زهرة]، فبين الأخنس وبين ثقيف، 8 آباء.
v وجاء في «الإصابة في تمييز الصحابة»: [الحارث بن كلدة بن عمرو بن أبي علاج بن أبي سلمة بن عبد العزى بن غيرة بن عوف بن قسي، الثقفي طبيب العرب]، فبين الحارث وبين قسي، وهو ثقيف، 7 آباء.
v وجاء في «الإصابة في تمييز الصحابة»: [الحكم بن سفيان بن عثمان بن عامر بن معتب بن مالك بن كعب بن سعد بن عوف بن ثقيف الثقفي قال أبو زرعة وإبراهيم الحربي له صحبة]، فبين الحكم وبين ثقيف، 8 آباء.
إذاً فقسي، (وهو ثقيف)، بن منبه بن بكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس عيلان بن مضر بن نزار كان قبل زمن النبي، صلوات الله وسلامه وتبريكاته عليه وعلى آله، بحوالي تسعة أجيال.
فالعرب كانت إذاً تسمي بزيد اللات، وتيم اللات قبل أن يخلق قسي بن منبه، والد قبيلة ثقيف، بعدة أجيال.
وقد يقول قائل: فلعل «اللاتّ» هذا ليس من ثقيف أصلاً، ولكنه من الطائف من قبيلة أو شعب سكنها قبل ثقيف. فنقول: لا بأس، فهو إذاً قديم جداً، قبل أكثر من اثني عشر جيلاً، فأنى لابن عباس، وجيله أو أبائهم، أو حتى أجدادهم، أن يكونوا قد أدركوه أو شهدوا حياته، أو وقفوا على قبره المزعوم، قبل أن يندرس؟! فالروايات إذاً في غاية الانقطاع، لا تصلح لشيء مطلقاً، ولم يكن على عهد النبي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، قبر يعرف منسوب إلى «اللات» أو إلى أحد معابدها. وثبوت كونه أقدم من ثقيف، فهو من ثم ليس ثقفياً، يبطل جميع الروايات التي تنص على خلاف ذلك، وتفضح حجم التخريف والأكاذيب في تلك الخرافات العربية الشعبية، وقد سبق بعضها في النص المنقول عن الإمام الشوكاني.
والذي نرجحه أن قصة «اللات» هذا الذي كان يلت السويق للحجاج، إنما هي تشنيع على ثقيف، يشبه تشنيع قبائل العرب، وبخاصة القبائل المضرية النجدية على قريش عبادة «أساف»، و«نائلة»، وهما تمثالان في غاية الجمال والإتقان، لعلها ترمز لآلهة شامية أو رومانية، يظهر أنها استوردت من الشام أو من بلاد الرومان واليونان في قديم الزمن لأن العرب ما كانت تحسن فنون التصوير والنحت على ذلك المستوى الرفيع، ووضع أحدهما على الصفا والآخر على المروة. فقالت العرب أنهما عاشقان زنيا في الكعبة، فمسخا تماثيل نصبت على الصفا والمروة عبرة وتخويفاً من مغبة المعصية في الحرم، وفظيع إثم الاستخفاف به، ثم طال الأمد فعبدتها قريش (طبعاً: لسخف عقلها، وعدم أهليتها للقيادة، كما تؤكد القبائل الأخرى المنافسة لها في القيادة والسيطرة على بلاد العرب!!).
ولو قرأ من احتج بمثل تلك الأساطير المكذوبة قوله تعالى: }أفرأيتم اللات والعزى v ومناة الثالثة الأخرى v ألكم الذكر وله الأنثى{، إلى قوله: }إن الذين لا يؤمنون بالآخرة ليسمّون الملائكة تسمية الأنثى{، في سياقها الصحيح بدقة وعناية، وحضور ذهن وبال، وكذلك النقل الصحيح عن خاتمة أنبياء الله، محمد بن عبد الله، المعصوم بعصمة الله، عليه وعلى آله صلوات وتسليمات وتبريكات من الله، لما قبل بمثل ذلك اللغو والهراء!

u فصل: كيف ترك العرب دين إسماعيل؟!
لا شك أن تفسير ذلك التحول الخطير، تحول العرب من توحيد الحنيفية الإبراهيمية، إلى الشرك والكفر، كان مما أقض مضاجع المفكرين والمؤرخين، وشغل بالهم منذ عهود مبكرة، بل إن أوائل ذلك بدأت في عهد الصحابة، رضي الله عنهم، فمن تلك المحاولات:
v ما أخرجه البخاري بإسناد غاية في الصحة عن ابن عباس قال: [كان اللات رجلاً يلتّ السويق للحاج]، وأخرجه ابن جرير بسنده عن مجاهد في تفسير قوله تعالى: }أفرأيتم الات والعزى{، (النجم؛ 53:19) أنه قال: [كان يلتّ لهم السويق فمات، فعكفوا على قبره]، وأخرج ابن أبي حاتم عنه بلفظ: [كان يلت السويق على الحجر، فلا يشرب منه أحد إلا سمن، فعبدوه]، وأخرج سعيد بن منصور لفظاً آخر هو: [كان يلت لهم السويق، فيطعم من يمر من الناس، فلما مات عبدوه، وقالوا: هو اللات]،
وقد أسلفنا أن هذه، وغيرها من الروايات المشابهة، وهي لا تخرج عن هذا المعنى، كلها موقوفة، ليس منها حرف واحد مرفوع إلى النبي، عليه وعلى آله الصلاة والسلام، فليست هي من الوحي، ولا حجة فيها، بل ما هي إلا خرافات عربية، وأساطير شعبية، كما أقمنا عليه البرهان اليقيني القاطع، في الفصل السابق، والحمد لله رب العالمين، فسقطت هذه المحاولة، وتمزقت، وانتهى أمرها، وفرغ منها.
v وجاءت محاولة أخرى في «السيرة النبوية»، (ج: 1 ص: 203): [قال ابن اسحاق: ويزعمون أن أول ما كانت عبادة الحجارة في بني إسماعيل أنه كان لا يظعن من مكة ظاعن منهم حين ضاقت عليهم والتمسوا الفسح في البلاد إلا حمل معه حجرا من حجارة الحرم تعظيما للحرم فحيثما نزلوا وضعوه فطافوا به كطوافهم بالكعبة حتى سلخ ذلك بهم الى ان كانوا يعبدون ما استحسنوا من الحجارة وأعجبهم حتى خلف الخلوف ونسوا ما كانوا عليه واستبدلوا بدين إبراهيم واسماعيل غيره فعبدوا الأوثان وصاروا الى ما كانت عليه الأمم قبلهم من الضلالات وفيهم على ذلك بقايا من عهد إبراهيم يتمسكون بها من تعظيم البيت والطواف به والحج والعمرة والوقوف على عرفة والمزدلفة وهدي البدن والإهلال بالحج والعمرة مع إدخالهم فيه ما ليس منه فكانت كنانة وقريش إذا أهلوا قالوا: (لبيك اللهم لبيك، لبيكك لا شريك لك، إلا شريكاً هو لك، تملكه وما ملك) فيوحدونه بالتلبية ثم يدخلون معه أصنامهم ويجعلون ملكها بيده يقول الله تبارك وتعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم: }وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون{، أي ما يوحدونني لمعرفة حقي إلا جعلوا معي شريكا في خلقي]
وهذا مشكل للغاية لأننا قد رأينا أن العرب كانت تسمي أولادها بأسماد وثنية مثل: زيد اللات، وتيم اللات، وزيد مناة، وعبد مناة، وغيرها قبل مجيء النبي، صلوات الله وسلامه وتبريكاته عليه وعلى آله، بأكثر من اثني عشرة جيلاً. والعرب العدنانية، عرب الشمال، أمة أمية لا تكتب ولا تحسب، ونقل الأخبار لا يعتمد عليه إن كان مشافهة محضة إلا عبر عدد قليل من الأجيال (ثلاثة أو أربعة أجيال فقط، على أكثر تقدير). فلا يمكن الاعتداد بهذا «الزعم»، كما سمَّاه الإمام محمد بن إسحاق، ولا بحال من الأحوال.
كما أن تعظيم الكعبة قديم قدم إسماعيل بن إبراهيم، عليهما وعلى آلهما الصلاة والسلام، وهما قبل زمن النبي محمد، عليه وعلى اله الصلاة والسلام، بأكثر من سبعين جيلاً، فكيف تأخر الانحراف إلى قبل نحو من اثني عشرة جيلاً، ثم ظهر فجأة، حيث انتشرت التسمية بالأسماء الوثنية؟!
وليس هذا مشكل فحسب، بل هو في الحقيقة زعم باطل، لأن الصحيح، وهو الحق اليقيني، الذي لا ريب فيه: ما ثبت عنه، صلوات الله وسلامه وتبريكاته عليه وعلى آله، أنه قال: «رأيت عمرو بن عامر يجر قصبه في النار، وكان أول من سيَّب السائبة، وبحَّر البحيرة»، حديث صحيح، غاية في الصحة، أخرجه أحمد، والبخاري، ومسلم، وابن أبي عاصم في «الأوائل»، وأبو عوانة، وابن حبان، والطبراني، والبيهقي في «الكبرى»، بأسانيد صحاح، كلهم عن أبي هريرة، وهو عند بعضهم بدون لفظة: «بحَّر البحيرة»، وعند بعضهم بزيادة: «وهو أول من غيَّر دين إسماعيل»، أو «وهو أول من غير عهد إبراهيم».
v وهو في «المستدرك على الصحيحين» مطولاً، حيث قال الحاكم: أخبرني عبد الرحمن بن أبي الوزير حدثنا أبو حاتم الرازي حدثنا محمد بن عبد الله الأنصاري حدثنا محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة، رضي الله تعالى عنه، قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: «عرضت علي النار فرأيت فيها عمرو بن لحي بن قمعه بن خندف أبو عمرو وهو يجر قصبه في النار وهو أول من سيب السوائب وغير عهد إبراهيم عليه السلام وأشبه من رأيت به أكثم بن أبي الجون!»، قال: فقال أكثم: (يا رسول الله يضرني شبهه؟!)، قال: «لا، إنك مسلم وإنه كافر!». وقال الحاكم: (هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه). وقال الذهبي في التلخيص: (على شرط مسلم). ونسبه الحافظ في «الفتح» إلى أحمد، ولم أجده.
v وقد ورد هذا مطولاً بإسناد قوي جيد، تقوم به الحجة، في «السيرة النبوية» لابن هشام، قال: قال ابن إسحاق: وحدثني محمد بن إبراهيم بن الحارث التميمي، أن أبا صالح السمان حدثه أنه سمع أبا هريرة يقول: سمعت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يقول لأكثم بن الجون الخزاعي: «يا أكثم! رأيت عمرو بن لحىِّ بن قمعة بن خندف يجر قصبه في النار، فما رأيت رجلاً أشبه برجل منك به، ولا بك منه!»، فقال أكثم: (عسى أن يضرني شبهه يا رسول الله؟!)، قال: «لا، إنك مؤمن وهو كافر! إنه كان أول من غير دين إسماعيل، فنصب الأوثان، وبحَّر البحيرة، وسيَّب السائبة، ووصل الوصيلة، وحمى الحامي»، وأخرج مثله ابن أبي عاصم في «الأولئل»، وابن أبي عروبة، وابن مندة من طريق بن إسحاق، ونسبه الحافظ في «الفتح» إلى «السيرة الكبرى» لابن إسحاق بهذا اللفظ.
v وأخرج البخاري ومسلم حديث الخسوف الطويل الصحيح عن عائشة، وفيه مرفوعاً: «رأيت جهنم يحطم بعضها بعضا ورأيت فيها عمراً يجر قصبه في النار، وهو الذي سيَّب السوائب».
v وفي «المستدرك على الصحيحين»: أخبرنا عبد الرحمن بن حمدان الجلاب بهمدان حدثنا هلال بن العلاء الرقي حدثنا أبي حدثنا عبيد الله بن عمرو عن عبد الله بن محمد بن عقيل عن الطفيل بن أبي بن كعب عن أبيه، رضي الله تعالى عنه ، قال: [بينا نحن مع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، في صلاة الظهر والناس في الصفوف خلف رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فرأينا رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يتناول شيئا، فجعل يتناوله فتأخر، وتأخر الناس، ثم تأخر الثانية فتأخر الناس، فقلت: (يا رسول الله: رأيناك صنعت اليوم شيئا ما كنت تصنعه في الصلاة؟!)، فقال: «إنه عرضت علي الجنة بما فيها من الزهرة والنضرة فتناولت قطفا من عنبها ولو أخذته لأكل منه من بين السماء والأرض لا ينقصونه، فحيل بيني وبينه؛ وعرضت علي النار فلما وجدت سفعتها تأخرت عنها، وأكثر من رأيت فيها من النساء: إن ائتمن أفشين، وأن سألن ألحفن، وإذا سئلن بخلن، وإذا أعطين لم يشكرن؛ ورأيت فيها عمرو بن لحي يجر قصبه في النار وأشبه من رأيت به معبد بن أكثم الخزاعي فقال معبد: (يا رسول الله! أتخشى علي من شبهه، فإنه والدي؟!)، فقال: «لا، أنت مؤمن، وهو كافر، وهو أول من حمل العرب على عبادة الأصنام!»، وقال الحاكم: (هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه)، وقال الذهبي في التلخيص: صحيح. قلت: هكذا جاء هنا: معبد بن أكثم الخزاعي، فلعله انقلب على بعض الرواة والأصح: أكثم بن أبي الجون، وأبو الجون هو: معبد الخزاعي.
فالقصة ثابتة بأصح الأسانيد عن أبي هريرة، وعائشة، وأبي بن كعب، رضوان الله وسلامه عليهم.
v والقصة مروية عن غيرهم من الصحابة: ابن عباس، وجابر، وعبد الله بن مسعود، فقد قال الحافظ في «الفتح»: [....، وروى الطبراني من حديث بن عباس، رفعه: «أول من غير دين إبراهيم عمرو بن لحي بن قمعه بن خندف أبو خزاعة»، وذكر الفاكهي من طريق عكرمة نحوه مرسلا وفيه: فقال المقداد: (يا رسول الله من عمرو بن لحي؟!)، قال: «أبو هؤلاء الحي من خزاعة!»].
v وقال الحافظ في «الإصابة» أثناء ترجمة أكثم بن معبد أبي الجون، رضي الله عنه: (وأخرج الزبير في كتاب «النسب» قصة أكثم من وجهين آخرين منقطعين، وأخرجه أحمد من وجه آخر عن جابر).
v كما ورد عن عبد الله ابن مسعود قريباً منه مرفوعاً: «إن أوَّل من سيَّب السوائب، وعبد الأصنام أبو خزاعة: عمرو ابن عامر، وإني رأيته يجر أمعائه في النار»، أخرجه أحمد بإسناد فيه ضعف، إلا أنه يعتضد بما سبق.
فالقصة، كما ترى، ثابتة يقيناً بالتواتر، وهي مشهورة عند العلماء، ويذكرها بعضهم بصيغة الجزم من غير إسناد، كما هو في ترجمة الإمام الشهيد أحمد بن نصر الخزاعي في «تاريخ بغداد»، وفي «تهذيب الكمال».
وقد جاء في بعض الروايات أنه رأى تلك الأصنام في الشام، فأعجبته، فاستوردها، ولعل منها أساف ونائلة، وهذا هو عين قولنا، وما تؤكده المصادر التاريخية المتضافرة، وكله يبطل الخرافات والأساطير، من مثل:
(1) هراء «اللات» الذي كان يلت السويق للحجاج، ذلك «السويق» المعجز العجيب الذي يسمِّن الناس من فورهم،
(2) ويبطل غيره من خرافات «أساف»، و«نائلة»، غيرها من الخرافات الشاطحة والأساطير الشعبية المكذوبة،
(3) وينقض «مزاعم» الطواف حول أحجار الكعبة، التي «تطوَّرت» إلى آلهة فيما بعد!
فالتحول من التوحيد إلى الشرك جاء فجأة، على وجه الطفرة، بفعالية رجل داعية واحد كان هو الشيطان المفتون الذي دعى إلى الشرك، وروّج له، فانحسر التوحيد، وبُدِّل دين إبراهيم، في جيل واحد، حتى جاء إمام الهدى، ومصباح الدجى، أبو القاسم محمد، خاتمة أنبياء الله، عليه وعلى آله صلوات وتسليمات وتبريكات من الله، فاقتلع الشرك من جذوره، ومحى الله به الكفر، وأظهر دين الحق: الحنيفية الإبراهيمية السهلة السمحة، كذلك طفرة في جيل واحد، فلله الحمد والمنة، لا إله إلا هو، ولا رب سواه، عليه نتوكل، وبه نتأيد.
ونسارع فنقول أن كل ذلك يتعلق في جوهره فقط بعرب الشمال، ولد إسماعيل، ومن كانوا يجاورونهم من القبائل غير الإسماعيلية مثل جرهم في قديم الأزمنة، والموحدين المؤمنين، أتباع نبي الله صالح، من بقايا ثمود، وربما بعض المؤمنين من أتباع هود، بقايا عاد، وإن كانت ديارهم في الأرجح يمانية، وليست في شمال الجزيرة العربية. وحديثاً: خزاعة، وبطون من قضاعة وكلب وبلي وطي، ومن نزل في تلك الديار العربية الشمالية.
أما عرب الجنوب، العرب اليمانية القحطانية، فالظاهر أنهم كانوا أكثر مدنية، وكانوا أهل مدن وقرى وزراعة وصناعة وتجارة، قل أن يوجد فيهم بدو رحَّل، من رعاء الإبل، كما هو غالب حال عرب الشمال. هؤلاء بقوا فيما يظهر على الشرك، كما تشهد بذلك قصة ملكة سبأ، التي أسلمت على يد سليمان بن دواد، عليهما الصلاة والسلام. وتاريخ الجنوب معروف في الجملة فقد فشت اليهودية والتوحيد في اليمن، ولكن بقي مشركون كثيرون، ثم جاءت النصرانية، وأخبار أصحاب الأخدود، وصراع الحبشة وملوك اليمن، ثم الفرس والحبشة، موجودة في كتب التاريخ، فلا نطيل بذكرها.

u فصل: كيف ترك البشر التوحيد الأول؟!
في الفصل السابق أقمنا البرهان القاطع على أن العرب إنما تركوا دين إسماعيل بفعالية رجل واحد، شيطان من شياطين الإنس، هو عمرو بن لحي الخزاعي، لعنه الله. وأثبتنا أن أساطير «اللاتَّ»، الذي كان يلت السويق، وأحجار الكعبة التي كان يطاف بها، لا تستحق حتى أن تروى إلا على وجه التكذيب والتعجب، أو الطرائف والنكت.
فإن كان كل ذلك ترهات وأباطيل، إلا المرفوع إلى خاتمة أنبياء الله، عليه وعلى آله صلوات وتسليمات وتبريكات من الله، فكيف تكون القيمة العلمية لما روي عن كيفية نشأة الوثنية في قوم نوح، بعد التوحيد الأول لولد آدم؟!
ومع ذلك فقد كانت هناك محاولات، بطلها كالعادة عبد الله بن العباس، رضوان الله وسلامه عليهما. ولا عجب: فالرجل عبقري، منحه الله عقلية فذَّة لا تتوقف عن التساؤل والبحث والتنقيب، وكل ذلك خير وبركة للأمة، بشرط أن يقوم من يأتي بعده بواجب الدرس والتمحيص، والمراجعة والتدقيق، أما التسليم فهو إنما يكون لله ورسوله، فقط لا غير، من غير زيادة ولا نقصان.
v ومن تلك المحاولات ما رواه البخاري عن ابن عباس في تفسير قوله تعالى: }ولا تذرن ودَّاً ولا سواعاً، ولا يغوث ويعوق ونسراً{، حيث قال: [صارت الأوثان التي كانت في قوم نوح في العرب بعد. أما ودّ: كانت لكلب بدومة الجندل. وأما سواع: كانت لهذيل. وأما يغوث: فكانت لمراد، ثم لبني غطيف بالجرف عند سبأ. وأما يعوق: فكانت لهمدان. وأما نسر: فكانت لحمير لآل ذي الكلاع. وهي أسماء رجال صالحين من قوم نوح. فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم: أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها أنصاباً، وسمُّوها بأسمائهم، ففعلوا، ولم تعبد. حتى إذا هلك أولئك، وتنسَّخ العلم، عبدت]، وروى عكرمة، والضحاك، وابن إسحاق نحو هذا. وأخرج الطبري بسنده عن محمد بن قيس، قال: [أن يغوث ويعوق ونسراً كانوا قوماً صالحين من بني آدم، وكان لهم أتباع يقتدرن بهم، فلما ماتوا، قال أصحابهم: لو صورناهم كان أشوق لنا إلى العبادة! فصوروهم، فلما ماتوا، وجاء آخرون دبّ إليهم إبليس، فقال: إنما كانوا يعبدونهم، وبهم كانوا يسقون المطر! فعبدوهم].
وهذا على فرض ثبوته إلى منتهاه، لا تقوم به حجة. نعم: كانت تلك أسماء آلهة لقوم نوح، وذلك بنص القرآن القاطع، أي قبل ما يزيد على أربعة آلاف عام قبل البعثة المحمدية، أو ربما أكثر من ذلك بكثير. وتوارثها العرب، وغيرهم من الشعوب الساميَّة، حتى انتهت إلى القبائل المذكورة، وأكثرها قبائل يمانية، في أثر ابن عباس، وربما إلى غيرها، كما هو معلوم من صحاح الحديث، والسير، وبالضرورة من علم التاريخ. ولكن كيف نشأت تلك المعتقدات في ذلك الزمن السحيق، هذا محال أن يعرف إلا بالنقل الصحيح، وما ثمة نقل صحيح، أو يعرف بالوحي، وما ثمة وحي، وأثر ابن عباس ليس بمرفوع حتى يقال أنه من الوحي، وما هي إلا إسرائيليات، أو أساطير عربية، أو خرافات شعبية، ونحوها.
والحق أن الأثر الأول لا يثبت حتى عن ابن عباس، لانقطاعه في موضعين، فقد أخرجه البخاري فقال: حدثنا إبراهيم بن موسى، أخبرنا هشام عن ابن جريج، وقال عطاء عن ابن عباس، رضي الله عنهما. وأخرج عبد الرزاق هذا الأثر في تفسيره بسنده عن ابن جريج قال: أخبرنا عطاء الخراساني عن ابن عباس.
وعطاء الخراساني لم يسمع من ابن عباس، وابن جريج لم يسمع التفسير من عطاء الخراساني، وإنما أخذ كتابه من ابنه عثمان بن عطاء فنظر فيه، وكان ابن جريج لا يرى بأساً أن يقول: أخبرنا في في المناولة والكتابة. وذكر صالح بن أحمد بن حنبل في «العلل» عن علي بن المديني قال: سألت يحي بن سعيد القطان عن حديث ابن جريج عن عطاء الخراساني، فقال ضعيف، فقلت: إنه يقول: أخبرنا، قال: لا شيء، إنما هو كتاب دفعه إليه!
قلت: بل هو شر من ذلك، وإنما دفعه ابنه عثمان بن عطاء إليه، وهذا الابن ضعيف، وليس بثقة، وما ندري هل عبث في كتاب أبيه، وما نعلم درجة كتاب عطاء من القيد والشكل والتنقيط، وهو نفسه، أي عطاء بن أبي مسلم الخراساني، مع ذلك كثير الوهم، يرسل ويدلس!
على أن الحفريات والآثار والنقوش الحميرية دلت مؤخراً على أن حمير كانت تعرف (وداً) كذلك، وتربط بينه وبين إله القمر! فهذه الآلهة أكثر ارتباطاً بالكواكب والأفلاك منها برجال صالحين، وإذا ثبت أن نوحاً، عليه الصلاة والسلام كان في شمال العراق (وهو أمر راجح، ولكنه لم يتيقن بعد) فأهل العراق القديم كانوا عبدة نجوم وأفلاك وأرواح علوية، والله أعلم، وهناك قول أن نوحاً إنما ارسل إلى شعب يقطن على الساحل الجنوبي من البحر الأسود أيام كان بحيرة عذبة، معزولة عن بحار العالم، قبل نحو خمسة آلاف عام من البعثة النبوية الشريفة. فالقضية كلها غارقة في ظلمات التاريخ، ومطويات الغيب.
على أن القصة لو ثبتت لا علاقة لها بموضوع «اتخاذ القبور مساجد»، الذي تذكر القصة عادة في إطاره، وإنما هي تتعلق باتخاذ الأنصاب والتماثيل لأولئك المعظمين، وكان ذلك في مجالسهم، وليس على قبورهم، ولا كان هو في مساجدهم، فلا علاقة له بموضوع «اتخاذ القبور مساجد» أصلاً، وإنما هي في الغلو في تعظيم الصالحين ومحبتهم، وخطورة ذلك على التوحيد. لاحظ قوله: (ولم تعبد. حتى إذا هلك أولئك، وتنسَّخ العلم، عبدت)، وبيان الرواية التالية لذلك: (دبّ إليهم إبليس، فقال: إنما كانوا يعبدونهم، وبهم كانوا يسقون المطر! فعبدوهم)، فأول الأمر تعظيم ومحبة غالية مفرطة، ثم اعتقاد فاسد أنه بهم يستسقى المطر، وأنهم يتصرفون في الكون على وجه الاستقلال، ثم الشرك بعبادتهم.

وإليك مزيد من القصص الخرافية المكذوبة المتناقضة:
v حيث جاء في «تفسير ابن كثير»، (ج: 4 ص: 427 وما بعدها): [وروى الحافظ بن عساكر، (8، ورقة: 165) في ترجمة شيث عليه السلام من طريق إسحاق بن بشر قال أخبرني جويبر ومقاتل عن الضحاك عن ابن عباس أنه قال ولد لآدم عليه السلام أربعون ولدا عشرون غلاما وعشرون جارية فكان ممن عاش منهم هابيل وقابيل وصالح وعبد الرحمن والذي كان سماه عبد الحارث وود، وكان ود يقال له شيث ويقال له هبة الله، وكان إخوته قد سودوه، وولد له سواع ويغوث ويعوق ونسر].
قلت: ما شاء الله كان: يختلف الرواة في أسماء أبناء النبي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وهل الطاهر هو نفسه الطيب، وهل هما مجرد لقبان لعبد الله، أو غير ذلك؟! ولكننا «نعلم» أن ود هو شيت ويقال له هبة الله. وسواع ويغوث ويعوق ونسر أبناء لـ«ود»؟!
v وجاء في «تفسير ابن كثير»، (ج: 4 ص: 427 وما بعدها): [وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا أبو عمرو الدوري حدثنا أبو إسماعيل المؤدب عن عبد الله بن مسلم بن هرمز عن أبي حرزة عن عروة بن الزبير قال اشتكى آدم عليه السلام وعنده بنوه ود ويغوث ويعوق وسواع ونسرا قال وكان ود أكبرهم وأبرهم به]، وهي كذلك في «الدر المنثور»، وها هنا أصبح سواع ويغوث ويعوق ونسر أخوة لـ«ود»، هكذا بقدرة قادر، وليسوا أبنائه!
v وجاء في «تفسير ابن كثير»، (ج: 4 ص: 427 وما بعدها): [وقال ابن أبي حاتم حدثنا أحمد بن منصور حدثنا الحسن بن موسى حدثنا يعقوب عن أبي المطهر قال ذكروا عند أبي جعفر وهو قائم يصلي يزيد بن المهلب قال فلما انفتل من صلاته قال ذكرتم يزيد بن المهلب أما إنه قتل في أول أرض عبد فيها غير الله قال ثم ذكر ودا قال وكان ود رجلا مسلما وكان محببا في قومه فلما مات اعتكفوا حول قبره في أرض بابل وجزعوا عليه فلما رأى إبليس جزعهم عليه تشبه في صورة إنسان ثم قال إني أرى جزعكم على هذا الرجل فهل لكم أن أصور لكم مثله فيكون في ناديكم فتذكرونه قالوا نعم فصور لهم مثله قال ووضعوه في ناديهم وجعلوا يذكرونه فلما رأى ما بهم من ذكره، قال هل لكم أن أجعل في منزل كل رجل منكم تمثالا مثله فيكون له في بيته فتذكرونه، قالوا نعم قال فمثل لكل أهل بيت تمثالا مثله فأقبلوا فجعلوا يذكرونه به قال وأدرك أبناؤهم فجعلوا يرون ما يصنعون به قال وتناسلوا ودرس أمر ذكرهم إياه حتى اتخذوه إلها يعبدونه من دون الله أولاد أولادهم فكان أول ما عبد من دون الله ود، الصنم الذي سموه ودا]
قلت: وهذه أسطورة مختلفة عن سابقاتها، ولا علاقة لها بموضوع «اتخاذ القبور مساجد»، وإنما هي تتعلق باتخاذ الصور لأولئك المعظمين المحبوبين، وكانت الصور في ناديهم، ثم في بيوتهم، وليس على قبورهم، ولا كانت في مساجدهم، وهي إنما هي في الغلو في تعظيم الصالحين ومحبتهم، المؤدي إلى الشرك، لاحظ جملة: (حتى اتخذوه إلها يعبدونه من دون الله)!
v والقصة بعينها في «الدر المنثور»، (ج: 8 ص: 293): [وأخرج عبد بن حميد عن أبي مطهر قال: ذكروا عند أبي جعفر يزيد بن المهلب فساق القصة كما هي عندابن أبي حاتم في «تفسير ابن كثير»]
v وفي «الدر المنثور»، (ج: 8 ص: 293): [وأخرج الفاكهي عن عبيد الله بن عبيد بن عمير قال: أول ما حدثت الأصنام على عهد نوح وكانت الأبناء تبر الآباء فمات رجل منهم فجزع عليه فجعل لا يصبر عنه فاتخذ مثالا على صورته فكلما اشتاق إليه نظره ثم مات ففعل به كما فعل ثم تتابعوا على ذلك فمات الآباء فقال الأبناء ما اتخذ هذه آباؤنا إلا أنها كانت آلهتهم فعبدوها]، وهذه محاولة مختلفة لتفسير نشوء الوثنية، ولا علاقة لها بموضوع «اتخاذ القبور مساجد»، وإنما هي تتعلق باتخاذ الصور للأسلاف، كما هي عادة أهل الصين اليوم، وكانت الصور على الأرجح في بيوتهم، وليس هناك ما يدل أنها كانت على قبورهم، ولا في مساجدهم أو معابدهم، فلا علاقة له بموضوعنا أصلاً، والمصيبة إنما هي في الغلو في تعظيم الأسلاف ومحبتهم، المؤدي إلى الشرك والكفر، والصور إنما هي وسائل مساعدة فقط.
v وفي «الدر المنثور»، (ج: 8 ص: 293): [وأخرج عبد بن حميد عن محمد بن كعب رضي الله عنه في قوله: }ولا يغوث ويعوق ونسرا وقد أضلوا كثيرا{، قال كانوا قوما صالحين بين آدم ونوح، فنشأ قوم بعدهم يأخذون كأخذهم في العبادة فقال لهم ابليس لو صورتم صورهم فكنتم تنظرون إليهم فصوروا ثم ماتوا فنشأ قوم بعدهم فقال لهم ابليس إن الذين كانوا من قبلكم كانوا يعبدوها]
v وفي «الدر المنثور»، (ج: 8 ص: 293): [وأخرج أبو الشيخ في العظمة عن محمد بن كعب القرظي قال كان لآدم خمسة بنين ود وسواع ويغوث ويعوق ونسر فكانوا عبادا فمات رجل منهم فحزنوا عليه حزنا شديدا فجاءهم الشيطان فقال حزنتم على صاحبكم هذا قالوا: (نعم) قال هل لكم أن أصور لكم مثله في قبلتكم إذا نظرتم إليه ذكرتموه قالوا: (لا، نكره أن تجعل لنا في قبلتنا شيئا نصلي إليه، فأجعله في مؤخر المسجد)، قالوا: (نعم)، فصوره لهم حتى مات خمستهم فصور صورهم في مؤخر المسجد، وأخرج الأشياء حتى تركوا عبادة الله وعبدوا هؤلاء فبعث الله نوحا]، وهاتان قصتان مختلفتان عن محمد بن كعب القرظي، وفي الثانية تفاصيل كأنها من رواية شاهد عيان كان في ذلك المجلس عندما جاءهم أبليس زائراً(؟!!). ولا علاقة لهذه «الأسطورة» بموضوع «اتخاذ القبور مساجد»، وإنما هي تتعلق باتخاذ الصور لأولئك المعظمين المحبوبين، وكانت الصور في مؤخرة مساجدهم، لأن القوم كرهوا اتخاذ شيء في القبلة، كما زعمت القصة.
v وجاء في «تفسير الطبري»، (ج: 29 ص: 98 وما بعدها): [حدثنا ابن حميد قال حدثنا مهران عن سفيان عن موسى عن محمد بن قيس ويعوق ونسرا قال كانوا قوما صالحين من بني آدم وكان لهم أتباع يقتدون بهم فلما ماتوا قال أصحابهم الذين كانوا يقتدون بهم لو صورناهم كان أشوق لنا إلى العبادة إذا ذكرناهم فصوروهم فلما ماتوا وجاء آخرون دب إليهم إبليس فقال إنما كانوا يعبدونهم وبهم يسقون المطر فعبدوهم]، قلت: هذه أهون شيئاً ما، فما ثمة تحديد أجيال، ولا زعم بأنهم من ولد آدم صليبة مباشرة، ولا ذكر لـ«زيارة» إبليس في صورة آدمي، وإنما هي مجرد «وسوسة» منه!! ولا ذكر في القصة للقبور أصلاً، وإن كانت الصور والتماثيل جوهرية في الموضوع، مع أنه لم يرد في القصة أين كانت تلك الصور، وإن كان السياق يشير إلى أنها في البيوت. والمصيبة هنا هي في «الغلو»، وليست في الصور ذاتها، ومن باب أولى ليست في القبور.
هذه القصص المتناقضة، والخرافات المتبتاينة تظهر لك حقيقة هذه الأقوال، وأنها مجرد أساطير شعبية، وخرافات إسرائيلية. وقد تنزه عنها نفر من المفسرين من أمثال قتادة، والضحاك، وابن زيد:
v فقد جاء في «تفسير الطبري»، (ج: 29 ص: 98 وما بعدها): [حدثنا بشر قال حدثنا يزيد قال حدثنا سعيد عن قتادة قوله لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا قال كان ود لهذا الحي من كلب بدومة الجندل وكانت سواع لهذيل برياط وكان يغوث لبني غطيف من مراد بالجرف من سبأ وكان يعوق لهمدان ببلخع وكان نسر لذي كلاع من حمير قال وكانت هذه الآلهة يعبدها قوم نوح ثم اتخذها العرب بعد ذلك]
v وجاء في «تفسير الطبري»، (ج: 29 ص: 98 وما بعدها): [حدثنا ابن عبد الأعلى قال حدثنا ابن ثور عن معمر عن قتادة لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا قال كانت آلهة يعبدها قوم نوح ثم عبدتها العرب بعد ذلك قال فكان ود لكلب بدومة الجندل وكان سواع لهذيل وكان يغوث لبني غطيف من مراد بالجرف وكان يعوق لهمدان وكان نسر لذي الكلاع من حمير]
v وجاء في «تفسير الطبري»، (ج: 29 ص: 98 وما بعدها): [حدثت عن الحسين قال سمعت أبا معاذ يقول حدثنا عبيد قال سمعت الضحاك يقول في قوله ولا يغوث ويعوق ونسرا قال هذه أصنام وكانت تعبد في زمان نوح]
v وجاء في «تفسير الطبري»، (ج: 29 ص: 98 وما بعدها): [حدثت عن الحسين قال سمعت أبا معاذ يقول حدثنا عبيد قال سمعت الضحاك يقول في قوله ولا يغوث ويعوق ونسرا هي آلهة كانت تكون باليمن]
v وجاء في «تفسير الطبري»، (ج: 29 ص: 98 وما بعدها): [حدثني يونس قال أخبرنا ابن وهب قال قال ابن زيد في قوله ولا يغوث ويعوق ونسرا قال هذه آلهتهم التي يعبدون]

أبو عمر المنصور
19-04-2011, 06:28 PM
توحيد الخلق والتكوين

هو الاعتقاد الجازم بأن الله وحده هو القادر على الخلق والتكوين والايجاد من عدم حقيقةً، وليس لغير الله شيء من ذلك على وجه الإستقلال والقدرة الذاتية، وإنما يكون، إن وجد، فيما أودعه الله فيه من قدرة محدودة مخلوقة، وبإذنه سبحانه وتعالى وتقديره وتمكينه. وكل ذلك، كذلك، ثابت بالضرورة، وبالبراهين العقلية والفطرية، قبل ورود الشرع، ثم جاء الشرع مؤيداً، ومذكرا بها، ومفصلا لمعانيها فيما لا يعد ولا يحصى من النصوص، منها:
v ما قاله، تعالى: }الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون {، (سورة الانعام؛ 6:1).
v وقال: } بديع السماوات والأرض، أنَّى يكون له ولد، ولم تكن له صاحبة وخلق كل شيء، وهو بكل شــىء عليم{، (الانعام؛ 6:11).
v وقال: }ما اتخذ الله من ولدٍٍٍٍٍٍٍٍ ،وما كان معه من إله، اذاً لذهب كل إله بما خلق، ولعلا بعضهم على بعض، سبحان الله عما يصفون{، (المؤمنون؛ 23:91).
v وقال، تقدست أسماؤه، نافياً أن يكون غيره قد خلق شيئاً، فيكون بذلك له شريكاً: }أم جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه فتشابه الخلق عليهم؟! قل: الله خالق كل شيء وهو الواحد القهار{، (الرعد؛ 13:16).
وقد جرت عادة المسلمين في الامتناع عن استخدام لفظة «الخلق»، ومشتقاتها، إلا في حق الله، تبارك وتعالى. فتجدهم ينفرون أشد النفور من استخدام اللفظة في حق غير الله، في مثل جملة: (عقلية خلاقة)، فيقولون مثلاً: (عقلية مبدعة)، هذا أدب جيد، وعادة حميدة، لا بد من الاستمرار عليها، ورعايتها، وإن كان خلاف ذلك ليس حراماً، لأن نسبة الخلق لغير الله جائزة، كما قال جل جلاله عن السيد المسيح بن مريم، صلوات الله وتسليماته وتبريكاته عليه وعلى والدته: }إذ «تخلق» من الطين كهيئة الطير بإذني{، ومحال على الله أن يستخدم عبارة باطلة، مع علمنا ضرورة أن خلق المسيح من الطين كهيئة الطير، أي تشكيله هكذا، ليس كخلق الله للحياة في الطير بعد نفخ المسيح في الطير، فهذا خلق، وهذا خلق، وشتان بين هذا وهذا!!
وكون الله، تقدست ذاته، وتباركت أسماؤه، وسما مقامه، خالقاً، هو بعض معنى كونه: «إلاهاً»، ولا علاقة مباشرة له من الناحية المفاهيمية بكونه «رباً»، وهذا يبطل صحة تعريف الإمام شيخ الإسلام ابن تيمية لما أسماه بـ«توحيد الربوبية»، لأنه أدخل فيه «الخلق» في أول القائمة، وهذا باطل، كما أسلفنا عند مناقشة لفظة: «رب».
ولما كان مفهوم «الخلق» لا يدخل في مفهوم «الربوبية»، إلا بإقحام وتكلف مصطنع، فقد وقعت من ثم قسمته للتوحيد باطلة عرجاء من هذا الاعتبار، فلا حول ولا قوة إلا بالله!

ويتناقض مع هذا القسم من التوحيد أنواع من الشرك الإعتقادي منها:
(أ) القول بخلق الشر من قبل إله الشر، بقدرته الذاتية، أو على وجه الاستقلال، أو بالمعاندة لله، أي رغما عن الله وبخلاف مراده، كما يقوله عامة الثنوية المجوس، سواء قال بعضهم بقدم إله الشر فجمعوا بين شرك الذات السابق بيانه وشرك الخلق والتكوين، أو قالوا أن إله الشر حادث، ليس أزلياً ولا قديماً، فيكون هذا شركًا في الخلق والتكوين فحسب. وكلا القولين محكي عن طائفة منهم.
(ب) القول باشتراك أكثر من إله في خلق أجزاء مختلفة من العالم، كل مستقل في خلقه، غني عمن سواه، كقول أكثر المشركين البدائيين، ومنهم مشركوا اليونان: فهذا إله البحر، وذلك إله الشمس، .. إلخ.
(ج) القول بالطبيعة الخالقة التى أوجدت الأشياء بخاصيتها الذاتية على وجه الضرورة التى يستحيل خرقها أو تجاوزها، وهو قول طائفة من الفلاسفة، والطبائعيين، والقائلون بذلك ينكرون، بالضرورة، معجزات الانبياء، وأكثرهم أيضاً ملحد ينكر وجود الله.
غيرأنه ينبغي أن يُعْلمَْ عِلماً يقينيًا لايتطرق إليه الشك أن العبرة هى بحقيقة المعتقد وجوهر محتوى التصور بغض النظر عن الأسماء والألفاظ .فمن نَسَبَ إلى غير الله الخلق والإيجاد من عدم، على وجه الاستقلال ــ كما يفعل الثنوية المجوس بالنسبة لمايسمونه إله الشر «أهريمن» ـــ فقد جعله متصفا ببعض صفات استحقاق العبادة، أي الألوهية، أي جعله مع الله إلهاً آخر، وذلك بغض النظر عن تسميته، سواء سماه إلهاً، أو سماه شيطاناً، أو سماه ملكاً، أو عقلاً فلكياً، أو غير ذلك، وكذلك بغض النظر عن فعل العبد المترتب على ذلك: هل هو تقديس، ومحبة، وتقرب، وطاعة؛ أو هو كراهية، ومعاداة، وتباعد، وعصيان. إذ العبرة، في هذا المقام، بمحتوى وحقيقة المعتقد، وليس بالتسميات، ولا بأفعال العباد المترتبة على تلك المعتقدات، فتلك لها اعتبار آخر، في مقام آخر، كما سيأتي في باقي هذه الرسالة.

أبو عمر المنصور
19-04-2011, 06:30 PM
توحيد التصرف والتدبير
وهو الإعتقاد الجازم بإن الله وحده مدبر الأكوان، المتصرف فيها بذاته، على وجه الاستقلال، المقدر لمقاديرها، فلا يقع فيها شىء إلا بعلمه، وتقديره، وإذنه، ولا يفعل فيها فاعل فعلاً إلا بإذن الله، بما وهب الله له من قدرة على الفعل، وبما ركب فيه من المقادير والخصائص وما طبعه عليه من الطبائع: كل ذلك على وجه التبعية بجعل الله، وتقديره، وعلمه السابق، لا على وجه الاستقلال بقدرة أو إرادة ذاتية.
لقد كان أكثر شرك العرب، وغيرهم من بسطاء المشركين واقعاً في هذا الباب، لذلك جاء القرآن والسنة بما لا يعد ولا يحصى من النصوص المؤكدة على هذا، كما ميز النبي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، الإيمان بالقدر خيره وشره من الله تعالى، في ركن مستقل من أركان الإيمان، لعلاقة ذلك المباشرة بهذا الموضوع.
v قال تعالى: }ثم استوى على العرش يدبر الأمر ما من شفيع إلا من بعد إذنه، ذلكم الله ربكم فاعبدوه أفلا تذكرون{، (يونس؛ 10:3).
v وقال: }قل من يرزقكم من السماء والأرض؟! أمَّن يملك السمع والأبصار؟! ومن يخرج الحي من الميت، ويخرج الميت من الحي؟! ومن يدبر الأمر؟! فسيقولون الله، قل: أفلا تتقون!{، (يونس؛ 10:31).
ومعلوم بضرورة الحس والعقل، وهو كذلك مؤكد مقطوع بثبوته بنصوص الشرع، أن الكون فيه سنن مطردة، تترتب فيه الأسباب والمسببات على بعضها على نحو اعتيادي دائم: فالنار دائماً وأبداً تحرق الحطب الجاف، وماء المطر العذب ينبت الزرع، وهكذا. والكون مملوء، كذلك، بالكائنات ذات الإرادة والاختيار، التي تفعل وتتحرك، وتذهب وتجيء. كل ذلك ممكنات تترتب على بعضها البعض ويستحيل عقلاً أن يكون ذلك لأمر ضروري ذاتي، لأنها في أصل خلقتها، أي في ذاتها مخلوقة حادثة ممكنة، وليست ضرورية أزلية واجبة، فكيف تكون صفاتها، وهي فرع من أصل، ضرورية أو واجبة؟! فلزم أن يكون ذلك كله بجعل الله، الحي القيوم، واجب الوجود بذاته، القديم الأول بغير ابتداء، الآخر بغير انتهاء.
فكل تلك الوقائع في الكون ليست لأمر ضروري ذاتي، ولا هي على وجه الاستقلال، بل بجعل الله، أي بعلمه، وإرادته، وخلقه، وتدبيره، وإذنه الكوني، لا إله إلا هو، ولا رب سواه، عليه نتوكل، وبه نتأيد.
فالضرورة الذاتية، أو الاستقلال في الفعل لا تكون إلا لإله، واعتقاد تحقق ذلك في غير الله، شرك بالله.
ويتناقض مع هذا القسم من التوحيد أنواع من الشرك الإعتقادى منها، على سبيل المثال، لا على سبيل الحصر:
(أ) قول بعض الصابئة وعبدة الكواكب أن الكواكب ــ أو العقول، والنفوس، والأرواح الملائكية الموجودة فيها ــ تعلم ما العالم السفلي، وهي التى تتصرف في فيه على وجه الاستقلال.
(ب) قول كثير من المشركين ــ ومنهم مشركوا العرب ــ أن صغار الآلهة بما لهم من ذوات إلهية، وصلة نسب وقرابة مع كبار الآلهة، يتصرفون في بعض شؤون العابدين لهم إما مباشرة، أو بالشفاعة من غير استئذان، والوساطة التى لا ترد عند كبار الآلهة.
(ج) قول بعض الفلاسفة «الطبائعيين» أن ترتيب الأسباب والمسببات على بعضها ترتيب ضروري، يستحيل خرقه، بحيث لا ينفك هذا عن هذا مطلقاً. هذا كذلك شرك اعتقادي يناقض الإسلام كل المناقضة، ويخرج من اعتنقه عن الملة، إن كان دخل في الملة قبل ذلك أصلاً. وهو يناقض الحق الذي دلت عليه الأدلة العقلية والشرعية اليقينية التي تبرهن على أن ترابط الأسباب والمسببات ليس بضروري، بل هو «عادي»، وهو «جعلي»، أي بجعل الله لها كذلك، وإذنه بدوام ذلك واستمراره على وجه السنة العادية، لا على وجه الضرورة العقلية أو المفاهيمية المطلقة، التي يستحيل خرقها.
(د) ما ينسب إلى بعض غلاة «القدرية» أن أفعال العباد الاختيارية لا تقع بإذن الله وتقديره، ثم يلتزمون في المناظرة بأنها تقع رغماً عن الله، وأنه، جل وعلا، ما كان قادراً على منعها، تعالى وتقدس، أو نحو ذلك.
ونسارع في التنبهه على أن مقصد أكثرهم ليس بواضح، ولا نعلم قدرياً من أهل الإسلام قال بمثل هذا أو التزم به، إلا أنه لازم لأقوال بعض الغلاة منهم. ولعل هذا سبب تسمية بعض أئمة السلف لهم: (مجوس هذه الأمة)، وهو تعبير يستخدمه الكثيرون، لا سيما إذا حميت المناظرة واشتدت، أو عند التراشق بالقول والتنابز بالألقاب، فتجمح العواطف، وتنحسر الحكمة، ويتراجع العقل، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
ونسارع بالتنبيه، على كل حال، أن لازم القول ليس قولاً، إلا إذا أقر به صاحبه والتزم، وإلزام القائل بما لم يلتزمه ظلم وعدوان، وهي طريقة أهل الجدل والمراء، بل أهل البدع والأهواء، ولكن تفصيل ذلك محله غير هذه الرسالة، والحمد لله رب العالمين.
والذي يظهر لنا أن غلاة «القدرية» إنما أنكروا فقط أن يتعلق «العلم الإلاهي السابق» بنتيجة أفعال العباد الاختيارية، مع علم الله السابق بكل الاحتمالات الممكن تحققها، وإذنه بتحقق أي منها عند انعقاد الإرادة، وحدوث الفعل. فمن المحال عندهم أن يقع شئ من ذلك بغير إذن الله، وهو القادر أزلاً وأبداً على منع ذلك: لا يغالبه غالب، ولا يفلت منه هارب.فليس عندهم شرك في «التصرف والتدبير»، ولا محل لنبزهم بجملة: (مجوس هذه الأمة). ولكن تبقى إشكالية «العلم الإلاهي السابق»، وهو بحث خطير عويص، ليس هذا محله.
ما سلف إنما هي قائمة بأوضح وأشهر الأمثلة التي وقعت لنا، وربما وجد غيرنا الكثير من مثيلاتها، أو مزيداً من الأمثلة على جزئياتها، فأنواع الشرك وظلماته كثيرة متراكبة متشابكة، كظلمات بحر لجي من فوقه موج من فوقه سحاب، ظلمات بعضها فوق بعض، والهدى والنور واحد مبين ساطع: وهو ما جاء به محمد، رسول الله وخاتم النبيين، عليه وعلى آله صلوات وتسليمات وتبريكات من الله الملك الحق النور المبين، والحمد لله رب العالمين.
نعم: ها هنا أصاب الإمام شيخ الإسلام ابن تيمية في إدخال «التدبير» و«التصرف» تحت عنوان «توحيد الربوبية»، لأن مفاهيم التصرف والتدبير، فرع لمفاهيم «السيادة» و«التملك»، وهي بالضرورة بعضها، كما أسلفناه عند مناقشة مفهوم: «الرب».
غير أنه يجب أن يعلم هنا كذلك علماً يقينيًا لا يتطرق إليه الشك أن العبرة هى بحقيقة المعتقد وجوهر محتوى التصور بغض النظر عن الأسماء والألفاظ. فمن زعم:
(1) أن لغير الله، عند الله، شفاعة لا ترد، أو لا تحتاج الى استئذان،
(2) أو أن غير الله يجير على الله،
(3) أو أن غير الله يستطيع الإفلات من «قبضة» الله،
(4) أو أن غير الله يتصرف في الكون بغير إذن من الله، ولا مشيئة، ولا تقدير،
(5) أو أن غير الله له قدرة وتصرف تضاهي قدرة الله،
(6) أو أن غير الله خارج عن السيطرة الإلهية بحيث يستطيع الإفلات أو الهروب من الله تعالى فيعجزونه هرباً (كاعتقاد بعض جهلة العوام من الأفارقة وغيرهم، في الجن، والأرواح السفلية، والشيطانية)،
(7) أو أن الله لا يتصرف ويدبر الخلائق مباشرة، بل «يحتاج» واسطة بينه وبين الخلائق تدبر نيابة عنه، وترفع المطالب من أسفل إلى أعلى إليه، كقول عبدة النجوم، والعقول السبعة، أو العشرة، وغيرهم،
(8) أو أن غير الله يدبر الخلائق، ويتصرف في أمرهم، لأن الله إنما يعلم فقط الكليات، ولا يعلم أحوال العباد الجزئية، فتقوم العقول والنفوس الفلكية، أو الملائكة، أو الآلهة الثانوية، بمباشرة تدبير الكون، ضرورة ولا بد،
من زعم شيئاً من ذلك فقد جعل ذلك الغير متصفًا ببعض صفات الألوهية، أي استحقاق العبادة، أي جعله لله نداً، وجعله مع الله إلهًا آخر، وذلك بغض النظر عن تسميته، سواء سماه إلهاً، أو سماه شفيعًا، أو وسيطاً، أو وليًا، أو ملكاً، أو عقلاً فلكياً، أو غير ذلك، إذ العبرة بمحتوى وحقيقة المعتقد وليس بالتسميات.
نعم: من زعم شيئاً من ذلك في غير الله، فقد جعل ذلك «الغير» إلهًا من دون الله بغض النظر عن الأسماء والألفاظ. وكذلك بصرف النظر عن فعل العبد المترتب على ذلك: هل هو تقديس، ومحبة، وتقرب، وطاعة؛ أو هو كراهية، ومعاداة، وتباعد، وعصيان، أو عدم اهتمام ولا مبالاة: إذ العبرة، دائماً وأبداً، بمحتوى وحقيقة المعتقد، وليس بالتسميات والألفاظ، ولا بأفعال العباد المترتبة على تلك المعتقدات، كما أسلفنا، وكما سنشبعه أيضاً في بقية هذه الرسالة، بحثاً ومناقشة، وتأصيلاً وتفريعاً.

أبو عمر المنصور
19-04-2011, 06:32 PM
توحيد التشريع والحاكمية
«توحيد التشريع والحاكمية»: هو الاعتقاد الجازم بأن لله وحده لا شريك له حق التشريع ابتداء واستقلالا، وسلطة الأمر والنهي الذاتية النهائية العليا، وحق الطاعة لذاته، وليس لغيره أن يأمر وينهى، أو أن يستحق الطاعة إلا بإذنه، جل وعز، مع قيام الدليل الشرعي القاطع على وجود هذا الإذن، فهو وحده الحكم، لا حكم غيره، وهو المتفرد بالحكم، المستأثر به، فلا يفوضه لغيره أصلاً.
فهو وحده، بموجب كونه الإله الأحد، والرب ذاتي الربوبية والسيادة، هو الذي يحدد الحرام والحلال، والحسن والقبيح، والمصلحة والمفسدة، ويضع موازين الأخلاق والقيم.
وهو صاحب الربوبية العليا، والسيادة النهائية، فلا توجد سلطة فوق سلطته، ولا مرجعية بعده، لا من عقل أو غيره. فهو: }يحكم لا معقب لحكمه{، (الرعد؛ 13:41)، وهو: }لا يسأل عما يفعل، وهم يسألون{، (الأنبياء؛ 21:23)!
هذه الحقيقة يعبر عنها أحيانا بلفظ: «توحيد الحاكمية» أي أن حق الحكم والتشريع لله سبحانه وتعالى، منفرداً به، وحده لا شريك له، وربما عبر عنها بمبدأ: «السيادة للشرع» أى أن الشرع المنزل من الله تعالى له السيادة النهائية، والهيمنة العليا على جميع تصرفات العباد.
وهذا التعبير الثاني، أي «سيادة الشرع»، أفضل من الناحية العملية لأنه يبين الكيفية العملية لتحقيق هذا القسم من التوحيد ألا وهى: الرجوع إلى الوحي، أي الشرع المنزل، المتمثل في نصوص الكتاب والسنة، وما دلا عليه دلالة قاطعة من الأدلة التفصيلية الفرعية التبعية كالإجماع، والقياس المبني على علة شرعية، أي على علة منصوص عليها أو مستنبطة من النصوص، ونحو ذلك مما قامت عليه قواطع الأدلة.
ومادة (ح ك م) تأتي في اللغة العربية، وكذا في القرآن، والسنة بمعاني عدة، منها:
(1) وضع الأمور في مواضعها، وهي (الحِكْمة)، وفاعل ذلك (حكيم)،
(2) إتقان الصنعة، وبلوغ الفعل إلى غايته، وهو (الإحكام)، وفاعل ذلك (مُحْكِم)، و(حكيم)،
(3) الحكم على أفعال الناس يوم القيامة، وتصفية نزاعاتهم بصفة نهائية أبدية. وهذا إنما هو لله وحده، والآيات في ذلك كثيرة مشهورة.
(4) الفتيا، وإبداء الرأي الذي يعتقد قائله صحته، أي الحكم على القضاياالدينية، والحسية، والعقلية، والجمالية، والأخلاقية، وغيرها. فنحن (نحكم) ببطلان التناسخ، وبطلان التثليث، وقبح الكذب عقلاً، وحرمته شرعاً، إلا في أحوال قليلة منصوص عليها، ... إلخ. ومنه قوله، جل وعلا: }أفنجعل المسلمين كالمجرمين؟! ما لكم، كيف تحكمون؟!{.
(5) فض النزاع، والفصل في الخصومات، على وجه الإلزام. أي القضاء، وهو إحدى سلطات الدولة الرئيسية (السلطة التشريعية، والسلطة التنفيذية، والسلطة القضائية).ويسمى القاضي أيضاً (حاكما)، وما يتلفظ به: (حُكْماً).
(6) رعاية الشؤون، والإدارة، والتنفيذ، أي السلطة التنفيذية في الدولة، ويسمى القائم بذلك: (حاكماً)، كما قد يسمى (والياً)، أو (ولي أمر)، أو (سلطاناً)، أو حتى (ملكاً). وقد شاع في العصور المتأخرة استخدام لفظ (حكومة) لقمة السلطة التنفيذية، أي لمجلس الوزراء، وكذلك بمعنى جهاز الحكم في الدولة.
(7) التشريع، وسن الدساتير، والقوانين، والأنظمة، واللوائح، أي ما تقوم به السلطة التشريعية في الدولة،
بل ويندرج تحت هذا حتى وضع مباديء الأخلاق، والسلوك، والآداب، والأعراف الاجتماعية، لأنه في حقيقته تشريع، وتحديد للقيم. وإن كانت السلطات الدنيوية في الدول والحكومات لا تمارس هذا عادة، وإنما قد يمارسه الناس بمجموعهم بوصفهم مجتمعاً، أي جماعة تقوم بين أفرادها علاقات دائمية.
وهذه المعاني، أو الأنواع الأربعة الأخيرة هي التي تعنينا في هذا البحث: الفتيا، والقضاء، والتنفيذ، والتشريع. وهي كذلك التي يجب حمل النصوص الشرعية عليها كلها، إلا إذا وردت قرينة مخصصة. فإذا قال عليه الصلاة والسلام: «إذا اجتهد الحاكم فأصاب، فله أجران، ... إلخ» فلا يجوز أن يقال هذا خاص بالقاضي، أو ولي الأمر، بل هو عام لكل من طلب حكم الله في القضية لمعرفته مجرداً:
ــ (1) كالمجتهد والمفتي، فهذا حاكم؛ أو
ــ (2) لتطبيقه في نزاع كالقاضي، فهذا كذلك حاكم؛ أو
ــ (3) لرعاية الشؤون كالإمام:
(أ) إما تنفيذاً في حالة عينية مشخصة، فهو بهذه الصفة حاكم؛
(ب) وإما تشريعاً، أي تبنياً لحكم شرعي في مسألة خلافية، وسنها نظاما عاما ملزما للكافة، وهو بهذه الصفة كذلك حاكم.
والإحتكام، أو التحاكم هو: طلب الحكم من أي نوع كان، من نوع: الفتيا، أو القضاء، أو التنفيذ، أو التشريع.
ولفظ (الحاكميّة) من الألفاظ المولّدة القائمة على غير مثال سابق في اللغة العربية، تماماً كألفاظ (الخالقية) و(الرازقية)، وأول من استخدمها في خطابه السياسي، المبني على العقيدة الإسلامية، هو العلامة الشهير أبو الأعلى المودودي، رحمه الله، مؤسس (الجماعة الإسلامية) في الديار الهندية، ثم أخذها عنه الأستاذ الإمام سيد قطب، فبثها في كتاباته كمَعْلَم من معالم العمل الإسلامي الذي جاد بنفسه في الدعوة إليه، والتركيز عليه،، حتى نال الشهادة، وظي بالكرامة، رضي الله عنه، ورفع درجته. فـ(الحاكمية) إذاً هي كون الله هو الحاكم، تماماً مثل (الخالقية) كون الله خالقاً، جل جلاله، وسما مقامه!
و«شرك التشريع والحاكمية» هو إذاً، بداهة، كل قول أو اعتقاد مناقض لـ«توحيد التشريع والحاكمية».
هذا الشرك، أي «شرك التشريع والحاكمية»، هو الأكثر انتشارا في العالم الغربي اليوم لتبنيه « الدنيوية»،، أو «الزمنية»، (secularism) التي تسمّى خطأً: «العلمانية»، والتي تجعل حق التشريع للإنسان، والسيادة، بزعمها للشعب.
ولما كان العالم الغربي، الآن في هذا العصر، هو الأكثر تقدما في مجالات العلوم والتقنية، وهو المهيمن على مصائر الأمم والشعوب، وحضارته، ومعها ثقافته، هي السائدة، والمعتبرة مقياساً لجميع الحضارات والثقافات؛ ولسقوط العالم الإسلامي عن مرتبة الصدارة فكرياً، وحضارياً، وسياسياً منذ عدة قرون، وانحطاطه انحطاطاً فظيعاً، حتى بلغ الحضيض بهدم آخر دول الخلافة الإسلامية في إسطنبول؛ ولهزيمة جماهير المسلمين، بل وخاصتهم، هزيمة نفسية منكرة، أمام الزحف الغربي؛ لذلك كله، انتشر هذا الفكر الشركي الكفري، بين المسلمين، وبالأخص المثقفين منهم ثقافة غربية، فارتد الكثير منهم عن الإسلام، ونبذوا حضارته وثقافته، وأصبحوا كفاراً مرتدين «لا دينيين»، «دنيويين»، «علمانيين».
وعندما نقول: (ارتد الكثير من مثقفي المسلمين عن الإسلام) فنحن لا نقول ذلك على وجه المجاز، أو المبالغة لغرض من أغراض البلاغة والبديع. كلا، والله: بل نعنيه بالمعنى الشرعي المحدد: ردة حقيقية عن الإسلام أصبحوا بها كفاراً مشركين، تركوا الملة، وفارقوا الجماعة والأمة.
هذا الردة العمياء، والخطر المميت، مع الأهمية الخاصة لمبدأ «السيادة الشرع» من الناحية الإعتقادية لكل فرد مسلم، ومن الناحية الدستورية للجماعة، أي للأمة والدولة الإسلامية، تحتم علينا إشباع القول فيه إشباعاً تاماً، ودحض الشبهات، التي أثارها حوله أعداء الله من فقهاء السلاطين الخونة، عليهم سخط الله، ولعائنه متتابعة إلى يوم الدين، دحضاً نهائياً وكاملاً. كل ذلك يحتاج إنجازه، إلى كتاب مستقل، تمت كتابته وتأليفه، بحمد الله ومنته وتوفيقه، وهو كتابنا: (الحاكمية، وسيادة الشرع) الذي تفرغ لهذه المهمة باباً باباً، وفصلاً، فصلاً.

أبو عمر المنصور
19-04-2011, 06:33 PM
فصل: مفهوم «السيادة»
كلمة السيادة، اصطلاح غربي، والمراد بها في الواقع من خلال استقراء وجهات نظر رجال القانون الوضعي، أنها: الممارس للإرادة والمسُيِرلها، في العلاقات جميعها، وحتى في الأشياء.
ومن هذا المنطلق، فإن أدق تعبير يصف واقع السيادة وفق هذا المفهوم، من وجهة نظر الشرع الإسلامي أنها: (سلطة عُليا مطلقة، لها وحدها حق اصدار الحكم على الأشياء والأفعال)، أو بلفظ آخر: (سلطة أصلية، مطلقة، عامة، متفردة، غير محدودة، تهيمن على الأفراد والجماعات)، فالمقصود بسيادة الأمة مثلاً، أن الأمة وحدها لها حق ممارسة الإرادة، والمسير لها في الحكم على الأشياء والأفعال، في صورة سن القوانين لتنظيم الحياة، وفق ما يمليه العقل.
وأياً كان الجدل القانوني أو الفقهي حول تعريف السيادة، فإن من المسلم به أن هناك جملة من السمات والخصائص قد يتفق الجميع على تحقيقها في السيادة، وتمثل قاسماً مشتركاً بينهم جميعاً بخصوص نظرتهم إلى السيادة.
فالسيادة: إرادة عليا، تتميز بخصائص لا توجد في غيرها من الإرادات، وجماع هذه الخصائص أنها الإرادة التي تحدد نفسها بنفسها، فصاحب السيادة لا يمكن أن تلزمه إرادة أجنبية عنه بالتصرف على نحو معين، وهو لا يلتزم بالتصرف على نحو معين إلا إذا أراد هو ذلك. وهذا يعني أن هذه السلطة مطلقة لأنها لو لم تكن كذلك، فسوف تعتمد على إرادة أخرى تقوم بتحديدها، مما يتعارض مع ما تقرر لها من أنها سلطة أصلية، بمعنى أنها لا تتلقى هذه الخاصية من إرادة سابقة عليها أو من إرادة أعلى، فهي تتميز بالخصائص التالية:
v الإطلاق: فصاحب السيادة لا يفرض عليه قانون، بل القانون هو التعبير عن إرادته، وليس لإرادة أجنبية عنه أن تُلزِمه بالتصرف على نحو معين، لأنه لا توجد إرادة تسامية أو تساوية، إرادته آمره دائماً، وليس لأحد قبله حقوق، وعلاقته بغيره علاقة السيد بالعبد، أو المتبوع بالتابع، وعلى العبد أوالتابع تنفيذ ما يصدر عنه من أوامر ليس بسبب مضمونها أو فحواها، ولكن لأنها صادرة عن إرادة هي بطبيعتها أعلى من إرادتهم.
v السمو: فهي في مجالها إرادة تعلو جميع الإرادات، وسلطة تعلو كافة السلطات، لا توجد فيما تنظمه من علاقات سلطة أعلى منها ولا سلطة مساوية لها.
v الوحدانية والتفرد: فلا يوجد على المجال الواحد إلا سيادة واحدة، إذ لو وجدت سيادتان على مجال واحد لفسدت أحواله. و وجه ذلك، أنه لو صدر من كل منهما تكليف يناقض ما أصدرته الأخرى فلا يخلو الأمرمن أحد هذه الأحوال:
(1) ــ تنفيذ التكليفين معاً وهو محال.
(2) ــ أو الإمتناع عنهما معاً، وفي ذلك إبطال لسيادتهما معاً.
(3) ــ أو إنفاذ واحد منهما فقط، فيكون صاحبه هوالأحق بالسيادة، وتبطل سيادة ما سواه.
v الأصالة: فهي قائمة بذاتها لم تتلق هذا العلو من إرادة سابقة عليها، أو من إرادة أعلى منها.
v العصمة من الخطأ: فنظرية السيادة تنزع إلى اعتبار إرادة السيد إرادة مشروعة، وأن القانون يعد مطابقاً لقواعد الحق والعدل لا لسبب إلا لأنه صادر عن إرادة السيد، ولذلك فإن هذه النظرية تنسب إلى السيد صفة العصمة من الخطأ.
هذه هي «السيادة»: فهي سلطة عليا آمره:
v تفردت بالحكم فلا تشرك في حكمها أحداً، إرادتها هي القانون، وتوجيهاتها هي الشريعة الملزمة.
v تفردت بالعلو، فلا تعرف سلطة أخرى تعلو عنها أو تساويها.
v قائمة بذاتها، فلم تكتسب سلطانها من إرادة أخرى.
v حقوقها مقدسة، لا تقبل التنازل ولا يسقطها التقادم.
v معصومة من الخطأ، فكل ما يصدر عنها هو الحق والعدل.
فهل يشك مسلم أن هذه الصفات لا تليق أصلاً إلا بالله عزوجل، وأن لفظة «السيادة» إنما تعني في الحقيقة بالضبط ما تعنيه لفظة «الربوبية»؟!
وقد نص جمهور مفكري الإسلام من علماء الأصول وغيرهم، صراحة على كون السيادة محصورة في الشرع وحده حصراً تاماً مطلقاً.
كما نص بعضهم أنه لا حكم قبل ورود الشرع، وأن العقل لاحكم له مطلقا. وهو الحق، الذي قامت عليه البراهين العقلية والشرعية اليقينية القاطعة، فلا يجوز اعتقاد غيره. ومن هؤلاء، من المتقدمين: ابن حزم، (راجع: «الإحكام في أصول الأحكام»، للإمام الحجة الكبير ابن حزم)، والآمدي، وأبو بكر المعروف بإبن العربي، والاسنوي، والشوكاني، وابن القيم؛ ومن المعاصرين: تقي الدين النبهاني (راجع: «الشخصية الإسلامية»، الجزء الثالث، للشيخ الإمام تقي الدين النبهاني).

أبو عمر المنصور
19-04-2011, 06:36 PM
فصل: أدلة توحيد التشريع والحاكمية، وكون «السيادة» للشرع
لقد قامت الأدلة القطعية من القرآن، والسنة، واجماع الصحابة، بل ومن العقل، على أن السيادة للشرع وحده مطلقاً. ففي القرآن نصوص كثيرة جداَ تدل على أن الشرع وحده هو صاحب السيادة المطلقة، في الكون والحياة والإنسان، فمن هذه النصوص:
v قال، تباركت أسماؤه، وتقدست صفاته، رواية لمقولة يوسف، المعصومة، الجامعة، المانعة: }ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان: إن الحكم إلا لله، أمر ألا تعبدوا إلا إياه، ذلك الدين القيم، ولكن أكثر الناس لا يعلمون{، (يوسف؛ 12:40). فإن كان المقصود بالعبادة معناهاالمحدود الضيق، أي الشعائر التعبدية، كما يتوقع أن يكون الفهم البدائي المحدود لصاحبي يوسف في السجن، أي مجموعة من الأفعال: ركوع، وسجود، وصلاة وصيام، ونصب محاريب، وتقديم ذبائح وقرابين، وإشعال شموع، وإطلاق مجامر وبخور، وتقديم صدقات ونذور، ونحوه، فهذه لا تصرف إلا لله وحده لا شريك، ولا تصرف لغيره، لأنه أمر بذلك، بوصفه المتفرد بالحكم، أي بوصفه صاحب السيادة، المتفرد بها: }أمر ألا تعبدوا إلا إياه{، فعبادته بهذا المعنى الضيق، أي صرف تلك الشعائر والطقوس والأفعال التعبدية له، وتوحيده، أي قصر تلك الأفعال عليه، ليست أصلاً، بل هي فرع: لتفرده بالسيادة والحكم. ولو أمر بصرف شيء من تلك الأفعال لغيره، من حيث هي أفعال مجردة، لوجبت طاعته، وقد وقع بعض ذلك فعلاً حيث أمر الملائكة بالسجود لآدم.
فالطاعة هي الأصل، والأفعال والشعائر التعبدية، أو التي تسمّى تعبدية، وإفراد الله بها هو الفرع. فليس توجيه تلك الأفعال إليه، وإفراده بها بضرورة حس أو عقل، بل هو طاعة للأمر، ولو لم يصدر أمره بذلك لما وجب من ذلك شيء، ولا حرم منه شيء. هذا هو الحق الذي تدل عليه الآية، ولا يمكن فهم غير ذلك منها مطلقاً، كما فصلناه في صلب كتابنا هذا عن «التوحيد: أصل الإسلام، وحقيقة التوحيد».
وإن كان المقصود بالعبادة معناها الشامل الواسع، ألا وهو: الخضوع، مع الطاعة والاتباع؛ والتذلل والتقديس؛ مع المحبة والولاء؛ فتكون جملة: }أمر ألا تعبدوا إلا إياه{،
أولاً: تفريع، وتطبيق، وبيان للجانب العملي التطبيقي لجملة: }إن الحكم إلا لله{، التي هي الجانب المعرفي النظري،
ثانياً: تحويل لوجوب طاعة الله، جل جلاله، من كونه ضرورة عقلية، سابقة لكل أمر أو نهي، إلى حكم شرعي يترتب على الالتزام به أو عدم الالتزام: حساب وثواب وعقاب،
فطاعة الله ليست فقط واجبة بضرورة العقل، حسنة بحكم العقل، بل هي كذلك واجبة بأمر الشارع وسوف يترتب عليها ثناء من الله وثواب، وعلى عدمها: ذم من الله وعقاب.
فقوله تعالى: }أطيعوا الله{، في مواضع كثيرة من القرآن، وإن جاء على صيغة الأمر، إلا أنه ليس أمراً حقيقياً، وإلا لقال قائل: كيف أعرف أن طاعة الله واجبة؟! أبأمر سابق منه، فهذا يحتاج إلى أمر سابق آخر منه، وهكذا إلى لا نهاية.
والحق أن هذا اللفظ يتضمن خبرين، فكأنه، جل جلاله، وسما مقامه، قال:
(1) قد علمتم بضرورة العقل أن طاعتي، طاعة مطلقة بدون قيد أو شرط، واجبة عقلاً، حسنة عقلاً، كما هو لائق بالعقلاء، وها أنا أذكركم بذلك؛
(2) وها أنا أعلمكم أني، علاوة على ذلك، أطلب منكم تلك الطاعة، فأنا إنما خلقتكم لها، وسأحاسبكم عليها، وسيكون:
(أ) ثواب على الطاعة من السعادة المطلقة، والنعيم الدائم، والملذات الأبدية، التي يطلبها كل عاقل،
(ب) وعقاب على المعصية، لا محيص عنه، ولا إفلات منه، في نار أبدية، وتعاسة سرمدية، ينبغي على كل عاقل التشمير للإفلات منها؛
فالحقيقة الأصلية العليا المطلقة هي تفرد الرب، جل جلاله، بالحكم، وانفراده بالسيادة، ويترتب على ذلك بضرورة الحس والعقل على كل عبد، أيقن ذلك وأقر به، إفراده بالعبادة بمعناها الشامل، أي إفراده بالطاعة والخضوع والتسليم، المبنية على المحبة والتوقير والتعظيم، لأن ذلك هو رأس العبودية، وجوهوها، وحقيقة معناها. ثم جاء الشرع فجعل ذلك واجباً شرعياً لا هوادة فيه، بل هو رأس الواجبات وقطب رحاها.
فالعبادة بالمعنى الواسع، ألا وهي: التذلل والتقديس؛ والخضوع، مع الطاعة والاتباع؛ مع المحبة والولاء، ترجع كلها إلى رأس ذلك وأصله: الطاعة والخضوع والتسليم، المبنية على المحبة والتعظيم، وهذه بدورها هي المظهر الطبيعي الوحيد المقبول والمعقول من العبد المخلوق تجاه الرب الخالق: أي تجاه الحقيقة الوجودية المطلقة العليا: }إن الحكم إلا لله{، أو إن شئت فقل: (لا إله إلا الله)، لا فرق بين تعبير وتعبير، إذ كل ذلك مترادف يبين بعضه بعضاً، ويترتب بعضه على بعض بالضرورة العقلية والحسية القاطعة.
v وقال الله تعالى: }إن الحكم إلا لله، يقص الحق، وهو خير الفاصلين{، (الأنعام؛ 6:57). وهذه صيغة حصر، فالحكم له وحده، لا شريك له، حصراً. وخبره، كما هو في قصصه، هو الحق المطابق للواقع يقيناً، وهو الذي يفصل في كل نزاع، ويحكم في كل خلاف، حكماً فصلاً نهائياً، لا تعقيب عليه، ولا مسائلة له: في الدنيا بتعريف الحلال والحرام، والخير والشر، وتحديد القيم الأخلاقية والمعنوية، وفي الاخرة بالفصل النهائي العادل المطلق بين العباد. كما أنه لا خير، ولا عدل، ولا حق إلا في حكمه، لا إله إلا هو، ولا رب سواه.
وهذه الأخبار الثلاثة:
(1) كون الحكم حصراًً لله بدون ند أو شريك؛
(2) وكونه يقص الحق؛
(3) وكونه يفصل في كل نزاع، بل هو خير الفاصلين؛
أخبار صادقة أزلاً و أبداً عن الله تبارك وتعالى، يستحيل أن يتصور العقل خلافها، ولا يجوز أو يمكن نسخها، لأن الأخبار لا تنسخ.
لا حظ أن الآية نصت على أن: (الحكم لله حصراً، بدون ند أو شريك) عندما قالت: }إن الحكم إلا لله{، وهو عين اللفظ المستخدم في سورة يوسف التي روت مقولة يوسف بن يعقوب، صلوات الله عليه وعلى والده، تلك المقولة الرائعة الجامعة المانعة، كما سبق إيراده ومناقشته، ولكن القصص الحق، والخبر الحق، قد يأتي من غيره. فالإخبار بالحق والصدق ليس محصوراً في الله، جل جلاله، بل قد يأتي من غيره. طبعاً ما يأتي من الغير من حق وصدق إنما هو محدود، منشؤه علم محدود مخلوق مكتسب، بخلاف علم الله الذاتي المطلق: فشتان بين خبر صادق، وخبر صادق، وبين علم وعلم!
وهناك غير الله من يفصل في الخلافات والمنازعات، ولكن شتان بين فاصل مخلوق حادث محدود نهائي، وفاصل أزلي أبدي لانهائي هو (خير الفاصلين)!
ولكن ما هي طبيعة كون (الحكم لله حصراً، بدون ند أو شريك)، أي ما هي ماهية هذا الحصر؟! أهو خبر عن واقع فعلي، أو إخبار عن استحقاق، أي إخبار عما ينبغي أن يكون، بغض النظر عما كان أو سيكون واقعاً فعلياً؟!
وبتأمل الواقع الحسي المعلوم بالمشاهدة المباشرة، والنقل التاريخي المقطوع بصحته، نجد أن الحكم (بكل معانيه الأربعة التي تعنينا ها هنا، والتي سبق ذكرها) قد وقع فعلاً من غير الله تبارك وتعالى، ويقع كذلك الآن. فمن المحال الممتنع أن تكون هذه اللفظة: }إن الحكم إلا لله{ من عند الله خبراً صادقاً، وتكون في نفس الوقت إخباراً عما هو واقع فعلياً.
فاللفظة: }إن الحكم إلا لله{ إذاً هي، ضرورة، إخبار عما ينبغي أن يكون، وليس عما وقع بالفعل، وتقديرها هو إذاً: (أن الحكم ينبغي أن يكون لله حصراً، بدون ند أو شريك، حتى لو وقع فعلاً خلاف ذلك)، أو بلفظ آخر: (إن الحكم من خصائص الله، وهو مما ينبغي أن يتفرد به، وحده لا شريك له، حتى لو وقع عدوان من غير الله على هذه الخصوصية الإلاهية). ويترتب على ذلك أن من استأثر لنفسه بالحكم، ولو في مسألة واحدة، قد ارتكب جريمة الاعتداء على خصوصيات الذات الإلاهية، وتجاوز على حمى الربوبية والسيادة الربانية، أي: أنه جعل نفسه رباً وإلاهاً من دون الله، بغض النظر عن تصريحه بذلك بأن يقول مثلاً: }أنا ربكم الأعلى{، أو عدم تصريحه به.
فإن كان الأمر كذلك، وهو قطعاً كذلك إذا كان القرآن حقاً من عند الله، فإن من أقر له بذلك قد جعله رباً وإلاهاً من دون الله لا محالة، وهو بذلك مشرك كافر، قد ارتد عن الإسلام إن كان قد صح له عقد الإسلام من قبل، ولا يمكن أن يكون الأمر خلاف ذلك.
هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى تحتاج اللفظة إلى تحرير من حيث معتى (الحكم) الذي هو مستحق قصراً لله جل جلاله: أهو كل المعاني الأربعة آنفة الذكر أم بعضها فقط.
وباستقراء آي الذكر الحكيم، والمتواتر من السنة والسيرة النبوية، بل ومن أخبار الأنياء السابقين، نجد أن النبي، عليه وعلى آله الصلاة والسلام، قد مارس (الحكم) بمعنى رعاية الشؤون، وبمعنى القضاء، وبمعنى الفتيا أي الإخبار عن الحكم من غير إلزام؛ وكل ذلك كان بأمر الله وإذنه، فمن المحال أن يكون في ذلك أدنى اعتداء أو تجاوز على حق الله في التفرد والاختصاص بالحكم.
لذلك وجب أن يكون (الحكم) الذي قصدته الآيات، وجعلته حصراً لله جل جلاله، إنما هو فقط: التشريع في جوهره ومعانيه على وجه الايتداء والإنشاء.
قلنا: (في جوهره ومعانيه) تحسباً لما قد ينقدح في بعض الأذهان الكليلة، والأفهام السطحية السقيمة، من الخلط بين (التشريع في جوهره ومعانيه) وبين التعبير عن التشريع، أو صياغة التشريع، أو التبليغ بالتشريع. ونزيد هذا وضوحاً بالتنبيه على أن أقوال النبي، عليه وعلى آله الصلاة والسلام، وأفعاله وأقاريره وحي معصوم من عند الله. فالتشريع في جوهره ومعناه من الله حصراً، ولكن التعبير جاء بقول النبي ولفظه، أو بفعله، أو إقراره، وكل ذلك ضروروة هو من النبي، وليس هو من الله: هذا هو معنى قولنا أن السنة وحي معصوم من الله عبَّر عنه النبي بقوله أو فعله أو إقراره.
وكذلك كتب الفقهاء ما هي إلا محاولة لصياغة التشريع الإلاهي في حدود اجتهاد وعلم مؤلفها. وإنما تختلف مصنفات الفقهاء عن نصوص السنة النبوية من حيث كون هذه معصومة، وتلك ليست بالمعصومة، فلا ضمان لكون ما فيها من التشريع في جوهره ومعناه هو حقاً من عند الله، على مراد الله.
وكذلك يكون الأمر بالنسبة لما تسنه الدول من دساتير وقوانين ولوائح فقد يكون ذلك مجرد تبني لتشريع إلاهي في جوهره، وإنما تمت صياغته في صورة دساتير ولوائح وقوانين، كما هو الحال في الدولة الإسلامية، التي هي إسلامية بحق، فيكون هذا في حقيقة الأمر من باب (رعاية للشؤون)، وليس تشريعاً على وجه الابتداء والإنشاء، ولا يكون من ثمَّ تعدياً على حق الله في التفرد بالحكم، حتى ولو لم تكن تلك التبنيات معصومة، كما هو مشبع بياناً في الباب المعنون: (تبني الدولة للأحكام الشرعية)، من كتابنا: (الحاكمية، وسيادة الشرع).
وقد يكون سن الدول والأمم للدساتير والقوانين والوائح تشريعاً على وجه الإنشاء والابتداء، فيكون تعدياً على ربوبية الله وسيادته، وانتهاكاً لـ(حرم) الألوهية السامية الرفيعة، وفاعله طاغوت متكبر كافر، والمقر له بذلك، أو المسلم له بذلك، مشرك كافر، ويكون النظام نفسه نظام كفر، وليس نظاماً إسلامياً.
ومما سلف بيانه تتضح عظم الجناية التي ارتكبها الخوارج الحرورية على دين الله، وعلى العقل، وعلى اللغة، عندما رفضوا التحكيم بين إمام الهدى أمير المؤمنين على بن أبي طالب، رضوان الله وسلامه عليه، ومعاوية بن أبي سفيان بزعم أن ذلك مناقض لقوله جل جلاله: }إن الحكم إلا لله{، زاعمين أن إمام الهدى، باب مدينة العلم النبوي، قد (حكَّم الرجال في دين الله): هكذا تكون الأفهام السقيمة والعقول البليدة!
v وقال الله تعالى، مؤكداً لما أسلفناه: }...، ألا له الحكم، وهو أسرع الحاسبين{ (الأنعام؛ 6:62). وهذه صيغة حصر أخرى، لأن لفظة (الحكم) جاءت محلاة بألف ولام التعريف، فتشمل جنس الحكم، أي كل حكم. وقد تم تأكيد خصوصيته وتفرده، جل وعلا، بذلك بتقديم شبه الجملة الخبرية (له) على المبتدأ، واستخدام آلة التأكيد: (ألا).
v وقال الله تعالى: }...، ألا له الخلق والأمر، تبارك الله رب العالمين{ (الأعراف؛ 7:54). وهذه صيغة حصر أيضاً، كما سلف. فكما أنه هو وحده الخالق الرازق على وحه الحقيقة والبتداء والاستقلال، فهو وحده الآمر الناهي، أي أنه هو وحده السيد المتفرد بأحقية الحكم، أي: بأحقية التشريع في جوهره ومعانيه على وجه الايتداء والإنشاء.
v وقال الله تعالى: }وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله، ذلكم الله ربي، عليه توكلت، وإليه أنيب{ (الشورى؛ 42:10). وليس هذا حصراً لأحقية الله في الحكم فقط فيما اختلف فيه الناس. بل هو الحاكم مطلقاً. والناس إنما أجمعوا فقط على ضروريات العقل الأولية، وهذه مغروسة في طبيعة العقل وبنيته، وإن شئت أن تقول هي جزء من العقل بوصفه عقلاً. والله جل جلاله هو الذي خلقه هكذا، بعد أن قضى وحكم، قضاءً تقديرياً كونياً، بأن يكون الحال هكذا. فليس وراء الله شيء، بل هو الأول والآخر، والظاهر، والباطن، وإليه المنتهى!!
v قال الله تعالى: }... فالحكم لله العلي الكبير{ (غافر؛ 40:12).
v وقال: }والله يحكم، لا معقب لحكمه، وهو سريع الحساب{، (الرعد؛ 13:41). وكيف يتصور أن يكون في الوجود من يعقب على حكمه؟! أليس هو الأول والآخر؟! أليس منه المبدأ؟! أليس إليه المنتهى؟!
فلو اعترض معترض على حكم الله بدعوى مخالفته لـ«العقل»، بزعمه الكاذب الداحض، قيل له:
ألست أدركت بالعقل أنك محدود لست (لانهائياً)، ممكن الوجود لست واجباً ضرورياً، حادثاً لست أزلياً، وأن عقلك من خلق الله، وليس عقلاً مستقلاً مطلقاً، وعلمك مكتسب حادث محدود، وليس ذاتياً مطلقاً أزلياً غير محدود؟!
فما عند الله من علم ذاتي مطلق، وإحاطة تامة بذاته ومخلوقاته، وقدرة شاملة على الإدراك والحكم تجعل حكمه ضرورة مقدم على حكمك.
فظنك أن حكم الله مناقض للعقل ظن باطل، وهو من «خداع البصيرة»، تماماً كـ«خداع البصر»، لا محالة، يبقى البصر منخدعاً مهما كررت النظر، ولكنك تدرك بدليل العقل وشهادته أن ذلك خداع ووهم.
فكذلك ها هنا: يجب على العقل أن يحكم بأن ظنه ذلك باطل، وأنه وهم، لأن خلاف ذلك محال: ذلك «خداع البصيرة»، وهو من وساوس الشيطان، لأن الشيطان، لعنه الله، يعلم تماماً أنك محدود، وعندك قابلية الانخداع، فيقوم بلعبته، آملاً الإفلات بجريمته.
والعقل الإنساني، ذلك المخلوق الرائع، قادر، بإقدار الله له، وتكريمه إياه، على فضح هذه الوساوس الشيطانية، واكتشاف «خداع البصيرة»، فلله الحمد والمنة.
فأصل عقلك من عند الله خلقاً وإيجاداً وتركيباً، فكيف يعود الفرع على أصله بالإبطال؟! لأن الأصل إذا بطل، بطل كل ما تفرع منه، فبطلت أنت ووقع عقلك باطلاً، وانعدمت الثقة به أصلاً، فكيف تقبل بحكمه ذلك المبني على «خداع البصيرة» ابتداءً؟!
تماماً كذلك الأحمق السفيه الذي كان يجلس على فرع شجرة عالية باسقة، ثم أمر أحد المارة بقطع ساق تلك الشجرة نفسها، فسقط به الفرع، ودقَّت عنقه: كيف يبقى الفرع، إذا ذهب الأصل؟!
v وقال، تباركت أسماؤه: }لا يسأل عما يفعل وهم يسألون{، (الأنبياء؛ 21:23). والسؤال تعقيب ومراجعة، وقد أثبتا آنفاً أنه من المحال الممتنع أن يكون على حكم الله تعقيب، لأن ذلك يؤدي إلى انهيار العقل نفسه وتحطمه، وبطلان أحكامه، واستحالة النطق واللغات. فمن بلغ هذه الحالة «المرضية»، حالة السفسطة المطلقة، فليصبر حتى تزول، لأنها لا تدوم، وإلا فليمت، وليرح ويستريح!
v وقال الله تعالى: }ما لهم من دونه من ولي، ولا يشرك في حكمه أحداً{ (الكهف؛ 18:26). فليس له الحكم والسيادة ذاتياً فحسب بموجب كونه «واجب الوجود» الأزلي بغير ابتداء، الأبدي بغير انتهاء، بل هو: (لا يأذن لغيره، مطلقاً وبتاتاً، بمشاركته في الحكم، أي: في التشريع في جوهره ومعانيه على وجه الايتداء والإنشاء).
ففي هذه الآية وحدها أبلغ رد على مزاعم «العلمانية»، التي تجعل «الخلق» لله، وتنكر أن يكون له الأمر. فهو، تقدست أسماؤه وسما مقامه، لا يشرك في حكمه وأمره ونهيه أحداً، ولم يفوض ذلك إلى أحد، ولم يأذن بشئ من ذلك لأحد.
هكذا قرأ الجمهور، وقرأ ابن عامر الشامي: } ولا تشرك في حكمه أحداً{، بصيغة الأمر: لا تشرك في حكم الله أحداً، أي لا تجعل لله شريكا في الحكم، وهذا بعض ما تضمنته قراءة الجمهور، التي هي، أي قراءة الجمهور، قرآن متواتر مقطوع بصحته: فإن كان هو، تباركت أسماؤه، لا يشرك في حكمه أحداً، ولم يفوض شيئاً من الحكم إلى أحد، ولم يأذن في شئ من الحكم لأحد، فمن باب أولى لن يأذن لأحد أن يجعل له شريكاً في الحكم.
والحق أن أكثر العلمانيين، وبخاصة رؤوسهم، إنما يقولون ذلك سياسة ونفاقاً، وتضليلاً لعوام الناس، وإلا فأكثرهم ملحدون دهريون: ينكرون وجود الخالق، أو يشكون فيه، أو هم فيه متوقفون، ولكنهم أجبن من المجاهرة بذلك، والدعوة إليه صراحة، خوفا من نقمة الجماهير الساذجة، المؤمنة بوجود الله، واحتراساً من بطشتها!
v وقال الله تعالى: }أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله{ (الشورى؛ 42:21). ومعلوم أن المشركين الذين يعتقدون الألوهية في معبوداتهم، أي الذين جعلوا مع الله آلهة آخرى، يعتقدون أن لتلك الآلهة، بالضرورة، حق الأمر والنهي، ولو في بعض الأمور. فمن المحال أن يكون هذا هو مقصود الآية الوحيد، لأنه تحصيل حاصل، حاشا لكلام الله عن مثل هذا الهذر واللغو الفارغ.
فالآية إذاً، وهي استفهام استنكاري تنكر عليهم في الحقيقة أنه قبلوا التشريع في الدين من عند غير الله، فجعلوهم بذلك شركاء، حتى ولو لم يعتقدوا فيهم غير هذه الجزئية مطلقاً، وحتى لو أنكروا بكل شدة وحرارة أنهم جعلوهم شركاء مع الله، نظراً لعقليتهم البدائية، وبسبب نظرهم المحدود. وسيأتي نموذج لذلك في فصة عدي بن حاتم، رضي الله عنه.
فالتشريع من دون الله شرك، وفاعله منازع لله في الربوبية، أي في السيادة والحاكمية، منصباً لنفسه رباً، ونداً، وإلهاً، وشريكاً، وحكماً من دون الله، بالضرورة لا محالة، مهما حاول التملص أو الدفاع عن نفسه.
فمن شرع شيئاً من الدين من عند نفسه فقد جعل نفسه شريكاً لله سبحانه وتعالى، فهو إذاً قد تجاوز حده فأصبح من ثم طاغوتاً، متمرداً على الله في ربوبيته وحاكميته، منازعاً له في كبريائه وعظمته.
ومن أقر بحق التشريع لغير الله، أو قبل التشريع من غير الله، فقد جعل ذلك الغير شريكاً لله، واتخذه إلاهاً ورباً وحكماً من دون الله. وهو بذلك مشرك كافر قد ارتد عن الإسلام، إن كان قد صح له عقد الإسلام من قبل.
ونسارع فنؤكد ونذكر بأن الدين هو الشريعة العامة، أي الطريق المعينة للعيش الشاملة للحضارة والثقافة، كما أسلفنا، وليس هو فقط الروحانيات والشعائر التعبدية والأخلاق.
v وقال، جل جلاله، وسما مقامه: }اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله{. (التوبة؛ 9:31). وقد جاء في تفسير هذه الآية عن عدي بن حاتم ــ رضى الله عنه ــ قال: [أتيت رسول الله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وفي عنقي صليب من ذهب، فقال: «يا عدي، اطرح هذا الوثن من عنقك!»، قال: فطرحته؛ وانتهيت إليه وهو يقرأ في سورة «براءة» فقرأ هذه الآية: }اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله{، قال قلت: يا رسول الله، إنا لسنا نعبدهم!، قال: «أليس يحرمون ما أحل الله فتحرمونه؟ ويحلون ما حرم الله فتحلونه؟» قال قلت: بلى، قال: «فتلك عبادتهم»، (وفي رواية: قال: «صدقت، ولكن كانوا يحلون ما حرم الله فيستتحلونه، يحرمون ما أحل الله لهم فيحرمونه»)]، رواه الطبري في «التفسير»، وهذا هو لفظه من أحد الطرق، وله طرق أخرى عنده بطوله ومختصراً، كما ررواه الطبراني في «الكبير»، والبيهقي في سننه، وكذلك الترمذي في سننه وقال: (هذا حديث غريب، لا نعرفه إلا من حديث عبد السلام بن حرب، وغطيف بن أعين ليس بمعروف في الحديث)، والبخاري في التاريخ الكبير، وابن حزم وحكم بصحته، على تعنته وتشدده.
والحق أن هذا الإسناد حسن لذاته، ومتن الحديث نظيف مستقيم، فالحديث حسن تقوم به الحجة، كما فصلناه في الملحق. وهو على كل حال صحيح على شرط ابن حبان، وهو صحيح قطعاً بشواهده التالية، ومنها:
ـ ما أخرج الطبري في «التفسير» بإسناد في غاية القوة والصحة عن حذيفة بن اليمان، رضي الله عنه، أنه سئل عن قوله تعالى: }اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله{، أكانوا يعبدونهم؟! قال: لا، (وفي رواية: أما إنهم لم يكونوا يصومون لهم، ولا يصلون لهم، ولكنهم) كانوا إذا أحلوا لهم شيئاً استحلوه، وإذا حرموا عليهم شيئاً حرموه.
وقد أخرجه الطبري بطوله من طرق عدة صحاح وحسان عن حبيب بن أبي ثابت، وروى مثله البيهقي، كما أخرجه الطبري من طريق أخرى عن حذيفة مختصراً بلفظ: (لم يعبدوهم، ولكنهم أطاعوهم في المعاصي!).
ـ وأخرج الطبري بسنده عن ابن عباس في تفسير الآية، قال: (زينوا لهم طاعتهم).
ـ وأخرج بسند آخر عن السدي، قال: قال عبد الله بن عباس: (لم يأمروهم أن يسجدوا لهم، ولكن أمروهم بمعصية الله فأطاعوهم، فسماهم الله بذلك أرباباً).
ـ وأخرج بسنده عن الحسن البصري في تفسيرها، قال: (في الطاعة).
ـ وأخرج بسنده عن الربيع بن أنس عن أبي العالية في تفسير هذه الآية، قال: قلت لأبي العالية: كيف كانت الربوبية التي كانت في بني إسرائيل؟! قال: لم يسبوا أحبارنا بشيئ مضى؛ ما أمرونا به ائتمرنا، وما نهونا عنه انتهينا لقولهم، وهم يجدون في كتاب الله ما أمروا به وما نهوا عنه، فاستنصحوا الرجال، ونبذوا كتاب الله وراء ظهورهم!
وقد فهم عدي، رضي الله عنه العبادة، هنا بمعناها الضيق البدائي (أي التذلل والخضوع، وأفعال التقديس: من ركوع، وسجود، وصلاة وصيام، ونصب محاريب، وتقديم ذبائح وقرابين، وإشعال شموع، وإطلاق مجامر وبخور، وتقديم صدقات ونذور!) فعلمه النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن الإقرار للأحبار والرهبان بحق التشريع وجعلهم بذلك أرباباً لهم السيادة، عبادة لهم بالمعنى الواسع (والعبادة بالمعنى الواسع هي: التذلل والتقديس؛ والخضوع، مع الطاعة والاتباع؛ مع المحبة والولاء، ورأس ذلك وأصله: الطاعة والخضوع والتسليم).
وأنت لو سألت الأحبار والرهبان: هل أنتم أرباب من دون الله لقفزوا فزعاً، وأنكروا عليك أشد الإنكار، واتهموك بإشاعة قالة السوء عنهم، وتضليل الجماهير وتنفيرهم من قياداتهم الدينية.
وكل ذلك لا يجدي، ولا يغني عنهم شيئاً: فهم بمنازعتهم الله في التشريع والحكم جعلوا أنفسهم أرباباً من دون الله في حقيقة الأمر، فأصبحوا طواغيت كفرة، أعداءً لله، يجب الكفر بهم ومفاصلتهم، مهما صاحوا واعتذروا واحتجوا، ومن أعطاهم هذا الحق فهو مشرك كافر، مهما اعتذر وبرر: فالقضية ليست قضية أسماء ومسميات وألفاظ، وإنما هي قضية حقائق الأقوال، وجوهر التصورات والمعتقدات.
فهذا الفهم هو قطعاً الفهم الصحيح، وهو نفسه فهم حذيفة رضي الله عنه لهذه الآية، وهو كذلك تفسير ابن عباس، والحسن البصري، وأبي العالية. لذلك قال الألوسي في التفسير: الأكثرون من المفسرين قالوا: (ليس المراد من الأرباب أنهم اعتقدوا أنهم آلهة العالم، بل المراد أنهم أطاعوهم في أوامرهم ونواهيهم). كما تشهد بذلك الآيات التالية أيضاً:
v قال تعالى: }ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله ...{ (البقرة؛ 2:165). قال ابن عباس والسدي: (الأنداد الرؤساء المتبعون، يطيعونهم في معاصي الله)، فهذه الآية ليست بعيدة في المعنى عن سابقتها. وكما أسلفنا فالقضية ليست (الطاعة المجردة)، بل هي (التسليم لهم بحق التشريع) في جوهره ومعانيه على وجه الايتداء والإنشاء، أي بـ«السيادة»، أو بلفظ آخر: «الربوبية»، بحيث تكون لهم، بناءً على ذلك، حق الطاعة.
v وقوله تعالى: }وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم، وإن اطعتموهم إنكم لمشركون{ أي إن أطعتموهم واتبعتموهم في تحليل الميتة، أصبحتم كفاراً مشركين بالله مقرين لغيره بحق السيادة والحاكمية والتشريع. وهذه الآية مكية بالإجماع، حيث كان الشرك لا يقال إلا على شرك الكفر، الشرك الأكبر، المخرج من الملة، والمناقض للإسلام كل المناقضة. وإنما جاءت أحكام الشرك الأصغر، والشرك الخفي، وآداب التوحيد من مثل النهي عن الحلف بالآباء، والنهي عن قول: (ما شاء الله، وشئت)، ونحوه في المدينة، بلا خلاف.
ولما كان الشرك، شرك الكفر، الشرك الأكبر المناقض للإسلام كل المناقضة، المخرج من الملة الإسلامية لمن كان قد دخل فيها من قبل، هو حصراً: (أن تجعل مع الله إلاهاً آخر)، كما قال أبو بكر الصديق، رضوان الله وسلامه عليه، بحضرة النبي، عليه وعلى آله الصلاة والسلام: (وهل الشرك إلا من جعل مع الله إلاهاً آخر؟!)،
ولما كان «المطيع» في التحليل والتحريم مشركاً، شرك الكفر المخرج من الملة،
فلا بد إذاً أن يكون «المطاع» رباً، وإلهاً من دون الله، ضرورة، كما بينته أيضاً، على سبيل المثال، قصة عدي بن حاتم، وأظهرته بما لا خفاء فيه!
أما مقالة أبي بكر الصديق، رضوان الله وسلامه عليه، الرائعة فقد أخرجها أخرج البخاري بإسناد صحيح في «الأدب المفرد» عن معقل بن يسار قال: انطلقت مع أبي بكر، رضي الله عنه، إلى النبي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فقال: «يا أبا بكر! للشرك فيكم أخفى من دبيب النمل». فقال أبو بكر: (وهل الشرك إلا من جعل مع الله إلهاً آخر؟!)، فقال النبي، صلى الله عليه وعلى اله وسلم: «والذي نفسي بيده، للشرك أخفى من دبيب النمل، ألا أدلك على شيء إذا فعلته ذهب قليله وكثيره؟!»، قال: «قل: اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم، وأستغفرك لما لا أعلم». فقول أبي بكر الصديق، رضي الله عنه، وهو عربي قرشي فصيح، أوَّل الأمر: (وهل الشرك إلا من جعل مع الله إلهاً آخر؟!)، هكذا حصراً، إذ لم يتشكل في ذهنه للشرك معنى إطلاقاً إلا في اتخاذ إله آخر مع الله، أي في اعتقاد الألوهية في غير الله. أما قوله صلى الله عليه وعلى اله وسلم: «والذي نفسي بيده، للشرك أخفى من دبيب النمل، ... إلخ»، فهو تشريع جديد، وتوسيع لمفهوم الشرك، على نحو لم يكن معروفاً للعرب حتى تلك اللحظة، فأعطى أفعالاً وإرادات مسمَّى الشرك، وصنفها «شركاً عملياً»، وجعلها إثما وحراماً غير مخرج من الملة في العادة، مع كونها ليست في صدر ولا ورد من شرك الكفر، المناقض للإسلام كل المناقضة، المخرج من الملة.
v وقال تعالى: }ألم تر الى الذين يزعمون أنهم أمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا{، (النساء؛ 4:61).
قال القرطبي: [روى يزيد بن زريع عن داود بن أبي هند عن الشعبي قال: كان بين رجل من المنافقين ورجل من اليهود خصومة فدعا اليهودي المنافق إلى النبي، صلى الله عليه وسلم، لأنه علم أنه لا يقبل الرشوة. ودعا المنافق اليهودي إلى حكامهم لأنه علم أنهم يأخذون الرشوة في أحكامهم فلما أجتمعا على أن يحكما كاهنا في جهينة، فأنزل الله تعالى في ذلك: }ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم امنوا بما أنزل إليك{،يعني المنافق، }وما أنزل من قبلك{، يعني اليهودي، }يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت{، إلى قوله: }ويسلموا تسليماً{، وقال الضحاك: دعا اليهودي المنافق إلى النبي صلى الله عليه وسلم, ودعاه المنافق إلى كعب بن الأشرف وهو «الطاغوت»]، قلت: هذه أسانيد قوية جياد إلى منتهاها، ولكنها مراسيل، ولا تقوم الحجة بمرسل، وإنما ستأنس بها استئناساً، لا غير.
وروى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال: [كان بين رجل من المنافقين ـ يقال له بشر ـ وبين يهودي خصومة، فقال اليهودي: انطلق بنا إلى محمد, وقال المنافق: بل إلى كعب بن الأشرف ـ وهو الذي سماه الله «الطاغوت» أي ذو الطغيان ـ فأبى اليهودي أن يخاصمه إلا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما رأى ذلك المنافق أتى معه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقضى لليهودي. فلما خرجا قال المنافق: لا أرضى، انطلق بنا إلى أبي بكر، فحكم لليهودي فلم يرض، وقال: أنطلق بنا إلى عمر فأقبلا على عمر فقال اليهودي: إنا صرنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم إلى أبي بكر فلم يرض; فقال عمر للمنافق: أكذلك هو ؟ قال: نعم. قال: رويدكما حتى أخرج إليكما. فدخل وأخذ السيف ثم ضرب به المنافق حتى برد، وقال: هكذا أقضي على من لم يرض بقضاء الله وقضاء رسوله، وهرب اليهودي, ونزلت الآية، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أنت الفاروق). ونزل جبريل وقال: إن عمر فرق بين الحق والباطل، فسمي الفاروق. وفي ذلك نزلت الآيات كلهـا إلى قولـه: }ويسلموا تسليما{]، قلت: هذه قصة مكذوبة منكرة، ولو وقعت لسارت بها الركبان، ولرواها الثقات الأثبات عن أمثالهم، بل لتناقلتها الكافة عن الكافة!
والكلبي عن أبي صالح، من أضعف أسانيد الدنيا، بل هو الكذب بعينه: فقد ثبت بالإسناد الصحيح عن الإمام الحجة الكبير سفيان الثوري، وهو والله الثقة المأمون، أن الكلبي قال له: قال لي أبو صالح: (كل ما حدثتك عن بن عباس كذب، فلا تحدث به)، فإن كان الكلبي صادقاً في هذه الرواية فأبي صالح، لا شك، كذاب، وإن كان الكلبي كاذباً مفترياً على أبي صالح فهو نفسه، والله المفتري الكاذب، الخليق بالترك والاطراح، فعلى كل حال يكون هذا الإسناد: الكلبي عن أبي صالح، ساقطاً لا يحل الاحتجاج به، ولا روايته إلا على وجه التكذيب والتعجب، أو بيان سقوطه وتحذير الناس منه، كما هو فعلنا ها هنا!!
ــ وقال ابن كثير، شارحاً للآية الكريمة: [هذا إنكار من الله عز وجل على من يدعي الإيمان بما أنزل الله على رسوله وعلى الأنبياء الأقدمين وهو مع ذلك يريد أن يتحاكم في فصل الخصومات إلى غير كتاب الله وسنة رسوله كما ذكر في سبب نزول هذه الآية أنها في رجل من الأنصار ورجل من اليهود تخاصما فجعل اليهودي يقول بيني وبينك محمد وذاك يقول بيني وبينك كعب بن الأشرف. وقيل في جماعة من المنافقين ممن أظهروا الإسلام أرادوا أن يتحاكموا إلى حكام الجاهلية. وقيل غير ذلك والآية أعم من ذلك كله فإنها ذامة لمن عدل عن الكتاب والسنة وتحاكموا إلى ما سواهما من الباطل وهو المراد بالطاغوت هنا ولهذا قال }يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت{، (النساء؛ 4:61)، إلى آخرها].
v قال تعالى: }وأنزلنا اليك الكتاب بالحق مصدقاً لما بين يديه من الكتاب ومهيمناً عليه، فاحكم بينهم بما أنزل الله، ولاتتبع اهواءهم عما جاءك من الحق، لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً{ (المائدة؛ 5:48). فإذا كان هذا الكتاب المبارك الخاتم، مهيمناً وناسخاً، لما قبله من الشرائع، وهي في أصلها من عند الله، فمن باب أولى أن يكون مهيمناً على كل تشريع وحكم سواه.
v قال تعالى: }ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم. قل: إن هدى الله هو الهدى، ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم مالك من الله من ولي ولانصير{، (البقرة؛ 2:120).
v قال الله تعالى: }إنما كان قول المؤمنين اذا دعوا الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا، وأولئك هم المفلحون{ (النساء؛ 4:65).
v وقال الله، تعالى ذكره: }ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى، ويتبع غير سبيل المؤمنين، نوله ما تولى، ونصله جهنم وساءت مصيراً{، (النساء؛ 4:105).
v وقال تعالى: }فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة، أو يصيبهم عذاب أليم{، (النور؛ 24: 63). وقال ابن عباس: (يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء، أقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتقولون قال أبو بكر وعمر؟!).وقال الإمام أحمد: (عجبت لقوم عرفوا الإسناد وصحته يذهبون الى رأي سفيان، والله تعالى يقول: }فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم{ أتدري ما الفتنة؟، الفتنة الشرك، لعله إذا رد بعض قوله أن يقع في قلبه شىء من الزيغ فيهلك).
v وقال تعالى: }ياأيها الذين آمنوا أطيعوا الله، وأطيعوا الرسول، وأولي الأمر منكم، فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله ورسوله، إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر، ذلك خير وأحسن تأويلاً{، (النساء؛ 4:59).
v وقال تعالى: }فلا وربك لايؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم، ثم لايجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت، ويسلموا تسلمياً{، (النساء؛ 4:65).
v قال تعالى: }إنا أنزلنا اليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله، ولاتكن للخائنين خصيماً{، (النساء؛ 4:105).
v قال تعالى: }وما كان لمؤمن ولامؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم، ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالاً مبيناً{، (الأحزاب؛ 33:36).
v وقال: }يا أيها الذين آمنوا ،لا تقدموا بين يدي الله ورسوله، واتقوا الله، إن الله سميع عليم{، (الحجرات؛ 49:1)
v قال تعالى: }وأنزلنا اليك الكتاب بالحق مصدقاً لما بين يديه من الكتاب ومهيمناً عليه ،فاحكم بينهم بما أنزل الله، ولاتتبع اهواءهم عما جاءك من الحق، لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً{، (المائدة؛ 5:48).
vv وقال تعالى: }أفحكم الجاهلية يبغون؟! ومن أحسن من الله حكماً لقوم يوقنون{، (المائدة؛ 5:50).
v قال تعالى: }من يطع الرسول فقد أطاع الله{، (النساء؛ 4:81).
v قال تعالى: }قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم. قل أطيعوا الله والرسول فإن تولوا فإن الله لا يحب الكافرين {، (آل عمران؛ 2:31ــ32).
v قال تعالى: }وما أتاكم الرسول فخذوه، وما نهاكم عنه فانتهوا، واتقوا الله، إن الله شديد العقاب{، (الحشر؛ 59:7).
v وقال تعالى: }ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدين فيها أبدا{، (الجن؛72:23).
v وقال تعالى: }تلك حدود الله، ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها، وذلك الفوز العظيم، ومن يعصى الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارًا خالدًا فيها وله عذابٌ مهين {، (النساء؛ 4:65).
v قال الله تعالى: }يا أيها الرسول: لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر، من الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم، ومن الذين هادوا، سماعون للكذب، سماعون لقوم آخرين لم يأتوك، يحرفون الكلم من بعد مواضعه، يقولون: إن أوتيتم هذا فخذوه، وإن لم تؤتوه فاحذروا، ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا، أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم، لهم في الدنيا خزي، ولهم في الآخرة عذاب عظيم v سماعون للكذب، أكالون للسحت، فإن جاؤوك فاحكم بينهم، أو أعرض عنهم، وإن تعرض عنهم فلن يضروك شيئا، وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط، إن الله يحب المقسطين v وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله ثم يتولون من بعد ذلك، وما أولئك بالمؤمنين v إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا، والربانيون والأحبار، بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء، فلا تخشوا الناس واخشون، ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا، ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون v وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس، والعين بالعين، والأنف بالأنف، والأذن بالأذن، والسن بالسن، والجروح قصاص، فمن تصدق به فهو كفارة له، ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون v وقفينا على آثارهم بعيسى بن مريم، مصدقاً لما بين يديه من التوراة، وآتيناه الإنجيل فيه هدىً ونور، ومصدقاً لما بين يديه من التوراة، وهدىً وموعظةً للمتقين v وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه، ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفسقون{، (المائدة؛ 5:44-47)، هذه هي أيات «الحكم» الشهيرة، من سورة المائدة. وقد وردت عدة أحاديث في أسباب نزولها، وآثار في فهمها، ومعني لفظة «الكافرون» فيها، تحتاج إلى نقاش مستفيض تجده في الباب المسمَّى: (شبهات حول تكفير من لم يحكم بما أنزل الله)، من كتابنا: (الحاكمية، وسيادة الشرع)، فليراجع هناك.
ولما كان الكلام هنا عن (الحكم بما أنزل الله)، بطل أن يكون المقصود بالحكم ما هو حصراً لله تبارك وتعالى، وهو (التشريع في جوهره ومعانيه على وجه الايتداء والإنشاء)، فهذا الحكم هو عينه (ما أنزل الله)، ولزم أن يكون المقصود بلفظة (الحكم) ها هنا باقي المعاني الأربعة آنفة الذكر، وهي:
(1) الفتيا، أي إبداء الرأي الذي يعتقد قائله صحته ن غير إلزام، أي الحكم على القضاياالدينية، والحسية، والعقلية، والجمالية، والأخلاقية، وغيرها. فلا تجوز الفتيا إلا بما أنزل الله، ومن لم يفعل ذلك كفر بالله!
(2) القضاء، أي فض النزاع، والفصل في الخصومات، على وجه الإلزام. وهو إحدى سلطات الدولة الرئيسية (السلطة التشريعية، والسلطة التنفيذية، والسلطة القضائية).ويسمى القاضي أيضاً (حاكما)، وما يتلفظ به: (حُكْماً). فلا يجوز القضاء إلا بما أنزل الله، ومن لم يفعل ذلك كفر بالله!
(3) رعاية الشؤون، بالإدارة، والتنفيذ، أي السلطة التنفيذية في الدولة، ويسمى القائم بذلك: (حاكماً)، كما قد يسمى (والياً)، أو (ولي أمر)، أو (سلطاناً). وقد شاع في العصور المتأخرة استخدام لفظ (حكومة) لقمة السلطة التنفيذية، أي لمجلس الوزراء، وكذلك بمعنى جهاز الحكم في الدولة. فلا تجوز رعاية الشؤون، بالإدارة، والتنفيذ إلا بما أنزل الله، ومن لم يفعل ذلك كفر بالله!
(4) رعاية الشؤون، بتبني الأحكام، وسن الدساتير، والقوانين، والأنظمة، واللوائح، أي ما تقوم به السلطة التشريعية في الدولة، ليس بمعنى التشريع في جوهره ومعانيه على وجه الايتداء والإنشاء، فهذا قد فرغ منه، وهو نفسه (ما أنزل الله)، ولكن بمعنى الاجتهاد، ثم التبني، فصياغة الأنظمة بمراتبها المختلفة، ثم إعلامها للكافة، ونحو ذلك. فلا تجوز رعاية الشؤون، بتبني الأحكام، وسن الدساتير، والقوانين، والأنظمة، واللوائح، إلا بما أنزل الله، ومن لم يفعل ذلك كفر بالله!
فليست لفظة (الحكم) في الآيات الكريمات مقصورة على معنى (القضاء) فقط، كما ظنه البعض، بل هي بكل معانيها وعمومها وإطلاقها، إلا إذا جاء برهان من الله على تخصيص أو تقييد، وما ثمة برهان على تخصيص أو تقييد، فيما أعلم، مطلقاً.
ــ وجاء في «مسند أبي يعلى»: [حدثني محمد حدثنا عثمان بن عمر حدثنا فطر بن خليفة عن منصور عن سالم بن أبي الجعد عن مسروق قال: [كنت جالسا عند عبد الله، فقال له رجل: (ما السحت؟!)، قال: (الرشا!)، فقال: (في الحكم؟!)، قال: (ذاك الكفر!)، ثم قرأ: }ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون{]، وقال الشيخ حسين أسد: (إسناده صحيح)، وهو كما قال، فالأثر عن ابن مسعود ثابت صحيح يقيناً، خصوصا مع المتابعات، والطرق، والشواهد المفصلة في الملحق، ومنها:
ــ قول مسروق، وفعله، كما هو مرويٌّ في «الطبقات الكبرى»، بإسناد صحيح: [أن مسروقا شفع لرجل بشفاعة فأهدى له جارية فغضب وقال: [لو علمت أن هذا في نفسك ما تكلمت فيها ولا أتكلم فيما بقي منها أبدا! سمعت عبد الله بن مسعود يقول: (من شفع شفاعة ليرد بها حقاً، أو يدفع بها ظلماً، فأهدي له، فقبل، فذلك السحت)، قالوا: ما كنا نرى السحت إلا الأخذ على الحكم؟! قال: (الأخذ على الحكم كفر!)].

هذا كله من الكتاب العزيز، أما من السنة النبوية الشريفة:
v عن عبدالله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم قال: «لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به»، قال النووي: (حديث صحيح رويناه في كتاب الحجة بإسناد صحيح)، وذكره البخاري بلاغا في «قرة العينين برفع اليدين» فقال: ذُكِر عن النبي صلى الله عليه وسلم، فذكره.
v وعن عائشة رضى الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «من أحدث في أمرنا هذا ماليس منه فهو رد»، وفي لفظ: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد» حديث صحيح مشهور رواه البخاري، ومسلم، وأبو داود.
v عن عبد الله بن مسعود أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «سيلي أموركم بعدي رجال يطفئون السنة، ويعملون بالبدعة، ويؤخرون الصلاة عن مواقيتها»، قلت: يا رسول الله! إن أدركتهم كيف أفعل؟ قال: «تسألني يا ابن أم عبد كيف تفعل؟ لا طاعة لمن عصى الله»، رواه ابن ماجه ــ واللفظ السابق له ــ وأحمد، والطبراني في «الكبير»، والبيهقي في «السنن الكبرى».
أما لفظ احمد فهو: «إنه سيلى أمركم من بعدى رجال يطفؤون السنة، ويحدثون البدعة، ويؤخرون الصلاة عن مواقيتها»، قال ابن مسعود: يا رسول الله! كيف بي إذا أدركتهم؟ قال: «ليس ــ يا ابن أم عبد ــ طاعة لمن عصى الله، قالها ثلاث مرات»، قال عبد الله بن احمد: وسمعت أنا من محمد بن الصباح مثله، وقد صححه الشيخ أحمد شاكر. ومن طريق محمد بن الصباح اخرجه البيهقي في «السنن الكبرى» بمثله.
ولن نناقش، ها هنا في هذ البحث، الأسانيد بالتفصيل، ونحيل في ذلك إلى الملحق الموسوم بـ «دراسة الأسانيد»، من كتابنا هذا، حيث أشبعنا فيها، بحمد الله، نقد الأسانيد!
وإسناد الإمام أحمد جيد بمفرده، حسن بذاته، والحديث حسن صحيح، قطعاً، بطرقه، وشواهده، ومتابعاته، تقوم به الحجة يقيناً، والله أعلم.
أما لفظ الطبراني في «المعجم الكبير» فهو: «سيكون عليكم أمراء يؤخرون الصلاة عن مواقيتها ويحدثون البدع، قال فكيف أصنع إن ادركتهم؟ قال: «تسألني يا ابن أم عبد كيف تصنع؟ لا طاعة لمن عصى الله» وأخرجه كذلك البيهقي بلفظ مماثل0
واسناد الطبراني كذلك جيد، حسن بذاته، صالح للاحتجاج إن شاء الله، والله أعلم. وقال الألباني في السلسلة الصحيحة: إسناده جيد على شرط مسلم، فالحديث قد صححه العلامة احمد شاكر، والشيخ ناصر الدين الألباني، وهو صحيح ثابت قطعاً.
وقوله عليه الصلاة والسلام في حديث عبد الله بن مسعود هذا: «لا طاعة لمن عصى الله» قطعي الدلالة في سقوط طاعة «من عصى الله»، لأن:
(1) لفظة «طاعة» نكرة في سياق النفي تعم، بإجماع الأصوليين، كل أنواع الطاعة التي يشملها هذا اللفظ في اللغة العربية التي نزل بها القرآن، أي سقوط كل الطاعة، أي طاعة، في المعروف وغيره، في كبير الأمر وصغيره، إلا ما قام عليه الدليل الشرعي أنه مستثنى، كما هو مفصل في مواضعه.
(2) «من عصى الله» عامة في حق كل من عصى الله لأنها مصدرة بـ [من] الشرطية، وهي أبلغ صيغ العموم على الإطلاق كما حرره الأصوليون، وكما قاله الإمام ابن تيمية رحمه الله (في مجموع الفتاوى: ج 15 ص 82، وكذلك في ج 24). ولولا وروود النصوص القطعية التي تستثني أهل الصغائر من غير المجاهرين من المؤاخذة، وتعد بالمغفرة العامة، وتكفير السيئات، حال اجتناب الكبائر، لولا ذلك لوجب صرفها حتى إلى أهل كل معصية، لا فرق بين صغيرة وكبيرة، وكذلك النصوص الدالة على قبول توبة التائبين، وعودتهم عدولاً، تقبل شهادتهم، وتجوز إمارتهم وولايتهم، بعد اتصافهم بالفسق، بل وحتى بالكفر!
فالنص إذن قطعي الدلالة على سقوط الطاعة لكل فاسق، أي سقوط ولايته بالضرورة، وليس هو في قصر الطاعة على المعروف في مثل قوله: «إنما الطاعة في المعروف»، أو مثل قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق»، فتلك الأحاديث الصحيحة ونحوها، وهي متواترة، سنأتي بطرف منها قريباً أدناه، تحرم الطاعة في كل أمر بمعصية، أي أمر بفعل حرام، أو ترك واجب، بغض النظر عن حال الآمر: أهو إمام عدل، أم إمام جور، أو هو أمير ورِع، أو أمير فاسق، أو غير ذلك من الاعتبارات، بل هي صحيحة، واجبة التطبيق في حق الوالدين، والزوج، ونحوهم ممن له حق الطاعة، فكلها تحرم الطاعة في كل أمر معين جاء خلافاً «للمعروف»، أما حديثنا هذا يسقط حق الطاعة للفاسق، أي يبطل ولاية الفاسق، وشتان بين المسألتين، ولو كره «منافقة القراء» من فقهاء السلطين!
v وأخرج الإمام احمد في «المسند» عن أنس بن مالك أن معاذ بن جبل قال: (يا رسول الله أرأيت ان كان علينا أمراء: لا يستنون بسنتك، ولا يأخذون بأمرك، فما تأمر في أمرهم؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «لا طاعة لمن لم يطع الله عز وجل»)، وأخرجه أبو يعلى في «المسند»، بنفس الإسناد، وهو إسناد لا بأس به، صحيح على شرط ابن حبان، ومتنه نظيف مستقيم، فهو قطعاً حسن بذاته، وهو صحيح بشواهده، ومتابعاته، وقد صححه الألباني في «صحيح الجامع الصغير».
وقوله عليه الصلاة والسلام في حديث أنس بن مالك هذا: «لا طاعة لمن لم يطع الله عز وجل» قطعي الدلالة كذلك في سقوط طاعة «من لم يطع الله» أي سقوط ولاية الفاسق، وحرمة طاعته، كما هو الحال في حديث عبد الله بن مسعود.
v وعن عبادة بن الصامت عن النبي، صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله، أنه قال: «إنه سيلي أموركم من بعدي رجال يعرفونكم ما تنكرون، وينكرون عليكم ما تعرفون، فلا طاعة لمن عصى الله عز وجل،..» اخرجه احمد، واللفظ له، والطبراني، والحاكم، وابن أبي شيبة، وعبد الله بن أحمد، وأبو بكر البزار، والعقيلي، والشاشي.
وإسناد الإمام احمد جيد قوي، صالح للاحتجاج، بمتابعاته عند عبد الله بن أحمد في زوائده، والحافظ الشاشي في مسنده، والإمام الحافظ البزار في مسنده، والإمام الحاكم في «مستدركه» بأكثر من طريق. ومقالة عبادة بن الصامت، رضي الله عنه، والمناسبة التي روى فيها كلام النبي، عليه وعلى آله الصلاة والسلام، جاءت من طرق كثيرة، كما هو فب الملحق.
ــ وأخرج الإمام ابن ابي شيبة، في مصنفه، من طريق أخري، مستقلة عن سابقاتها، عن أزهر بن عبد الله قال: أقبل عبادة بن الصامت حاجاً من الشام فقدم المدينة فأتى عثمان بن عفان فقال: يا عثمان! ألا أخبرك بشيء سمعته من رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم؟! قال: بلى، قال فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ستكون عليكم أمراء يأمرونكم بما تعرفون، ويعملون ما تنكرون، فليس لأولئك عليكم طاعة»، ومن نفس الطريق أخرجه كذلك البخاري في «التاريخ الكبير»، وأخرجه الحاكم في «المستدرك».
والحديث، حديث عبادة، بن الصامت حسن صحيح، تقوم به الحجة، قطعاً، بشواهده ومتابعاته. وقد صححه الالبانى في صحيح الجامع الصغير، وكذلك في سلسلة الاحاديث الصحيحة.
وقوله عليه الصلاة والسلام في حديث عبادة بن الصامت هذا: «لا طاعة لمن عصى الله عز وجل» قطعي الدلالة كذلك في سقوط طاعة «من عصى الله»، أي سقوط ولاية الفاسق، وتحريم طاعته، كما ذكرناه سابقاً، وحررناه في غير هذا الموضع.
v وعن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «سيكون أمراء من بعدى يأمرونكم بما تعرفون، ويعملون ما تنكرون، فليس أولئك عليكم بأئمة» رواه الطبراني، وهو حديث صحيح على شرط ابن حبان. وهو قطعي الدلالة كذلك على بطلان إمامة الفاسق، بل هو أظهر وأبين في الدلالة على ذلك من الألفاظ السابقة!
v وعن ابى عِنَبة ــ وقيل أبي عُتْبَة ــ الخولاني قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «لا تحرجوا أمتي، (قالها ثلاث مرات)! اللهم من أمر أمتي بما لم تأمرهم به، فأنهم منه في حل». أخرجه الطبراني في «مسند الشاميين»، والخطيب في تاريخ بغداد، وهو حديث حسن على شرط ابن حبان.
قوله عليه الصلاة والسلام: «...، .فأنهم منه في حل» قطعي الدلالة كذلك في سقوط إمارة الفاسق، لأن المقصود هو أنهم في حل من طاعته، أو في حل من إمارته، أو في حل من بيعته، أو نحو ذلك مما لا يحتمل سوى سقوط الولاية، لأن الكلام متعلق بذات الأمير، الذي يعود إليه الضمير في «منه»، وليس هو عائد إلى الأمر، كما هو في نحو قوله، عليه وعلى آله الصلاة والسلام: «فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة»، الذي سوف يأتي قريباً.
v وأخرج الحاكم بسنده عن عبد الله بن مسعود مرفوعاً: «يكون عليكم أمراء يتركون من السنة مثل هذا (وأشار إلى أصل إصبعه، يريد التقليل)، وإن تركتموهم جاؤوا بالطامة الكبرى! وإنها لم تكن أمة إلا كان أول ما يتركون من دينهم السنة، وآخر ما يدعون الصلاة، ولولا أنهم يستحيون ما صلوا»، هذا حديث صحيح، وقال الحاكم: (على شرط الشيخين، ولم يخرجاه)، ووافقه الذهبي، وهو كما قالا. وفيه الحث على الأخذ على يد الحكام عند أدنى انحراف، فلا يجوز تركه وشأنه، وإقراره على ولايته، وإلا فالطامة الكبرى. وصدق الله ورسوله: لما تقاعست الأمة عن ذلك أصابها في ماضيها، وحاضرها ما ترى بعيني رأسك، لا ما تسمعه رواية، أو يصلك بلاغاً، فحسب!
vوعن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم بعث علقمة بن مجزز على بعث، وأنا فيهم. فلما انتهى إلى رأس غزاته، أو كان ببعض الطريق، استأذنه طائفة من الجيش، فأذن لهم، وأمر عليهم، عبد الله بن حذافة بن قيس السهمي، فكنت فيمن غزا معه. فلما كان ببعض الطريق أوقد القوم ناراً ليصطلوا أو ليصنعوا عليها صنيعاً: فقال عبد الله، وكانت فيه دعابة: (أليس لي عليكم السمع والطاعة؟) قالوا: (بلى). قال: (فما أنا بآمركم بشىء إلاصنعتموه؟) قالوا: (نعم). قال: (فأني أعزم عليكم إلا تواثبتم في هذه النار!). فقام ناس فتحجزوا، فلما ظن أنهم واثبون، قال: (أمسكوا على أنفسكم! فإنما كنت أمزح معكم!)، فلما قدمنا ذكروا ذلك للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «من أمركم منهم بمعصية الله فلا تطيعوه»، حديث صحيح أخرجه ابن ماجه، وأحمد.
قلت: هذا يتعلق بالأمر، وليس بذات الأمير، فقوله: «فلا تطيعوه»»، يعني في ذلك الأمر المعين على كل حال، بغض النظر عن بقاء ولايته أو سقوطها، وهذا هو كذلك معنى الأحاديث التالية.
v وفي سنن أبي داود عن علي رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم بعث جيشاً وأمر عليهم رجلاً، وأمرهم أن يسمعوا ويطيعوا، فأجج ناراً وأمرهم أن يقتحموا فيها، فأبى قوم أن يدخلوها، وقالوا: (انما فررنا من النار). واراد قوم أن يدخلوها، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فقال: «لودخلوها، أو دخلوا فيها، لم يزالوا فيها»، وقال: «لا طاعة في معصية الله، إنما الطاعة في المعروف»، حديث صحيح، أخرجه البخاري، ومسلم، والنسائي، وأحمد، والطيالسي عن علي بنحوه، إلا أن الطيالسي زاد: «لا طاعة [لبشر] في معصية الله، ... إلخ».
v وروى الإمام أحمد عن عبد الله بن عمر الحديث السابق بلفظ قريب من لفظ حديث أبي داود عن علي بن أبي طالب، رضوان الله وسلامه عليه. وهو صحيح بذاته، بل هو غاية في الصحة بشواهده المطولة السابقة، وكذلك المختصرة الآتية.
v عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «على المرء المسلم الطاعة فيما أحب وكره إلا أن يؤمر بمعصية، فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة»، حديث صحيح، متفق عليه، وأخرج مثله أبو داود، وإبن ماجة. وفي لفظ للبخاري: «السمع والطاعة حق، ما لم يؤمر بمعصية، فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة». وفي رواية أخرى صحيحة عند مسلم: «لا طاعة لبشر في معصية الله، إنما الطاعة في المعروف»!
v أخرج تمام في «الفوائد» عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: «طاعة الإمام حق على المرء المسلم، ما لم يأمر بمعصية الله عز وجل، فإذا أمر بمعصية الله، فلا طاعة له»، هذا حديث صحيح، استوفينا دراسة إسناده في الملحق.
v وعن عمران بن حصين، رضي الله عنه، أنه قال للحكم الغفاري، رضي الله عنه: (هل تعلم يوماً قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا طاعة في معصية الله»؟! قال: نعم! قال عمران: الله أكبر! الله أكبر!)، حديث صحيح، أخرجه الحاكم في المستدرك وصححه، ووافقه الذهبي، كما أخرجه أحمد في قصة طويلة بإسناد صحيح على شرط الإمام مسلم، وروى الطبراني الجزء المرفوع منه فقط. وله طرق أخرى عند أحمد، والطيالسي، والطبراني في «الكبير»، و«الأوسط»، والبزار، وجاء في بعض الروايات: «لا طاعة لمخلوق (وفي رواية: لأحد) في معصية الله تبارك وتعالى». كما أخرجه أبو داود الطيالسي، وهذا لفظه.
v وعن عبادة بن الصامت رضي الله عنه: «بايعنا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ــ على السمع والطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره وعلى أثرة علينا، وعلى أن لاننازع الأمر أهله إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم فيه من الله برهان، وعلى أن نقول بالحق أينما كنا لا نخاف في الله لومة لائم». حديث غاية في الصحة، مجمع على صحته، أخرجه البخاري، ومسلم، وأحمد، والطبراني، وغيرهم، من طرق كثيرة، تفيد القطع واليقين.
البواح: الظاهر، البادي، الذي لا خفاء فيه. من قولهم: باح بالشيء، يبوح به، بوحاً، وبواحاً، إذا أظهره، وأذاعه، وجاهر به.
ووقع في رواية للطبراني: «كفراً صراحاً»، وهو بنفس المعنى.
ووقع في روايات أخرى صحاح: «إلا أن يكون معصية الله بواحاً»، أو «ما لم يأمروك بإثم بواحاً».
وقال النووي: (المراد بالكفر هنا المعصية، ومعنى الحديث: لا تنازعوا ولاة الأمور في ولايتهم، ولا تعترضوا عليهم، إلا أن تروا منهم منكراً محققا تعلمونه من قواعد الإسلام)، واستدرك عليه الحافظ في «الفتح»، عند شرح الحديث في «كتاب الفتن» من الحامع الصيح، وأورد أقوالاً أخرى في الخروج على الحاكم، كما ناقش سقوط ولاية الفاسق، وقد أشبعنا ذلك بحمد الله بحثاً في كتابنا: «طاعة أولي الأمر: حدودها وقيودها»، وحررناه للغاية، ولله الحمد والمنة، فليراجع!
أما مشروعية منازعة الحاكم بالسلاح، حال إظهاره الكفر البواح، أو تركه إقامة الصلاة، أو تركه للصلاة، فلها باب مستقل في كتابنا: (الحاكمية، وسيادة الشرع)، فلتراجع.
v وأخرج الإمام النسائي: [أخبرنا معاوية بن صالح الأشعري قال حدثنا عبد الله بن جعفر قال حدثنا عبيد الله عن زيد عن عمرو بن مرة عن أبي نضرة عن أبي برزة قال: [غضب أبو بكر على رجل غضبا شديداً حتى تغير لونه. قلت: (يا خليفة رسول الله! والله، لئن أمرتني لأضربن عنقه!)، فكأنما صب عليه ماء بارد فذهب غضبه عن الرجل؛ قال: (ثكلتك أمك أبا برزة! وإنها لم تكن لأحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم!)]. ولكن قال الإمام أبو عبد الرحمن النسائي: (هذا خطأ: والصواب أبو نصر واسمه حميد بن هلال خالفه شعبة)]، قلت: وهذا، إن صح، لا يضر، فكلا من أبي نضرة وأبي نصر ثقة، ولعله رواه كلاهما، فالحديث صحيح قطعاً، على كل حال!
وهناك أحاديث أخرى، ولعل فيما أوردناه غنية، وفي هذه الأدلة تقييد للنصوص الأخرى المطلقة التي أمرت بالطاعة بإطلاق.
فطاعة المخلوق في معصية الله جريمة كبرى، ومنكر عظيم (لما في ذلك من المفسدة الموبقة في الدارين أو أحدهما) والمطيع هنا له حكم الآمر فهما شريكان في الإثم، الذي ربما يصل إلى حد الردة والكفر، عياذاً بالله.
وهل فشا الضلال والفساد في الأرض إلا بمتابعة الضعفاء للكبراء والسادة؟ وسيذكر هؤلاء الاتباع في الأخرة فساد هذه المتابعة العمياء، وأنهم مجرمون، كما روى الله حوارهم اليائس الأخير: }...، ولو ترى إذ الظالمون موقوفون عند ربهم، يرجع بعضهم إلى بعض القول، يقول الذين استضعفوا للذين استكبروا: لولا أنتم لكنا مؤمنين! v قال الذين استكبروا للذين استضعفوا: أنحن صددناكم عن الهدى بعد إذ جاءكم؟! بل كنتم مجرمين! v وقال الذين استضعفوا للذين استكبروا: بل مكر الليل والنهار، إذ تأمروننا أن نكفر بالله، ونجعل له أنداداً! وأسروا الندامة لما رأوا العذاب، وجعلنا الأغلال في أعناق الذين كفروا: هل يجزون إلا ما كانوا يعملون{، (سبأ؛ 34:31-33). ثم الحوار بعد صدور الحكم بدخول النار: }وبرزوا لله جميعاً، فقال الضعفاء للذين استكبروا: إنا كنا لكم تبعاً، فهل أنتم مغنون عنا من عذاب الله من شيء؟! قالوا: لو هدانا الله لهديناكم! سواء علينا أجزعنا أم صبرنا، ما لنا من محيص{، (إبراهيم؛ 14:21)، كما حكى عنهم وهم يتقلبون، بعد ذلك، في نار الجحيم: }يوم تقلب وجوههم في النار يقولون: يا ليتنآ أطعنا الله وأطعنا الرسولا v وقالوا: ربنآ إنآ أطعنا سادتنا وكبرآءنا فأضلونا السبيلا v ربنا آتهم ضعفين من العذاب، والعنهم لعناً كبيراً!{. بل لقد قال الشوكاني في فتح القدير: (والمراد بالسادة والكبراء: الرؤساء والقادة الذين كانوا يمتثلون أمرهم في الدنيا ويقتدون بهم، وفي هذا زجر عن التقليد شديد).
vلما وصل الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم إلى المدينة عقد مع اليهود اتفاقاً دولياً جاء فيه : «وأنه ما كان بين أهل هذه الصحيفة من حدث أو اشتجار يخاف فساده فإن مرده إلى الله عزوجل وإلى محمد رسول الله».
vلما تم ابرام عقد الصلح بين المسلمين والكفار يوم الحديبية تبين أن الرأي العام للمسلمين كان ضد هذا الصلح، لأنهم رأوا فيه اذلالاً لهم، فأظهروا الرفض لما قام به رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وقد عبر الفاروق عمر رضي الله عنه لرفض الأمة للصلح حين وثب رضي الله عنه فأتى أبا بكر رضي الله عنه فقال: ياأبابكر أو ليس برسول الله؟ السنا بالمسلمين؟ أو ليسوا بالمشركين؟ قال: بلى، قال: فعلام نعطي الدنية في ديننا؟ فقال أبو بكر رضي الله عنه: الزم غرزه حيث كان فأني أشهد أنه رسول الله، فقال عمر: وأنا أشهد، ثم أتى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فقال: يارسول الله، أو لسنا بالمسلمين؟ أوليسوا بالمشركين؟ قال صلى الله عليه وعلى آله وسلم: بلى، قال: فعلام نعطي الدنية في ديننا؟ فقال صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «أنا عبد الله ورسوله، لن أخالف أمره ولن يضيعني» كما رواه أصحاب الصحاح كالبخاري ومسلم، وغيرهما.
وقد كان موقف عمر رضي الله عنه أصدق تعبير عن معارضة الأمة لرسول الله، عليه وعلى آله الصلاة والسلام، لأنه قبل ــ وفق نظرة المسلمين إلى ظاهر عقد الصلح ــ شروطاً مذلة من أعداء الدولة الإسلامية.
وقد أكد المعارضة عملياً عدم استجابتهم لأمر رسول الله عليه وعلى آله الصلاة والسلام بالمتناع عن الذبح حين أمرهم بذلك، فغضب حتى شكا إلى زوجته، أم المؤمنين، أم سلمة، رضوان الله وسلامه عليها، فقالت: (يارسول الله اخرج وانحر واحلق فإنهم متابعوك)، فخرج ونحر وحلق رأسه. ففعله هذا مع قوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «أنا عبد الله ورسوله، لن أخالف أمره ولن يضيعني» يؤكد أن اتفاقية «الحديبية» لم تكن من باب المعاهدات المباحة، التي أناط الشرع بالإمام أن يعقدها باجتهاده وفق المصلحة، وبمشورة الأمة، وموافقتها، وإنما كانت بأمر الله، وفق وحي خاص جاء بها، فلا يجوز القياس عليها، ولا التعاقد على مثلها، إلا بدليل وبرهان من غيرها!
ذكرنا أعلاه نصوصاً من كتاب الله قطعية الثبوت والدلالة لا مجال لإنكارها، كلها تصب في مقولة واحدة بكل جلاء، مفادها أن السيادة للشرع، لا للعقل، لله تبارك وتعالى، لا للإنسان.
وكما أرشد القرآن بنصوص كثيرة إلى أن السيادة للشرع، وليست للإنسان، ولا للشعب، ولا للعقل، فالسنة أيضاً قد أرشدت إلى ذلك، عملاً وقولاً، كما ذكرنا طرفاً يسيرا من ذلك أعلاه.
وطرق دلالة هذه الآيات والأحاديث على حصر السيادة في الشرع مطلقاً من عدة وجوه، سوف نشبعها، إن شاء الله، تفصيلاً في الفصول المستقلة الآتية.

أبو عمر المنصور
19-04-2011, 06:38 PM
فصل: الوجه الأول: وجوب طاعة الله ورسوله مطلقاً.
وذلك واضح وضوح الشمس في رابعة النهار، بضرورة الحس والعقل فوجوب (طاعة الله ورسوله مطلقاً) هو (حكم العقل) الذي أكده الشرع، وزاد بأن جعله أيضاً (حكم الشرع) في مثل الآيات المستشهد بها أعلاه، مثل:
ــ قوله، تباركت أسماؤه: }من يطع الرسول فقد أطاع الله{، وقوله: }قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم {، وقوله: }وما أتاكم الرسول فخذوه، وما نهاكم عنه فانتهوا، واتقوا الله، إن الله شديد العقاب{،
مع الوعيد المرعب الرهيب على معصية الله ورسوله، في مثل:
ــ قوله، تباركت أسماؤه: }ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدين فيها أبدا{، وقوله: }تلك حدود الله، ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها، وذلك الفوز العظيم، ومن يعصى الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارًا خالدًا فيها وله عذابٌ مهين {.
وهو كذلك مستفاد من آية الأمراء. بقوله تعالى: }ياأيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول{، وقوله سبحانه وتعالى: }أطيعوا الله وأطيعوا الرسول{ أمر، وقد تضمن النص قرينة جازمة مؤكدة بصرف الأمر إلى الوجوب القاطع، وذلك بالوعيد المغلظ الشديد، المذكور أعلاه، وكذلك بربط الطاعة بالإيمان بالله واليوم الآخر، مما يفيد أيضاً نفي الإيمان بمفهوم المخالفة عمن لا يطيع الله ولا رسوله بقوله تعالى: }إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر{.
v يقول الإمام الشهيد سيد قطب، رضي الله عنه: [في هذا النص القصير بينّ الله سبحانه: شرط الإيمان، ووحدة الإسلام، وقاعدة النظام الأساسي في الجماعة المسلمة، وقاعدة الحكم، ومصدر السلطان. وكلها تبدأ وتنتهي عند التلقي من الله وحده، والرجوع إليه فيما لم ينص عليه نصاً من جزئيات الحياة التي تعرض في حياة الناس على مدى الآجيال، مما تختلف العقول والآراء والأفهام، ليكون هنالك الميزان الثابت الذي ترجع إليه العقول والآراء والأفهام، ...، إن الحاكمية لله وحده في حياة البشر ما جل منها وما دق، ...، والله واجب الطاعة، فشريعته واجبة التنفيذ، ...، والإيمان يتعلق ــ وجوداً وعدماً ــ بهذه الطاعة، وهذا التنفيذ ــ بنص القرآن الكريم ــ }إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر{].
v وقال الإمام ابن أبي العزّ الحنفي، رحمه الله، في «شرح الطحاويّة»، (ص: 200)، في معرِض ذِكرِ ما يجب على الأمّة تجاه نبيّها، صلى الله عليه وعلى آله وسلم: [فنوحّده بالتحكيم والتسليم والانقياد والإذعان، كما نوحّد المرسِلَ بالعبادة والخضوع والذلّ والإنابة والتوكّل، فهما توحيدان، لا نجاة للعبد من عذاب الله إلا بهما: توحيد المرِسل، وتوحيد متابعة الرسول، فلا نحاكم إلى غيره، ولا نرضى بحُكم غيره].
وآية الأمراء من آيات الأحكام التي تتعلق مباشرة بنظام الحكم، ذلك بأنها أمرت أيضاً بطاعة أولى الأمر، فالأمر بمطلق الطاعة يحتم بالضرورة عدم طاعة ما سوى ذلك، وطاعة الله لا تتحقق إلا بتنفيذ كل ما أمر به واجتناب كل ما نهى عنه، فيكون الشرع هو صاحب «السيادة»، أي: «الربوبية»، في الحياة، ولا سيادة لغيره مطلقاً.

u فصل: الوجه الثاني: لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق:
لقد دلت النصوص المتافرة من الكتاب والسنة على وجوب طاعة الحكام الشرعيين، وأن معصيتهم حرام، ولكن الطاعة الواجب على الأمة التقيد بها ليست طاعة مطلقة، إنما هي طاعة في حدود رسم الشارع دائرتها، وحدد شروطها وحدودها وقيودها، أي في حدود الشرع، كما فصلناه في كتابنا: «طاعة أولي الأمر: حدودها وقيودها».
وقد نصت آية الأمراء على وجوب الطاعة للحكام الشرعيين، بقوله تعالى: }ياأيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم{، (النساء؛ 4:59). والطاعة أمر أساسي لوجود الانضباط في الدولة، ولصيانة وحدة الأمة. فالله سبحانه أمر بالطاعة، فيما يظهر، لأول وهلة، أنه طاعة مطلقة غير مقيدة، إلا أنه ألمح إلى إمكانية وقوع الخلاف والنزاع وبين كيف يكون الرد في تلك الحالة. فطاعة أولي الأمر هذه ليست لذاتها، وإنما هي بناء على أمر الله بطاعتهم. فهي فرع لطاعة الله، وليست أصلاً.
ثم جاءت السنة تؤكد ذلك وتأمر بالطاعة للحكام في أي حال من الأحوال إلا أن يكون المأمور به معصية، فعن إبن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «على المرء المسلم الطاعة فيما أحب وكره، إلا أن يؤمر بمعصية، فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة» فحدود الطاعة هي: الكتاب والسنة، فلا يحل لمؤمن طاعة حاكم في أمر خارج عنهما، وعن أبي عتبة الخولاني قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «لاتحرجوا أمتي، ثلاث مرات. اللهم من أمر أمتي بما لم تأمرهم به فإنهم منه في حل». فلا يجوز للحاكم أن يفرض على الأمة قانوناً لم يستنبط استنباطاً شرعياً صحيحاً، فضلاً عن كونه قانوناً من صنع البشر، وكذلك يحرم على الأمة طاعته في ذلك، إلى غير ذلك من القيود والشروط لطاعة الحكام، المفصلة في كتابنا «طاعة أولي الأمر: حدودها، وقيودها».
ولقد جاءت الأية الكريمة الآنفة الذكر وهي قوله تعالى: }يأيها الذين ءامنوا أطيعوا الله والرسول وأولى الأمر منكم{، بأسلوب بديع معجز، وضع هذه الطاعة في مكانها اللائق بها، كما قاله الألوسي في روح المعاني: [وأعاد الفعل وإن كانت طاعة الرسول مقترنة بطاعة الله اعتناء بشأنه عليه الصلاة والسلام، وقطعاً لتوهم أنه لا يجب امتثال ما ليس في القرآن الكريم وإيذاناً بأنه له ــ صلى الله عليه وسلم ــ استقلالا بالطاعة لم يثبت لغيره، ومن ثم لم يعد في قوله سبحانه : }وأولي الأمر منكم{ إيذاناً بأنهم لا استقلال لهم فيها استقلال الرسول، صلى الله عليه وسلم].
إذن فطاعة أولي الأمر تابعة لطاعة الله ورسوله، وليست مستقلة، أما الطاعة في المعصية فقد اتفق أهل العلم على أن الطاعة في المعصية لا تجوز كما ذكر النووي إجماعهم في شرحه لصحيح مسلم.
وأصل هذا الاتفاق ضرورة الشرع والعقل لأن الطاعة الواجب على الأمة التقيد بها ليست طاعة مطلقة، إنما هي طاعة في حدود رسم الشارع دائرتها، أي في حدود الشرع، كما أسلفنا.
وطاعة أولي الأمر هذه كذلك ليست مستقلة بذاتها ولذاتها، وإنما هي بناء على أمر الله بطاعتهم. فهي فرع لطاعة الله، وليست أصلاً. وهي أدنى، بالضرورة، مرتبة من طاعة الله، التي هي الطاعة الأصلية العليا المطلقة. والضرورة الشرعية والعقلية تقتضي وجوب اندراج أوامر الجهة السفلى الفرعية تحت أوامر الجهة العليا الأصلية، فإن حصل تناقض نفذ أمر الجهة العليا الأصلية حتماً، وبطل أمر الجهة السفلى الفرعية، ضرورة ولا بد، وإلا حصل التناقض، وهو محال.
ونزيد هذا إيضاحاً بأن نقول: لو أن الجهة العليا قالت: أطيعوا الجهة السفلى، حتى لو أمرتكم بمعصيتي، فإنها في حقيقة الأمر إذاً تقول: أطيعوني بأن تعصوني، في نفس الوقت من نفس الجهة في نفس الوضوع، وهذا محال.
وإذا كانت الجهة العليا هي أعلى الجهات على الإطلاق، أي الله سبحانه وتعالى، كانت الاستحالة أعظم وأفظع، لأن طاعة الله واجبة بأوليات العقل وضرورته، فورود «صيغة الأمر» من عند الله: }أطيعوا الله{، إنما هو تذكير بهذه الضرورة العقلية الأولية، وليس هو أمراً حقيقياً، وإن جاء في صيغة الأمر، كما أسلفنا بيانه.
فإذا جوّزنا أن يأمر الله بطاعة غيره، حتى ولو أمر هذا الغير بمعصية الله، وقعنا في التناقض المذكور أعلاه، وزدنا عليه أن هدمنا مباديء العقل الأولية الضرورية، فينهدم العقل ويتحطم، ويسقط التكليف، وتفقد اللغات معانيها، ويستحيل الفكر، وتنهدم الشريعة، عياذاً بالله.
وكل نصوص الشريعة لا يجوز فهمها إلا هكذا، فإن تعذر فهم نص منقول على هذا الوجه، أو تأويله على وجه مناسب، فمن المحال أن يكون نقلاً صحيحاً، ولا بد من الحكم على ذلك النص بأنه مكذوب مفترى.
كل ما سلف يدل دلالة قاطعة على أن السيادة للشرع، وإلا جاز للحاكم فرض قوانين من غير الشرع، وألزم الأمة بطاعته لعموم الأدلة الواردة في وجوب الطاعة، لكن الإسلام حرم على المسلمين طاعة الحاكم إن هو أمر بمعصية، أي مخالفة شرعية في أمر جزئي معين في واقعة عينية، كما فعل علقمة بن مجزز، رضي الله عنه، عندما قال، مداعباً لأصحابه: (فأني أعزم عليكم إلا تواثبتم في هذه النار!)، فعقَّب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، قائلاً: «من أمركم منهم بمعصية الله فلا تطيعوه»، ومن باب أولى تحرم الطاعة في ما هو شر من ذلك، وأفظع وأفحش: شرَّع بدون رد إلى الله ورسوله، أو بدل الشريعة المنزلة بأن حرم الحلال، أو أحل الحرام، أو أبطل الحدود.
وقد صح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، بل لقد ثبت بالتواتر، المفيد للعلم اليقيني القاطع، عند المسلم والكافر على حد سواء، أنه قال: «لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق»، وكل ما سوى الله تبارك وتعالى مخلوق: فالإنسان مخلوق، والعامِّي مخلوق، والعالِم مخلوق، والشعب أفراداً وجماعات مخلوقين، فكلهم لا طاعة لهم في معصية الله الخالق تبارك وتعالى، فهذا الحديث الجليل الجميل وحده كاف لنسف فكرة الديمقراطية الليبرالية حول سيادة الأمة، وقلعها من جذورها: فيتحقق الفكر الوحيد الصائب، والحق اليقيني الثابت، في هذه المسألة مطلقاً. فيظل الحلال والحرام هما المقياس الوحيد للأعمال، فطالما أن الحاكم الشرعي لا يخرج في أوامره عن كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن طاعته فرض على جميع المسلمين.

u فصل: الوجه الثالث: وجوب الإحتكام إلى الشرع أبداً، وتحريم الاحتكام إلى غيره مطلقاً
وقد أسلفنا أن مادة (ح ك م) تأتي في اللغة العربية، وكذا في القرآن، والسنة بمعاني عدة، منها:
(1) وضع الأمور في مواضعها، وهي (الحِكْمة)، وفاعل ذلك (حكيم)،
(2) إتقان الصنعة، وبلوغ الفعل إلى غايته، وهو (الإحكام)، وفاعل ذلك (مُحْكِم)، و(حكيم)،
(3) الحكم على أفعال الناس يوم القيامة، وتصفية نزاعاتهم بصفة نهائية أبدية. وذلك إنما هو لله وحده، والآيات في ذلك كثيرة مشهورة.
(4) الفتيا، وإبداء الرأي الذي يعتقد قائله صحته، أي الحكم على القضاياالدينية، والحسية، والعقلية، والجمالية، والأخلاقية، وغيرها. فنحن (نحكم) ببطلان التناسخ، وبطلان التثليث، وقبح الكذب عقلاً، وحرمته شرعاً، إلا في أحوال قليلة منصوص عليها، ... إلخ. ومنه قوله، جل وعلا: }أفنجعل المسلمين كالمجرمين؟! ما لكم، كيف تحكمون؟!{.
(5) فض النزاع، والفصل في الخصومات، على وجه الإلزام. أي القضاء، وهو إحدى سلطات الدولة الرئيسية (السلطة التشريعية، والسلطة التنفيذية، والسلطة القضائية).ويسمى القاضي أيضاً (حاكما)، وما يتلفظ به: (حُكْماً).
(6) رعاية الشؤون، والإدارة، والتنفيذ، أي السلطة التنفيذية في الدولة، ويسمى القائم بذلك: (حاكماً)، كما قد يسمى (والياً)، أو (ولي أمر)، أو (سلطاناً). وقد شاع في العصور المتأخرة استخدام لفظ (حكومة) لقمة السلطة التنفيذية، أي لمجلس الوزراء، وكذلك بمعنى جهاز الحكم في الدولة.
(7) التشريع، وسن الدساتير، والقوانين، والأنظمة، واللوائح، أي ما تقوم به السلطة التشريعية في الدولة، بل وحتى وضع مباديء الأخلاق، والسلوك، والآداب، والأعراف الاجتماعية.
وهذه المعاني، أو الأنواع الأربعة الأخيرة هي التي تعنينا في هذا البحث: الفتيا، والقضاء، والتنفيذ، والتشريع. وهي كذلك التي يجب حمل النصوص الشرعية عليها كلها، إلا إذا وردت قرينة مخصصة. فإذا قال عليه الصلاة والسلام: «إذا اجتهد الحاكم فأصاب، فله أجران، ... إلخ» فلا يجوز أن يقال هذا خاص بالقاضي، أو ولي الأمر! بل هو عام لكل من طلب حكم الله في القضية لمعرفته مجرداً، كالمجتهد والمفتي، فهذا حاكم؛ أو لتطبيقه في نزاع كالقاضي، فهذا كذلك حاكم؛ أو لرعاية الشؤون كالإمام، إما تنفيذاً في حالة عينية مشخصة، فهو بهذه الصفة حاكم؛ وإما تشريعاً، أي تبنياً لحكم شرعي في مسألة خلافية، وسنها نظاما عاما ملزما للكافة، وهو بهذه الصفة كذلك حاكم.
وعليه يكون «الإحتكام»، أو «التحاكم» هو: طلب «الحكم» من أي نوع كان، من نوع: الفتيا، أو القضاء، أو التنفيذ، أو التشريع، ضرورة ولا بد.
أما وجوب «الإحتكام» إلى الشرع مطلقاً فقد أفادته النصوص بمثل قوله تعالى: }فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم{، وبقوله تعالى: }فإن تنازعتم في شىء فردوه إلى الله والرسول{. وبقوله تعالى: }وما اختلفتم فيه من شىء فحكمه إلى الله{.
ففي الآية الأولى: حقيقة كلية من حقائق الإسلام جاءت في صورة قسم مؤكد، مطلقة من كل قيد، تنفي الإيمان عن من لم يحتكم إلى النبي، عليه وعلى آله الصلاة والسلام. وليس هناك مجال للوهم أو الإبهام بأن تحكيم رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم هو تحكيم لشخصه الشريف فحسب، كما يزعم بعض دعاة «اليسار» الإسلامي (!)، أو دعاة «العلمانية» الإسلامية (!)، إنما هو، بالضرورة، تحكيم شريعته ومنهجه، لا لشخصه الشريف فحسب، كما يظهر بالبداهة من غير تأمل. وإن أبيت إلا المكابرة والتقعر فإليك البراهين التالية:
(1) الزعم بخلاف ذلك يعني أنه لم يبق لشريعة الله وسنة رسوله مكان بعد وفاته صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أي أن الإسلام مات، أو نُسِخ بموته، صلى الله عليه وعلى آله وسلم! ويلزم من ذلك:
(أ) إما أن ختم النبوة عبث، وأنه، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، لم يكن رحمة للعالمين، تعالى الله عن الكذب، والعبث علواً كبيراً، أو:
(ب) أنه لا فرق بين مجيء النبوة وعدمها: فالتكليف وعدمه سيان، وكل ما جاء في القرآن عن التكليف والحساب، والجنة والنار لا بد أن يكون أكاذيب وخيالات، فلا يكون القرآن من عند الله، خلافاً لقواطع الأدلة، أو يكون الله كاذباً متلاعباً، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.
فإن جاز أن يكون حكماً واحداً منسوخاً بوفاته، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أو بمرور مدة زمنية معينة أو غير معينة، أو لحدوث تغيير اجتماعي، أو تطور في «علاقات الإنتاج»، جاز ذلك في كل حكم، بما في ذلك تحريم القتل، والعدوان والظلم، فتنعدم الشريعة كلية، وهم لا يقولون بذلك. بل النسخ يقتصر على الأحكام «المزعجة» التي لا توافق مزاجهم، أما ما وافق الهوى فهو مستمر ثابت: ما شاء الله كان!
وإن جاز ذلك في بعض الأحكام من غير نسخ صريح يأتي به وحي جديد، جاز ذلك بعد لحظة سن الحكم نفسه مباشرة، فتكون الأحكام كلها غير ملزمة ساعة صدورها، وتنهدم الشريعة فوراً، وللوهلة الأولى.
(2) أنه معلوم بالضرورة من التاريخ، منقول نقل تواتر، أنه، عليه وعلى آله الصلاة والسلام، لم يكن يباشر كل الحكم والقضاء والتنفيذ بنفسه. بل قد عين الأمراء، والولاة، وجباة الزكاة، والقضاة، في مكة، والطائف واليمن، واليمامة، والبحرين. وكان هؤلاء يرعون الشوون، ويفصلون في القضايا، وكان الناس يرجعون إليهم. بل كان الناس يرجعون في المدينة النبوية المشرفة نفسها إلى رجال من الصحابة في الفتيا والتحكيم وفض النزاع. فصح بذلك يقيناً أن قوله تعالى: }يحكموك فيما شجر بينهم{، وقوله: }وما اختلفتم فيه من شىء فحكمه إلى الله{، يعني ضرورة تحكيم شرعه الله وشرع رسوله، وليس أشخاصاً بأعيانهم.
لا يجوز أن يقال أن شرعية التحاكم إلى هؤلاء إنما كان بتعيين النبي، عليه وعلى آله الصلاة والسلام، لهم، وتنصيبه لهم في أعمالهم، فمن لم يعينه النبي نصاً لم يجز التحاكم إليه، لا يقال ذلك لأنه يناقض النصوص اليقينية من الكتاب والسنة الآمرة بطاعة أولي الأمر، ما داموا شرعيين، والجهاد معهم، إلى قيام الساعة، وصحة قضاء القاضي إذا حكم بما أنزل الله، ولم يحابي أو يجور، واستحقاقه للثواب والجنة على ذلك في مثل قوله، عليه وعلى آله الصلاة والسلام: «قاضيان في النار، وقاضي في الجنة»، وصحة التحكيم الاختياري في مثل قوله تعالى: }فابعثوا حكماً من أهله، وحكما من أهلها{، وجمهور الفقهاء على أن ذلك يصح من تصرف الزوجين المتخاصمين، أو بتدخل أهلهما، ولو لم يكن بتدخل من السلطان، أو بأمر القاضي النظامي المعين من قبل السلطان. ولو كان مثل هذا القول حقاً لورد، ولو في نص واحد، عن النبي، عليه وعلى آله الصلاة والسلام، ولما لم يرد من ذلك شيء البته علمنا أنه لم يكن، ولا يتصور إلا بالطعن في نبوته، عليه وعلى آله الصلاة والسلام، أو اتهامه بخيانة الرسالة، حاشاه ثم حاشاه.
(3) والزعم بخلاف ذلك يعني تكذيب له، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، في ما لا يعد ولا يحصى من الأحاديث التي نص فيها: أن كذا، وكذا حرام إلى يوم القيامة، وأن كذا وكذا يسري إلى أبد الأبد. وتكذيب له في أحاديث الفتن، وتحذيره من أئمة الضلالة، ومن فِرَق الخوارج، ومن الجلاوزة (وهم شرط الجبابرة الطواغيت، المصابون بمرض «السادية»، الذين يضربون الناس بالسياط، ويستمتعون بالتعذيب)، ومن الكاسيات العاريات، ... إلخ. فما فائدة ذلك كله إذا لم يتحاكم إليه، أي إذا لم يرجع إليه في الفتوى، والقضاء، وسن الأنظمة، والتنفيذ؟!
(4) والقول بهذا تكذيب ورد صريح للأحاديث المتعلقة بأمراء البدع والجور، وهي في مجموعها متواترة، حيث نص، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أنهم يأتون بعده، أي بعد وفاته، وهم على خلاف «سنته»، وبين كيفية التعامل معهم. وقد ورد طرف من ذلك سابقاً: أحاديث عبادة بن الصامت، وعبد الله بن مسعود، ومعاذ بن جبل، وأبي عنبة الخولاني، رضوان الله وسلامه عليهم.
(5) والقول بهذا تكذيب ورد صريح للأحاديث التي تنص على التمسك بسنته في كل وقت، لا سيما في أزمنة الغربة والفتنة، وهي كذلك بمجملها متواترة، يستحيل الانفلات من صحتها وثبوتها.
فهذا القول: (أن الرد إلى الرسول ليس هو بالضرورة، تحكيم شريعته ومنهجه، وإنما هو فقط تحكيم لشخصه الشريف) إذاً هدم صريح للعقل والفكر، مع كونه ردة وكفراً صريحاً، وهو شر، وأقبح من قول أشد المرتدين ارتداداً في عهد أبي بكر الصديق، رضى الله عنه، الذين أجمع الصحابة على تكفيرهم، وقتالهم، وهذا كذلك منقول نقل تواتر!
فالآية تنفي، بقسم مغلظ، الإيمان عن كل إنسان يرفض الاحتكام إلى الشرع، الذي هو القرآن والسنة، وما دل عليه القرآن والسنة أنه دليل. بل وأكثر من ذلك فإن الآية تطلب عند الإحتكام إلى الشرع أن لا يشعر المسلم حتى بمجرد الحرج، أي ضيق الصدر، الذي قد يكون: بالشك، أو بالغضب، أو الكراهية، أو النفور، أو بالاحتقار، أو الازدراء، أو أي لون من ألوان الحرج، وضيق الصدر. والآية على ظاهرها، وعمومها، لا نعلم لها مخصصاً، أو صارفاً عن ظاهرها، فالإيمان المنفي في الآية هو أصل الإيمان، المناقض للكفر، المنجي من النار الأبدية، واللعنة السرمدية.
فمن لم يحكم الله ورسوله، ويرد إليهما، ويتحاكم ويخاصم إليهما، وكذلك من وجد أدنى حرج من حكمهما: فهو كافر، خارج عن الملة، إما بكفره الأصلي لأنه ما دخل قط في الإسلام حقيقة، وإن أظهره خداعاً ونفاقاً وهو يعلم عامداً، أو كان مخدوعاً خدع نفسه فهو يحسب نفسه مسلماً ناجياً في الآخرة، وهو في الحقيقة ليس بمسلم، أو بردته بعد إسلام، وتقديمه الضلالة على الهدى، والعمى على البصيرة، والدنيا على الآخرة، نعوذ بالله من الخذلان المفضي إلى النار، دار الخزي والبوار.
هذا كله يتبن كذلك بوضوح من قوله، تبارك وتعالى: }فإن تنازعتم في شىء فردوه إلى الله والرسوله{، (النساء؛ 4:59). فهذه آية محكمة ترشد بدقة إلى وجوب العودة إلى احكام الشرع الواردة في القرآن والسنة عند كل تنازع، وقوله تعالى: }تنازعتم في شيء{ نكرة في سياق النفي تعم كل ماتنازع فيه المؤمنون من مسائل الدين دقه وجله، جليه وخفيه.
وهي آية محكمة توجب علينا أن نقطع بأن في كتاب الله وسنة رسوله بيان كل حكم متنازع فيه إلى يوم القيامة. ولو لم يكن في كتاب الله وسنة رسوله بيان حكم ما تنازعوا فيه، أي لم يكن كل من الكتاب والسنة كافياً، لم يأمر بالرد إليه، اذ من الممتنع شرعاً وعقلاً أن يأمر تعالى بالرد عند النزاع إلى من لا يوجد عنده فصل النزاع: هذا لا يكون من أحد إلا عن جهل ونقص علم، أو تضليل وخداع متعمد، تعالى الله عن ذلك كله علواً كبيراً.
ثم إن الآية قد جعلت الرد إلى أحكام الشرع من لوازم الإيمان، فإذا انتفى هذا الرد انتفى الإيمان، بقوله تعالى بعد ذلك: }إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر{ وهنا تقع ضرورة انتفاء الملزوم لانتفاء لازمه. وانتفاء «الإيمان» ليس هنا انتفاء لكماله الواجب أو المستحب، بل هو انتفاء لأصله، أي انتفاء له بالكلية، ومن ثمَّ الوقوع في «الكفر»، ومفارقة الإسلام، كما سيزداد وضوحاً بعد قليل.
فالرد إلى الله تعالى إنما هو رد للشرع، والرد إلى غير الله تبارك وتعالى إنما هو رد إلى العقل، أي إلى ما يشرعه الإنسان بنفسه لنفسه كما تقول الديمقراطية: حكم الشعب بالشعب، أو هو حكم الأغلبية، عندما يقصدون بلفظة «الحكم» ها هنا: التشريع في جوهره ومعانيه على وجه الايتداء والإنشاء. نقول هو (هو رد إلى العقل) إذا أحسنا الظن، وإلا فالرد حينئذ هو حقيقة للهوى والشهوة المجردة، والمصالح القبلية والقومية أو الطبقية أو الطائفية أو الجهوية أو العنصرية أو العرقية، وليس للعقل، فيه نصيب، هذا العقل المسكين المظلوم المفترى عليه!
فالنصوص القرآنية لا تدع مجالاً لشك في أن الشرع وحده صاحب السيادة، وأنه المرجع الوحيد لسن الدستور والقوانين والأنظمة واللوائح والتوجيهات والأوامر، من قبل السلطات العامة، كما أنه المرجع الوحيد للأذواق والآداب في أعراف الناس، وأنه الحكم النهائي الفصل في كل ما يقع من منازعات، فقوله تعالى: }وما اختلفتم فيه من شىء فحكمه إلى الله{، (الشورى؛ 42:10)، يعني: أن الله هو الذي يقضي بينكم ويفصل فيه الحكم، فلا يجوز شرعاً بحال من الأحوال أن يجاز الاحتكام لغير الشرع، لأن الأحتكام لغير الشرع كفر بالله ورسوله، وهذا ما لا يسقط فيه المؤمنون المفلحون، الذين قال الله فيهم: }إنما كان قول المؤمنين اذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا، وأولئك هم المفلحون{، (النور؛ 24:51)، فالاحتكام إلى الشرع فرض على الأمة بجملتها، بوصفها أمة، وعلى كل قبيلة أو جماعة أو كتلة أو حركة أو تنظيم من أبنائها، وعلى كل فرد من أفرادها. وهذه الفريضة هي بعض أصل الإيمان، إن لم تكن كل أصله، فمن لم يلتزم بها فهو ليس فقط فاسقاً عاصياً، بل هو كافر مرتد، قد فارق الإسلام ولحق بالكفر المشركين، وليس له أي سهم في الإسلام والإيمان.

وهذه بديهية من بديهيات الإسلام، أجمع عليها الأئمة:
v فقد قال الإمام الجصاص الحنفي، رحمه الله، في «أحكام القرآن»، (2/214). : [إن من ردّ شيئاً من أوامر الله تعالى أو أوامر رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو خارج من الإسلام سواء ردّه من جهة الشك فيه، أو من جهة ترك القبول، والامتناع عن التسليم].
v وقال ابن أبي العزّ الحنفي، رحمه الله، في «شرح الطحاويّة»، (ص: 200)، في معرِض ذِكرِ ما يجب على الأمّة تجاه نبيّها، صلى الله عليه وعلى آله وسلم: [فنوحّده بالتحكيم والتسليم والانقياد والإذعان، كما نوحّد المرسِلَ بالعبادة والخضوع والذلّ والإنابة والتوكّل، فهما توحيدان، لا نجاة للعبد من عذاب الله إلا بهما: توحيد المرِسل، وتوحيد متابعة الرسول، فلا نحاكم إلى غيره، ولا نرضى بحُكم غيره]
قلت: تحكيم الرسول هو عين تحكيم الله، جل جلاله، كما أسلفنا.
v وفي تفسير قوله، جل جلاله: }ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك، وما أنزله من قبلك، يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت، وقد أمروا أن يكفروا به، ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالاً بعيدا{، (النساء؛ 4:60)، يقول الإمام ابن كثير: [هذا إنكار من الله عزوجل على من يدعى الإيمان بما أنزل الله على رسوله وعلى الأنبياء، وهو مع ذلك يريد أن يتحاكم في فصل الخصومات إلى غير كتاب الله، وسنة رسوله، كما ذكر في سبب نزول هذه الآية أنها في رجل من الأنصار ورجل من اليهود تخاصما، فجعل اليهودي يقول بيني وبينك محمد، وذاك، أي الأنصاري، يقول بيني وبينك كعب بن الأشرف. وقيل في جماعة من المنافقين ممن أظهر الإسلام، أرادوا أن يتحاكموا إلى حكام الجاهلية، وقيل غير ذلك. والآية أعم من ذلك كله فإنها ذامة لمن عدلوا عن الكتاب والسنة، تحاكموا إلى ماسواهما من الباطل وهو المراد بالطاغوت هنا]، انتهى كلام الإمام ابن كثير. قلت: صدق الإمام، إلا أن الآية لم تكتف بذم من تحاكم إلى الطاغوت، بل صنفت عملهم هذا على أنه:
(1) إيمان بالطاغوت، مع أنهم قد أمرو بالكفر به ورفضه ومقته. فالتحاكم إلى شئ هو «إيمان» بذلك الشئ، لا محالة. وهذا الإيمان» المذكور ها هنا هو مقابل «الكفر» ونقيضه. لذلك فإن التحاكم إلى الله ورسوله هو من أصل «الإيمان»، وعدمه هو «الكفر»، المناقض للإسلام كل المناقضة، المخرج من الملة، وليس هو مجرد فسوق أو عصيان، فحسب، كما أسلفنا،
(2) أن مراد الشيطان من تزيين ذلك لهم ليس هو مجرد إيقاعهم في ذنب، أو استنقاص من حسنات، ولكنه يريد لهم (الضلال البعيد)، والضلال البعيد لا يكون إلا بالكفر، والخروج من الإسلام، المحبط للعمل كله، أوله وآخره، عياذاً بالله تعالى.
v وهذا أيضاً ما ذهب إليه ابن القيم حيث يقول: (إن من تحاكم، أو حاكم، إلى غير ما جاء به الرسول، فقد حكم بالطاغوت وتحاكم إليه)، انتهى كلام ابن القيم.
وقد أمرنا سبحانه باجتناب الطاغوت، قال سبحانه: }والذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها، وأنابوا إلى الله، لهم البشرى، فبشر عباد{، (الزمر؛ 42:17)، فالاحتكام إلى شريعة الطاغوت هو نوع من أنواع العبادة التي أمر الله بهجرها واجتنابها، وجعل ذلك الاجتناب مقدمة وسابقة للإنابة إلى الله.
بل إن الله، جل جلاله، أمرنا بأكثر من مجرد اجتناب الطاغوت، إذ أمر بالكفر به، وهذا يعني أكثر من مجرد اجتنابه، فهو يقتضي: رفضه، ورده، واحتقاره، ومقته، وبغضه، في جميع الأحوال، وإن كان الطاغوت فوق ذلك معتدياً، أي محارباً أو حربياً: معاداته، ومحاربته وقتاله بكل وجه مشروع. هذا جلي واضح من قوله تعالى: }لا إكراه في الدين: قد تبين الرشد من الغي، فمن يكفر بالطاغوت، ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها، والله سميع عليم v الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور، والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات، أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون{.
v وقال الشيخ عبدالرحمن بن حسن آل الشيخ، في «فتح المجيد»: [من دعا إلى تحكيم غير الله ورسوله فقد ترك ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم ورغب عنه وجعل لله شريكاً في الطاعة وخالف ما جاء به رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فيما أمره الله تعالى به في قوله: }وأن احكم بينهم بما أنزل الله، ولا تتبع أهواءهم، واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك{، وقوله تعالى: }فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً{].
v ويقول الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ رحمه الله في تفسير هذه الآية: [وقد نفى الله الإيمان عمن أراد التحاكم إلى غير ما جاء به الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم من المنافقين كما قال تعالى: }ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالاً بعيداً{]، (رسالة تحكيم القوانين).
v وقال الشيخ محمد ابن إبراهيم آل الشيخ، رحمه الله: [وتحكيم شرع الله وحده دون كل ما سواه، شقيق عبادة الله وحده دون ما سواه، إذ مضمون الشهادتين أن الله هو المعبود وحده لا شريك له، وأن يكون رسوله هو المتبع المحكم ما جاء به فقط. ولا جُردت سيوف الجهاد إلا من أجل ذلك، والقيام به، فعلاً وتركاً وتحكيماً عند النزاع]، (عن فتاوى الشيخ :12/251). والشيخ عنى هنا العبادة بمعناها الضيق، أي مجموع الشعائر التعبدية والمناسك، وإلا فتحكيم شرع الله، والخضوع له، مع تمام التسليم وانشراح الصدر، هو جوهر العبادة، وقطب رحاها!
v وروى عن الإمام جعفر الصادق أنه قال: [و أن قوماً عبدوا الله وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وصاموا شهر رمضان وحجوا البيت ثم قالوا لشىء صنعه رسول الله إلا صنع خلاف ما صنع، أو وجدوا في ذلك حرجاً في أنفسهم، لكانوا مشركين]، لأن ما جاء به الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم إنما شُرع من الله تبارك وتعالى، ولأن الأمر بطاعة الله ورسوله، هو أمر بوجوب اتباع الكتاب والسنة لذلك فإن القاعدة العقائدية، الأصولية، الشرعية تقول بأن: (كل من اتهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحكم فهو كافر).
لذلك فإن الشرع وحده هو صاحب السيادة المطلقة لكل ما في الحياة من علاقات بين الناس فلا يجوز شرعاً رفض جزئية من كل الإسلام قام عليها الدليل.
بقيت قضية مهمة تقلق مضاجع المؤمنين في زمننا هذا الذي تحولت فيه الدنيا بأسرها إلى دار كفر، تسود فيها أنظمة الكفر، ولا يحكم فيها بما أنزل الله (اللهم في بعض المسائل الجزئية مثل ما يسمُّونه بـ«الأحوال الشخصية»، وفي التحاكم الاختياري بين الورعين من المؤمنين)، ألا وهي الترافع والتخاصم إلى محاكم وأنظمة تقوم أساساً على الكفر، وإلى قضاة لم يتم تعيينهم بطريقة شرعية، لا سيما إذا كان أطراف النزاع في بلد أكثر أهلها من الكفار الأصليين كبريطانيا مثلاً.
من الواضح أن الإشكالية هنا في التحاكم بمعني القضاء والتنفيذ. أما الفتيا، أي طلب حكم الله في المسألة على وجه غير ملزم فلا يتصور إلا بالرجوع إلى ما أنزل الله، أي إلى كتاب الله وسنة رسوله. وكذلك التشريع، أي سن اللوائح والأنظمة والقوانين، فلا يتصور إلا من ذي سلطان، أو مشارك في السلطان. ولا يجوز لذي السلطان المسلم إلا أن يسن ما تم استنباطه بطريقة صحيحة من الكتاب والسنة لا غير، ولا يجوز له غير ذلك إن كان متفرداً بالسلطان. كما لا يجوز له أن يقبل السلطان مشروطاً بأن يحكم بغير ما أنزل الله، ولا بحال من الأحوال. والمسلم لا يجوز له أن يشارك مختاراً في حكم الكفر بحال من الأحوال، كما سنبرهن عليه في كتابنا: (الحاكمية، وسيادة الشرع) بما لا مزيد عليه، إن شاء الله، جل وعز.
فالإشكالية إذاً هي: ماذا يفعل الفرد المسلم، الذي يعيش في دار الكفر، أي تحت سلطان الكفر، أو تحت حكم الكفار، إذا ادعى عليه مدعي وطلبه إلى القضاء، أو كان له حق على أحد ولم يستطع الوصول إليه بصلح أو تحكيم اختياري أو شفاعة أو وساطة خير، أو أصابته مظلمة من السلطة الحاكمة نفسها، أو من جهة أخرى، وعجز عن دفعها بشتى الوسائل ولم يبقى إلا التظلم إلى القضاء المختص أو إلى جهة إدارية أعلى. فما ذا يكون العمل حينئذ؟!
الحق الذي تدل عليه الأدلة أعلاه أنه يجوز له ذلك بشرط أن لا يطالب بحق أو يدفع مطالبة أو ظلم إلا فيما وافق شرع الله، كما يعلمه هو يقيناً إما باجتهاده واستنباطه هو، أو إتباعاً لغيره من المجتهدين وفق الدليل، أو تقليداً لمن يثق به من أهل الاجتهاد والفتيا. هذا ينطبق على الشكل والموضوع، فليس أحدهما أولى من الآخر بلزومية التحاكم إلى ما أنزل له فيه. فلا يجوز له، مثلاً، الدفع في قضية من القضايا بسقوط الحق فيها بالتقادم، أو بفوات المدة الزمنية المحددة في نظام الكفر للترافع بها، حتى ولو كان في ذلك تسهيلاً وتسريعاً للترافع، لأن كل ذلك لا يجوز في شرع الله، فلا سقوط حقوق بالتقادم، ولا أمد زمني في الترافع.
وإذا كان له دين على أحد لم يجز له إلا أن يطالب إلا برأس ماله من مقتدر مليء، من غير زيادة ربوية قد ينص نظام الكفر على استحقاقه لها، كما هو حال الأغلبية الساحقة من الأنظمة الكفرية تعتبر الربا حقاً مشروعاً. ولا يجوز له حتى المطالبة بتلك الزيادة الربوية، على وجه المناورة و«التكتيك»، لتخويف الخصم ودفعه إلى التسليم برأس المال، وسرعة دفعه، في مقابل «التنازل» عن ذلك الربا، مثلاً. وإذا حكم له بمثل تلك الزيادة الربوية وجب عليه رفضها، وإبلاغ القاضي بذلك، وعدم استلامها ولا حيازتها. فالمؤمن في كل تلك الأحوال إنما يتحاكم إلى شرع الله، لا إلى الطاغوت، ولو وجد قاضياً شرعياً، لا يحكم إلا بالشرع وقد تم تنصيبه تنصيباً صحيحاً، لما ترافع إلا إليه.
فالمطالب يحقه الشرعي في رأس المال، مثلاً، المترافع بموجب الضرورة إلى ذي سلطان أو قاضي كافر أو قاضي يحكم بنظام كفر، أو قاضي لم يعين بطريقة شرعية صحيحة لم يتحاكم إلا إلى ما أنزل الله، وهو بذلك مسلم مؤمن.
في حين أن القاضي أو المتنفذ الذي يحكم له بحقه أو ينفذ له ذلك الحق ويستحصله له لأن ذلك هو نص القانون الذي سنه البرلمان صاحب السيادة، أو الملك صاحب الحق «الإلاهي»، أو هو العرف المتوارث الساري الذي قبله الناس على تطاول القرون، والناس هم مصدر السلطات، هو بذلك المعتقد مشرك كافر، وهو من أهل النار يوم القيامة إن كانت بلغته رسالة الله، وقامت عليه الحجة، بغض النظر عن موافقة حكمه في تلك المسألة العينية لحكم الله ورسوله مصادفة، أو عدم موافقته.
أما من زعم أن ذلك الترافع تحاكم إلى الطاغوت فهو لم ينظر إلى المسألة في جوهرها بعمق ودقة؛ فاستحقاق رأس المال للدائن على المدين تتفق فيه أكثر الشرائع، إن لم يكن جميعها. فمن رد ذلك إلى أمر الله ونهيه فهو المسلم المؤمن، ومن رده إلى عرف، أو عقل، أو مصلحة، أو أمر برلمان أو مرسوم ملكي فهو مشرك كافر. فالقضية قضية اعتقاد في مرجعية معينة والرد إليها، أي أن القضية هي:
أولاً: قضية اعتقاد المتحاكم ومرجعيته،
وثانياً: قضية نص النظام ومحتواه، في المقام الأول وليست شخصية من يطبقه، أو إحسان هذا للتطبيق من عدمه،
فالطاغوت ليس شخصاً معيناً، وإنما هو اعتقاد معين، ينبثق منه نظام معين، أو هو كيان معنوي، قد يمثله أشخاص أو مؤسسات أو دول.
فليست القضية إذاً هي سداد رأس المال أو عدمه، أو من له سلطة الحكم أو صلاحية تنفيذ ذلك الحكم. وهكذا في كافة المسائل والقضايا.
ومما يدل على بطلان قول هؤلاء أنهم عموماً يميزون بين الترافع إلى المحاكم، والرجوع إلى الشرطة والجهات التنفيذية، فيحرمون الأول، وربما كفروا بسببه، ولا يرون بأساً بالثاني.
والظاهر أنهم فهموا التحاكم على أنه التقاضي أو الترافع إلى المحاكم فحسب، وهذا كذلك باطل كنا بيناه أعلاه، وهو تخصيص بدون مخصص. نعم هناك فروق بين عمل القاضي وعمل الجهات التنفيذية، ولكن التحاكم هو التحاكم، وهو الرد إلى مرجعية معينة: إلى الله ورسوله عند أهل الإسلام، وإلى غيرهما أو إليهما بالشراكة مع غيرهما عند أهل الكفر، ولا ثالث لهما. لا يؤثر في جوهر ذلك أن ما يقوم به القاضي يختلف عما يقوم به الشرطي، وهذان يختلفان ضرورة عن المفتي والمشرع، لأن البحث ليس في خصوصيات أعمالهم، وحدود صلاحيات كل واحد منهم، ولكن البحث هو في: الرد إلى الله ورسوله وحدهما فيكون إسلاماً وإيماناً وتوحيداً، أم إلى غيرهما منفرداً أومعهما فيكون كفراً وشركاً.
ويزداد هذا وضوحاً بما جاء في مرافعة جعفر بن أبي طالب، رضي الله عنه، المشهورة أمام النجاشي، رضي الله عنه:
v حيث أخرج ابن إسحاق في «السيرة النبوية»،(ج: 2 ص: 177)، بأصح إسناد يكون في الدنيا: [حدثني محمد بن مسلم الزهري عن ابي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي عن أم سلمة بنت ابي أمية بن المغيرة زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت: لما نزلنا أرض الحبشة جاورنا بها خير جار، النجاشي، أمنا على ديننا، وعبدنا الله تعالى، لا نؤذى، ولا نسمع شيئا نكرهه، فلما بلغ ذلك قريشا ائتمروا بينهم أن يبعثوا الى النجاشي فينا رجلين منهم جلدين، ...،]، فساقت، رضوان الله وسلامه عليها، الحديث إلى أن قالت: [فلما جاءوا وقد دعا النجاشي اساقفته فنشروا مصاحفهم حوله سألهم فقال لهم: (ما هذا الدين الذي قد فارقتم فيه قومكم، ولم تدخلوا في ديني، ولا في دين أحد من هذه الملل؟!)، قالت: فكان الذي كلمه جعفر بن أبي طالب فقال: له أيها الملك، ..إلخ]، والحديث طويل جداً، وممتع، فراجعه في سيرة ابن هشام، أو في «مسند الإمام أحمد بن حنبل»، حتى ترى أن جعفر إنما ترافع بالحق، وبما شرع الله، غير مداهن في دينه، ولا مبال بدين النجاشي وشرعه، بل هو قد فعل هذا مرتين: ترافع في المرة الأولى، ثم عاد رسل قريش فاستأنفوا القضية، فترافع جعفر للمرة الثانية، حتى هزم الله قريشاً وسفراءها.
فهل يعقل أن يكون جعفر الطيار، وهو من كبار أولياء الله، قد تحاكم إلى غير شرع الله، وهبها كانت منه زلة، بجهل أو تأويل، أفلم تخبر به أم المؤمنين أم سلمة هند بنت ابي أمية بن المغيرة المخزومية، زوجها رسول الله، عليه وعلى آله صلوات وتسليمات وتبريكات من الله، وهو كل تسعة أيام في بيتها، ويبيت على فراشها على مدى ستة أعوام طوال؟!
وهبها فاتها أن تخبره: ألم يعلمه اللطيف الخبير، الذي أحاط بكل شيء علماً، فيوحي إلى نبيه بالتحذير من العودة إلى مثله؟!
على أن واقع الحال في (دار الكفر) أن الكثير من الترافع إلى القضاء، ومراجعة الأجهزة التفيذية، إنما يتورط فيه المسلم مكرهاً، كأن يكون مهدداً بالترحيل وإنهاء حقه في «اللجوء السياسي»، أو يكون متهماً بدعم «الإرهاب»، أو نحو ذلك، فيحتاج المسلم إلى الدفاع عن نفسه ضرورة. وفي حالة الضرورة الملجئة هذه فمن الواضح أنه ليس على المسلم حرج في التحاكم إلى أنظمة الكفر وقضاته، حتى ولو كانت الأنظمة محل النظر مخالفة للشرع، فالمسلم حينئذ هو المضطر المكره، الذي يجوز له حتى التلفظ بالكفر أو التظاهر بالكفر.
وقد استشهد بعض أهل العلم أيضاً لما قلناه بثنائه، عليه وعلى آله الصلاة والسلام، على (حلف الفضول)، وأنه لو دعي لمثله في الإسلام لأجاب. ونحن لا نوافقهم على ذلك لأنه استشهاد في غير محله، لأسباب منها:
أولا: أن قوله، عليه وعلى آله الصلاة والسلام: «لو دعيت إليه في الإسلام لأجبت»، تقدير امتناع لامتناع، فلا هو دعي إلى مثله في الإسلام، ولا هو قد أجاب. فغاية الأمر أن يكون ذلك ثناءً على بعض مقاصد الحلف الجميلة: كالامتناع عن الظلم، ونصرة المظلوم، وحسن معاملة زوار البيت الحرام، ونحوه، وكل ذلك أقره الإسلام وزاده قوة. وليس في ذلك بالضرورة أي ثناء على الحلف من حيث هو حلف أي تعاقد على القتال المشترك، أو على إجراءاته من ترافع أو استعمال للقوة أو غير ذلك؛
ثانياً: أن الأحلاف كلها قد نسخت في الإسلام بعد ذلك بقوله، عليه وعلى آله الصلاة والسلام: «لا حلف في الإسلام»، فالمسلمون جميعاً أمة واحدة، وحلف واحد. وكذلك التحاكم إلى غير الشرع. فالثابت أن شكل الحلف قد نسخ، وكذلك بعض إجراءاته، فلم يعد الاستشهاد بثنائه، عليه وعلى آله الصلاة والسلام، على حلف الفضول وارداً، إلا فيما أقره الشرع من المعاني الجميلة آنفة الذكر؛
وقد أشبعنا موضوع (حلف الفضول) بحثاً، وميَّزنا ما نسخ من أحكامه، وما لم ينسخ، على وجه الاستقصاء في كتابنا: (الموالاة والمعاداة) فليراجع هناك، لا سيما أن الكثيرين من الباحثين، والمتطفلين على موائد البحث العلمي، قد جعلوا (حلف الفضول) مثل (حمار جحا) يحمل عليه كل شئ، وبعض ما زعموه مبرراً بحلف الفضول يصل إلى درجة الكفر البواح، عياذاً بالله، لذلك حرصنا ها هنا على التحذير من زلة بعض العلماء في استشهادهم به في موضوع (التحاكم)، وليس لهم فيه حجة مطلقاً.

أبو عمر المنصور
19-04-2011, 06:40 PM
فصل: الوجه الرابع: كل شرع غير شرع الله كفر، وكل حاكم بغير شرع الله طاغوت:
لم تكتف النصوص القرآنية ببيان:
(1) جوب طاعة الله، وطاعة الرسول، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، والاستسلام لهما مطلقاً، من غير قيد أو شرط،
(2) وحرمة طاعة المخلوقين في معصية الخالق تحريماً باتاً أبدياً،
(3) وكذلك حرمة الإحتكام إلى أي قانون، أو نظام، أو لائحة، أو عرف وعادة، أو ذوق، أو أدب، سوى الشرع، بل وغلَّظت النصوص القول في (التحاكم إلى الطاغوت) فجعلته من أعمال الكفر، المناقضة للإيمان والإسلام كل المناقضة، المفضية إلى الضلال البعيد، ثم النار الأبدية، واللعنة السرمدية،
لم تكتف النصوص بتلك الوجوه فحسب، بل ودلت على أن ما عدا الشرع من قوانين وضعية إنما هي كفر صريح، لأنها ليست مما أنزله الله، ولا سنه رسوله، ولا ما دلا عليه من دليل. بل كان العقل هو الذي يشرع، هذا إذا أحسنا الظن، ولم يكن الهوى والشهوة والطغيان المجرد هم المشرعون، وكل ما يشرعه العقل من أحكام تتعلق بأفعال الإنسان من حيث كونه يحيا في هذا الكون بحيث تترتب على أفعاله المدح أو الذم من الله في الدنيا، والحساب، ثم الثواب والعقاب من الله في الآخرة إنما هو طاغوت أمر الله العباد أن يكفروا به حيث قال: }ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك، وما أنزله من قبلك، يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت، وقد أمروا أن يكفروا به، ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالاً بعيدا{، (النساء؛ 4:60).
ــ وفي تفسير هذه الآية يقول ابن كثير: [هذا إنكار من الله عزوجل على من يدعى الإيمان بما أنزل الله على رسوله وعلى الأنبياء، وهو مع ذلك يريد أن يتحاكم في فصل الخصومات إلى غير كتاب الله، وسنة رسوله، كما ذكر في سبب نزول هذه الآية أنها في رجل من الأنصار ورجل من اليهود تخاصما، فجعل اليهودي يقول بيني وبينك محمد، وذاك، أي الأنصاري، يقول بيني وبينك كعب بن الأشرف. وقيل في جماعة من المنافقين ممن أظهر الإسلام، أرادوا أن يتحاكموا إلى حكام الجاهلية، وقيل غير ذلك. والآية أعم من ذلك كله فإنها ذامة لمن عدلوا عن الكتاب والسنة، تحاكموا إلى ماسواهما من الباطل، وهو المراد بالطاغوت هنا]، انتهى كلام الإمام ابن كثير.
والصحيح أن الطاغوت أعم من الباطل، بل هو أفحش منه بكثير، إذ الطاغوت، هاهنا، ما قابل الحكم بما أنزل الله، أي هو الحكم بالجاهلية، أي بالكفر،
ــ وهذا ما ذهب إليه ابن القيم فيقول: (إن من تحاكم، أو حاكم، إلى غير ما جاء به الرسول، فقد حكم بالطاغوت وتحاكم إليه)، انتهى كلام ابن القيم.
فطاغوت كل قوم هو ما يتحاكمون اليه غير الله سبحانه وتعالى ورسوله الكريم، أو يتبعونه على غير بصيرة من الله، أو يعبدونه من دون الله، عبادة دعاء وذلة وتقديس، وركوع وسجود، وتقديم ذبائح وقرابين، وإطلاق مجامر وإيقاد شموع؛ أو عبادة خضوع وطاعة واتباع، أو عبادة محبة وموالاة.
والطاغوت كذلك كل داعية باطل ورأس ضلالة: فإبليس، لعنه الله، طاغوت، بل هو رأس الطواغيت، والكاهن طاغوت، والساحر طاغوت، والحاكم بغير ما أنزل الله طاغوت، والمشرع من دون الله طاغوت، بل هو من رؤوس الطواغيت، لأنه يدعوا الناس إلى عبادته، عبادة طاعة واتباع، ومن دعا الناس لعبادة نفسه طاغوت، بل هو من رؤوس الطواغيت، ومن رضي أن يعبد من دون الله طاغوت، والمحبوب لذاته من دون الله طاغوت، والمطاع لذاته طاغوت: فما أكثر الطواغيت!
وقد أسلفنا في (الوجه الثالث) أن العبرة في المقام الأول، في قضية «التحاكم» إنما هو إلى النظام المتحاكم إليه، وليس لأشخاص الحكام، أو وظائفهم، أو مراتبهم. فإذا وصف الله ما يتحاكم إليه، أو من يتحاكم إليه بأنه «طاغوت»، وجب أن يكون نظامه نظام كفر، ومن المحال أن يكون نظامه إسلامياً.فكل شرع غير شرع الله إذاً كفر، وكل حاكم بغير شرع الله طاغوت، ضرورة ولا بد.
v وقال الإمام، شيخ الإسلام، ابن تيمية الحنبلي، رحمه الله تعالى: [ليس لأحد أن يحكم بين أحد من خلق الله، لا بين المسلمين ولا الكفار ولا غير ذلك، إلا بحكم الله ورسوله، ومن ابتغى غير ذلك تناوله قوله تعالى: }أفحكم الجاهلية يبغون، ومن أحسن من الله حكماً لقوم يوقنون{، (المائدة؛ 5:50)، وقوله تعالى: }فلا وربّك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً)، (النساء؛ 4:65)]. (مجموع الفتاوى: 35/407 - 408).
v قال شيخ الإسلام ابن تيمية، رحمه الله، في «منهاج السنّة النبويّة»، (5 / 130): [ولا ريب أن من لم يعتقد وجوب الحكم بما أنزل الله على رسوله فهو كافر، فمن استحل أن يحكم بين الناس بما يراه هو عدلاً من غير اتّباع لما أنزل الله فهو كافر فإنه ما من أمة إلا وهي تأمر بالحكم بالعدل، وقد يكون العدل في دينها ما يراه أكابرهم، ...، فهؤلاء إذا عرفوا أنه لا يجوز لهم لحكم إلا بما أنزل الله فلم يلتزموا ذلك بل استحلوا أن يحكموا بخلاف ما أنزل الله فهم كفار]
v وقال الإمام شيخ الإسلام ابن تيمية أيضاً: [والإنسان متى حلّل الحرام المجمع عليه، أو حرّم الحلال المجمع عليه، أو بدّل الشرع المجمع عليه كان مرتداً]، (مجموع الفتاوي: 3/267)، لاحظ أنه قال: (حلل، ...، حرم، ...، بدَّل الشرع) ولم يربط ذلك بمعتقده.
v وقال العلاّمة الشنقيطي، رحمه الله، وهو مالكي المذهب، في «أضواء البيان»، (7 / 162): [الإشراك بالله في حكمه والإشراك به في عبادته كلها بمعنى واحد لا فرق بينهما ألبتة، فالذي يتبع نظاماً غير نظام الله، وتشريعاً غير تشريع الله، ومن كان يعبد الصنم، ويسجد للوثن لا فرق بينهم ألبتة؛ فهما واحد، وكلاهما مشرك بالله]
v وقال العلاّمة الشنقيطي، رحمه الله، أيضاً في «أضواء البيان»، (7 / 169): [لما كان التشريع وجميع الأحكام: شرعية كانت أو كونية قدرية، من خصائص الربوبية، كما دلت عليه الآيات المذكـورة، كان كل من اتبــع تشـريعاً غير تشــريع الله قد اتخذ ذلك المشرِّع رباً، وأشركه مع الله]
ولأن عموم الأدلة ترشد إلى وجوب اتباع ما جاء به الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم لأن ما جاء به هو وحده الهدى، قال تعالى: }ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى، ويتبع غير سبيل المؤمنين، نوله ما تولى، ونصله جهنم وساءت مصيرا{، (النساء؛ 4:115)، فكل منهاج غير منهاج الهدى الذي جاء به محمد، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، هو غير سبيل المؤمنين، وكل ماهو سبيل غير هذا السبيل هو الكفر بالله، لأن الكفر بالله ورسوله غير سبيل المؤمنين، وغير منهاجهم، الذي هو ضد الكفر من كل وجه.
وكذلك فإن كل من اتهم رسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم في الحكم فهو كافر لأنه خالف عموم الأدلة التي ربطت بين الإيمان، وبين وجوب اتباع ما جاء به الإسلام.
v وقال الإمام الشاطبي، رحمه الله تعالى، وهو مالكي المذهب أيضاً: [كل بدعة ــ وإن قلّت ــ تشريع زائد أو ناقص، أو تغيير للأصل الصحيح، وكل ذلك قد يكون ملحقاً بما هو مشروع، فيكون قادحاً في المشروع، ولو فعل أحد مثل هذا في نفس الشريعة عامداً لكفر، إذ الزيادة والنقصان فيها أو التغيير ــ قل أو كثر ــ كفر، فلا فرق بين ما قلّ أو كثر] (الاعتصام: 2/61).
v وقال الشيخ محمد بن إبراهيم في رسالته إلى أمير الرياض: (واعتبار شيء من القوانين للحكم بها ولو في أقل القليل: لا شك أنه عدم رضاً بحكم الله ورسوله، ونسبة حكم الله ورسوله إلى النقص، وعدم القيام بالكفاية في حل النزاع، وإيصال الحقوق إلى أربابها، وحكم القوانين إلى الكمال، وكفاية الناس في حل مشاكلهم، واعتقاد هذا كفر ناقل عن الملة، والأمر كبير مهم، وليس من الأمور الاجتهادية) (مجموع فتاوى الشيخ). وكلام الشيخ محمد بن إبراهيم هذا كلام جيد، إلا أن الشيخ، رحمه الله، ربط ذلك بكونه (عدم رضاً بحكم الله ورسوله)، أو (نسبة حكم الله ورسوله إلى النقص)، وهو هكذا غالباً، ولكن ليس هذا مناط الحكم، لأن مجرد التشريع من دون الله منازعة لله في الربوبية، ينصب فيها الفاعل نفسه رباً وإلهاً ونداً من دون الله، وهو طاغوت مشرك كافر، وكفره من أبشع أنواع الكفر، بمجرد عمله، بغض النظر عن أحواله القلبية.
وإلا فما هو الحكم على ذلك المستميت في المحافظة على منصبه أو سلطته وذلك بسن تشريعات يعلم هو يقيناً أنها مضادة لشرع الله؟! وهو موقن في نفسه بأن ذلك خلاف شرع الله، وأن شرع الله هو الحق وهو الأفضل؟! أليس هو طاغوت كافر؟! وهل حبه للسلطة والدنيا عذر له في الكفر؟! إذاً فلنكذب الله، ولنبريء ساحة آل فرعون الذين }جحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلماً وعلواً{، (النمل؛ 27:14)، نعم فعلوا ذلك للمحافظة على الملك والرئاسة، واستعباد بني إسرائيل: }أنؤمن لبشرين مثلنا، وقومها لنا عابدون؟!{، (المؤمنون؛ 23:47)، فهؤلاء الذين كانوا رؤوس الدولة الأعظم في العاللم آنذاك، يمتلكون الكنوز، يعيشون في الجنات، تجري من تحتهم الأنهار، إذاً، وايم الله، أولى بالعذر!
v ويقول الشيخ محمد حامد الفقي، رحمه الله، في تعليقاته على كتاب التوحيد، في شأن مُحَكِّم القوانين الوضعية: [فهو بلا شك كافر مرتد إذا أصر عليها ولم يرجع إلى الحكم بما أنزل الله، ولا ينفعه أي اسم تسمى به، ولا أي عمل من ظواهر أعمال الصلاة والصيام والحج ونحوها]، (من فتح المجيد: شرح كتاب التوحيد).
v ويقول الشيخ أحمد شاكر، رحمه الله، وهو شافعي المذهب، في تحكيم القوانين الوضعية: [فهذا الفعل إعراض عن حكم الله ورغبة عن دينه، وإيثار لأحكام أهل الكفر على حكم الله سبحانه، وهذا كفر لا يشك أحد من أهل القبلة، على اختلافهم، في تكفير القائل به، والداعي إليه]، (عمدة التفسير: 4/157).
v ويقول الإمام ابن كثير، وهو شافعي المذهب، في تفسير قوله تعالى: }أفحكم الجاهلية يبغون؟! ومن أحسن من الله حكماً لقوم يوقنون{، (المائدة؛ 5:50): [ينكر تعالى على من خرج عن حكم الله المحكم المشتمل على كل خير، الناهي عن كل شر، وعَدَل إلى ما سواه من الآراء والأهواء والإصطلاحات التي وضعها الرجال بلا مستند من شريعة الله، كالذي كان أهل الجاهلية يحكمون به من الضلالات والجهالات مما يضعونها بآرائهم وأهوائهم، وكما يحكم به التتار من السياسات الملكية المأخوذة عن ملكهم جنكيزخان الذي وضع لهم «الياسق»، وهو عبارة عن كتاب مجموع من أحكام قد اقتبسها من شرائع شتى، من: اليهودية، والنصرانية، والملة الإسلامية، وغيرها. وفيها كثير من الأحكام أخذها من مجرد نظره وهواه، فصارت في بنيه شرعاً متبعاً يقدمونها على الحكم بكتاب الله، وسنة رسول الله. فمن فعل ذلك فهو كافر يجب قتاله حتى يرجع إلى حكم الله ورسوله، فلا يحكم سواه في قليل أو كثير، قال تعالى: }أفحكم الجاهلية يبغون؟!{، (المائدة؛ 5:50)، أي يبتغون ويريدون، وعن حكم الله يعدلون: }ومن أحسن من الله حكماً لقوم يوقنون{، (المائدة؛ 5:50)]، انتهى كلام الإمام ابن كثير، رضي الله عنه.
فأي ضلال أفحش من الحكم بغير ما أنزل الله؟! وأي هوى أحط من الإحتكام إلى الهوى؟! وأي طاغوت أكبر من جعل الإنسان المخلوق يقوم بما تكفل الخالق باقامته، بأن جعل العقل الإنساني هو المشرع، وهو الحاكم؟! وأي كفر أبعد مدى من اتباع المخلوقين لمخلوقين مثلهم، وترك ما أنزله الله على رسوله محمد، صلى الله عليه وعلى آله وسلم؟! فالحكم بما أنزل الله اتباع للشرع، والحكم بغير ما أنزل الله اتباع للكفر، فالشريعة وحدها الحق، وما بعد الحق إلا الضلال، فلا يجوز لبشر أن يجعل من غير الشرع أساساً للحكم.
وكل ما جعل من الأهواء والضلالات مما سمى بالإشتراكية، أو الرأسمالية، أو الديمقراطية الليبرالية، أو الخصوصيات الحضارية، أو العادات والأعراف القومية والقبلية إنما هو حكم بغير ما أنزل الله. وليس لهذا الحكم إلا قوله تعالى: }ومن لم يحكم بما أنزل الله فاولئك هم الكافرون{، (المائدة؛ 5:44)، لأن كل دستور أو قانون أو نظام أو لائحة أو عادة أو عرف يحتكم إليه الناس غير الإسلام فهو كما ورد بصريح القرآن الكريم طاغوت، وجاهلية جهلاء، وعودة بالبشر إلى ردة ترديهم في نار جهنم. وهذا هو سبيل غير المؤمنين، أما اتباع الإسلام فهو الطريق لمن آمن، ففيه الحياة في الدنيا والآخرة، قال تعالى: }ياأيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول اذا دعاكم لما يحييكم{، (الأنفال؛ 8:24).
v يقول الإمام الشهيد سيد قطب: [أن هناك شريعة واحدة هي شريعة الإسلام وما عداها فهو هوى...}أفحكم الجاهلية يبغون؟ ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون{، (المائدة؛ 5:50)، ...، }ثم جعلناكم على شريعة من الأمر: فاتبعها، ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون{، (الجاثية؛ 45:18)].
ومن مجمل هذه النصوص يتضح أن الحكم بغير شرع الله إنما هو الكفر الصراح البواح، وأن كل لائحة، أو قانون، أو نظام، أو دستور، أو قيمة أخلاقية أو روحية، أو عادة وأدب، لا تنبثق من العقيدة الإسلامية طاغوت يجب الكفر به وبغضه، فالإسلام هو الدين الذي أنزله الله تعالى على رسوله محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وهو الدين الكامل الخاتم فلا يقبل من البشرية، بل ومن الجن، دين سواه، ولا شرع غيره.
أما الديموقراطية الليبرالية الغربية، التي تجعل السيادة للإنسان، فهي نظام سنه الإنسان بوحي من عقله الناقص الذي لم يحط بكل شىء، فضلاً عن تعرضه للنزوات والأهواء والضلال، وخضوعه لأنانية الذات والعشيرة والقبيلة والقوم وللمصالح الفئوية، والطبقية، والعنصرية.
وحتى لو فرضنا، جدلاً، أن الديموقراطية الليبرالية الغربية كاملة، حسنة، مقبولة عقلاً (وهي ليست كذلك بيقين لما فيها من القصور والتناقضات الذاتية) فهي بالقطع ليست مما شرعه الله، فهي ليست من الإسلام، لأن الإسلام، هو ما شرعه الله، لا العقل أو الإنسان، بغض النظر عن مدى كماله، وموافقته للعقل، أو ملائمته للطبع، أو عدم ذلك!
لذلك كان كل من لم يحكم بما انزل الله معتقداً عدم صلاحية الإسلام للحياة كافراً قطعاً، كفراً يخرج من الملة ويحبط العمل، بإجماع الأمة اليقيني، المبني على النصوص القطعية الصريحة،
وكذلك من فعل ذلك اعتقاداً أن ترك الحكم بما أنزل الله يسعه، ويجوز له، حتى لو اعتقد في هذه الحالة أن شرع الله هو الأفضل، والأكمل، والأولى.
وكذلك من لم يحكم بما أنزل الله استخفافاً بشرع الله، واستهزاءً به، أو كراهية له ونفوراً منه، أو إعراضاً عنه وعدم مبالاة به، أو احتقاراً له واستنقاصاً، كل أولئك كفار قطعاً، كفراً يخرج من الملة ويحبط العمل، بإجماع الأمة اليقيني، المبني على النصوص القطعية الصريحة.
ولكن ماذا يقال في حق (من حكم بغير ما أنزل الله) أو بلفظ أدق: (من لم يحكم بما أنزل الله) أي (من ترك الحكم بما أنزل الله)، فعلاً مجرداً، وهو مقر أنه آثم مخطيء، ولكنه تبع شهوة حكم أو سلطة أو محاباة قريب أو صديق، أو أغرته مصلحة مالية أو رشوة، غير معتقد لشيء من العقائد الباطلة، أو متلبس بشئ من الأحوال الفاسدة، الآنف ذكرها: فهو لم يعتقد عدم صلاحية الإسلام للحياة، وهو لم يعتقد جواز الحكم بغير ما أنزل الله أصلاً، بل هو معتقد لحرمة ذلك القاطعة، وهو لا يشك أن شرع الله أفضل من شرع غيرالله، وهو غير فاعل لجريمته تلك استخفافاً بشرع الله، ولا استهزاءً به، أو كراهية له ونفوراً منه، أو إعراضاً عنه وعدم مبالاة به، أو احتقاراً له واستنقاصاً؟!
لقد وقع في ذلك خلاف بين علماء الأمة:
(1) فمن العلماء من قال: هو مع استحقاقه للألقاب الثلاثة، أي: كافر، وفاسق، وظالم بنص القرآن الكريم إلا أنه ليس بخارج عن الملة لأن: كفره كفر دون كفر، وفسقه فسق دون فسق، وظلمه ظلم دون ظلم.
(2) ومن العلماء من قال: بل هو فقط مستحق لألقاب الفسق والظلم عموماً، أما لقب «الكافر»، فلا يستحقه إلا من اقترن عنده ذلك بأمر مكفر، وذلك بقرائن وأدلة ذكروها تخصص قوله تعالى: }ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون{. وهذا القول لا يختلف في جوهره عن السابق، وهو مجرد خلاف لفظي، إلا أنه خلاف مهم، لأن إجماع الصحابة قد انعقد على استخدام لفظة (كفر) في هذا، كما سيأتي بيانه، وهذا إجماع محترم، لا يحسن تجاوزه، ولا بحال من الأحوال.
(3) ومن العلماء من قال أنه: كافر، وفاسق، وظالم بنص القرآن الكريم، أي أنه مستحق لتلك الأسماء والأوصاف الشرعية لنفس الشخص في نفس الوقت، وأنها على ظاهرها تعني الكفر الناقل عن الملة، فيكون الفسق هو فسق الكفر، والظلم هو ظلم الكفر، وتكون كلها حينئذ ناقلة عن الملة ضرورة.
هذا هو الحق الذي نرجحه، وهو ما أشبعناه بحثاً في الباب المعنون بـ(شبهات حول تكفير من لم يحكم بما أنزل الله)، من كتابنا: (الحاكمية، وسيادة الشـرع).
على أننا ننبه ها هنا على أمور منها:
أولاً: أن إستحقاق ألقاب الكفر أو الظلم أو الفسق، (بعضها أو كلها على اختلاف بين العلماء)، يحصل بمجرد ترك الحكم بما أنزل الله، ولو لم يحكم بغير ما أنزل الله، لأن الله، جل جلاله يقول: }ومن لم يحكم بما أنزل الله ،...{. لا يقال أن ترك الحكم بما أنزل الله يستلزم ضرورة أن يحكم الحاكم بغير ما أنزل الله كما يظهرذلك بجلاء من مثال القاضي الذي تبين بيقين أن حكم الله في ذلك النزاع المعين الذي ينظر فيه هو «كذا وكذا» بعد استكمال النظر في القضية، ووجوب النطق بالحكم فيها، ولكنه يمتنع عن النطق بالحكم عند تعينه بدافع من الهوى حتى يمكن طرف القضية الذي عليه الحق ــ من مال أو قصاص مثلاً ــ من إخفاء المال، أو الفرار من قبضة السلطان، أو يعزل، أي القاضي، نفسه عن القضية بعد تبين الحق له، وبعد توجب النطق بالحكم فيها، هروباً من النطق بالحق المخالف لشهوته وهواه.
فمثل هذا القاضي قد ارتكب، بمجرد امتناعه عن النطق بالحكم، بعد توجبه، جريمة ترك الحكم بما أنزل الله، فهو } لم يحكم بما أنزل الله ،...{ في تلك القضية العينية وأصبح مستحقاً لألقاب الكفر أو الظلم أو الفسق، (بعضها أو كلها على اختلاف بين العلماء)، مع أنه تهرب من النطق بالحكم، ولم يحكم بشيء أصلاً.
ولعل هذا المثال وأضرابه هو الذي خطر في بال من قال: «كفر دون كفر»، أو من امتنع من إطلاق مسمَّى (الكفر) على هذا الفعل واكتفى بأسماء الفسق والظلم، لشدة شبه هذا للذنوب والمعاصي الأخرى التي يرتكبها المسلم مدفوعاً بشهوته من غير استحلال لحرام أو جحد لواجب، أو تكذيب لله، أو لرسول الله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ومن غير استهزاء أو استخفاف أو كراهية أو إعراض تام عن الله ورسوله وآياته.
ولكن من ناحية أخرى له شبه أقوى بمن امتنع عن التلفظ بكلمة التوحيد، مع وجود الاستطاعة المعتبرة، وعدم وجود إكراه ملجيء. وكفر هذا لا يشك فيه مسلم، وعليه إجماع العلماء. بل إن إقرار الكافر بنبوة سيدنا محمد، صلوات الله وسلامه وتبريكاته عليه وعلى آله، وتلفظه بذلك (لا يدخله في الإسلام حتى يلتزم أحكام الإسلام)، هكذا، حرفياً، قال الإمام الحافظ ابن حجر العسقلاني في «الفتح» بعد شرحه لحديث نُكُول العاقب والسيد، صاحبَيْ نجران، عن مباهلة رسول الله، صلوات الله وسلامه وتبريكاته عليه وعلى آله، وتكلمهما بما يفيد بإقرارهم بنبوته، ولكنهم لم يدخلوا في الإسلام، ولم يلتزموا - من حيث المبدأ - بالأحكام، فبقوا على كفرهم. وكذلك بدلالة إقرار بعض أحبار اليهود بنبوته، في أكثر من قصة ثابتة، مع بقائهم على يهوديتهم، ورفضهم اتباعه، صلوات الله وسلامه وتبريكاته عليه وعلى آله. ومعلوم أن هؤلاء كلهم إنما منعتهم شهوات الدنيا: من حب رئاسة، وخوف مقاطعة الأهل والأحبة، وكسل عن الهجرة، وغيرها، كل ذلك لم يكن عذراً لهم، ولا مخرجاً لهم من الكفر. إذ لا عذر في شيء من ذلك، إلا إكراه ملجيء، أو عدم استطاعة بيقين، لا غير.
وهذا الحكم لا يقتصر على شهادة التوحيد فحسب، بل ينسحب على كل مقولة حق، ترتبط ارتباطا حتمياً بالشهادة، فتكون بذلك من لوازمها. لا فرق بين قول إنسان: (لا إله إلا الله)، وقوله: (مريم بنت عمران، برأها الله من الفاحشة، وفضلها على نساء العالمين)، وقوله: (إن الله على كل شيء قدير، وإن الله قد أحاط بكل شيء علماً)، وقوله: (هذا هو حكم الله في هذه المسألة المعينة). كل ذلك تلفظ وإخبار بالحق الذي يعتقده المخبر، ويدين الله به. وكله يجب الإقرار به، وإعلانه، والخضوع له، والتسليم به، واتخاذه ديناً يدان الله به، حاشا حالة عدم الاستطاعة المعتبرة، أو إكراه ملجيء.
فإن كان هذا المثال، وفقط هذا المثال، فيه شبه من حال المذنب العاصي، ففيه كذلك شبه أقوى، وقرابة أشد، من حال الكافر المعرض، أو الجاحد، أو المتكبر: فليحذر كل عاقل لنفسه!
كما يظهر ذلك أيضاً، على نحو مختلف، من مثال الرجل المسلم الذي ضبط في حالة سكر بيِّن، وأحضر هذا الرجل إلى القاضي الحاكم بالقانون الوضعي فخلى سبيله، ولم يحكم بشيء، لأنه بموجب القانون الوضعي لم يرتكب الرجل جريمة، ولن يعاقب بشيء، بل ليس هناك ما يتوجب به النظر القضائي أصلاً. في حين أن الشرع يوجب إقامة حد شرب الخمر عليه بجلده أربعين أو ثمانين جلدة على إختلاف في المذاهب، وحسب اجتهاد الإمام أو القاضي.
وترك الحكم بما أنزل الله في هذا المثال، وما كان من جنسه وعلى منواله، لا علاقة له بغلبة الشهوة، والضعف أمام وساوس الشيطان، أو محاباة صديق، أو قريب، وإنما هو تطبيق لنظام كفري، يتناقض مع الإسلام كل المناقضة. وهو، في أدنى مراتبه، إعراض عن الشرع وعدم مبالاة به، والإعراض عن الشرع كفر ينقل عن الملة. وقد يكون أنكر من ذلك وأقبح، فيكون: شكاً في الشرع، أو تكذيباً للشرع، أو جحداً للشرع، أو استكباراً وإباءً ورفضاً للشرع (على طريقة إبليس، لعنه الله)، أو احتقاراً وسخريةً من الشرع، أو بغضاً وكراهيةً وعداوةً للشرع! وكل ذلك كفر بالشرع، وهو من أنواع الكفر الناقلة عن الملة! فهل يشك عاقل، في قلبه ذرة من إسلام، وإيمان، وتعظيم، وحب: لله، ولرسوله، ولدينه، أن مثل هذا القاضي قد فارق الملة، وبرئت منه الذمة؟!
أما لو ضبط رجل مسلم يسوق سيارته سكراناً في الشارع العام، فإن القاضي الوضعي سيحكم عليه بالحبس لمدة ستة أشهر مثلاً. فهنا ترك القاضي الحكم الشرعي وهو الجلد وبذلك لم يحكم بما أنزل الله.
أما الحكم بالحبس لمدة ستة أشهر فقد يكون عقوبة تعزيرية، على مخالفة النظام العام بقيادة السيارة في حالة سكر، تطبق على كل مخالف، مسلما كان أو غير مسلم، فهذا لا بأس به، إذا كان قد سنَّه ولي أمر شرعي، أي حاكم يحكم بما أنزل الله.
وقد يكون الحكم بالحبس لمدة ستة أشهر عقوبة على شرب الخمر، من حيث هو شرب لمحرم، بديلاً عن عقوبة الجلد (الهمجية كما يؤكد «المتمدنون»؟!) لا تطبق على غير المسلم لأن الخمر حلال في دينه، له شربها في إطار النظام العام، فتكون حينئذ حكماً بغير ما أنزل الله سبحانه وتعالى، ويكون القاضي قد ارتكب بذلك فعلين مكفرين وليس فعلاً مكفراً واحداً واستحق كذلك، من باب أولى، أن يُسمّى كافراً وظالماً وفاسقاً، وهو بدون شك شر من مثيله في الأمثلة السابقة، وأوغل في الكفر، وأضل عن سواء السبيل!
وقريب من ذلك في الشر، والإثم، والكفر، طاعة المتشرعين بغير شرع الله، الحاكمين بغير ما أنزل الله لقوله تعالى: }وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم، وإن اطعتموهم إنكم لمشركون{ أي إن أطعتموهم واتبعتموهم في تحليل الميتة، أصبحتم كفاراً مشركين بالله مقرين لغيره بحق السيادة والحاكمية والتشريع.
وهذه الآية، كما أسلفنا، مكية بالإجماع، حيث كان الشرك لا يقال إلا على شرك الكفر، الشرك الأكبر، المخرج من الملة، والمناقض للإسلام كل المناقضة. وإنما جاءت أحكام الشرك الأصغر، والشرك الخفي، وآداب التوحيد من مثل النهي عن الحلف بالآباء، والنهي عن قول: (ما شاء الله، وشئت)، ونحوه في المدينة، بلا خلاف، كما تفردت بها السنة الشريفة فقط، وليست هي من معهود استخدام القرآن.
ولما كان «المطيع» في التحليل والتحريم مشركاً، شرك الكفر المخرج من الملة، فلا بد أن يكون «المطاع» رباً، وإلهاً من دون الله، ضرورة، كما بينته قصة عدي بن حاتم، وأظهرته بما لا خفاء فيه!
وشر من كل ما سبق، وأشنع، وأوغل في الكفر والشرك، من باب أولى، بداهة بلا شك أو جدال، السلطة التي تشرع الدساتير والقوانين والأنظمة واللوائح المناقضة للشرع أو التي لم تستنبط إستنباطاً شرعياً صحيحاً، فهذا فوق ذلك نوع آخر من الشرك، قال تعالى: }أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله{، (الشورى؛ 42:21)، فالمشرع بمجرد قيامه بالتشريع أصبح منازعاً لله في سيادته وربوبيته، منازعاً للعزيز الجبار المتكبر الذي قال، كما رواه عنه نبيه المعصوم الخاتم في الحديث القدسي: }العظمة إزاري، والكبرياء ردائي، فمن نازعني فيهما قصمته{!!
هذا المشرع يقول بلسان الحال، إن لم يكن صراحة بلسان المقال: (أنا ربكم الأعلى)، داعيا الناس إلى عبادته: عبادة خضوع، وطاعة، واتباع، فيصبح بذلك من الطواغيت، بل من رؤوسها، ومن أقر له بذلك فقد جعله رباً، وإلاهاً، وحكماً من دون الله، ومن ثم شريكاً لله سبحانه وتعالى. فويل لهؤلاء جميعاً من النقمة القاصمة المدمرة للعزيز الجبار!
ثانياً: أن أكثر القائلين بـ(كفر دون كفر) أو المقتصرين على ألقاب الفسق والظلم في حالة انعدام موجب إضافي للتكفير، كما شرحناه أعلاه، هم فيما يظهر من المدافعين عن الولاة والسلاطين الحاكمين بغير بما أنزل الله، وهم يحاولون إخراجهم من حمأة الردة والكفر، ويجادلون عنهم بالباطل في محاولة يائسة لتثبيت عروشهم، وتقرير شرعيتهم، وقفل الباب في وجه أي محاولة لخلعهم.
نعم: هناك قلة من العلماء المخلصين الذين يريدون الحق، ويتخوفون من الحكم بالكفر إلا ببرهان قاطع، قد قالت بمثل هذا، ولكن غالبية المجادلين في عصرنا هذا هم من النوع الأول: من فقهاء السلاطين الخونة. فإن كان كذلك فنبشرهم بإن ذلك لا يغني عنهم شيئاً، وأن ولاية «ساداتهم» و«كبرائهم» من السلاطين ساقطة، ومنابذتهم بالسيف مشروعة على كل حال، بغض النظر عن (كفر دون كفر)، وبغض النظر عن استحقاق ألقاب (الفسق والظلم) فقط، وذلك لأن الله، تباركت أسماؤه، قد كفانا مؤنة ذلك عندما أنطق نبيه محمداً، صلوات الله وسلامه وتبريكاته عليه وعلى آله، بفصل الخطاب في هذه المسألة، حين وجه أصحابه إلي عدم منازعة أولي الأمر: «إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم فيه من الله برهان»، وقال: «لا، ما صلوا»، وقال: «لا، ما أقاموا فيكم الصلاة».
هذا بلاغ من الله، بلسان أفصح خلق الله، المعصوم بعصمة الله، الذي أوتيَ جوامع الكلم، ولكنه يحتاج إلى تفصيل ومناقشة مدققة، تستنير بكافة نصوص الوحيين: الكتاب والسنة، من غير تحريف للكلم عن مواضعه، أو جعل القرآن «عضين» أي أجزاء وتفاريق، أو ما هو شر من ذلك: إيمان ببعض وكفر ببعض، كما هي طريقة فقهاء السلاطين الملاعين. هذه المناقشة المستفيضة تحتاج إلى باب مستقل، هو المسمَّى: (منابذة الحكام)، فلتراجع!
على أن النص القرآني قد استخدم في حق «من لم يحكم بما أنزل الله» أسماء «الكافر»، أو «الظالم»، أو «الفاسق» كما استخدمها في مواطن أخرى سواء بسواء. ومن تلك المواطن قوله تعالى: }ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً{، (النساء؛ 4:141)، القاطعة بسقوط ولاية الكافر على المؤمن، والحرمة القطعية المؤكدة الأبدية لإمامته على المسلمين، أو رئاسته لدولتهم، وذلك بإجماع المسلمين المتيقن على ذلك. ومن تلك المواطن قوله تعالى: }لا ينال عهدي الظالمين{، (البقرة؛ 2:124)، المسقطة لولاية الفاسق، وهو القول الصحيح لجمهور العلماء، كما فصلناه في باب (بطلان ولاية الفاسق) من كتابنا: (طاعة أولي الأمر، حدودها وقيودها). و«من لم يحكم بما أنزل الله» كافر أو فاسق أو ظالم بيقين، بنص القرآن، وبالإجماع اليقيني القاطع، فولايته ساقطة بيقين كذلك، على وجه الإطلاق، بغض النظر عن:
(1) مستحقاً فقط لأسماء الظلم والفسق، وهذا قول باطل، مخالف لإجماع الصحابة كما هو مبرهن عليه في الباب: (شبهات حول تكفير من لم يحكم بما أنزل الله)،
(2) مستحقاً لاسم «الكفر» مع كون كفره (كفراً دون كفر)، (وليس كمن كفر بالله وملائكته وكتبه ورسله)، أو (كفراً لا يخرج عن الملة)، إذا سلمنا جدلاً بصحة ذلك كله، مع أننا أبطلنا نسبة ذلك لإمام الهدى ترجمان القرآن عبد الله بن عباس في الباب المذكور.
لذلك نقول لأعداء الله، فقهاء السلاطين: لا تفرحوا، إن حجتكم داحضة، وحدَّكم كليل، ولم تبق لكم شبهة أو دليل، فسارعوا إلى التوبة قبل الموت والرحيل، وهو رحيل إن لم تسبقه توبة، لا محالة سقوط على أم رؤوسكم في الهاوية: }وما أدراك ما هية v نار حامية{، (القارعة؛ 101:10-11).
وعلى كل حال فنحن نحيل إلى الباب المعنون بـ(شبهات حول تكفير من لم يحكم بما أنزل الله)، من كتابنا: (الحاكمية، وسيادة الشـرع) لاستكمال دراسة هذه المسائل الشائكة.

u فصل: الوجه الخامس: وجوب ترك جميع المعالجات التي لم تنبثق من العقيدة الإسلامية
ذلك لأن كل مشرع من دون الله طاغوت، والطاغوت لا بد من اجتنابه، بل رفضه والكفر به،
v فقد قال تقدست أسماؤه: }لا إكراه في الدين: قد تبين الرشد من الغي، فمن يكفر بالطاغوت، ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها، والله سميع عليم v الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور، والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات، أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون{، (البقرة؛ 2:256-257).
v وقال جل جلاله، وتباركت أسماؤه: }ألم تر الى الذين يزعمون أنهم أمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت، وقد أمروا أن يكفروا به، ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا{، (النساء؛ 4:61).
v وقال تعالى ذكره: }والذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها{،
ولأن قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «من أحدث في أمرنا هذا ماليس منه فهو رد» يقضي بأن كل ما هو ليس من الإسلام، كأن يكون من الإشتراكية، أو الرأسمالية، أو الديمقراطية الليبرالية، أو الموروثات القومية والقبلية، وما يسمّى بـ«الخصوصيات الحضارية»، ونحوه، فلا بد من رده ورفضه، ولا يجوزالتقيد به. ولما كان الإسلام كله مبنياً على الرد إلى الله ورسوله، والقبول والتسليم لهما، لزم ضرورة أن يكون كل ما يجب رده، ويحرم قبوله من الكفر، المناقض للإسلام كل المناقضة.
وهذا الحديث الصحيح المشهور أحد الأحاديث الأركان ــ من أركان الشريعة ــ لكثرة ما يدخل تحته من الأحكام، ولأنه عمدة في جعل الإسلام هو المقياس للحلال والحرام، وكأن الإسلام مرآة تعرض عليها جميع القوانين العقلية والاجتهادات والأعمال، فما كان منها اسلاماً تقيدت به الأمة، وما كان منها خارجاً عن الإسلام كفرت الأمة به، ووجب عليها رفضه، وأثم كل من يتقيد به، وربما كفر وارتد عن الإسلام!
وعليه فكل المعالجات التي لم تكن العقيدة الإسلامية أساساً لها فإنها كفر لابد من ردها، وعدم التقيد بها، لأنها ليس مما جاء به محمد، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، لأن مقصود قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «أمرنا» الواردة في الحديث: «أحدث في أمرنا» هو الإسلام، أي الشرع، والذي ليس عليه أمرنا هو الضد من ذلك، وعلى طرف نقيض منه، أي هو الكفر بعينه، وهو الطاغوت، الذي أمرنا الله تعالى أن نكفر به.

u فصل: الوجه السادس: الشرع هو الحكم حتى في العلاقات والسياسة الدولية:
إذا كان الشرع قد قيد أفعال الإنسان بالحلال والحرام سواء في المعاملات أو العقوبات أو الزواج أو الطلاق، فإنه كذلك جعل السياسة الخارجية للدولة الإسلامية مسيرة بأمر الشارع، فالحرب والسلم والمعاهدات، كل ذلك جاء الشرع ببيان أحكامه، وحرم على المسلمين عقد الاتفاقات الدولية بخلاف الأحكام الشرعية، لأن السيادة للشرع في كافة شؤون المسلمين، ودليل ذلك، أن النبي صلى الله عليه وسلم خالف الرأي العام للأمة وقام بإجراء عقد اتفاق دولي بين الدولة الإسلامية ودولة الكفر بمكة آنذاك بما عرف باسم (صلح الحديبية)، عندها رأى المسلمون أن الإتفاقيات مذلة للمسلمين وفي غير صالحهم، وتزعم المعارضة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، محاولاً كسب الصديق أبي بكر رضي الله عنه إلى جانبه في الرأي، فرفض أبو بكر ذلك منحازاً للرأى الذي نفذه رئيس الدولة الإسلامية، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ولكن المعارضة سرعان ما تراجعت عن موقفها، لأن الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم لم ينزل، كعادته، عند رأي الأغلبية من المسلمين، ولأن الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم قدم للأمة سبباً أدى إلى توقف الأغلبية عن المعارضة بقوله لهم: «إني رسول الله، ولست أعصيه، وهو ناصري».
بعد سماع المسلمين لهذا القول من النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، سلموا وانقادوا وتخلوا عن موقف المعارضة للاتفاق مع قريش، لأن رئيس الدولة أخبر الأمة أن ما تم في الحديبية من صلح إنما هو بناء على أمر الله تبارك وتعالى، أي أن الله سبحانه وتعالى هو الذي أمر رسوله محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم بقبول شروط الصلح، فلم يعد أمام النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وبقية المؤمنين سوى السمع والطاعة.
وكان من لطف الله، ورحمته، بهم، وتودده إليهم، أن أخبرهم، سريعاً، أن الصلح لن يكون في صالح الدولة الكافرة، وأنه فتح مبين! ولكن لم تكن هناك مندوحة من السمع والطاعة، حتى لو كان الصلح في مصلحة الدولة الكافرة، وحتى لو كان هزيمة نكراء، فأمر الله واجب النفاذ، وحكمه واجب الطاعة، فهو يحكم لا معقب لحكمه، ولا راد لمشيئته، لا إله إلا هو ولا رب سواه، عليه نتوكل، وبه نتأيد، وإليه ننيب.
لذلك فإنه، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، لما قبل شروط الكفار يوم الحديبية، كان قبوله اذعاناً لحكم الشرع، وخضوعاً للسيد المطلق السيادة، لا إله غيره، ولا رب سواه. ولما علم المسلمون ذلك أذعنوا أيضاً وسلموا بما جرى عليه الصلح، ثم جاءت البشارة بالفتح بعد ذلك، لا قبله!
لا يقال أنهم ترددوا في التحلل، وذبح الهدي، وحلق الشعر! لا يقال ذلك لأن النبي، صلى الله عليه وسلم، لم يقرهم، وغضب، وأنكر. وحسن الظن بأولئك السعداء الذين شهد الله لهم بالجنة والرضوان يقتضي أن نعتذر لهم بأنهم كانوا يأملون حتى اللحظة الأخيرة بمجيئ وحي ناسخ، يحقق لهم أمنية القلب: دخول المسجد الحرام، وإكمال النسك!
وحسن الظن بالله، جل جلاله، أنه غفر لهم ذلك التردد القبيح، الذي كان بلا شك عصياناً، وتقصيراًقبيحاً في حق الله، وحق رسوله!
وكذلك فإن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم لما وصل المدينة وأقام الدولة بدأ بممارسة صلاحياته كرئيس للدولة الإسلامية، فقام بعقد اتفاق مع اليهود عرف باسم (عقد الصحيفة) وكان مما جاء فيه: «وانكم مهما اختلفتم فيه من شيء فإن مرده إلى الله عز وجل، وإلى محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم» أي أن أي خلاف بين اليهود سيكون الشرع هو الحكم فيه، وكذلك كل خلاف بين اليهود ككيان، والمسلمين سيكون الشرع هو الحكم فيه، وكذلك كل خلاف بين اليهود ككيان، والمسلمين كدولة انما مرده إلى الشرع، فنصت الصحيفة على أنه ما كان بين أهل هذه الصحيفة، أفراداً وجماعات ودول، من حدث أو اشتجار يخاف فساده فإن مرده إلى الله عز وجل، والى محمد، رسول الله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
فمن هذه السنة العملية التي تبلورت في اتفاقين دوليين ثابتين، منقولين نقل تواتر: الأول مع قريش والثاني مع اليهود، وما نصت عليه الاتفاقيتان ليدل بوضوح على أن الشرع كان دوما هو صاحب السيادة في السياسة الخارجية، والعلاقات الدولية للدولة الإسلامية، فلا يجوز عقد أي اتفاقية أو معاهدة أو حلف تخالف الإسلام، ولا تجوز، مطلقاً، المشاركة في منظمة، أو حلف، أو اتحاد، أو جبهة دولية يناقض ميثاقها الإسلام.

u فصل: انعقاد الإجماع على سيادة الشرع
كما انعقد اجماع الصحابة على أن السيادة للشرع، فلم يخرج أحد من الخلفاء الأربعة عن نص في كتاب الله وسنة رسوله، وذلك في جميع شؤون الحياة، اذ كانوا يدركون أن الأحتكام إلى الشرع من لوازم الإيمان، فلا ايمان إلا به، لذا كانت الأئمة بعد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يستشيرون الأمناء من أهل العلم في الأمور المباحة ليأخذوا بأسهلها، فإذا وضع الكتاب أو السنة لم يتعدوه إلى غيره اقتداء بالنبي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، واتباعاً له.
وقد اشتد تمسك الخلفاء الراشدين، وغيرهم من الصحابة، بالنصوص الشرعية على ظواهرها، وعمومها، وإطلاقها:
ــ فقد قضى عمر بألا ترث المرأة من دية زوجها شيئاً حتى أخبره الضحاك بن سفيان الكلابي ــ وهو أعرابي من أهل البادية ــ أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم كتب اليه أن يورث أمرأة أشيم الضبابي من ديته، فرجع عمر، وكما يقول الإمام الشافعي: (فلما بلغه خلاف فعله، صار إلى حكم رسول الله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وترك حكم نفسه، وهكذا كان في كل أمره، وكذلك يلزم الناس أن يكونوا).
ــ ومن المعلوم بضرورة الحس والعقل أن الأصابع تختلف في منفعتها، والدور المتميز للإبهام يدركه كل إنسان، حتى صغار الأطفال. لذلك حكم أمير المومنين عمر بن الخطاب بديَّات مختلفة لكل إصبع، كما يقتضيه العقل، والمصلحة. ولكنه ضرب بـ«العقلانية»، و«المصلحة» عرض الحائط، عندما بلغه تسوية رسول الله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، بينها، وقال صراحة: (لو لم يبلغنا هذا، لحكمنا بغير هذا!)، أو كلاماً نحوه. وقد ورد عن عمر من ذلك كثير!
ــ ولقد بلغت قمة الإلتزام لدى الخليفة الأول أبي بكر الصديق، رضوان الله وسلامه عليه، في كونه ثبت مصراً على اتباع ما جاء به الشرع، وما أمر به رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم رغم أنه كان في المقابل رأي يبدو فيه الصلاح في ظروف خاصة تمر بالدولة الإسلامية، فإنه لما توفي رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وكفر من كفر من العرب، رأى أبو بكر قتال من منع الزكاة، فقال عمر: كيف تقاتل؟ وقد قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لاإله إلا الله، فإذا قالوا لا إله إلا الله عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها»، فقال أبو بكر: (والله لاقاتلن من فرق بين ما جمع رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم)، ثم تابعه بعد عمر. فلم يلتفت أبو بكر إلى مشورة اذ كان عنده حكم رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم في الذين فرقوا بين الصلاة والزكاة، وارادوا تبديل الدين واحكامه وامتنعوا بالقوة المسلحة.
ــ وروي أن الإمام طاوس كان يصلي ركعتين بعد العصر فانتهره ابن عباس، رضي الله عنهما، فقال طاوس، متأولاً: (إنما نهى عنهما أن يوصل ذلك إلى الغرور)، أو كلاماً نحو ذلك، فقال ابن عباس: فإن النبي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، قد نهى عن صلاة بعد العصر! وما أدري أيعذب عليه أو يؤجر؟! لأن الله تعالى يقول: }وما كان لمؤمن ولامؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم، ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالاً مبيناً{، (الأحزاب؛ 33:36). وقال الإمام الحاكم: (هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، موافق لما قدمنا ذكره من الحث على اتباع السنة)، وقد وافقه الذهبي على هذا التصحيح.
والمهم هنا موقف الإمام الحبر البحر ابن عباس، رضي الله عنهما، من أوامر الله ونواهيه من حيث المبدأ، وإلا فإن النافلة بعد العصر مختلف فيها، والأرجح أنه لا بأس بها، وإن لم تكن من السنن الرواتب، وطاوس إنما أحال إلى رأي مجرد، وتعليل لا يدعمه نص، ورجم قبيح بالغيب، وهذه إحالة باطلة على وجه الإطلاق، ولا ريب.
فالصحابة رضوان الله عليهم بمجموعهم لم يكونوا قطعاً ليسكتوا عن عمل يخالف الشرع، فضلاً عن تفانيهم في المحافظة على بقاء السيادة له، فنفذوا أمر الخليفة في قتال مانعي الزكاة، لما ظهر لهم وجه الحق المتمثل في الاستناد إلى الدليل. وقد بلغ الصديق رضي الله عنه ذروة التقيد بما أمر به الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم حين جرى بحث وقف مسيرة جيش أسامة إلى بلاد الشام، الخاضعة للروم، ليظل في عاصمة الدولة الإسلامية، حمايةً لها، بينما جيش خالد بن الوليد في بلاد اليمامة يقاتل المرتدين، فقال قولته المشهورة: (لو لعبت الكلاب بخلاخيل نساء المدينة، ما رددت جيشاً أنفذه رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم).
وقد أورد الإمام ابن القيم طرفاً من أقوال الأئمة منذ عهد الصحابة، فمن بعدهم، في كتابه القيم: «إعلام الموقعين»، (ج: 2 ص: 281 وما بعدها)، حيث بوب قائلاً: (أقوال العلماء في العمل بالنص)، ثم قال: [وقال الشافعي أخبرنا سفيان بن عيينة عن عبد الله بن أبي يزيد عن أبيه قال أرسل عمر بن الخطاب إلى شيخ من زهرة كان يسكن دارنا فذهبت معه إلى عمر رضي الله عنه فسأله عن ولاد من ولاد الجاهلية فقال أما بالحق فلفلان وأما النطفة فلفلان فقال عمر صدقت ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى بالفراش.
قال الشافعي وأخبرني من لا أتهم عن ابن أبي ذئب قال أخبرني مخلد ابن خفاف قال ابتعت غلاما فاستغللته ثم ظهرت منه على عيب فخاصمت فيه إلى عمر بن عبد العزيز فقضى لي برده وقضى علي برد غلته فأتيت عروة فأخبرته فقال أروح إليه العشية فأخبره أن عائشة أخبرتني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى في مثل هذا أن الخراج بالضمان فجعلت إلى عمر فأخبرته بما أخبرني به عروة عن عائشة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عمر فما أيسر هذا علي من قضاء قضيته اللهم إنك تعلم أني لم أرد فيه إلا الحق فبلغتني فيه سنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فأرد قضاء عمر وأنفذ سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فراح إليه عروة فقضى لي أن آخذ الخراج من الذي قضى به علي له.
قال الشافعي وأخبرني من لا أتهم من أهل المدينة عن ابن أبي ذئب قال قضى سعد بن إبراهيم على رجل بقضية برأي ربيعة بن أبي عبد الرحمن فأخبرته عن النبي صلى الله عليه وسلم بخلاف ما قضى به فقال سعد لربيعة هذا ابن أبي ذئب وهو عندي ثقة يخبرني عن النبي صلى الله عليه وسلم بخلاف ما قضيت به، فقال له ربيعة قد اجتهدت ومضى حكمك فقال سعد واعجبا أنفذ قضاء سعد بن أم سعد وأرد قضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم بل أرد قضاء ابن أم سعد وأنفذ قضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعا بكتاب القضية فشقه وقضى للمقضي عليه، ....
وقال أبو النضر هاشم بن القاسم حدثنا محمد بن راشد عن عبدة بن أبي لبابة عن هشام بن يحيى المخزومي أن رجلا من ثقيف أتى عمر بن الخطاب فسأله عن امرأة حاضت وقد كانت زارت البيت يوم النحر ألها أن تنفر فقال عمر لا فقال له الثقفي إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أفتأتي في مثل هذه المرأة بغير ما أفتيت به فقام إليه عمر يضربه بالدرة ويقول له لم تستفتيني في شيء قد أفتى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ورواه أبو داود بنحوه.
وقال أبو بكر بن أبي شيبة ثنا صالح بن عبد الله ثنا سفيان بن عامر عن عتاب بن منصور قال قال عمر بن عبد العزيز لا أرى لأحد مع سنة سنها رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقال الشافعي أجمع الناس على أن من استبانت له سنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن له أن يدعها لقول أحد من الناس، وتواتر عنه أنه قال إذا صح الحديث فاضربوا بقولي الحائط، وصح عنه أنه قال إذا رويت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثا ولم آخذ به فاعلموا أن عقلي قد ذهب، وصح عنه أنه قال لا قول لأحد مع سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقال إسرائيل عن أبي إسحاق عن سعد بن إياس عن ابن مسعود أن رجلا سأله عن رجل تزوج امرأة فرأى أمها فأعجبته فطلق امرأته ليتزوج أمها فقال لا بأس فتزوجها الرجل وكان عبد الله على بيت المال فكان يبيع نفاية بيت المال يعطي الكثير ويأخذ القليل حتى قدم المدينة فسأل أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فقالوا لا تحل لهذا الرجل هذه المرأة ولا تصلح الفضة إلا وزنا بوزن فلما قدم عبد الله انطلق إلى الرجل فلم يجده ووجد قومه فقال إن الذي أفتيت به صاحبكم لا يحل وأتى الصيارفة فقال يا معشر الصيارفة إن الذي كنت أبايعكم لا يحل لا تحل الفضة إلا وزنا بوزن.
وفي صحيح مسلم من حديث الليث عن يحيى بن سعيد عن سليمان بن يسار أن أبا هريرة وابن عباس وأبا سلمة بن عبد الرحمن تذاكروا في المتوفى عنها الحامل تضع ثم وفاة زوجها فقال ابن عباس تعتد آخر الأجلين فقال أبو سلمة تحل حين تضع فقال أبو هريرة وأنا مع ابن أخي فأرسلوا إلى أم سلمة فقالت قد وضعت سبيعة بعد وفاة زوجها بيسير فأمرها رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تتزوج.
وقد تقدم من ذكر رجوع عمر رضي الله عنه وأبي موسى وابن عباس عن اجتهادهم إلى السنة ما فيه كفاية]، انتهى كلام الإمام ابن القيم، وقد حذفنا كلاماً يسيرآ رمزنا له بنقاط هكذا (...).
من هذا كله، نستدل على أن إجماع الصحابة قام على أن السيادة للشرع، وانعقد على عدم جواز أن تكون لغيره من حاكم أو محكوم. وبقي إجماع الأمة جمعاء منعقداً على ذلك في كل العصور التالية حتى وقع أكثر العالم الإسلامي فريسة للإستعمار الغربي الحديث في أوائل القرن الهجري الرابع عشر المنصرم.

u فصل: الدليل العقلي على سيادة الشرع
و حتى الدليل العقلي يؤكد أن الحاكم هو الشرع، لأن الحاكم على الأشياء من حيث الحل والحرمة، وعلى أفعال العباد من حيث كونها واجباً أو مندوباً أو مكروها أو مباحاً، وعلى الأمور والعقود من حيث كونها أسباباً أو شروطاً أو موانع أو صحيحة أو باطلة أو فاسدة أو عزيمة أو رخصة، كل ذلك ليس من قبيل ملاءمتهما للطبع أو عدم ملاءمتها، أي إحداثها للذة أو الألم، وهو يدرك بالحس المباشر أو الذوق، ولا من قبيل الكمال والنقص، وهو يدرك بالحس والعقل أيضاً، وإنما هو من قبيل ترتب المدح والذم، والثواب والعقاب عليها من الله تعالى في الدنيا والآخرة، أي أن محل البحث هو ما يقوم بذات الله تبارك وتعالى من غضب أو رضى، ومن ذم أو مدح، ومن إرادة العقوبة، أو إرادة المثوبة تجاه ذلك الفعل الإنساني المحدد، وهذا لا مجال للعقل أن يحكم فيه إلا بأنه ممكن من الممكنات فقط، لأمور منها:
(1) أن أفعال الله التكوينية، وأحكامه الشرعية، في التحليل النهائي لا تعلل، أي أنها لا تعود لأسباب موجبة أوجبت على الله أن يفعل كذا أو أن يحكم بكذا، بل هي تعود (ولو بعد سلاسل طويلة من الأسباب المتوسطة) إلى الإرادة الحرة، والاختيار المحض: }فعَّال لما يريد{، (البروج؛ 85:16)، }إن الله يحكم ما يريد{، (المائدة؛ 4:1)، }يخلق ما يشاء ويختار، ما كان لهم الخيرة، سبحان الله وتعالى عما يشركون{، (القصص؛ 28:68)، }لا يسأل عما يفعل، وهم يسألون{، (الأنبياء؛ 21:23)، كما أسلفناه في الفصل المسمَّى: (أفعال الله وأحكامه لا تعلل، بل هو يفعل ما يشاء ويختار، ويحكم ما يريد).
والعملية العقلية إنما هي: ربط معلولات بعللها، وربط أسباب بمسببات، وربط نتائج بمقدمات، وإذ أن أفعال الله، جلت قدرته، لا تعلل، وكذا أحكامه (في التحليل النهائي)، لم يعد للعقل إمكانية أصلاً في الوصول إليها، وإنما يدرك العقل فقط أنها من الممكنات المحضة، ولا محيص له من انتظار الخبر بوقوعها فعلياً، إن خرجت من الإمكان إلى الوجود الفعلي، لا فرق بين الأفعال التكوينية التقديرية، والأقضية الدينية الشرعية.
(2) أن الله، جل جلاله وسمى مقامه، لا يلزمه تحليل الطيبات والملذات، وتحريم الخبائث والمؤلمات والمضرات، وإن كان غالب أحكامه هكذا، لا سيما في هذه الشريعة المحمدية المباركة الخاتمة، رحمة ولطفاً بالعباد، لا لأمر وجب عليه، أو سلطة تعلوه وتأمر عليه، تعالى وتقدس. فالله هو السيد التام السيادة، الحر التام الحرية: }يخلق ما يشاء ويختار{، (القصص؛ 28:68)، لا يستحيل عليه شئ، ولا يمتنع عليه شئ، إلا ما تقتضيه «الحقانية»، أي بموجب كونه (الحق) في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله، وما يترتب على ذلك من الضرورات المفاهيمية المطلقة، ولا يجب عليه شئ، إلا ما أوجبه على نفسه، ولا يحرم عليه شئ إلا ما حرمه على نفسه بموجب «القداسة»، أي بموجب كونه (القدوس) (السلام)، ذي الكمال والجمال والجلال المطلق، السالم من كل عيب ونقص. وقد أشبعنا هذا بحثاً في الفصل المسمَّى: (محمد، صلى اله عليه وعلى آله وسلم: }يحل لهم الطيبات، ويحرم عليهم الخبائث{)، فليراجع.
(3) أن أفعال الله تبارك وتعالى ــ كذاته وصفاته ــ لا يقع عليها الحس في الدنيا مباشرة، فلا يمكن لعقل أو حس أن يهتدي لذلك، ولا مناص من الرجوع إلى الخبر الصادق عن الله في ذلك، قال تعالى: }رسلاً مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل وكان الله عزيزاً حكيماً{، (النساء؛ 4:165)، وقال تعالى: }وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه ونخرج له يوم القيامة كتاباً يلقاه منشوراً v اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيباًv من اهتدى فإنما يهتدى لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها ولاتزر وازرة وزر أخرى وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً{، (الإسراء؛ 17:13).
ومادام الحكم لا يثبت إلا بأحد اثنين: إما الشرع، وإما العقل ومتعلقاته من حس وذوق ونحوه، والعقل لا محل له هنا لأن القضية قضية إيجاب وتحريم، أي قضية ما هو مراد الله، وأي شئ يرضيه أو يسخطه، وهل سيحاسب عليه ثم يثيب ويعاقب؟! والعقل لا يمكن أن يوجب أو يحرم وفق مراد الله، ولا يعلم، بدون الخبر الصادق ما يقوم بذات الله، وليس ذلك منوطاً به، فتعين أن يكون الشرع هو الحاكم فيتوقف الحكم على مجىء الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم بالرسالة.
أما بالنسبة للرسول فظاهر من صريح الآية: }وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا{، (النساء؛ 4:165). لأن نفي العذاب عن الناس قبل بعثة الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، يدل على عدم تكليفهم بالأحكام أو الإعتقادات.
ومن هنا كان القول الصحيح هو: أن أهل الفترة ناجون، وهم الذين عاشوا بين ضياع رسالة وبعث رسالة، ويكون حكمهم حكم الذين لم تبلغهم رسالة، وذلك كمن عاشوا قبل بعثة الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أو من لم تبلغهم رسالته، لأن الله تبارك وتعالى ليس يعذب أحداً حتى يسبق إليه من الله خبر أو يأتيه من الله بينة، وليس معذباً أحداً إلا بذنبه، بعد وصول النذارة له، وقيام الحجة عليه، وتبين الحق له.
وعليه فقبل بعثة الرسول، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، لا يقال أن حكم الأشياء والأفعال حلال أو حرام شرعاً، لأنه لا حكم لها أصلاً، وإلا لوقعنا في التناقض، الذي يظهر من تأمل قولنا أن الحكم الشرعي هو «الحل»، مثلا، كما قال البعض، أو «الحرمة» كما قال آخرون، ولكننا أيضاً نقول أن الشرع هو الذي ينشيء الحكم إنشاءً، ولكن الشرع لم يأتي بعد، فليس ثمة حكم أصلاً، فيكون الحكم موجوداً ومعدوماً في آن واحد، لشيء واحد، بنفس الشروط وتحت نفس الظروف، وهذا مستحيل!
بل للإنسان أن يفعل ما يريد دون التقيد بحكم، ولا شيء عليه عند الله حتى يبعث إليه رسولا، وحينئذ يتقيد بأحكام الله التي بلغه اياها الرسول حسب ما بلغها له، تماماً كذلك، من غير زيادة ولا نقصان. وهذا حال الناس بعد بعثة محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فإن عموم آيات الأحكام تدل على وجوب الرجوع إلى الشرع وحده مطلقاً والتقيد به، قال تعالى: }وما اختلفتم فيه من شىء فحكمه إلى الله{، وقال تعالى: }فإن تنازعتم في شىء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر{ وقال تعالى: }وما كان لمؤمن ولامؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم{.
وعليه فإن الحاكم هو الشرع، ولا حكم قبل وروده، والشرع هو الذي ينشيء الأحكام إنشاءً بوروده، وهي معدومة، لا وجود لها، قبل وروده، وما يفعله الإنسان، ويسنه لنفسه، بعقله، وفق ما يسمُّونه بـ(القانون الطبيعي)، أو (الحقوق الطبيعية)، أو شهوته وهواه، قبل ورود الشرع ليس شرعاً ولا حكماً، ولكنه «عدم تكليف»، أي «عدم وجود للحكم الشرعي» فقط لا غير، والعدم ليس شيئاً!
ولذلك فإن العقل ليس حاكماً، أي: ليس مشرعاً على وجه الابتداء والإنشاء، لا قبل ورود الشرع ولا بعد وروده، ولا في حال من الأحوال.
وأما كون العقل هو الذي يحكم بأن الله موجود، وأنه السيد الأعلى المطلق السيادة المستحق للطاعة عقلاً، وأن هذا الرجل المعيَّن نبي صادق من عند الله، وليس متنبئاً كاذباً على الله، وأنه من ثم معصوم ضرورة في التبليغ الصريح عن الله، وأن الصدق حسن، والكذب قبيح، وأن الماء ضروري للحياة، وأن الماء البارد لذيذ شربه للعطشان السليم، فلأن تلك ونحوها قضايا عقلية أو قضايا منطقية أو قضايا حسية، وليست قضايا شرعية، أي ليست تشريعاً على وجه الابتداء والإنشاء. لذلك فهي منوطة بالحس والعقل، قبل مجيء الوحي، وبعد مجيئه، على حد سواء.
فالعقل له وظائف محددة منها: الحكم على القضايا العقلية والحسية، ومن ذلك الحكم بصحة النقل والخبر، وفهم النصوص والمقولات، شرعية كانت أو غير شرعية، وتحليل المفاهيم والمعاني، شرعية كانت أو غير شرعية. وهو متربع على كرسي تلك المملكة، بتشريف الله له، مطلق اليد في ذلك الاختصاص، بإذن الله له. وهذا العقل قد حكم قبل ورود الشرع أن مراد الله، لا يعرف ضرورة، إلا بالخبر الصادق عنه، فقط لا غير. وهو يحكم اليوم، بعد ورود الشرع، بذلك الحكم بعينه، بدون تغيير، ولا زيادة أو نقصان.
فلا صحة إذاً لما قاله بعض الأكابر من: [أن العقل حاكم، نصب النبي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ثم عزل نفسه!]. نعم لا صحة لذلك، بل هذا من زلات العلماء الشنيعة، وأوهام الذهن الفظيعة، وهو هراء محض: فالعقل ما كان حاكماً قط، بالمعنى المنضبط المفصل أعلاه، كما أنه لم ينصب الأنبياء، ولكنه أدرك حقيقة شخصياتهم، ومحتوى دعوتهم، وحكم بصدق نبوتهم، والله، تباركت أسماؤه وتقدست صفاته، هو الذي نصبهم في مناصب النبوة، وهو كذلك الذي نصب العقل في وظيفته. والعقل باقي في وظيفته، التي عينه الرب، جل وعلا، فيها على وجه التأبيد، لم يعزل نفسه، ولا ينبغي أن يعزل نفسه، ومحال أن يعزل نفسه، ويحرم شرعاً أن يعزل نفسه، وإنما عزله من سفه نفسه، وضيع عقله بالكلية ممن كفر بالله ورسله: من الملحدين، والماديين، والعلمانيين، والرأسماليين، والاشتراكيين، والوثنيين، والثنويين، والمثلثين، وغيرهم من ملل الكفر والضلالة.
كما أساء الى العقل، وكف يده، ظلماً وعدواناً، وكفراً بنعمة الله، المبتدعة المنحرفون، والمقلدة الجامدون من المسلمين، وفي مقدمتهم، في زمننا هذا، أعداء الله من فقهاء السلاطين، وأهل الجهل المركَّب المتعالمين، والمقلدة الجامدين، وكثير من الظلاميين من أدعياء «السلفية» من اتباع ابن باز وابن عثيمين والألباني والفوزان والمدخلي والسبت ومن شابههم، وتبعهم، ولحق بهم من السفلة والتافهين والسطحيين والظلاميين، بل وبعض الخونة والدجالين!

أبو عمر المنصور
19-04-2011, 06:45 PM
توحيد التقديس والعبادة

العبادة مصدر من عبد يعبد عِبادة، وهى من باب كتب يكتب كِتابة، وتعني في أصلها اللغوي: التذلل والخضوع والانقياد والطاعة، ومنه قولنا: طريق معبد، أي مذلل ممهد، وكذلك قولنا: فلان عبد لفلان أي مملوك له ملك يمين فهو خاضع لتصرفه وأمره وتدبيره. فالأصل اللغوي، إذاً هو: .(التذلل والخضوع والانقياد والطاعة).
أما عرفًا وإصطلاحاً عند العرب الفصحاء وقت نزول القرآن في مثل قولهم: (فلان يعبد اللات)، وقولهم: (النصارى يعبدون المسيح)، و(محمد وصحبه يسبون آلهتنا، ولا يعبدونها)، فهى مجموعة من الأقوال والأعمال القلبية، وأقوال اللسان وألفاظه، وأعمال الجوارح الدالة على التذلل والخضوع وتقديم التعظيم والتوقير، أو المحبة وطلب القربى، أو طلب جلب منفعة أو دفع مضرة وإظهار الفقر والحاجة، ونحو ذلك، لمن يعتقد فيه الألوهية، وهذا هو موضوع بحثنا ها هنا.
وأزيد فأقول موضحاً: بحثنا ها هنا في هذا الباب في مفهوم «العبادة» بالمعنى المحدود الضيق الذي يؤدي صرفه لغير الله إلى الكفر والشرك الأكبر، المناقض للإسلام كل المناقضة، المخرج من الملة. فنحن لا نبحث في مثل:
(1) قول الشعراء والأدباء وأهل الغناء والطرب: (فلان يحب فلانة لدرجة العبادة)، على قبح هذا التعبير.
(2) وليس بحثنا في حب المال الذي يجعل الإنسان «عبداً» له، ومن ثم مستحقاً للذم، وليس بالضرورة مستحقاً لمسمى الشرك والكفر، كما هو في البلاغة النبوية الرائعة: «تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، ...إلخ»، وزاد حال هذا المغبون بياناً، فقال، عليه وعلى آله الصلاة والسلام: «إن أعطي رضي، وإن منع سخط»، ثم ختم، عليه وعلى آله الصلاة والسلام، داعياً عليه بقلة التوفيق: «تعس وانتكس، وإذا شيك فلا انتقش»، هذا دعاء لا يشبه من قريب أو بعيد ما يستحقه أهل الشرك والكفر، وليس حاله كما وصف من أحوال أهل الشرك والكفر.
(3) وحتى ليس بحثنا في المعنى الشرعي لـ«عبادة الله» كما جاءت بها هذه الشريعة الخاتمة فهذه لها باب مستقل، وإن كانت تشمل المعنى الاصطلاحي العرفي المحدود الضيق الذي ألمحنا إليه أعلاه، إلا أنها أوسع وأعمق بكثير، كما يبينه هذا الكتاب بمجمله، من أوله لآخره.
فالبحث هو حصراً في المعنى العرفي الاصطلاحي للفظة «العبادة»، وهو عينه المعنى الشرعي لها إذ أن الشريعة لم تأت لها بتعريف جديد، خلافاً للفظة «الصلاة» مثلاً.
لقد كان العربي المشرك ــ كسائر البشر ــ يخاف الوحوش الكاسرة، ويرهب قطاع الطرق، ويخشى الحية، ولكنه لا يسمي ذلك عبادة، ولكنه على العكس من ذلك يسمي خوفه من الله أو من غيره من الطواغيت (مثل اللات والعزى ومناة) عبادة، وليس هذا فقط عرف العرب الاقحاح عند نزول القرآن، بل هو كذلك عرف جميع الأمم والشعوب حتى وقتنا الحاضر.
وهذا العربي الفصيح يفرق بين القيام تعظيمًا لرئيس القبيلة، وبين القيام تعظيماً لبعض آلهته، فيسمي الثاني عبادة، ولا يسمي الأول كذلك.
والحق أن العلاقة بين مفهوم العبادة، في هذا الإصطلاح، ومفهوم الألوهية لا يخرج حصراً عن واحد من الإحتمالات الثلاثة الآتية:
(1) ــ أن يقال أن الإله هو من يعتقد اتصافه بصفات معينة، تجعله، عند من اعتقد ذلك فيه، مستحقاً لـ(التذلل والخضوع وتقديم التعظيم والتوقير، أو المحبة وطلب القربى، أو طلب جلب منفعة أو دفع مضرة وإظهار الفقر والحاجة، ونحو ذلك) . فتعريف الألوهية ومفهومها سابق، بذلك، على تعريف العبادة. فالإله يتم تعريفه أولاً ثم يترتب على ذلك، ضرورة، أن «العبادة» هي أي فعل من الأفعال أو قول من الأقوال التي توجه إلى ذلك «الإله» للتعظيم، أو لإظهار الخضوع والتذلل، أو للتعبير عن الفقر والحاجة وطلب جلب منفعة أو دفع مضرة، أو للتعبير عن الود والمحبة وطلب القربى، أو لكل ذلك.
فإذا كان ذلك حقاً ترتب عليه، ضرورة، أنه لا يوجد قول، أو اعتقاد، أو فعل ظاهر أو باطن، من سجود وركوع، وقيام أو قعود، أو ذبح، أو تقديم قرابين، أو إيقاد شموع، أو حب وبغض، وتعظيم أو إرادة، يمكن إعتباره عبادة إلا إذا كان موجهاً إلى من يعتقد فيه إستحقاقها، لأمور ذاتية فيه يعتقد ثبوتها فيه، أي لصفات معينة فيه، هي صفات الألوهية، أو بلفظ آخر هي صفات ذاتية استحق بها تلك الأفعال بذاته، أي أن مفهوم «العبادة» مسبوق بمفهوم «الألوهيه» ومنبني عليه. وهذا هو القول الحق، الذي قامت عليه البراهين والأدلة القطعية، كما سيأتي.
(2) ــ أن تصنف أعمال معينة، من حيث هي بوصفها أعمالاً مجرد ة، على أنها عبادة لذاتها، وبغض النظر عن مضمون التصور ومحتوى الإعتقاد عند فاعلها حول من تصرف له. وعلى هذا المسلك ينبني قول من قال مثلاً أن التحية العسكرية، وتحية العلم، شرك كفري، يخرج من الملة الإسلامية، لأنها تتضمن: (الوقوف بسكون تام، وخشوع كامل، على هيئة مخصوصة)، حتى ولو كان فاعلها يعتقد يقيناً أن أصحاب الرتبة العسكرية أو أن العلَم عبد مخلوق مربوب لا يملك من أمره شيئاً ولا يفعل ولا يتصرف إلا بإذن الله وتقديره ومشيئته، بل ويعتقد أن العلم مجرد خرقة من القماش ربطت على عود ليس فيها حياة ولا سمع ولا بصر. وكذلك من قال أن الاستغاثة بالنبي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، «شرك أكبر» بمجرد التلفظ به، بغض النظر عن معتقد المستغيث، أو أن الطواف بقبر أحمد البدوي شرك كفري يخرج من الملة، بمجرد فعله، أي بمجرد الطواف من حيث هو فعل مجرد يشبه في ظاهره الطواف حول الكعبة مثلاً، بغض النظر عن معتقد الفاعل.
(3) ــ أن يقال أن الإله هو المعبود فيكون مفهوم الألوهية سابقاً على مفهوم العبادة، أي أن مفهوم الألوهية يجب أن يكون موجوداً أولاً ثم يتم تعريف العبادة وتحديد مفهومها بعد ذلك بناءً عليه، ويقال في نفس الوقت: أن الإله هو كل من تصرف له العبادة، أي أن هناك قائمة من الأفعال تسمَّى من حيث هي عبادة فإذا صرفت لشيء كان ذلك الشيء إله معبوداً بالضرورة، فيكون مفهوم العبادة إذاً سابقاً على مفهوم الألوهية. وهذا دور قبلي، وهو مستحيل باطل، يدل على بطلان هذا المسلك في التعريف، وقد وقع فيه كثير من الناس، بل ومن العلماء، من غير أن يشعروا، وهو الذي تجده يطل برأسه بين الحين والآخر في كتب ورسائل أئمة الدعوة الوهابية، ثم يتراجع، ثم يعود إلى الظهور، وهكذا في دوامة لا تنتهي من التناقضات والإشكالات.
وأما القول الثاني، وإن كان سالماً من الدور والتناقض الداخلي، إلا أنه باطل، وغير مسلم لأصحابه لقيام البرهان القاطع من النصوص الشرعية اليقينية، أي من نصوص الكتاب والسنة لأنها هي وحدها النصوص الشرعية، بل وقبل ذلك من الحس والعقل، على ما يثبت يقيناً خلاف ذلك كما سنشرع في عرضه بعد قليل.
وقبل الشروع في البرهان نذكر ببعض ما أسلفنا من القواعد اليقينية المطلقة:
(1) ما ثم إله مستحق لهذا الإسم، وأهل أن يعبد، في الوجود كله، أزلاً وأبداً، إلا الله. هذه حقيقة وجودية قاطعة، وهي حقيقة قرآنية قاطعة، وهي من المحكمات، بل هي رأس المحكمات، وأساس العقيدة الإسلامية، التي تحكم على كل مقولة أخرى، والتي يرد إليها كل متشابه.
(2) أن الله، جل وعلا، وإن كان هو صاحب السيادة، فهو السيد الكامل المطلق السادة، والرب الكامل المطلق الربوبية، يحرم ما يشاء، ويحل ما يشاء، فقد أحل قديماً نكاح بعض المحارم كالأخوات، ثم حرمه أخيراً، وأمر إبراهيم، صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله، بذبح ولده ثم نسخ الحكم قبل التنفيذ، وهكذا. إلا أنه هو جل شأنه، هو أيضاً «الحق المبين»، فلا يأمر بما هو متناقض في ذاته، أو بما يتناقض مع كماله وجماله و«قداسته» :
(أ) فمن المحال الممتنع أن يقول: }شهد الله أنه لا إله إلا هو{، ثم يقول: اتخذوا معي (أي: مع الله) إلهاً، أو بلفظ آخر: كذبوني في شهادتي بأني أنا، وفقط أنا، الإله الواحد، وما ثم إله غيري في الوجود مطلقاً، حاشاه، تبارك وتقدس، من مثل هذا التناقض الباطل، وهو الله الحق المبين. فمن المحال أن يأمر الله بالشرك والكفر، وقد قال، تعالى ذكره، ذلك نصاً في القرآن: }ولا يرضى لعباده الكفر{، }ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون{، والله جل وعلا لا يشرع إلا ما يحب ويرضى، فلا يريد إرادة شرعية دينية إلا ما يحبه ويرضاه، وإن كان يقع في الكون كثير وكثير مما يغضبه ولا يرضية بإرادته وإذنه التكويني القدري لحكمة كونية قدرية بالغة.
(ب) ومن المحال الممتنع أن يأمر بـ«الفاحشة» أصلاً، أي أن يجعلها فريضة واجبة واجبة، لا في شريعة سابقة، ولا في هذه الشريعة المباركة الخاتمة، من باب أولى. قال، تباركت أسماؤه، وتعالى ذكره: }وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ: إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ، أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ{، (لأعراف؛ 8:28)، فهذا خبر يقيني صادق، أزلاً وأبداً، لا يتصور في العقل ما يناقضه، ولا يمكن نسخه لأن الأخبار لا تنسخ: (أنه، جل جلاله، لا يأمر بالفحشاء)، ولم يأمر بها قط في سابق الأزمنة. وقال، جل وعز: }يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ{، (النور؛ 24::21)، ومن المحال الممتنع أن يأمر الله بما يأمر به إبليس، عدو الله!
(ج) ومن المحال الممتنع أن يجعل العقل والإرادة الحرة مناط التكليف، ثم يقول خذوا البريء بجناية المجرم، أي أن يأمر بالظلم، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.
كل ذلك ونحوه لا يقع من الله بموجب «القداسة»، و«القداسة» هي: السلامة من كل عيب ونقص، والتعالي فوق كل خسة ودناءة، وذلك هو مقتضى قوله، جل جلاله،
فإذ تحرر هذا، فالآن نشرع في إبطال المقولة الزاعمة مثلاً بـ(أن السجود عبادة من حيث هو سجود مجرد، أي فعل مجرد، وذلك بغض النظر عن معتقد الساجد في المسجود له)
فنقول، بعون الله وتوفيقه: قد قام الدليل القاطع، من القرآن والسنة المتواترة، الذي يكفر منكره، ويخرج من الإسلام بجحده: أن الله أمر الملائكة بالسجود لآدم، فعلى قولكم، المتهافت الساقط، بـ(أن السجود من حيث هو سجود وفعل مجرد عبادة، بغض النظر عن محتوى الاعتقاد في الكائن المسجود له) يكون الله، تعالى وتقدس، قد أمر الملائكة، بأن يعبدوا آدم، أي أن يتخذو آدم مع الله إلها آخر، أي أمر بالشرك والكفر،! فانظروا إلي أين منتهى قولكم!
وثبت بالأدلة اليقينية القاطعة، من القرآن والسنة المتواترة، التي يكفر منكرها، ويخرج من الإسلام بجحدها: أن آل يعقوب خروا ليوسف سجداً، وعقَّب يوسف، عليه وعلى آبائه الصلاة والسلام، على ذلك بشكر الله الذي جعل رؤياه حقاً. أي بشكر الله على كفر وردة أهل بيته ومقارفتهم الشرك الأكبر، على مذهبكم المتناقض الساقط (الذي هو في حقيقته مذهب مهلك، ومقولة خبيثة، شنيعة النتائج والمآلات، كما سيظهر قريباً، إن شاء الله)، ويعقوب، عليه الصلاة والسلام، كان قطعاً، أحد الساجدين فهو المرموز له بالشمس في الرؤيا، فأصبح بذلك كافراً مرتداً، مضيعاً لما خصه الله به من علم: }وإنه لذو علم لما علمناه{، فتعساً لعلم محصوله الشرك والكفر. فمن كان هذا قوله في الله، وفي أنبياء الله، فقد والله كفانا مجرد الحديث معه.
نعم، سوف تقولون سريعاً: سجود الملائكة لآدم ليس سجود عبادة، وكذلك آل يعقوب ليوسف، وإنما هو سجود تكريم. فنقول: قد بطل إذاً قولكم: (أن السجود من حيث هو سجود وفعل مجرد عبادة) فهناك سجود واحد على الأقل، ليس عبادة، فوجب تحرير: متى يكون السجود عبادة، ومتى لا يكون. فقولكم على كل حال قد بطل، وسقط سقوطاً مدوياً، فانتهى أمره، وفرغ منه.
وربما قلتم: بل السجود كان لله، وإنما كان آدم مجرد «قبلة» للسجود، تماماً كاكعبة. فنقول: هنيئاً لك تكذيب الله ووصفه بالعي، والعجز عن التعبير: فهو يقول عن ملائكته المسبحين بحمده: }وله يسجدون{، أي: لله يسجدون، بلفظ السجود متعدياً بحرف اللام «لـ»، تماما، ويستخدم عين اللفظ في أمره للملائكة: اسجدوا لآدم، متعدياً بحرف اللام «لـ»، ويقول آمراً: }فاسجدوا لله، واعبدوا{، وغير ذلك مما لا يحصى. فكأنه، جل وعلا، عجز أن يقول اسجدوا لي مستقبلين آدم، أو اتخذوا آدم قبلة في سجدة واحدة، أو كذب صراحة، تعالى وتقدس عن ذلك، أو تعمد تضليلنا والتلبيس علينا، سبحانك هذا بهتان عظيم. فإن كان ذلك قولكم فحسبكم اللحاق بالمجانين، أو بالكفار المشركين، ومن كان هذا قوله في ربه فقد كفانا مؤنة الرد عليه، والحمد لله رب العالمين!
وقد حاول بعضكم الإفلات من الإشكالية بزعم أن سجود الملائكة لآدم، وسجود آل يعقوب ليوسف، لم يكن بوضع جبهة على الأرض، وإنما كان انحناءً، ليس إلا.
قلت: وهذا، إذا أحسنا الظن، طرفة تضحك الثكلى، بل هو أعجوبة الدهر. نعم: ليس للملائكة، والله أعلم، جباه يسجد عليها، لأنهم ليسوا من لحم ودم وعظم، ولكن ما الذي جعل لهم ظهوراً وفقاراً تنحني؟!
ثم إن الذي أحاط بهم، وبكيفية خلقهم، وباللغة العربية، وأحاط بكل شىء علماً، جل ذكره، عبر عنه في كتابه الحكيم، بلسان عربي مبين، بلفظة «السجود» فكيف جعلتموه «انحناءً»؟! هذا تكذيب صريح لكلام الله، أو نسبة العي وسوء التعبير إلى مقام الله، وكفى بذلك بهتاناً وكفراً!
هذه الشبهة السخيفة المضحكة قد تكون عذركم في هذا الهراء الباطل بالنسبة للملائكة، وهي ليست مقولة باطلة فحسب، بل هي مقولة من مقولات الكفر، فما هو العذر يا ترى بالنسبة لآل يعقوب، وهم بشر من لحم ودم وعظم، لهم رؤوس وجباه وظهور وفقار؟!
ثم ما الذي جعل السجود والركوع عبادة، أما الإنحناء فليس عبادة، وما هو حد الإنحناء المسموح به بزعمكم (لأنه ليس عبادة): 10 درجة زاوية، 20 درجة زاوية؟! ولماذا لا توقفون عند كل إنسان مسلم ينحني من يقيس زاويته (بفرجار أو اسطرلاب؟!) فيقوم بتنبيهه إلى اقترابه من الزاوية «الحرجة»، حتى لا يخرج من الإسلام إلى الكفر؟!
ثم لو تواقحتم وذكرتم زاوية معينة على أنها حد لذلك، طلبنا منكم البرهان العقلي والشرعي على ذلك، ولا سبيل لكم إلى شيء من ذلك أبد الدهر، فإن تحكمتم وذكرتم حداً من عند أنفسكم زدناكم عليه شيئاً يسيراً جداً (واحد على ألف من الدرجة مثلاً) شيئاً فشيئاً حتى يصبح الإنحناء ركوعاً فننركوا قولكم في الركوع، أو حتى تتركوا هذا القول الخبيث جملة، أو حتى تلحقوا بالمجانين!
وكذلك سجد معاذ بن جبل ــ وهو من أكابر علماء الصحابة ــ للنبي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، بعد رجوعه من الشام سجود إجلال وتكريم، فأنكر عليه النبي ذلك، وإليك نص الحديث:
v كما جاء في «سنن البيهقي الكبرى» بإسناد صحيح عن عبد الله بن أبي أوفى: [أن معاذ بن جبل، رضي الله تعالى عنه، قدم الشام فوجدهم يسجدون لبطارقتهم وأساقفتهم فروَّى في نفسه أن يفعل ذلك للنبي، صلى الله عليه وسلم، فلما قدم سجد للنبي، صلى الله عليه وسلم، فأنكر ذلك، قال: (يا رسول الله! إني دخلت الشام فوجدتهم يسجدون لبطارقتهم وأساقفتهم فروبت في نفسي أن أفعل ذلك لك!)، فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: «لو كنت آمراً أحداً أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها: فوالذي نفسي بيده، لا تؤدي المرأة حق ربها، عز وجل، حتى تؤدي حق زوجها كله، حتى إن لو سألها نفسها وهي على قتب أعطته (أو قال: لم تمنعه)»].
وفي الملحق عدة أحاديث في هذا الباب (باب السجود لغير الله)، قد أشبعناها درساً بأسانيدها دراسة متشددة، منها حديثان صحيحان، لا شك في صحتهما: حديث معاذ، وأبي هريرة.
وحديث ثالث في النفس من صحتة شيء: حديث قيس بن سعد بن عبادة، وقد صححه الحاكم، ووافقه الذهبي، والألباني، أما الحاكم والألباني فهما متساهلان مضطربان لا يتبعان طريقة منضبطة، على وتيرة واحدة، وأما الذهبي فقد كتب تعليقاته على «المستدرك» في أوائل طلبه للعلم، كما هو معروف، ولم تكن شخصيته العلمية، وفحولته قد كملت، رحمهم الله جميعاً، ومع ذلك فنحن نستخير الله ونقول بصحة هذا الحديث أيضاً، إن شاء الله.
وهناك نقول ليس أسانيدها بتلك الدرجة عن سبعة من الصحابة، رضوان الله وسلامه عليهم، هم: عائشة، وأنس بن مالك، وسراقة بن مالك، وزيد بن أرقم، وجابر بن عبد الله، وبريدة، وغيلان بن سلمة، رضوان الله وسلامه عليهم: هذا نقل تواتر، يجب القطع به، ولا تحل مخالفته أو إهماله.
وقد حاول البعض، ومنهم الشيخ عبد القادر شيبة الحمد، رد الأحاديث المذكورة أعلاه «دراية»، بالرغم من ثبوتها «رواية»، بدعوى أن السجود لغير الله شرك. قلت: هذه مصادرة على المطلوب، فضلاً عن كونها في ذاتها زعم باطل، إذ لا مخلص لهؤلاء من إشكالية سجود الملائكة لآدم، وسجود ال يعقوب ليوسف، وقد سلفت مناقشتها، وبينا بالدليل القاطع أنه تفيد أن السجود من حيث هو فعل مجرد، ليس عبادة ومن المحال الممتنع عقلاً وشرعاً أن يكون عبادة. ولا سبيل لرد ذلك «دراية» إلا بتكذيب القرآن، فهنيئاً لكم!
فمعاذ بن جبل، وهو من العلماء الراسخين، رضي الله عنه، من أعلم الناس بالتوحيد والشرك، وبما هو عبادة وما ليس كذلك، فأقره النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم على ذلك الفهم، أي فهم معنى «العبادة» الضيق، مع إنكاره للفعل، وبين أن الشرع الإسلامي حكم بقصر السجود لله سبحانه وتعالى، وحرم السجود لغيره، حتى لو كان تكريمًا أو إجلالاً أو تحية، ولم يكن «عبادة»، ذلك لأن وجوب إفراد الله ــ سبحانه وتعالى ــ بالعبادة أمر معلوم لمن هو أقل من معاذ بن جبل علماً وفضلاً، وقد استقر في علم الصحابة استقرارًا تاماً في عهدهم المكي فلا توجد حاجة ها هنا للتنبيه عليه في العهد المدني إلا قليلاِ، لا سيما بالنسبة لفقهاء الصحابة وعلمائهم، من أمثال معاذ.
ولو كان فعل معاذ شركاً، أو كفراً، لبين النبي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ذلك، وسماه باسمه، وأنكره، كما حدث في قصة ذات الأنواط، التي اشتد فيها إنكار النبي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، على طائفة من أصحابه، كانوا حديثي عهد بالكفر والجاهلية، وأغلظ فيها لهم القول: «قلتم كما قيل لموسى: (إجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة)»، أو كما قال بأبي هو وأمي. وهذا الإنكار كان متعيناً ساعة وقوع الجريمة، لأنه وقت الحاجة إلى البيان، ولا يجوز لله ورسوله تأخير البيان عن وقت حاجته، حاشا لله أن يخلف وعده: }ثم إن علينا بيانه{!
وعلى تتبعنا لقصة معاذ بن جبل، رضي الله عنه، هذه، والقصص المماثلة: قصة قيس بن سعد بن عبادة، وسجود البعير للنبي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وقصة الأعرابي، ونحوها، بشتى طرقها، كما سنذكر طرفاً منها في الملحق، لم نجد في شيء من ذلك، صحيحاً كان أو ضعيفاً، أو حتى موضوعاً، أن النبي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، سمّى فعل معاذ شركاً، أو كفراً، أو قال له: جعلتني رباًً، أو إلهاً، أو قال: عبدتني من دون الله، أو جعلتني لله نداً، أو نحواً من ذلك، أو قريباً منه، أو لفظاً مشابهاً في الحكم، مع أنه قال نحو ذلك في مناسبات كثيرة:
ــ كقوله: «أجعلتني لله نداً؟! بل ما شاء الله وحده»!، منتهراً ذلك الرجل الذي فقط قال: (ما شاء الله وشئت)، مع كون هذا مجرد شرك لفظي، كما سيأتي محرراً هو وما شابهه في بابه، وهو في الصحيح الأرجح مكروه، وليس حتى بحرام.
ــ ولا قال غاضباً: «هذا كما قال قوم موسى: }اجعل لنا إلها كما لهم آلهة{»، كما أخرجه الإمام الترمذي، حيث قال: [حدثنا سعيد بن عبد الرحمن المخزومي حدثنا سفيان عن الزهري عن سنان بن أبي سنان عن أبي واقد الليثي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما خرج إلى حنين مر بشجرة للمشركين يقال لها ذات أنواط يعلقون عليها أسلحتهم فقالوا: (يا رسول الله: اجعل لنا ذات أنواط، كما لهم ذات أنواط)، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «سبحان الله: هذا كما قال قوم موسى: }اجعل لنا إلها كما لهم آلهة{! والذي نفسي بيده لتركبن سنة من كان قبلكم»، وقال أبو عيسى معقباً: (هذا حديث حسن صحيح)، وأبو واقد الليثي اسمه الحارث بن عوف وفي الباب عن أبي سعيد وأبي هريرة)]، قلت هذا إسناد في غاية الصحة، وقد أخرجه أحمد من عدة طرق صحاح أيضاً.
ــ ولا أمره بالتلفظ بالشهادتين، ولا بغير ذلك من الكفارات، كما أمر من سبقه لسانه فحلف باللات والعزى، كعادتهم في الجاهلية، أمره بأن يستغفر الله، وأن يقول: (لا إله إلا الله).
بل هو، بأبي هو وأمي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، قد قال نصاً: «لو كنت آمراً أحداً أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها»، نعم: هذا تقدير امتناع لامتناع، ولكن هل يتصور أن يكون الشرك والكفر مأموراً به، وقد بينا أن الله محال عليه أن يرضى بالشرك والكفر، أو أن يأمر بهما؟! أعجز نبي الله الخاتم أن يقول مثلاً: (لولا أن السجود لغير الله شرك (أو كفر) لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها)؟!
لذلك لا بد من الحكم القاطع بالبطلان على قولكم وقول أمثالكم، مثل علي الحلبي، تلميذ الألباني، تعقيباً على قصة معاذ آنفة الذكر: «... فلم يكفره الرسول صلى الله عليه وسلم، وبين له أن هذا كفر، وأنه لا ينبغي لأحد أن يسجد لأحد ...»، قاله في مقابلة مع مجلة «الهدْيُ النبوي» في الصفحة الرابعة والعشرين من عددها التاسع (رمضان 1417هـ)!
نعم، والله، أنكر، صلوات الله وسلامه وتبريكاته عليه وعلى آله، فعل معاذ، وبيَّن النبي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «أنه لا ينبغي لأحد أن يسجد لأحد»!
إي، وربي، لم يكفره الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، بل ولم يفسقه، أو يؤثمه، أو يأمره بكفارة، أو باستغفار!
فهل عجز النبي، المعصوم، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، عن وصف ذلك الفعل بالكفر، أو الشرك؟! أو أن يقول له: جعلتني رباً، أو إلهاً، أو يقول: عبدتني من دون الله، أو جعلتني لله نداً، أو نحواً من ذلك، أو قريباً منه، أو لفظاً مشابهاً في الحكم؟! فلعله تركها لـ«العبقري» الحلبي يستدركها عليه في دبر الزمن وأواخره؟! لا ها الله!! حاشاه، ثم حاشاه!!
ولكنه الفكر التافه السقيم، والفهم السطحي البليد لكلام الله ورسوله، وهذا هو المتوقع من أمثال الحلبي وغيره من تلاميذ الألباني المعروفين بتفاهة الرأي، وسطحية الفكر، بل باتباع الهوى وعدم التورع عن الكذب وتحريف الألفاظ والنصوص، أو هو، عياذاً بالله، الكفر، والتقديم بين يدي الله ورسوله!!
وها هو الإمام ابن كثير ينص أثناء الكلام على قوله، تعالى ذكره: }وخروا لهُ سجداً{، على أن السجود لغير الله: [كان هذا سائغاً في شرائعهم إذا سلموا على الكبير يسجدون له، لم يزل هذا جائزاً من لدن آدم عليه السلام إلى شريعة عيسى عليه السلام، فحرم هذا في هذه المله، (اي مله محمد صلى الله عليه وسلم)، وجعل السجود مختصاً بجناب الرب سبحانه وتعالى]، كما هو في (صفحة 645 من المجلد الثاني من «تفسير ابن كثير»). فقد صرح الإمام أنه كان مباحاً، ولكنه ما قال قط أنه انقلب شركاً وكفراً كما تزعمون؟! نعم: هو حرام في شريعتنا، كالسرقة والزنا، وهذه ليست شركاً وكفراً إلا في حق من جحد حكمها أو استحلها، بموجب الجحد والاستحلال، ولكن ليس بوصفها عملاً مجرداً.
هذا بالنسبة للسجود والركوع والانحناء، أما بالنسبة للقيام فمن المعلوم أن أنواع القيام للمخلوقين ثلاثة: (قيام إليه)، و(قيام له)، و(قيام عليه)، أما الأول فمباح وهو القيام الذي يكون بقصد السلام والتحية والمعانقة وتلقي القادم ونحو ذلك، وقد دلت النصوص المتواترة المفيدة بمجملها للقطع واليقين على أن النبي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، كان يفعله لبعض أصحابه، وأقاربه، ويفعله بعض الصحابة رضى الله عنهم لبعض
ــ كما في الحديث الذي رواه الشيخان عن أبي سعيد الخدري رضى الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للأنصار في بني قريظة لما جاء سعد بن معاذ: «قوموا إلى سيدكم».
ــ وما روياه أيضاً من حديث كعب بن مالك الطويل ــ في قصة الثلاثة الذين خلفوا ــ من قيام طلحة بن عبيد الله إليه يهنئه ويسلم عليه، بعد أن تاب الله عليه، وكان ذلك في مجلس النبي وبحضرته من غير إنكار، وما زال كعب يذكر ذلك لطلحة رضى الله عنهما!
ــ وما رواه الترمذي عن عائشة رضى الله عنها في قيام النبي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، لمعانقة زيد بن حارثة،
ــ ومارواه النسائى والترمذي وأبو داود عنها أيضاً في قيام النبي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، لفاطمة إذا أتته، وقيامها له إذا أتاها،
ــ وما رواه البيهقي في قيام النبي صلى الله عليه وسلم لعكرمة بن أبي جهل لما هاجر إليه، وغير ذلك من المتواتر معنوياً بما يفيد القطع واليقين.
أما النوعان الباقيان فحرام، وهو القيام للتعظيم وليس بقصد التحية والسلام ونحوه وهو على صورتين: القيام على الرجل وهو قاعد كما يفعله أعوان الملوك تعظيماً من غير سبب آخر موجب لذلك (أماالحراس، والشرط، ونحوهم، الذين تتطلب وظيفتهم، أو حراستهم، ممارستها قائمين، فلا بأس، لأنه وقوف لأداء الوظيفة، التي لا يتم أداؤها إلا حالة الوقوف، أي أنه من متطلبات أداء العمل على وجهه الصحيح). والقيام للداخل أو المار إعظاماً له، من غير مصافحة، أو معانقة، أو تلقي، فالأول (قيام عليه)، والثاني (قيام له)، وهذان النوعان حرام جاءت النصوص بالنهى عنها والتشديد فيها والإخبار بأنها تشبه بالأعاجم في تعظيمهم غير الله سبحانه وتعالى:
v كما روى الترمذي، وصححه، عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه قال: «لم يكن شخص أحب إلى الصحابة من النبي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وكانوا إذا رأوه لم يقوموا له لما يعلمون من كراهته لذلك»،
v وكالذي رواه أبو داود والترمذي عن معاوية أن النبي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، قال: «من أحب أن يمتثل الناس له قياماً فليتبوأ مقعده من النار»،
v وكما في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم عن جابر رضى الله عنه: (....، فأشار إليهم فقعدوا، فلما سلم قال: «إن كدتم آنفاً لتفعلوا فعل فارس والروم يقومون على ملوكهم وهم قعود فلا تفعلوا»). وليس في هذا اللفظ كلام عن الشرك أو الكفر، وإنما هو كراهية للتشبه بفارس والروم، فقط لا غير.
v وكما في الحديث الذي رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه عن أبي أمامة الباهلي، رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «لا تقوموا كما يقوم الأعاجم يعظم بعضهم بعضاً»،. وهذا كسابقه ليس فيه كلام عن الشرك أو الكفر، وإنما هو كراهية للتشبه بالأعاجم، فقط لا غير.
وغيرها من النصوص، ويستفاد من ذلك أن القيام للمخلوق فيه الوعيد الشديد على من أحب أن يفعل له ذلك، ذلك لأنه أحب فعلاً شنيعاً قبيحاً، وهو التعظيم المحرم للمخلوق، فلا يصلح إلا لله سبحانه وتعالى في هذه الشريعة الخاتمة.
كما أنه من التشبه بالكفار، والتشبُّه بالكفار، بما هو من خصوصياتهم المتعلقة بكفرهم، أو المميزة لهم بوصفهم كفاراً، جاء فيه ما جاء من التغليظ، والوعيد الشديد، فقد روى أحمد وأبو داود عن ابن عمر رضى الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من تشبه بقوم فهو منهم» وروى الترمذي عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ليس منا من تشبه بغيرنا، ولاتشبهوا باليهود ولابالنصارى»، إلي غير ذلك من عشرات النصوص الصحيحة، الصريحة، أو الضمنية.
وهذان النوعان المحرمان من القيام لم يسمهما النبي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، عبادة، ولا فعلهما شركاً، ولا قال: جعلتوني رباً، أو إلهاً، أو قال: عبدتوني من دون الله، أو جعلتوني لله نداً، أو نحواً من ذلك، أو قريباً منه، أو لفظاً مشابهاً في الحكم، مع كونه نهي عنهما، نهياً شديداً، كما فصلناه!
على أننا نعلم، ضرورة، أن الصلاة، على الضد من ذلك «عبادة»، أو بلفظ أدق: شعيرة تعبدية، وأن القيام فيها عبادة، ويبقى عبادة، أو بلفظ أدق: شعيرة تعبدية، على كل حال حتى ولو لم يكن بخشوع تام، وقنوت كامل، كما ينبغي لها، ولكنها عبادة، أو بلفظ أدق: شعيرة تعبدية، على كل حال، وكذلك ما فيها من ركوع وسجود.
وقد حاول بعض أنصار الدعوة الوهابية الإفلات مما قلناه آنفاً بقولهم: (مع كل رساله وشريعه سماويه تكون هناك أوامر ونواهي، ويكون هناك كفر بهذه الشريعه وإيمان، وعلى حسب الكفر والإيمان الموضح في الشريعه المنزله من لدن الله سبحانه تتشكل المفاهيم، بل وحتى المصطلحات. فمفهوم الكفر في الشريعة التي جاء بها المصطفى محمد صلى الله عليه وسلم غير مفهوم الكفر الذي جاء به عيسى عليه السلام، مع أن أساس جميع الرسالات واحد وهو لا إله إلا الله)، أو كلاماً نحو هذا. ثم ضربوا بعض الأمثلة، مثل: (شرب الخمر من الكبائر في شريعه محمد صلى الله عليه وسلم، ومن أحل الحلال في شريعة غيره من الأنبياء)،
وجوابنا هو: كلامكم هذا مجمل، فيه تداخل مفاهيمي خطير، لذلك جاء فيه حق وباطل، كما يظهر من التفصيل التالي:
(1) نعم: نسخ الدين الخاتم جميع الشرائع السابقة: فلم يعد حرامها حراماً، ولا حلالها حلالاً. وما كان في شريعتنا موافقاً أو حتى مطابقاً لما جاء في شريعة سابقة إنما هو شرع جديد مستأنف، جاء مطابقاً للشريعة السابقة، وليس هو إقرار لها. على كل حال هذا تقتضيه ضرورة الشرع والعقل، وأحسب أني أشبعته بحثاً في كتابنا هذا: (كتاب التوحيد). إلا أن النسخ إنما يتطرق إلى الأحكام الشرعية التكليفية: الواجب (وهو الفرض)، والمستحب، والحلال المحض وهو المباح، والمكروه، والحرام، وكذلك الأحكام الوضعية: الصحة، والبطلان، والفساد، والسبب، والشرط، وغيرها. فالمصطلحات والمفاهيم من هذا النوع تختلف باختلاف الشرائع: هذا حق.
ولكن هناك مصطلحات ومفاهيم موضوعية تتعلق بواقع معين وصفاً له أو حكم عليه: هذه من جنس الأخبار. والأخبار من المحال العقلي والشرعي أن تنسخ أو يتطرق إليها النسخ. فالخبر إما صادق أو كاذب، فقط لا غير. نعم قد توجد مقولات غير محررة، لا يمكن وصفها بالصدق أو الكذب هكذا لأنها مركبة من أجزاء بعضها حق وبعضها باطل (مثل مقولتكم هذه بعينهاالتي نحللها ونناقش جزئياتها الآن). ولكن إذا حررت وفككت إلى أجزائها أمكن الحكم عليها من حيث المبدأ (نعم: قد يتعسر هذا علي أو عليكم، ولكنه ممكن من حيث المبدأ، وإن شئتم فقولوا: كما هو في علم الله).
نعم: هناك جمل لغوية تبدوا كأنها مقولات يمكن الحكم عليها بالصدق أو الكذب، وهي في الحقيقة فارغة المحتوى، مثل القول: (روح الإنسان خضراء اللون)، لأن الروح ليست من الماديات التي تسري عليه مفاهيم الألوان أصلاً، والصواب في هذه الحالة أن يقال: هذا كلام فارغ: فالروح لا تسري عليها مفاهيم الألوان مطلقاً، لأنك لو قلت: روح الإنسان ليست خضراء اللون، فلربما وهم واهم أنها حمراء مثلاً.
لا نطيل بهذا لأن ينبغي أن يكون واضحاً بديهياً. وهذا معلوم بالحس والعقل قبل مجيء الشرع، لأنه مغروس في بنية العقل من حيث هو عقل، وأعطي للإنسان قبل أن يخاطب بخطاب التكليف أصلاً، لأن خطاب التكليف محال إن لم يكن العقل موجوداً. قال تباركت أسماؤه، وسمى مقامه: }وعلَّم آدم الأسماء كلها، ثم عرضهم على الملائكة{.
أما الأمثلة التي ذكرتم فهي حجة عليكم لا لكم: فأنت تقولون: (شرب الخمر من الكبائر في شريعه محمد صلى الله عليه وسلم، ومن أحل الحلال في شريعة غيره من الأنبياء)، فأقول: صدقتم وبررتم وأحسنتم، ولكن الخمر هي الخمر: وهي كل مسكر: هذا واقع موضوعي يدرك بالحس، والتجربة والعقل. ولكن الحكم الشرعي مختلف باختلاف الشرائع، فمفهوم الخمر عندنا، وفي الشرائع السابقة، واحد، من حيث هي شيء مادي يشرب أو يؤكل أو يستشق أو يدخن فيؤدي إلى «السكر»، وهو تغيّر معلوم في حالة العقل والنفس، ولكن حكم شربها مختلف باختلاف الشرائع.
وعندما قال، عليه وعلى آله الصلاة والسلام: «ما أسكر كثيره، فقليله (وفي رواية: ملؤ الكف منه) حرام»، أحال إلى واقع محسوس لأشياء تسمَّى أو توصف بأنها «مسكرة»، وهي لفظة معلومة في لغة العرب، يعرفها العرب قبل مجيء الوحي، ويدركون واقعها بضرورة الحس والعقل، ثم حكم عليها بحكم شرعي: ألا وهو الحرمة.
ومفهوم (العبادة) كذلك له واقع موضوعي، لا محالة مدرك بضرورة الحس والعقل، قبل ورود الشرائع، وإلا كان قول الأنبياء لأقوامهم: (لا تعبدوا إلا الله) عديم المعنى، لأن الأقوام سوف يقولون: ما هذه اللفظة: (تعبدوا)، هذه لا نعرفها أصلا. ولكن الواقع الحسي، والتواتر التاريخي، ونصوص القرآن القاطعة تبين أنهم عرفوا المطلوب على الفور، وسارع أكثرهم بالاستنكار والاحتجاج: }ما نحن بتاركي آلهتنا عن قولك{، }أجعل الآلهة إلاهاً واحداً؟! إن هذا لشئ عجاب!{، وما شابه. فالقوم فهموا فوراً، وعلى البديهة مراد الأنبياء، عليهم السلام، وعرفوا أنها الطامة الكبرى، والنقيض التام، والهدم الكامل لموروثاتهم، لأنها تقتضي بطلان آلهتهم، وأنها خرافات لا وجود لها في الواقع!
فما هو مفهوم (العبادة) أو مفهوم (الإله) الذي دار حوله الجدل بين الأنبياء، وأقوامهم؟! وما هي علاقة المفهومين ببعضهم البعض؟! لا بد إذاً من تحرير مفهوم (العبادة)، ومفهوم (الإله) وتبيان أيهما الأصل، وأيهما التابع، هذا هو الذي حررناه آنفاً، وسوف يزداد ذلك التحرير والبيان قوة بإبطال اعتراضاتكم، أو بيان أنها ليست في الموضوع محل البحث، كما سيأتي شيئاً فشيئاً، إن شاء الله.
هذا إذاً هو هو المطلوب تحريره أولاً وقبل كل شئ، تماما كما أن المطلوب معرفة: هل هذه العشبة التي يدخنون، أو تلك الحبوب التي يبتلعون، من «المسكرات» أم لا؟! وليس المطلوب الآن معرفة ما حكم تدخين العشبة، أو ابتلاع تلك الحبة: هذا موضوع آخر يأتي في حينه، بعد ذلك.
فالقضية هنا وفي غير هذا من الأفعال قضية نوع الفعل وصنفه، أي قضية ما يصاحبه من اعتقاد وتصور، وليست قضية درجته أو شدته، أو وصفه وهيئته. فالغريق الملهوف الذي يستغيث بالواقفين على الشاطيء لم يعبد الواقفين على الشاطىء من دون الله، وذلك بغض النظر عن حرارة استغاثته، وشدة لهفته. وكذلك الحال في أولئك الذين جبنوا عن القتال، بعد أن فرض عليهم، خشية من الناس، وخوفاً من الموت والجراحات والألم والمشقة، بل أن خشيتهم للناس بلغت درجة خشيتهم لله أو أشد، بنص القرآن القاطع، ومع ذلك لم يقل أحد من العقلاء أنهم أصبحوا بهذا الموقف، وهو موقف ذميم مقبوح بلا شك، عابدين للناس من دون الله، مشركين شركاً يخرج عن الملة.
ولو شئنا لسودنا مئات الصفحات ها هنا في البرهنة على أنه ما ثمة من فعل من أفعال المخلوقين في العالم، لا فرق بين أفعال الجوارح والبدن كالسجود والركوع، وأفعال القلب كالمحبة، والخوف، والخشية، يصلح أن يكون من حيث هو فعل مجرد «عبادة»، بل لا بد لتصنيفه عبادة أن يصحبه اعتقاد أو تصور معين عن «المفعول به»، أي عمن (تم توجيه الفعل إليه)، في ذهن «الفاعل».
بذلك يتبين بطلان تسمية، أو اعتبار بعض الأعمال عبادة، أو بلفظ أدق: شعائر تعبدية، من حيث هي أعمال محضة مجردة عن الاعتقاد، بغض النظر عن مضمون الإعتقاد في من وجهت إليه.
نعم: في مضى كفاية، إن شاء الله، لهدم المقولة الباطلة، والتي هي في نفس الوقت مقولة مبتدعة ضالة مهلكة بـ(أن ثمة أفعال هي «عبادة» من حيث هي فعل مجرد، بغض النظر عما يصاحبها من اعتقاد الفاعل عن الكائن المفعول به، أو الذي تم توجيه تلك الأفعال إليه)، ومع ذلك فسوف نعود إليها في بعض المناسبات بزيادة تقرير وضرب أمثلة، لا سيما في الأبواب المتعلقة بأصناف من الشرك العملي، إن شاء الله تعالى.
أما عن نوعية «المعتقد» أو «التصور» في «المفعول به» الذي يصلح أن تصبح الأفعال الموجهة إليه «عبادة» فهو، بالضرورة الشرعية والعقلية، «الألوهية»، ومنها «الربوبية من دون الله»، كما عرفنا جزئياتها في الأبواب والمباحث السابقة من هذا الكتاب، لا يجوز غير ذلك، ومن المحال أن يكون الأمر إلا كذلك.
لذلك نقرر القاعدة: لا يمكن أن يسمى عمل من أعمال القلب، أو لفظ من الفاظ اللسان، أو فعل من أفعال الجوارح «عبادة» (بالمعني العرفي الاصطلاحي عند العرب الفصحاء الأقحاح وقت نزول القرآن) إلا إذا كان مسبوقاً باعتقاد«الألوهية»، أو «الربوبية من دون الله»، ولو في جزئية واحدة أو معنى واحد من معانيها، فيمن يوجه إليه ذلك الفعل، أي فيمن يراد التقرب إليه بذلك الفعل؛
فمفهوم «الألوهية»، ومنه: «الربوبية من دون الله»، إذا، ضرورة، سابق لمفهوم العبادة، والعبادة لا تكون إلا لإله.
فمن اعتقد، مثلاً، أن الجن مخلوقون مربوبون إلا أنهم يستطيعون الاختباء من الله، أو أنهم يعجزونه هرباً، فهو بهذا المعتقد مشرك كافر، مرتد عن الإسلام إن كان صح عقد الإسلام له من قبل، ويترتب على ذلك أن خوفه من الجن «عبادة»، حتى ولو كان خوفاً هزيلاً، وربما اعتقد أنه يستطيع مغالبتهم، أو مناورتهم أو التلاعب بهم بالسحر، وذلك على النقيض التام من خوف المسلم الفار من الأسد حال هجوم الأسد عليه، مع أن الخوف قد يكون طاغياً على هذا مستحوذاً عليه بحيث لم يعد في قلبه وعقله إلا الرعب والخوف، وربما أطلق ساقيه للريح، وتردى في هاوية وهو لا يبصر، ومع ذلك فليس خوفه الهالع هذا «عبادة»، ومعاذ الله أن يكون خوفه «عبادة»، ومعاذ الله أن يموت مشركاً كافراً لو تردى قتيلاً في حفرة، ومن زعم هذا أو نحوه فقد فارق العقل، وفارق الإسلام فهنيئاً له!
وهذا المثال السابق يبين أن خصوم الدعوة الوهابية من «الصوفية» و«البريلوية»، و«الشيعة الإثني عشرية»، وغيرهم، ممن شابههم في الحرب الشعواء على الدعوة الوهابية، ليسوا بأحسن حالاً أو أعمق فكراً عند إجابتهم على ذلك عندم يذكرون «النية» أو «إرادة الفاعل»، على أنها بيت القصيد، ومناط الحكم في القضية.
وبطلان كون اختلاف النية هو المناط في المسألة يظهر من تأمل أن الخوف، مثلاً، ينشأ، في أغلب الأحيان، في النفس قسراً، فلا مدخل لـ«الإرادة» و«القصد»، و«النية» في كونه يستحق أن يصنف: «خوف عبادة»، أو أن يصنف: «خوفاً طبيعياً».
و«النية»، وإن كان لها دخل في استحقاق الذم والعقوبة، أو الثناء والمثوبة، لأنه: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امريء ما نوى»، ولكن لا دخل لها قطعاً في تصنيف الفعل ونوعه: فالقاتل خطأً «قاتل»، وإن كانت رفعت عنه المؤاخذة، وليس مستحقاً لعقوبة القاتل العمد، ولكن واقعه أنه «قاتل»، ولن ينقلب فجأة إلى: «ضاحك» أو «تاجر»، بسبب تغير النية!
فالقوم كلهم متخبطون متناقضون، لا فرق بين رجالات الدعوة الوهابية وخصومهم في هذا الباب، وأكثرهم يرفض الفكر العميق، والنظر المدقق المستنير، ويفضل الانغماس في السب واللعن والتكفير، أو رفع الأئمة السابقين إلى مراتب المعصومين القديسين، والمعاندة في الإصرار على زلاتهم، بدلاً من تصحيح أغلاطهم، ودعاء الله لهم بالمغفرة والثواب على اجتهادهم، مها كانت درجة خطئهم.
فلا بد إذاً من إيقاف مسلسل هدم الإسلام، الذي تخوفه أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، عندما قال: (إنما يهدم الإسلام: زلة العالم، وجدل المنافق بالكتاب، وحكم الأئمة المضلين)، وما كانت هذه المقولة الرائعة من بنات أفكاره، رضوان الله وسلامه عليه، بل هو ما استفاده من خاتمة أنبياء الله، عليه وعلى آله صلوات وتسليمات وتبريكات من الله!
هذا التعريف لمفهوم «العبادة»، بمعناها الاصطلاحي الضيق، هو وحده الفهم الصحيح، المطابق للواقع، والذي توجبه نصوص القرآن المتضافرة. وهو الذي فهمه سلف الأمة كما أخرج البخاري بإسناد صحيح في «الأدب المفرد» عن معقل بن يسار قال: انطلقت مع أبي بكر، رضي الله عنه، إلى النبي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فقال: «يا أبا بكر! للشرك فيكم أخفى من دبيب النمل». فقال أبو بكر: (وهل الشرك إلا من جعل مع الله إلهاً آخر؟!)، فقال النبي، صلى الله عليه وعلى اله وسلم: «والذي نفسي بيده، للشرك أخفى من دبيب النمل، ألا أدلك على شيء إذا فعلته ذهب قليله وكثيره؟!»، قال: «قل: اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم، وأستغفرك لما لا أعلم». فقول أبي بكر الصديق، رضي الله عنه، وهو عربي قرشي فصيح، أوَّل الأمر: (وهل الشرك إلا من جعل مع الله إلهاً آخر؟!)، هكذا حصراً، هو عين قولنا الذي فصلناه أعلاه، إذ لم يتشكل في ذهنه للشرك معنى إطلاقاً إلا في اتخاذ إله آخر مع الله، أي في اعتقاد الألوهية في غير الله. أما قوله صلى الله عليه وعلى اله وسلم: «والذي نفسي بيده، للشرك أخفى من دبيب النمل، ... إلخ»، فهو تشريع جديد، وتوسيع لمفهوم الشرك، على نحو لم يكن معروفاً للعرب حتى تلك اللحظة، فأعطى أفعالاً وإرادات مسمَّى الشرك، وصنفها «شركاً عملياً»، وجعلها إثما وحراماً غير مخرج من الملة في العادة، مع كونها ليست في صدر ولا ورد من شرك الكفر، المناقض للإسلام كل المناقضة، المخرج من الملة، المردي بمن مات عليه، بعد بلوغ الرسالة وقيام الحجة، من غير توبة، حتماً في النار الأبدية، واللعنة السرمدية، وليس هذا هو بحثنا ها هنا في هذا الباب، بل له أبواب أخرى ستأتي، بل نحن نيحث فقط في المعنى الاصطلاحي العرفي الضيق، لا غير.
فالقول بأن أفعالاً، من حيث هي أفعال مجردة بغض النظر عما يصاحبها من تصور واعتقاد في «المفعول به»، القول بأنها «عبادة»، خطأ جسيم قاتل، وليس هو كذلك فحسب، بل هو أيضاً بدعة نكراء، وضلال كبير، ترتَّبت عليه طوام وفواقر منها:
(1) نسبة الشرك والكفر إلى كثير من المسلمين، والحكم بخروجهم من الملة، ومفارقتهم الإسلام، ومن ثم معاداتهم، وسل السيف عليهم، وقتالهم، واستباحة أموالهم ودمائهم. هذا منكر عظيم، وخلل جسيم يجعل صاحبه من المارقين «الخوارج»، الذين يقتلون أهل الإسلام، ويذرون أهل الأوثان، أو في أقل تقدير: معاداة أهل الإسلام، ومهادنة أو موالاة أهل الأوثان.
(2) مسخ مفهوم العبادة حتى أصبح مجموعة من «الشعائر» و«الطقوس» الفارغة تقريباً من كل محتوى، ومباحث مضحكة «مهووسة» تدور حول القبور، والأضرحة، والأولياء: فلا عجب أن يسمي الألباني، مثلاً، دولة آل سعود «دولة التوحيد»، في نفس شريط «الكاسيت» الذي يوسعها نقداً لاستقدام القوات الأمريكية لقتال العراق إبان أزمة الكويت، فهي «دولة التوحيد»، في نظره، حال توليها الكفار وقتالها تحت رايتهم ضد المسلمين قتالاً مدمراً فعالاً، وهو فعل من أفعال الكفر، يصبح به الفاعل كافراً مرتداً إذا انتفت في حقه موانع التكفير، مقروناً بتبديلها للشرائع، وإظهارها الكفر البواح في مثل نظام التابعية السعودية، ذلك النظام الخبيث، بل العنصري الملعون، والترخيص للبنوك الربوية، وعضوية المنظمات الكفرية كالأمم المتحدة.
ثم وجدنا تسميته لها بذلك مكتوباً في في رسالته: (تحذير الساجد، من اتخاذ القبور مساجد)، كما هي أمامي الآن في طبعتها الرابعة، من اصدار «المكتب الإسلامي» بتاريخ. 1403 هـ، الموافق 1983م، في الصفحة 68، حيث يقول: (فعجبت حينئذ كيف ظلت هذه الظاهرة الوثنية قائمة حتى عهد دولة التوحيد).
لماذا سمَّاها «دولة التوحيد»، وكيف استحقت هذا الشرف العظيم؟! لأن الديار السعودية تخلوا من القبور المبنية، والأضرحة المشيدة: هكذا بكل سخف وبلاهة وتفاهة، وسطحية فكر. سبحانك اللهم: هذا بهتان عظيم!
(3) وهو أشنعها عقدياً، وإن كان لا يظهر بتلك السهولة عملياً، وهو القول بأن الله، جل جلاله، لم يكن إلها في الأزل، وإنما أصبح إلها بعد أن أصبح معبوداً، أي بعد أن وجد من يعبده، وكفى بذلك قبحاً.
نعم: سوف يسارع القوم بالقول: معاذ الله، بل هو إله أزلاً وأبداً، بمعنى أنه المستحق بذاته لعبادة كل عابد، لا فرق في وجود عابد من عدمه، أو امتناع مكلف عن العبادة من عدمه.
فنقول: أحسنتم، وهو كذلك، فعرفوا لنا العبادة إذاً؟! أليست هي، ضرورة وعلى البديهة، كل فعل يراد به التقرب إلى الله، بوصفه المستحق لها ذاتياً، أي بناء علي اعتقاد ذلك الفاعل لاستحقاق الله لها ذاتياً؟! فكيف جعلتموها قائمة محصورة من الأفعال: سجود، وركوع، وإيقاد شموع، وتقديم قرابين، وذبح ذبائح، والتزام بنذور، و... إلخ، من حيث هي أفعال مجردة.
وربما سارع القوم بالمشاغبة قائلين: بل لأن الله أمر بها لنفسه، ونهى عنها لغيره، لذلك سميناها عبادة، وصنفنا صارفها لغيره مشركاً كافراً.
فنقول: هذا من جهلكم، أو كذبتم صراحة، لأننا أثبتنا في حالة السجود، مثلاً، أن الله لم يصنفها عبادة إذا صرفت لغيره، ولا كَّفر من صرفها لغيره، بل أمر بها ملائكته المسبحة بقدسه أمر وجوب لا هوادة فيه، ولعن إبليس وطرده لما أبى واستكبر فأصبح بذلك الإباء من الكافرين، وإنما حرمها فقط في هذه الشريعة الخاتمة، ولم تكن محرمة قبل ذلك. وهي في هذه الشريعة الخاتمة حرام فقط، وليست شركاً أو كفراً إلا إذا صحبها اعتقاد مكفر. فأنتم تشرعون بأهوائكم، وتسمون الأشياء بأسماء اخترعتموها، ما أنرل الله بها من سلطان. فضلاً عن تناقض قولكم، ووقوعكم في الدور الجلي حيناً، وفي الدور الخفي أحياناً.
فلا عجب إذاً أن تتركز حملات عملاء آل سعود على «طالبان»، عندما أمرتهم «سيدتهم» أمريكا بذلك، على قضية «الأضرحة» و«القبور»، فيكون دفاع المدافع مقصوراً على إيراد الأدلة على أنهم بسبيل هدمها، قدر الاستطاعة (؟!). أما الأعراف القبلية الكفرية التي سكتت عنها طالبان، وأما التقليد الأعمى والجمود الفقهي على أقوال فقهاء عصور الانحطاط، البالغ درجة «الظلامية»، وأما الغلو والممارسات الخاطئة التي تورطت فيها طالبان، والتي شوهت صورة الإسلام الناصعة، وأما القمع ومصادرة حقوق الناس المشروعة، أما هذا كله فليس موضوع البحث والنقاش، أو توجيه النقد والإنكار والنصيحة إلى طالبان لتصحيحه. ولم لا؟! أليس «شرك القبور» هو الطامة الكبرى، والمصيبة العظمى التي ينبغي التركيز عليها، وعلاجها قبل غيرها كما هو في الخيال الشاطح المريض عند هؤلاء المساكين المفتونين من أدعياء «السلفية»، أهل (العقيدة الصحيحة) بزعمهم؟!
ولا عجب أن نسمع أحد أئمة الدعوة الوهابية في هذا العصر، ألا وهو الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ، رحمه الله، يقول: (وتحكيم شرع الله وحده دون كل ما سواه شقيق عبادة الله وحده دون ما سواه إذ مضمون الشهادتين أن الله هو المعبود وحده لا شريك له وأن يكون رسوله هو المتبع المحكم ما جاء به فقط. ولا جُردت سيوف الجهاد إلا من أجل ذلك والقيام به فعلاً وتركاً وتحكيماً عند النزاع) (عن فتاوى الشيخ :12/251).
نعم: لا عجب أن يصدر من الشيخ، رحمه الله، هذا الكلام المرسل، الذي تنقصه الدقة، مع ما فيه من جوانب جيدة لا تنكر، لأنه ينطلق من مفهوم «العبادة» البدائي المتخلف: أنها مجموعة من الشعائر والأفعال الظاهرة والباطنة: من قيام وقعود، وركوع وسجود، وصيام وحج، وإطلاق مجامر، وإيقاد شموع، وتقديم ذبائح وقرابين، وما شابه ذلك.
والحق أن تحكيم شرع الله هو «عين» عبادة الله، أو «بعض» عبادة الله، وليس هو شيء غيرها حتى يصح أن يقال أنه شقيقها، لأن الشعائر التعبدية ليست بذاتها «عبادة»، وإن أخطأ الفقهاء وسموها «عبادات» بدلاً من التعبير الصحيح «شعائر تعبدية»، بل العبادة هي «الطاعة للأمر» بها، وليس هو «ذاتها».
وهذا هو عين نص نبي الله الخاتم، عليه وعلى آله الصلاة والسلام، عندما قال:«فتلك عبادتهم»، ولم يقل: (تلك مثل، أو شقيقة، أو صنو عبادتهم)، تعليماً لعدي بن حاتم عندما استشكل قوله تعالى: }اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله{، فقال: (إنا ليس نعبدهم)، فسأله نبي الله، عليه وعلى آله صلوات وتسليمات وتبريكات من الله: «أليس يحرمون ما أحل الله فتحرمونه؟ ويحلون ما حرم الله فتحلونه؟»، فأسقط في يد عدي بن حاتم وقال: (بلى)!
وسبب الوقوع في هذا الخطأ الجسيم القاتل، الذي نتجت منه كل تلك المصائب والبلايا هو عدم الدقة في التمييز بين المصطلحات المتباينة. فهناك فرق جوهري بين مفهوم العبادة بمعناها العرفي الإصطلاحي الضيق الذي كان يستعمله العرب عند نزول القرآن في حق آلهتهم ومعبوداتهم، وما زال كافة البشر يستخدمونه، وهو استخدام القرآن المعتاد، عند مخاطبته للمشركين ودعوتهم للإسلام والتوحيد، وبين المفهوم الشرعي الواسع الذي جاء به الإسلام لـ «عبادة الله» خاصة، الذي خوطب به المؤمنون، بعد دخولهم في التوحيد والإيمان. وهناك فرق بين ذلك كله من جانب، والأصل اللغوي لألفاظ: عبَد، عبْد و جمعها عبيد، عبادة، ونحوها، من جانب آخر.
أما المعنى الاصطلاحي العرفي لـ«العبادة»، وهو أيضاً المعنى الشرعي إذ لم تأت الشريعة بغيره، فهو حصراً: (توجيه أقوال وأفعال وشعائر معينة إلى من تعتقد فيه الألوهية للتقرب إليه وطلب رضاه ومحبته والزلفى إليه، أو اتفاء شره، أو استدرار عطفه وبره وإنعامه، أو الاستعانة به في دفع ضر أو جلب منفعة، ونحو ذلك)
أما المعنى اللغوي الأصلي، الذي يتضمن معاني الخضوع والإستسلام ونحوها، فهو المقصود وحده في مثل قولنا: فلان عبد مملوك لفلان، فلا علاقة لذلك بالشرك والتوحيد بمعناها الشرعي، وإن كان الشرع كره استخدام لفظة عبْد وأمة في حق اللماليك، ملك يمين، وأرشد إلى استبدالها بلفظ: فتى وفتاة، كما سيأتي في محله.
والمعنى اللغوي المحض كذلك هو المقصود في مثل قوله عليه الصلاة والسلام: «تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس عبد الخميصة .......» وهذا من البلاغة النبوية الرائعة إذ شبَّه من غلبه حب المال والمتاع بالعبد المملوك الذليل الذي لا يملك من أمره شيئاً ولا يستطيع الخروج من سلطان سيده، ولا علاقة لهذا بالشرك والتوحيد بمعناها الشرعي الإصطلاحي، وإن كان من هذا حاله مستحقاً للذم والعقوبة من الله، ولكن من المقطوع به أنا هذا ليس من باب: عبد اللات أو عبد العزى أو عبد مناة.
أما المعنى الواسع الذي جاء به الإسلام فعمّق ووسّع المعنى الإصطلاحي الضيق عند العرب، في كل حالة بحسبها، وبما يقتضيه السياق، في مثل قوله تعالى: }ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين{ فهذا نداء للبشرية جمعاء يوم القيامة بعد أن ينكشف الحجاب ويدرك الجميع بيقين أنهم بكفرهم، وفسوقهم، ومعصيتهم، إنما كانوا مطيعين للشيطان في ترك الحق، فعبادتهم للشيطان هاهنا هي بمعنى الإتباع والطاعة وليس بالضرورة بالمعنى الإصطلاحي الضيق عند العرب، وهو الركوع والسجود، والذبح والنذر، وتقديم القرابين والصدقات، وإيقاد الشموع والمباخر، ونحوه، لأن أكثر البشر لم يفعلوا ذلك، إلا القليل من المجوس والثنوية وعبدة الشيطان.
لا يقال أن بعضهم ينكر وجود الشيطان أصلاً، وأكثرهم لم يرد طاعته واتباعه، لا يقال ذلك لأنهم كانوا مطيعين متبعين له في الحقيقة، ونداء الرب جل وعلا لهم يوم القيامة هو بعد إنكشاف الحجاب، وظهور حقائق الأشياء على ما هي عليه، فهو نداء إهانة وتوبيخ وتقريع.
ومن هذا الباب قوله تعالى: }أفرأيت من اتخذ إلهه هواه{ لأن هذا جعل رأيه وهواه مشرعاً وحاكماً، فالواجب عنده ما رأه هو واجباً، وليس ما نص الشرع على أنه واجب، وكذلك المستحب، والحلال، والمكروه، والحرام، كلها وفق عقله ورأيه، أو شهوته وهواه. فهو يعتبر نفسه أو عقله صاحب السيادة والحاكمية، فهو المشرع لنفسه، وهو الذي يعرّف الحسن والقبيح، والطيب والخبيث. هذا هو معنى اتخاذه إلهه هواه، وهو بذلك مشرك كافر، لم يدخل الإسلام قط، أو ارتد عنه بعد دخوله فيه. وإلا فلم نسمع عن إنسان، حسب ما بلغنا، ينصب لنفسه المحاريب، ويقدم لها الذبائح والقرابين، ويوقد لها الشموع، ويستقبل المرآة ثم ينحني لذاته بالركوع والسجود!!
وقد أسلفنا أن السيادة والحاكمية لله وحده لاشريك له، وأن من نسب أي شيء من ذلك لغير الله فقد جعله رباً وإلهاً مع الله وذلك بغض النظر عن التسمية: سواء سمى ذلك صراحة: ألوهية، أو ربوبية؛ أو سماه ممارسة للسيادة والحرية، أو «تحقيقاً للذات وتأكيداً للوجود، وتعميقاً له» كما يشغب ويسفسط «الوجوديون»، أخزاهم الله ولعنهم وأبادهم، أو تقريراً للمصير، أو سيادة الشعب، أو الدولة، أو أرجعه إلى الحق الإلهي للملوك، أو سمى ذلك تصرفاً عقلانية، أو فكراً سياسياً مصلحياً.
وهذا المعنى نفسه هو المقصود من قوله تعالى: }وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم، وإن اطعتموهم إنكم لمشركون{ أي إن أطعتموهم واتبعتموهم في تحليل الميتة، أصبحتم كفاراً مشركين بالله، مفارقين للإسلام، مقرين لغير الله بحق السيادة والحاكمية والتشريع، هذا هو الشرك المعني هنا، وهو شرك الكفر، المناقض للإسلام كل المناقضة، المخرج من الملة لمن كان فيها قبل ذلك، لا علاقة له بقيام أو قعود أو ركوع أو سجود، أو سعي وطواف.
ومن هذا الباب كذلك قوله تعالى: }اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله{، فقد جاء في تفسير هذه الآية عن عدي بن حاتم ــ رضى الله عنه ــ أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقرأها، قال عدي: قلت له: (إنا لسنا نعبدهم)، قال: «أليس يحرمون ما أحل الله فتحرمونه؟، ويحلون ما حرم الله فتحلونه؟» فقلت: بلى، قال: «فتلك عبادتهم»، رواه أحمد والترمذي في سننه. وقد فهم عدي رضي الله عنه العبادة هنا بمعناها الضيق (أي الشعائر التعبدية المظهرة للتذلل والخضوع)، كما هو مفهوم العرب، بل وأكثر شعوب الأرض، لها، فعلمه النبى، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أن الإقرارللأحبار والرهبان بحق التشريع وجعلهم بذلك أرباباً لهم السيادة عبادة لهم بالمعنى الواسع (التذلل والخضوع، مع الطاعة والاتباع، مع المحبة والولاء)، الذي يعود كله في التحليل النهائي إلى «طاعة الأمر» المبني على اعتقاد أهلية الله ذاتياً لذلك.
وقد بالغ الإمام أبو محمد علي بن حزم الأندلسي، في «الإحكام في أصول الأحكام»، في ذلك فقال: (... فليس قول القائل: أنا أعبد الملائكة، ولا قول النصارى: نحن نعبد المسيح، موجب لصدقهم، لأن العبادة مأخوذة من العبودية، وإنما يعبد الإنسان من ينقاد له، ومن يتبع أمره، وأما من يعصي ويخالف فليس عبداً له، وهو كاذب في ادعائه أنه يعبده) وإنما قصد، رحمه الله، نفي الصدق عنهم، أي وفق حقيقة الأمر، ومطابقة الحقائق كما هي، على النحو الذي يظهر يوم القيامة عند انكشاف الحجاب.
والخلط في ترتيب مفاهيم «العبادة» و«الألوهية» وربط بعضها ببعض، وأيها الأول السابق، وأيها التابع الاحق، وكذلك الوقوع في «الدور» والتناقض، الذي ذكرناه أعلاه، هو أهم سبب لبقاء النزاع والخلاف بين الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب، رحمه الله، ومدرسته مع نقادهم وخصومهم حتى اليوم.
فمثلاً نجد الشيخ عبد الله بن محمد القرني، وهو من أتباع الدعوة الوهابية، في رسالته القيمة: (ضوابط التكفير عند أهل السنة والجماعة)، وهو من أحسن ما كتب في الموضوع، يقول عما سماه «شرك النسك والتقرب»: (كل ما ثبت أنه عبادة مشروعة وجوباً أو استحباباً فصرفها لغير الله شرك في العبودية، ومن تحقق منه ذلك كان مشركاً، سواء اعتقد مع ذلك استحقاق المعبود للعبادة من دون الله، أو اعتقد أنه لا يستحق العبادة لذاته، وإنما هو وسيط وشفيع إلى الله. وذلك أن شرك العبادة لا يتضمن الشرك في الربوبية، لأن شرك العبادة متعلق بالإرادة ولازمها من العمل، وأما شرك الربوبية فمتعلق بالاعتقاد وإثبات الكمال لله في ذاته وصفاته وأفعاله)، (ص 129، طبعة مؤسسة الرسالة).
هنا نلحظ مرة ثانية المقولة الباطلة أن هناك أفعال تستحق أن تسمَّى لذاتها «عبادة». وقد بينا بيقين أن ذلك غير صحيح، فلا توجد قائمة من الأفعال يصح أن تسمَّى عبادة لذاتها، لأن العبادة هي شعائر وأفعال لإظهار التعظيم، والخضوع والمحبة لمن يعتقد فيه «الألوهية». لذلك فإن قول الشيخ؛ (فصرفها لغير الله شرك في العبودية، ومن تحقق منه ذلك كان مشركاً) لا معنى له، ولا محصول من ورائه، لأنها ليست «عبادة» أصلاً إلا إذا صرفت لمن لا يعتقد فيه الألوهيه، أي يجب أن تكون مسبوقة باعتقاد الألوهيه، ولا بد من ثم أن يكون مفهوم «الألوهية» موجوداً سبق تعريفه من قبل، ثم يترتب عليه بعد ذلك تعريف «العبادة»، كما نلاحظ فداحة نتائج التقسيم الخاطيء إلى «شرك ربوبية» و«شرك ألوهية»، على طريقة شيخ الإسلام ابن تيمية.
ولا يجدي الشيخ شيئاً أنه حصر هذه القائمة في: (كل ما ثبت أنه عبادة مشروعة وجوباً أو استحباباً)، فظن بذلك أنه تحصل على قائمة «يقينية» لما يستحق أن يسمى عبادة بذاته، بغض النظر عن أي اعتقاد أو تصور أو نية، وذلك لما فصلناه أعلاه عن السجود الذي كان تحية مشروعة في شريعة يوسف ويعقوب، صلوات الله عليهما، وهو قبل ذلك وبعده عبادة لله مشروعة مستحبة، أو واجبة في مواضع، إذا كان السجود لله. مع تناقض ذلك مع كون محبة الله عبادة، بل هي من أفضل العبادات، ومحبة المؤمنين وتوليهم ليست شركاً، بل هي من الواجبات، وطاعة أولي الأمر الشرعيين في المعروف واجبة...إلخ، مما يدل على أن المحبة بذاتها، والسجود بذاته، والطاعة من حيث هي بذاتها، من حيث هي أفعال مجردة، محال أن تكون عبادة، وإنما تصبح عبادات إذا سبقها اعتقاد وتصور معين، وإلا فهي أفعال انسانية مجردة، وليست عبادة أو غير عبادة، أو بلفظ أدق: ليست شعائر تعبدية.
بل ونحن نعكس عليه القضية فنسأل: وماذا عن «الرقص»، رقص المشركين لبعض آلهتهم التي يعتقدون فيه الألوهية؟! من المقطوع به أن «الرقص» لم يثبت أنه شعيرة تعبدية في هذا الدين الخاتم، لا وجوباً ولا استحباباً، فهل يعني ذلك أن الرقص لـ«شيفا»، إله الموت والدمار عند الهنود الوثنيين، ليس عبادة؟! ولماذا نجده، ومن تبع مذهبه، يستنكرون الرقص والتمايل عند قبر أحمد البدوي مثلاً، أشد الإنكار؟!
وماذا عن «المكاء والتصدية» الذي كان بعض عبادة قريش لله، فأنكر الله عليهم ذلك وعابهم عليه لأنه عبادة مخترعة لم يأذن بها الله، فهل لو صفقوا وصفروا لآلهتم لم يكونا إذاً عابدين لها؟!
ثم كيف طابت نفس الشيخ القرني، وغيره من رجالات الدعوة الوهابية، أن يقيسوا عبادة الآلهة الباطلة، على عبادة الله، رب العالمين، الإله الحق: هذا أخبث قياس في العالم وأنتنه!
أما قول الشيخ: (سواء اعتقد مع ذلك استحقاق المعبود للعبادة من دون الله) إما أن يكون دوراً متناقضاً على طريقة: الإله هو المعبود، والعبادة لا تصرف إلا لإله، وقد أظهرنا بطلان ذلك وتناقضه من قبل، وإما أن يكون نقضاً لمقولته السابقة في عدم اشتراط الاعتقاد المسبق للألوهية فيمن تصرف له أعمالاً تستحق حينئذ أن تسمَّى «عبادة».
ولكنه عاد فتناقض مرة أخرى عندما قال: (أو اعتقد أنه لا يستحق العبادة لذاته، وإنما هو وسيط وشفيع إلى الله) فكيف يتشكل في ذهن، أو يخطر على خيال أن يقدم أحد شعائر التعظيم والخضوع والتقديس والمحبة لشيئ وهو لا يعتقد أنه يستحق ذلك؟!
أما الاحتياط بلفظة: (لذاته، وإنما هو وسيط وشفيع إلى الله) فلا يسمن ولا يغني من جوع لأن الوسيط والشفيع إلى الله لا بد له من صفات ومسوغات «ذاتية» معينة تجعله كذلك، وما يقدم له من شعائر المحبة والخضوع والتعظيم مبني على اعتقاد أهليته لذلك، أي لكونه يصلح شفيعاً أو وسيطاً إلى الله.
ونحن نحسن الظن بالشيخ ونحسب أنه سقط من كلامه (شفاعة أو وساطة يجب على الله قبولها فلا ترد، أو تقدم بغير استئذان)، أو نحو من ذلك، لأن مجرد الشفاعة عند الله بإذنه ممكنة تكريماً من الله لبعض خلقه، كما ثبت بالنصوص اليقينية، فليست نسبتها إلى أحد على ذلك النحو الذي بينته النصوص مخرجة له من مرتبة العبودية إلى درجة الندية مع الله، ولو في ذلك الأمر المحدود، ومن ثم جعله مع الله «إلاهاً» آخر.
أما قول الشيخ بعد ذلك: (وذلك أن شرك العبادة لا يتضمن الشرك في الربوبية، لأن شرك العبادة متعلق بالإرادة ولازمها من العمل، وأما شرك الربوبية فمتعلق بالاعتقاد وإثبات الكمال لله في ذاته وصفاته وأفعاله) فباطل لما أوردناه من أن مفهوم «العبادة» مسبوق حتما بمفهوم «الألوهية»، لذلك كان شرك العبادة ضرورة يتضمن اعتقاد «ألوهية» غير الله، أو «الربوبية» من دون الله، ولو في جزئية محدودة من معاني الألوهية، ثم تترتب على ذلك أفعال تقديس وتعظيم وخضوع ومحبة وإظهار فقر وذلة وطلب قضاء حاجة تستحق، بعد ذلك، أن تسمَّى «عبادة». فما سمَّاه الشيخ «شرك العبادة» متعلق بالاعتقاد، مشروط به، كـذلك الذي أسماه: «شرك الربوبية»، سواء بسواء، ولا فرق.
وأنت ترى في هذا النص القصير حجم التناقض المرعب، والاضطراب المخيف، الذي نشأ من ذلك الدور الخفي في مفهوم «العبادة» و«الألوهية». يضاف إليه الاضطراب والخلل والقصور في قسمة التوحيد إلى توحيد «ربوبية»، وتوحيد «ألوهية»، وتوحيد «أسماء وصفات». إنها بحق قسمة «ضيزى» مشؤومة، يجي طرحها جملةً، والتخلص منها نهائياً، والامتناع عن استخدامها بعد اليوم مطلقاً.
ولا يجدي في ذلك استشهاد الشيخ، وغيره من المدافعين عن الدعوة الوهابية، بقوله سبحانه وتعالى: }والذين اتخذوا من دونه أولياء، ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى{، لا يجديه ذلك شيئاً كما سنبين بعد بضعة أسطر، ولكن لا بد من تحرير بعض القواعد المهمة قبل ذلك أولاً:
فنقول وبالله التوفيق: عند الاستشهاد بآية أو حديث ثابت لا بد من ملاحظة أمور في غاية الأهمية، منها:
(أ) ذكر النص كاملاً، لا سيما في الآيات، حتى يعرف السياق، فيذكر ما قبلها وما بعدها، وإلا تورطنا في جريمة «تحريف الكلم عن مواضعه»، حيث أن هذا الفعل، أي انتزاع الآية من سياقها، هو أحد صور «تحريف الكلم عن مواضعه» الممكنة، وهي جريمة شنعاء قد تصل إلى درجة الكفر!
(ب) أن الله جل وعلا لم ينزل تلك الآية فقط، بل أنزل آيات كثيرة أخرى، والنبي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، له أحاديث كثيرة ثابتة (لعلها تنوف على عشرة آلاف متن مستقل متميز). كل تلك الآيات، وكل تلك الأحاديث واجبة الطاعة، يجب الإيمان بها كلها، وإعمالها كلها، وتعظيمها كلها. فمن الجهل المركب الشنيع، أو الإجرام المحرم الفظيع، الاستشهاد إذاً بآية أو حديث في مسألة أو باب وقد ورد غيرها، بل لا بد من جمع نصوص الباب كلها، وإعمالها كلها، حسب الأصول المقررة في علم أصول الفقه، وقواعد الاستنباط: فما جاء مجملاً في موضع، قد يفصل ويفسر في موضع آخر، وما جاء عاماً في موضع، قد يكون له مخصص في موضع آخر، وما جاء مطلقاً في موضع، قد يكون له قيد في موقع آخر. بل قد يأتي شيء منسوخ، وناسخه في موضع آخر.
ومن لم يلتزم بهذه القاعدة فهو من المجرمين المقتسمين، }الذين جعلوا القرآن عضين{، أي أجزاء وتفاريق، يأخذون ما يعجبهم، ويتركون ما لم يكن على «المزاج»، وهو يوشك أن يكون من الكافرين، الذين يؤمنون ببعض الكتاب، ويكفرون ببعض، فيستحق الخزي في الحياة الدنيا، ثم يرد إلى أشد العذاب.
(ج) بالنسبة لآيات الذكر الحكيم يحسن جداً مراجعة كتب التفسير المعتمدة، لا سيما تلك التي تعتني وتجمع مرويات السلف في الآية محل الدرس (الطبري، وابن أبي حاتم هم خير مثال، ثم ابن كثير، وغيرهم كثير)، إن وجد حديث مرفوع صحيح في تفسير الآية، أو بعض الآية، أو لفظة من الآية، فهو، بداهة، الحجة القاطعة، التي لا يجوز تجاوزها.
والآن نعود إلى الآية الكريمة آنفة الذكر، أي قوله سبحانه وتعالى: }والذين اتخذوا من دونه أولياء، ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى{.
فالآية تنص على أنهم (عبدوهم):
وهذا يعني عندكم: أنهم سجدوا لهم، أو ركعوا، أو رقصوا، أو انشدوا القصائد، أو أوقدوا لهم الشموع، أو قدموا لهم القرابين، أو ذبحوا لهم الذبائح، أو غير ذلك من قائمة الأفعال التي تسمونه عبادة، بغض النظر عن معتقد فاعلها في من تقدم له. فحسب قولك: كل ذلك عبادة بغض النظر عن المعتقد، حتى لو اعتقد جازماً أنهم مخلوقون مربوبون لا يملكون لأنفسهم شيئاً، ولا قدرة لهم ولا مشيئة إلا بتقدير الله ومشيئته، ...إلخ
وقد أبطلنا أعلاه أن يكون السجود من حيث هو سجود مجرد عبادة، وكذلك بالضبط، حرفاً بحرف يمكن إبطال كون أي شيء من ذلك عبادة من حيث هو فعل مجرد. وسنزيد هذا إبطالاً، عما قريب
وهذا يعني عندنا: أنهم اتخذوهم آلهة، واعتقدوا استحقاقهم لأفعال التقديس والخضوع والتعظيم والمحبة والنسك والتقرب التي استحقت بذلك أن تسمَّى «عبادة» لأنهم وسائط تقرب إلى الله لاعتبارات فصلها القرآن في مواضع أخرى، منها:
(1) أن تلك الآلهة بنات الله ومن ثم ذوي «طبيعة» إلاهية، أي أنهم من «عنصر» أو «نسب»، أو «جوهر» إلاهي،
(2) أو أنهم أنداد يجيرون على الله ويحتاج الله إلى إرضائهم، وكسب ولائهم،
(3) أو أن الله لا يعلم أحوال العباد إلا بإخبارهم، أو لا يستطيع الفعل والتنفيذ إلا بواسطتهم، فهو من ثم فقير محتاج إليهم،
(4) أو أنهم يفلتون من الله ويعجزونه هرباً كما كانت العرب تعتقد في الجن،
أو غير ذلك من الاعتبارات، تعالى الله عن ذلك كله علواً كبيراً. وقد أثبتنا أن بعض ذلك كان هو معتقد قريش، وبعضه الآخر هو معتقد غيرها، كما هو الواقع التاريخي الثابت يقيناً، وقد يكون بعضه أو مثله معتقد غيرهم من المشركين.
وقد أقمنا قواطع الأدلة على بطلان قولكم، وصحة قولنا عموما فيما سلف، فأصبح قولنا من المحكمات، وهو الواجب تطبيقه في هذه الحالة المخصوصة التي تحتمل عدة معان، أي لكونها من المتشابهات. والواجب هو رد المتشابه إلى المحكم، وإلا وقعنا في الزيغ والضلالة.
على أن بطلان قولكم، وصحة قولنا، هو الحق في هذه الحالة الخاصة، والآية في سياقها التام، وتفسيرها الصحيح، كما جاء عن أئمة السلف، ليست من المتشابهات، إذ أن الآية في سياقها التام تقول هكذا: }بسم الله الرحمن الرحيم v تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم v إنا أنزلنا إليك الكتاب يالحق فأعبد الله مخلصاً له الدين v ألا لله الدين الخالص، والذين اتخذوا من دونه أولياء: ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى، إن الله لا يهدي من هو كاذب كفار v لو أراد الله أن يتخذ ولداً لاصطفى مما يخلق ما يشاء، سبحانه، هو الله الواحد القهار{، وقال الإمام الطبري في تفسير الآيات الثلاث الأول نصاً: [يقول تعالـى ذكره: تَنْزِيـلُ الكِتابِ الذي نزّلناه علـيك يا مـحمد مِنَ اللّهِ العَزِيزِ فـي انتقامه من أعدائه الـحَكِيـمِ فـي تدبـيره خـلقه، لا من غيره، فلا تكوننّ فـي شكّ من ذلك ورفع قوله: تَنْزِيـلُ بقوله: مِنَ اللّهِ. وتأويـل الكلام: من الله العزيز الـحكيـم تنزيـل الكتاب. وجائز رفعه بإضمار هذا، كما قـيـل: سُورَةٌ أنْزَلْناها غير أن الرفع فـي قوله: تَنْزِيـلُ الكِتابِ بـما بعده، أحسن من رفع سورة بـما بعدها، لأن تنزيـل، وإن كان فعلاً، فإنه إلـى الـمعرفة أقرب، إذ كان مضافـا إلـى معرفة، فحسن رفعه بـما بعده، ولـيس ذلك بـالـحسن فـي «سُورَةٌ»، لأنه نكرة. وقوله: إنَّا أنْزَلْنا إلَـيْكَ الكِتابَ بـالـحَقّ يقول تعالـى ذكره لنبـيه مـحمد: إنا أنزلنا إلـيك يا مـحمد الكتاب، يعنـي بـالكتاب: القرآن بـالـحقّ يعنـي بـالعدل يقول: أنزلنا إلـيك هذا القرآن يأمر بـالـحقّ والعدل، ومن ذلك الـحقّ والعدل أن تعبد الله مخـلِصا له الدين، لأن الدين له لا للأوثان التـي لا تـملك ضرّا ولا نفعا. وبنـحو الذي قلنا فـي معنى قوله: الكِتابَ قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة إنَّا أنْزَلْنا إلَـيْكَ الكِتابَ بـالـحَقّ يعنـي: القرآن.وقوله: فـاعْبُدِ اللّهِ مُخْـلِصا لَهُ الدّينَ يقول تعالـى ذكره: فـاخشع لله يا مـحمد بـالطاعة، وأخـلص له الألوهة، وأفرده بـالعبـادة، ولا تـجعل له فـي عبـادتك إياه شريكا، كما فَعَلَتْ عَبَدة الأوثان. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا يعقوب، عن حفص، عن شمر، قال: يؤتـي بـالرجل يوم القـيامة للـحساب وفـي صحيفته أمثال الـجبـال من الـحسنات، فـيقول ربّ العزّة جلّ وعزّ: صَلَّـيت يوم كذا وكذا، لـيقال: صلَّـى فلان أنا الله لا إله إلا أنا، لـي الدين الـخالص. صمتَ يوم كذا وكذا، لـيقال: صام فلان أنا الله لا آله إلا أنا لـي الدين الـخالص، تصدّقت يوم كذا وكذا، لـيقال: تصدّق فلان أنا الله لا إله إلا أنا لـي الدين الـخالص فما يزال يـمـحو شيئا بعد شيء حتـى تبقـى صحيفته ما فـيها شيء، فـيقول ملكاه: يا فلان، ألغير الله كنت تعمل؟!.
حدثنا مـحمد، قال: حدثنا أحمد، قال: حدثنا أسبـاط، عن السديّ، أما قوله: مُخْـلِصا لَهُ الدِّينَ فـالتوحيد، والدين منصوب بوقوع مخـلصا علـيه. وقوله: ألا لِلّهِ الدِّينُ الـخالِصُ يقول تعالـى ذكره: ألا لله العبـادة والطاعة وحده لا شريك له، خالصة لا شرك لأحد معه فـيها، فلا ينبغي ذلك لأحد، لأن كل ما دونه ملكه، وعلـى الـمـملوك طاعة مالكه لا من لا يـملك منه شيئا. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة ألا لِلّهِ الدِّينُ الـخالِصُ شهادة أن لا إله إلا الله. وقوله: وَالَّذِينَ اتَّـخَذُوا مِنْ دُونِهِ أوْلِـياءَ ما نَعْبُدُهُمْ إلاَّ لِـيُقَرّبُونا إلـى اللّهِ زُلْفَـى يقول تعالـى ذكره: والذين اتـخذوا من دون الله أولـياء يَتَولَّونهم، ويعبدونهم من دون الله، يقولون لهم: ما نعبدكم أيها الآلهة إلا لتقربونا إلـى الله زُلْفَـى، قربة ومنزلة، وتشفعوا لنا عنده فـي حاجاتنا وهي فـيـما ذُكر فـي قراءة أبـيّ: «ما نَعْبُدُكُمْ»، وفـي قراءة عبد الله: «قالُوا ما نَعْبُدُهُمْ» وإنـما حسُن ذلك لأن الـحكاية إذا كانت بـالقول مضمرا كان أو ظاهرا، جعل الغائب أحيانا كالـمخاطب، ويترك أخرى كالغائب، وقد بـيَّنت ذلك فـي موضعه فـيـما مضى. حدثنا مـحمد بن الـحسين، قال: حدثنا أحمد بن الـمفضل، قال: حدثنا أسبـاط، عن السديّ، قال: هي فـي قراءة عبد الله: «قالُوا ما نَعْبُدُهُمْ». وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك: حدثنا مـحمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، قال: حدثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: حدثنا الـحسن، قال: حدثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، فـي قوله: ما نَعْبُدُهُمْ إلاَّ لِـيُقَرّبُونا إلـى اللّهِ زُلْفَـى قال: قريش تقوله للأوثان، ومن قَبْلَهم يقوله للـملائكة ولعيسى ابن مريـم ولعزَيز. حدثنا بشر، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله: وَالَّذِينَ اتَّـخَذُوا مِنْ دُونِهِ أوْلِـياءَ ما نَعْبُدُهُمْ إلاَّ لِـيُقَرِّبُونا إلـى اللّهِ زُلْفَـى قالوا: ما نعبد هؤلاء إلا لـيقرّبونا، إلا لـيشفعُوا لنا عند الله. حدثنا مـحمد، قال: حدثنا أحمد، قال: حدثنا أسبـاط، عن السديّ، فـي قوله: ما نَعْبُدُهُمْ إلاَّ لِـيُقَرَبونا إلـى اللّهِ زُلْفَـى قال: هي منزلة.... حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد فـي قوله: ما نَعْبُدُهُمْ إلاَّ لِـيُقَرِّبونا إلـى الله زُلْفَـى قال: قالوا هم شفعاؤنا عند الله، وهم الذين يقرّبوننا إلـى الله زلفـي يوم القـيامة للأوثان، والزلفـى: القُرَب. وقوله: إنَّ اللّهَ يَحْكُمُ بَـيْنَهُمْ فِـيـما هُمْ فِـيهِ يَخْتَلِفُونَ يقول تعالـى ذكره: إن الله يفصل بـين هؤلاء الأحزاب الذين اتـخذوا فـي الدنـيا من دون الله أولـياء يوم القـيامة، فـيـما هم فـيه يختلفون فـي الدنـيا من عبـادتهم ما كانوا يعبدون فـيها، بأن يُصْلِـيَهم جميعا جهنـم، إلا من أخـلص الدين لله، فوحده، ولـم يشرك به شيئا]، انتهى نص الطبري.
لاحظ أقوال المفسرين، وكلهم من الصحابة والتابعين: (ما نعبدكم أيها الآلهة إلا لتقربونا إلـى الله زُلْفَـى)، وهذا تصريح باعتقاد الألوهية فيهم، وكذلك:( قريش تقوله للأوثان، ومن قَبْلَهم يقوله للـملائكة، ولعيسى ابن مريـم ولعزَيز)، وكذلك قول السدي: (للأوثان)، وهؤلاء كلهم نسبت إليهم الألوهيه واعتقدت فيهم بدلالة نصوص القرآن، والحديث والسيرة المتواترة، والنقل التاريخي المتيقن من صحته، كما سلف.
ثم قال الإمام الطبري في تفسير الآية الرابعة نصاً: [ يقول تعالـى ذكره: إنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي إلـى الـحقّ ودينه الإسلام، والإقرار بوحدانـيته، فـيوفقه له مَنْ هُوَ كاذِبٌ مفتر علـى الله، يتقوّل علـيه البـاطل، ويضيف إلـيه ما لـيس من صفته، ويزعم أن له ولدا افتراء علـيه، كفـار لنعمه، جحود لربوبـيته. وقوله: لَوْ أرَادَ اللّهُ أنْ يَتَّـخِذَ وَلِدا يقول تعالـى ذكره: لو شاء الله اتـخاذ ولد، ولا ينبغي له ذلك، لاصطفـى مـما يخـلق ما يشاء، يقول: لاختار من خـلقه ما يشاء. وقوله: سُبْحانَهُ هُوَ اللّهُ الوَاحِدُ القَهَّارُ يقول: تنزيها لله عن أن يكون له ولد، وعما أضاف إلـيه الـمشركون به من شركهم هُوَ اللّهُ يقول: هو الذي يَعْبده كلّ شيء، ولو كان له ولد لـم يكن له عبدا، يقول: فـالأشياء كلها له ملك، فأنى يكون له ولد، وهو الواحد الذي لا شريك له فـي مُلكه وسلطانه، والقهار لـخـلقه بقدرته، فكل شيء له متذلِّل، ومن سطوته خاشع].
قلت: نص الطبري السابق كله يدل على أن الموضوع في الآية هم آلهة قريش من الملائكة الذين كانت تعتقد قريش أنهم بنات الله، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً، وهو النص الصريح للآية التالية في السياق: }لو أراد الله أن يتخذ ولداً لاصطفى مما يخلق ما يشاء، سبحانه، هو الله الواحد القهار{، فما الذي جعل الآية الثانية أولى في الاعتبار من الآية الثالثة؟!
على أنه من المحال الممتنع أن يطلب الإنسان من حجر يعتقد أنه حجر موات شيئاً، إلا أن يكون من نزلاء مصحات الأمراض العقلية، فعبدة الأصنام يعبدون آلهة ترمز إليها تلك الأصنام، أو حلَّت في الأصنام، أو تنوب عنها تلك الأصنام، وينسبون إليها إما الخلق، وإما التصرف، وإما الشفاعة بدون إذن الله، أو أنهم يتمردون على الله ويعجزونه هرباً، أو أنهم ذوي نسب بالله، بنين وبنات وعمات وخالات، أو غير ذلك من المقولات الشركية الكفرية، التي ذكرنا كثيراً منها فيما سلف!
لذلك قال أبو سفيان في أحد: أعل هبل، فأجابه المسلمون: الله أعلى وأجل. ومن المحال الممتنع أن يكون مقصوده تمثال الحجارة الموجود بعيداً في الكعبة على مسيرة تسعة أيام من جبل أحد في المدينة المنورة، بوصفه حجراً أصم، وإنما قصد الإله هبل (وهو في الأرجح تعريب لإله الشمس اليوناني: أبولو) الذي يرمز له ذلك التمثال الموجود في جوف الكعبة آنذاك. ولا نستبعد أن يكون معتقد قريش فيه كمعتقد اليونان: أنه ابن كبير الآلهة، الذي هو المشتري عند اليونان، وهو الله عند العرب، تعالى الله عن ذلك وتقدس!
فأكثر شرك بسطاء المشركين، من أمثال عوام اليونان والهندوس وقريش، كما أسلفنا في باب سابق، هو الاعتقاد بأن الألوهية، كالإنسانية، اسم جنس تتعدد أفراده ويجوز عليهم التناسل والتوالد، كما تختلف مراتب أولئك الأفراد ودرجاتهم: فهذا رئيس، وذاك مرؤوس، وهذا كبير، وذاك صغير، بل هذا ملك، وذالك رقيق مملوك، كالبشر سواء بسواء. وليس القدم أو الأزلية متطلب ضروري لمفهوم الألوهية عند هؤلاء: فالآلهة عندهم تنشأ وتولد، بعد أن كانت معدومة، ولا يستغرب أن تفنى بعد ذلك؛ ومن باب أولى لا يشترط في الإله، عندهم، الكمال أو السلامة من النقص، بل إن نصيب بعض الآلهة من المخازي والفضائح كالزنا والسرقة، وغيرها، أكثر من غيرها!
فلا يستغرب أن يهتف أحدهم: (لبيك لا شريك لك، إلا شريكاً هو لك، تملكه وما ملك)، فهو يعتقد وجود آلهة أخرى، شركاء لله في «الجوهر» أو «العنصر» أو «النسب» أو «الجنس» الإلاهي، وإن كانوا في مرتبة الرقيق المملوك، تماماً كما أن العبد الرقيق المملوك إنسان، وسيده الذي يملكه إنسان أيضاً.
وهذا هو اعتقاد جمهور بسطاء المشركين كالمصريين القدماء، واليونان، وأكثر مشركي العرب، وعوام الهنود، ويجوز عند أكثرهم أن يتزاوج البشر والآلهة منتجين أنصاف آلهة أو عمالقة، كما تتزاوج الآلهة والجن منتجة الملائكة، إلى غير ذلك من العجائب والمخازي!!
كما تختلف الآلهة المزعومة في قدراتها وإختصاصاتها: فهذا إله للشمس، وآخر للحرب، وثالث للبحر، وتلك للحب، وهذه للصيد، والثالثة للموت والفناء، وهذا ينبت الزرع، والآخر يحمي التجار، بل يوجد إله متخصص في رعاية اللصوص، إلى غير ذلك من الأقوال الساقطة المتناقضة المنكرة.
أما العرب العدنانية ــ عرب الشمال ــ وقريشا بالأخص فقد كانت لهم جملة من الآلهه أكثرها إناث ــ كاللات والعزى ومناة وغيرها ــ يعتقدون أنها ملائكة، وأن الملائكة بنات الله، وربما اعتقدوا أن بين الله ــ تعالى عن ذلك ــ وبين الجن نسب ومصاهرة. ولكنهم لقرب عهدهم بالتوحيد، في ملة ابراهيم، كانوا ينسبون أكثر الخلق، والتصرف في الكون إلى الله تبارك وتعالى، لأنه أبو الآلهة وكبيرهم، حسب معتقدهم الفاسد، سبحان الله عما يصفون. هذا ظاهر جداً من مناقشة القرآن لهم، وإيقاعه إياهم في التناقض بسبب ذلك.
وقد أدى الفهم المتعجل المبتسر لهذا، وعدم ملاحظة جميع النصوص في نفس الوقت، كما أسلفناه في موضعه، ببعض الأكابر، مثل شيخ الإسلام ابن تيمية، رحمه الله، وتبعه في ذلك الإمام محمد بن عبد الوهاب، رحمه الله، إلى توهم أنهم كانوا يقرون بما أسماه: «توحيد الربوبية»، وأن شركهم يقتصر على ما أسماه: شرك «الألوهية». هذا خطأ فادح أدى إلى تخليط كبير، وتقاسيم باطلة، ما أنزل الله بها من سلطان، وإرباك وقصور في مفهوم «العبودية» التي إنما خلق الخلق لها، ومسخ وبتر لمفهوم «التوحيد»، الذي تحول إلى مجموعة من المباحث المضحكة المهووسة عن «القبور»، والمباحث الثانوية عن «التوسل».
ومع نسبة العرب العدنانية ــ وقريشا بالأخص ـ كما أسلفنا، أكثر الخلق، والتصرف في الكون إلى الله تبارك وتعالى فقد كانوا ينسبون بعض ذلك إلى غيره، كنسبة التحكم في الموت، والتقدير إلى «مناة»، إلهة الموت (المنية)، والمتحكمة في مقادير البشر، فضلاً عن نسبتهم هؤلاء الأغيار إلى الله نسبة قرابة وتولد، أي مشاركة في «الجوهر الإلهي» بمعنى أو آخر، كما جاءت بذلك النصوص الثابتة الصحيحة، التي أسلفنا ذكر أكثرها بطولها في بابها، ومنها:
v فقد قال البخاري في الجامع الصحيح المختصر: [باب ذكر الجن وثوابهم وعقابهم لقوله: } يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي{، إلى قوله: }عما يعملون{،} بخساً{، نقصاً، قال مجاهد: }وجعلوا بينه وبين الجنة نسباً{، قال كفار قريش: الملائكة بنات الله، وأمهاتهم بنات سروات الجن! قال الله: }ولقد علمت الجنة إنهم لمحضرون{، ستُحْضَر للحساب].
v وقال الحافظ في «فتح الباري شرح صحيح البخاري»: [قوله باب ذكر الجن وثوابهم وعقابهم أشار بهذه الترجمة إلى اثبات وجود الجن وإلى كونهم مكلفين ... إلخ) في كلام طويل، إلى قوله: (قوله: (وقال مجاهد وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا الخ)) وصله الفريابي من طريق بن أبي نجيح عن مجاهد به وفيه فقال أبو بكر: (فمن أمهاتهم؟!)، قالوا: (بنات سروات الجن!) ...الخ، وفيه قال علمت الجن أنهم سيحضرون للحساب قلت وهذا الكلام الأخير هو المتعلق بالترجمة وسروات بفتح المهملة والراء جمع سرية بتخفيف الراء أي شريفة]، انتهى كلام الحافظ.
v وفي «فتح الباري شرح صحيح البخاري»: [... قال أبو عبيدة في قوله تعالى ان يدعون من دونه إلا إناثا: (الا الموات حجراً أو مدراً أو ما أشبه ذلك والمراد بالموات ضد الحيوان)، وقال غيره: (قيل لها إناث لأنهم سموها مناة واللات والعزى وإساف ونائلة ونحو ذلك)، وعن الحسن البصري: لم يكن حي من أحياء العرب الا ولهم صنم يعبدونه يسمى أنثى بني فلان! وسيأتي في الصافات حكاية عنهم أنهم كانوا يقولون الملائكة بنات الله، تعالى الله عن ذلك، وفي رواية عبد الله بن أحمد في مسند أبيه عن أبي بن كعب في هذه الآية قال مع كل صنم جنية، ورواته ثقات]، قلت: هذا هو عين قولنا: مع كل صنم كائن خفي من الجن، والجن كائنات إلهيه، وإلا كيف يمكن لله، تعالى وتقدس، أن يصاهر إليهم، إلا إذا كانوا من جنسه أو نوعه أو صنفه، وإن لم يكونوا من قبيلته؟!
v وقال البخاري في «الجامع الصحيح المختصر»: باب تفسير سورة الصافات. وقال مجاهد: }وبين الجنة نسبا{، قال كفار قريش: الملائكة بنات الله وأمهاتهم بنات سروات الجن!
v وفي «فتح الباري شرح صحيح البخاري»: [قوله باب وقالوا أتخذ الله ولدا سبحانه كذا للجميع وهي قراءة الجمهور، وقرأ بن عامر: قالوا بحذف الواو، واتفقوا على أن الآية نزلت فيمن زعم أن لله ولداً من يهود خيبر ونصارى نجران ومن قال من مشركي العرب الملائكة بنات الله فرد الله تعالى عليهم].
v وفي «تفسير الجلالين»: ونزل في النضر بن الحارث وجماعته: }ومن الناس من يجادل في الله بغير علم{، قالوا: الملائكة بنات الله، والقرآن أساطير الأولين، وأنكروا البعث وإحياء من صار ترابا!
v وفي «تفسير الجلالين»: }وجعلوا له من عباده جزءً{، حيث قالوا: الملائكة بنات الله، لأن الولد جزء من الوالد، والملائكة من عباده تعالى، }إن الإنسان {، القائل ما تقدم }لكفور مبين {، بين ظاهر الكفر!
v وفي «تفسير الجلالين»: }إن الذين لا يؤمنون بالآخرة ليسمون الملائكة تسمية الأنثى{، حيث قالوا هم بنات الله!
فلا صحة مطلقاً، إذاً، لما يقال أنهم لم يكن لديهم شرك في ما يسمونه «الربوبية»، أو شرك في الاسماء والصفات، بل هذا هو عين شركهم وحقيقته، لا غير، وهو أقبح أنواع الشرك على الإطلاق: شرك الذات، ومشاركة الرب في الأسماء والصفات أو في بعضها، أو مساواته ونديته ولو في اعتبار واحد منها، أو تشبيه الله بخلقه، وغير ذلك من الفظائع.
وعلى ذلك الشرك في الذات والأسماء والصفات، وبعض الربوبية، ترتب الإشراك في العبادة والحكم والتشريع.
فقول شيخ الإسلام ابن تيمية أن قريش لم يكن لديها شرك في الربوبية (بغض النظر على كون تعريفه للربوبية غامضاً مشوشاً مضطرباً، لا خطام له ولا زمام، كما أسلفنا في أبوابه) هو بالقطع غير صحيح، وقد تابعه شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، فصقل الموضوع وبلوره فلم يزد الغلط إلا حدة وبروزاً، حتى أصبح سيفاً تقطع به الرقاب بالباطل، بسبب هذه الزلة الشنعاء.
هذا من زلات العلماء التي تخوفها النبي، صلوات الله وسلامه على أمته، عندما تخوف من: «زلة عالم، وجدل المنافق بالكتاب، وحكم الأئمة المضلين». والإمامان ما أرادا إلا الخير، ففازا بأجر الاجتهاد على كل حال، إن شاء الله تعالى، ولكن الزلات لا بد من رفضها رفضاً باتاً قاطعاً، وإصلاحها فور ظهور الدليل الموجب لذلك، ولا يجوز التهاون فيها مطلقاً، مع الاستغفار للعلماء الراسخين الذين زلت القدم بهم، فحصلت الغلطة منهم.
ولكن ما شأن المقلدة الجهلة في أيامنا هذا، يصرون على متابعتهم على الخطأ المبين؟! هل أنتم جهلة لا علم لكم، إذا فاسكتوا، وأطيعوا أمر الله: }فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون{، أم أنتم أهل هوى ونفاق تريدون أن تتمادوا في هدم الإسلام بـ«جدل المنافق بالكتاب»، عياذاً بالله، بعد أن عمل معول الهدم فيه أول مرة بزلة العالم، مهما كانت غير مقصودة، ومهما كانت بحسن نية؟!
وكذلك لا يجدي القوم الاستشهاد بقوله، تعالى ذكره: }وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ{، (العنكبوت؛ 29::61)، وقوله: }وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ{، (العنكبوت؛ 29::63)، وقوله: }وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ{، (لقمان؛ 31:25)، وقوله: }ولَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ{، (الزمر؛ 39:38)، وقوله: }وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ{، (الزخرف؛ 43:87)، وقوله، : }قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ{، (يونس؛ 10:31)، ونحوها من الآيات كثير، والتعقيب بأنهم كانوا يعتقدون بـ(أن الله هو المتفرد بتدبير الأمور، لكنهم أشركوا بالله من جهة التوسط في الطلب أو العبادة)، كما زعم الشيخ القرني في كتابه آنف الذكر.
قلت: ليس في الآيات أولاً أنهم يعتقدون أنه (المتفرد) بذلك، فهذا خارج عن النص، وتقويل للرب جل جلاله ما لم يقله، وهذا شنيع جداً، ونحسبها زلة غير مقصودة من الشيخ، وإلا فهو الكفر الصراح البواح، والعياذ بالله تعالى.
فإقرارهم، مثلاً، بأنه هو الذي يرزق من السماء والأرض، هذا الإقرار في هذه القضية المعينة الجزئية:
(1) لا يعني ضرورة أنه وحده المتفرد بذلك، بل لعل هناك رازقون آخرون مستقلون عنه ينافسونه على رزق العباد، وربما كان هو الرازق الأكبر، تماماً كما تتنافس الشركات على الأسواق،
(2) ولا يعني ضرورة أنه وحده المتفرد بذلك، القائم به على وجه الاستقلال، بل يجوز أنهم يعتقدون حاجته إلى معين على ذلك، أو واسطة في تنفيذ ذلك، قياساً على الملوك من المخلوقين،
(3) ولا يترتب عليه ضرورة أن ملكه يخلو من بعض المجرمين المشاغبين، أو الثوار المتمردين، الذين يعجزونه هرباً إلى رؤوس الجبال وأعماق الأودية، وهم الذين يرزقون أنفسهم وأتباعهم، ولهم خزائنهم وتموينهم،
(4) وحتى لو سلمنا جدلاً بأن الآية تقضي بأنه هو الذي يرزق من السماء والأرض متفرداً بذلك، فليس فيها أي كلام عن غير ذلك فيجوز أن يكون له شركاء في أمور أخرى مثل:
(أ) وجود إله آخر يخلق الشر، ويتسبب في الأمراض والعدوى، ويفسد على الله أمره، ولا قدرة لله عليه كاعتقاد الثنوية في إله الشر، الذي لا يرزق، ولا يملك السمع والأبصار، ولا يحيي ويميت، ولكنه يتمرد على الله، فيستعصي عليه ويفسد عليه أمره، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً، أو أن هناك قوى كونية تخرج عن سيطرته كالعدوى، والغول، ونحو ذلك،
(ب) أو أن في الوجود إله أو رب غيره، ند له ولو في بعض الاعتبارات، فيجير عليه، أو يخشى من معارضته، فلا بد لله من الأخذ بـ«خاطره»،
(ج) أو أن في الوجود إله آخر، له عالم وكون آخر، مستقل تماماً عن كوننا هذا، فهو لا يتدخل في كوننا أصلاً، ولكنه بموجب كونه إلاهاً أهل لأن يعظم ويحترم، وإن كان لا يطلب منه شيء، ولا يأتي منه ضر ولا نفع، لأنه بعيد عن كوننا هذا، له مملكته «الأجنبية» المستقلة، لا يعنيه أمرنا، ولا يتدخل في شؤون مملكة إلهنا «المحلية»!
(د) أو أن لله بنين وبنات من عنصر أو جوهر إلهي، ولكن لا تصرف لهم، فلا يرزقون، ولا يتملكون، ولا يشرعون، ولكن مكانتهم عند أبيهم عالية، ومحبته لهم عظيمة، فهم مدللون، وهن مدللات، تماماً كأبناء الملوك المستبدين وبناتهم، فيشفعون عنده شفاعة لا ترد، ولا تحتاج إلى استئذان. فهو يفرح بوساطتهم، ويثيب من عبدهم، تعالى الله عن ذلك كذلك علواً كبـيراً.
فليس في الآية التي تنص فقط على أنه ( هو الذي يرزق من السماء والأرض) ما يمنع من أنهم كانوا يعتقدون بعض أو كل ما سلف، لذلك قال تعالى معقباً: }أفلا تتقون{ أي اتقوا الله الذي أقررتم له بالرزق، وملكية السمع والأبصار، والإحياء والإماتة فلا تجعلوا له شركاء في بعض ذلك، ولا تنسبوا له النقص والفقر والحاجة إلى غيره، ولا تخرقوا له بنين وبنات بغير علم، كما جاء مفصلاً في غير هذه الآية، في مواضع كثيرة. فالقرآن، بحمد الله، يكمل بعضه بعضرآ، ويبين بعضه بعضاً، فلا يجوز الاستشهاد بآية مجملة، وقد جاء غيرها في نفس الموضوع مفسراً ومكملاً، هذا شنيع جداً، قد يصل بصاحبه إلي كارثة ضرب كتاب الله بعضه ببعض، أو إلى مرتبة الإيمان ببعض الكتاب، والكفر ببعض، وهذا هو الكفر المهلك، المردي في نار جهنم الأبدية، والخلود في اللعنة السرمدية.
وأصل كل هذه االبواطيل، والمصائب والبلايا، هو تشبيه المشركين لله بخلقه، وهو أمر معلوم مشهور، بل إن أكثر الشرك مرجعه إلى تشبيه الله بخلقه، وقياسه عليهم، أو تشبيه بعض الخلق بالله، والغلو فيهم، ورفعهم فوق مراتب المخلوقين. وكثير مما سبق ذكره الآن هو في جوهره معتقد مشركي العرب وأكثر مشركي الأفارقة الآن في الجن، فليست تلك تفريعات خيالية، ولا تقاسيم جدلية، بل وصف لعقائد موجودة الآن، أو كانت موجودة فعلاً.
وقد قال الإمام الطبري قريباً من ذلك نصاً: [يقول تعالى ذكره لنبيه محمد: قُلْ يا محمد لهؤلاء المشركين بالله الأوثان والأصنام مَنْ يَرْزُقَكُمْ مِنَ السَّماءِ الغيث والقطر ويطلع لكم شمسها ويغطش ليلها ويخرج ضحاها. ومن الأرْضِ أقواتكم وغذاءكم الذي ينبته لكم وثمار أشجارها. أمْ مَنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ والأبْصَارَ يقول: أم من ذا الذي يملك أسماعكم وأبصاركم التي تسمعون بها أن يزيد في قواها أو يسلبكموها فيجعلكم صُمًّا، وأبصاركم التي تبصرون بها أن يضيئها لكم وينيرها، أو يذهب بنورها فيجعلكم عميا لا تبصرون. وَمَنْ يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ يقول: ومن يخرج الشيء الحيّ من الميت، ويُخْرِجُ المَيِّتَ مِنَ الحَيّ يقول: ويخرج الشيء الميت من الحيّ. وقد ذكرنا اختلاف المختلفين من أهل التأويل والصواب من القول عندنا في ذلك بالأدلة الدالة على صحته في سورة آل عمران بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. وَمَنْ يُدَبِّرِ الأمْرَ وقل لهم: من يدبر أمر السماء والأرض وما فيهنّ وأمركم وأمر الخلق. فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ يقول جلّ ثناؤه: فسوف يجيبونك بأن يقولوا الذي يفعل ذلك كله الله. فَقُلْ أفَلا تَتَّقُونَ يقول: أفلا تخافون عقاب الله على شرككم وادّعائكم ربًّا غير من هذه الصفة صفته، وعبادتكم معه من لا يرزقكم شيئا ولا يملك لكم ضرًّا ولا نفعا ولا يفعل فعلاً]، انتهى كلام الإمام الطبري. لاحظ قوله، رحمه الله: [وادّعائكم ربًّا غير من هذه الصفة صفته]، وقوله: [وعبادتكم معه من لا يرزقكم شيئا].
ولعلنا نلاحظ هنا أن الكثير من الآيات المشابهة إنما جاءت في سياق الرد على منكري البعث، مع إقرارهم أن الله هو الذي أنشأ وخلق، وهو يملك السمع والبصر، وهو الذي يرزق وينزل الغيث، فأنكر الله عليهم نسبة العجز عن إحياء الموتى إليه. فالجدال معهم في تلك المواضع إنما هو حول البعث والنشور، وليس التوحيد والعبادة.
وإن كان الشيخ القرني قد أساء باستخدام لفظة «المتفرد»، وهي خارجة عن النص، وإنما ابتدعها من خياله الجامح، فإن الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب قد أفحش في الخطأ، وأساء إساءة بالغة، عندما بالغ فاستخدم جملة: «وحده لا شريك له»،:
v كما جاء في «مؤلفات الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب»، (ج: 1 ص: 146): [فإذا تدبرت هذا الأمر العظيم وعرفت أن الكفار يقرون بهذا كله لله وحده لا شريك له وأنهم إنما اعتقدوا في آلهتهم لطلب الشفاعة والتقرب إلى الله كما قال تعالى: }ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله{، وفي الآية الأخرى: }والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى{، فإذا تبين لك هذا وعرفته معرفة جيدة بقي للمشركين حجة أخرى وهي أنهم يقولون هذا حق ولكن الكفار يعتقدون في الأصنام فالجواب القاطع أن يقال لهم إن الكفار في زمانه صلى الله عليه وسلم منهم من يعتقد في الأصنام ومنهم من يعتقد في قبر رجل صالح مثل اللات ومنهم من يعتقد في الصالحين وهم الذين ذكر الله في قوله عز وجل: }أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه{، يقول تعالى هولاء الذين يدعونهم الكفار ويدعون محبتهم قوم صالحون يفعلون طاعة الله ومع هذا راجون خائفون فإذا تحققت أن العلي الأعلى تبارك وتعالى ذكر في كتابه أنهم يعتقدون في الصالحين وأنهم لم يريدوا إلا الشفاعة عند الله والتقرب إليه بالاعتقاد في الصالحين وعرفت أن محمدا صلى الله عليه وسلم لم يفرق بين من اعتقد في الأصنام ومن اعتقد في الصالحين بل قاتلهم كلهم وحكم بكفرهم]، انتهى بأحرفه.
ونص الشيخ محمد بن عبد الوهاب آنف الذكر ما هو إلا أخطاء متراكمة، وظلمات بعضها فوق بعض:
(1) إتيانه بجملة «وحده لا شريك له»، وهي اختراع محض، لا وجود لها في نصوص الكتاب والسنة، وهي أكثر قبحاً من لفظة «المتفرد» التي زلَّت قدم الشيخ القرني بها، وقد أشبعناها نقاشاً وإبطالاً فيما سلف، فهذه من باب أولى أكثر بطلاناً.
(2) زعمه: (وأنهم إنما اعتقدوا في آلهتهم لطلب الشفاعة والتقرب إلى الله)، هكذا حصراً. وهذا باطل كما سلف مراراً، وتكراراً، إلى درجة تبعث على الملل، وكما سيأتي منه مزيد.
نعم: هذا فقط «بعض» ما كانوا يعتقدون، في «بعض» الآلهة. وليس هو حصراً «كل» ما يعتقدون في «كل» الآلهة، كما زعم الشيخ. والشفاعة التي كانوا يعتقدونها شفاعة من دون الله، أي شفاعة لا ترد، أو لا تحتاج إلي استئذان، وليست هي الشفاعة بإذن الله التي أثبتها الله كرامة لأنبيائه وأوليائه، فكان الواجب أن ينص الشيخ على ذلك صراحة وبكل وضوح.
(3) إساءة الفهم لقوله، تعالى ذكره: }ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله{، فظن أنهم يعتقدون أنهم لا يضرون ولا ينفعون، وفاته أن ذلك محال في ذاته لأن الشفيع ينفع ويضر، وهم قطعاً يعتقدون أنهم شفعاء لهم عند الله، شفاعة لا تحتاج إلى استئذان، أو لا يمكن ردها: هذه منفعة هائلة جسيمة. والحق أن ذلك إخبار من الله، جل جلاله، بحقيقة أمر هؤلاء المعبودين من دونه، وأنهم لا يضرون ولا ينفعون، ولا يشفعون ولا يتصرفون، خلافاً لمعتقد المشركين الباطل الذي هو ضد ذلك. فالشيخ خلط بين معتقد المشركين، وبين حقيقة الأمر كما أبانه رب العالمين، وناهيك بذلك زلة مهلكة شنعاء!
(4) عدم تعريف العبادة تعريفها الصحيح، أي أنها مسبوقة باعتقاد الألوهية، حيثما جاءت في القرآن متعلقة بالآلهة الباطلة، وبكل ما يعبد من دون الله، كما هو في هذه الآية: }ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله{.
(5) إساءة الفهم لقوله، جل جلاله: }والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى{، وقد سبقت مناقشتها أثناء كلامنا السابق عن أخطاء الشيخ القرني.
(5) زعمه أن إن الكفار في زمانه، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، منهم من يعتقد في قبر رجل صالح مثل اللات. وهذا باطل بنص القرآن القاطع المثبت أن الات والعزى، ومناة الثالثة الأخرى، آلهة إناث كانت قريش تعتقد أنها بنات الله، ولما ثبت عن خاتمة إنبياء الله، عليه وعلى آله صلوات وتسليمات وتبريكات من الله، أن أول من غير دين إسماعيل هو عمرو بن لحي الخزاعي، وأنه هو الذي استورد الأصنام، ودعى الناس إلى عبادتها.
أما قصة الرجل الذي (يلت) السويق للحجاج في الطائف، فمات فعبدوه إنما هي موقوفة على ابن عباس، رضي الله عنهما. وهي إنما هي أسطورة عربية، وخرافة شعبية، ولم تكن عند العرب قبور تحترم إلا ما روي أنهم كانوا يعظمون قبر تميم بن مر، والد القبيلة المعروفة، ولم يرد قط أنهم عبدوه أو ألّهوه، بل كان عندهم زعيماً محترماً فقط، لا غير. ولقد أشبعنا قصة (اللات) الذي كان بلت السويق نقداً وإبطالاً في الفصل المسمَّي: (ما هي حقيقة «اللات»؟!)، وكذلك في الفصل المسمَّي: (كيف ترك العرب دين إسماعيل؟!)، فليراجع.
وحتى لو ثبتت قصة (اللات) الأسطوري، الذي كان يلت السويق للحاج، لما صلحت للاحتجاج لأن الروايات تقول أنهم (عبدوه) بعد أن مات، وهذا يقتضشي أنهم اتخذوه إلاهاً مع الله، فصارت أعمالهم الموجهة إليه، كالعكوف على قبره، (عبادة)، لأنها مسبوقة باعتقاد الألوهية فيه. ولعلهم اعتقدوا حلول «اللات» فيه، لتشابه الإسم، أو تحوله إلى كائن إلاهي، بالحلول أو الاتحاد أو التطور، أو غير ذلك، أو غير ذلك من المعتقدات الشركية المكفرة.
(6) زعمه أن إن الكفار في زمانه، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، منهم من يعتقد في الصالحين وهم الذين ذكر الله في قوله عز وجل: }أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه{، فاختلط عليه إخبار الله عن حقيقة الأمر، بمعتقد المشركين في المعبودين. فالمشركين يعتقدون أنهم آلهة، وأنهم راضون بعبادة عابديهم لهم، وحقيقة الأمر أنهم عباد صالحون مكرمون، وأنهم رافضون لعبادة عابديهم، ساخطون عليهم أشد السخص، متبرؤون من أفعالهم، وسيظهر كل ذلك عياناً يوم القيامة، بحيث يراه كل أحد.
فالشيخ خلط ها هنا أيضاً بين معتقد المشركين الباطل، وبين واقع الأمر في ذاته، الذي هو الحق، كما أبانه رب العالمين، وناهيك بذلك زلة شنعاء أخرى!
هذه التخاليط والوساوس هي كالتي نجدها في كتابه المشهور (كتاب التوحيد) حيث قال معقباً على آية الإسراء: (بيَّن فيها الرد على المشركين الذين يدعون الصالحين، ففيها بيان أن هذا هو الشرك الأكبر)، وآية الإسراء المقصودة هي: }أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب، ...، الآية{، (الإسراء؛ 17:57)، هكذا ذكرها مبتورة، وإليك الآية كاملة في سياقها: }قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلاً v أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُوراً{، (الإسراء؛ 17:56-57).
سؤالنا هو: أين وجد الشيخ الإمام، رحمه الله، لفظة (الصالحين)؟! فالقرآن يستخدم في حق المدعووين، أي الذين توجه إليهم المشركون بالدعاء، جملة: (الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ)، أي الذين اتخذتم آلهة من دونه، بشهادة الآيات الأخرى، وجملة النصوص، وروايات السنة الصحيحة، وأخبار السيرة المتواترة، وشهادة التاريخ التي أسلفنا، في غير موضع، طرفاً منها. ثم بين أن أولئك الذين يدعوهم المشركون من دون الله هم في «الحقيقة» عباد صالحون من الملائكة والنبيين لا يشركون بربهم، بل: }يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُوراً{. فالمشركون لم يعتقدوا قط أن هؤلاء عباد صالحون يتقربون إلى ربهم بكل عمل صالح، وبكل وسيلة مقربة، وهم بين رجاء رحمته، وخشية عذابه، بل اعتقدوا فيهم الألوهية، ولو في جانب واحد أو اعتبار واحد، فدعاؤهم حينئذ هو دعاء عبادة، لا محالة، وهو بداهة شرك أكبر.
فالآيات إذاً بيان من الله أن آلهة المشركين من أمثال اللات، والعزى، ومناة، والجن، والملائكة، الذين كانوا يعتقدون أنهم أبناء وبنات الله، والمسيح الذي يعتقدون أنه ابن الله، وعزيز الذي يعتقدون أنه ابن الله، وما أشبه ذلك، لا وجود لها بهذه الصفة في الحقيقة أصلاً، إلا في أذهانهم وخيالاتهم المريضة، ومعتقداتهم السخيفة الباطلة، أما الملائكة والمسيح فهم في «الحقيقة» عباد صالحون، وليسوا بآلهة، فلا يجوز أن يتوجه إليهم بالدعاء والتعبد أصلاً. فلو أن الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب، رحمه الله، تأمَّل هذا الموضوع الخطير حق تأمله، وراجع أقوال الأئمة السابقين، وتحرر من التقليد، تقليد شيخ الإسلام ابن تيمية، لتبين له ذلك. وإليك تفسير الإمام الطبري لهاتين الآيتين:
v حيث جاء في «تفسير الطبري»، (ج: 15 ص: 103 وما بعدها): [يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم قل يا محمد لمشركي قومك الذين يعبدون من دون الله من خلقه ادعو أيها القوم الذين زعمتم أنهم أرباب وآلهة من دونه ثم ضر ينزل بكم فانظروا هل يقدرون على دفع ذلك عنكم أو تحويله عنكم إلى غيركم فتدعوهم آلهة فإنهم لا يقدرون على ذلك ولا يملكونه وإنما يملكه ويقدر عليه خالقكم وخالقهم. وقيل إن الذين أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يقول لهم هذا القول كانوا يعبدون الملائكة وعزيرا والمسيح وبعضهم كانوا يعبدون نفرا من الجن. ذكر من قال ذلك:
ــ حدثني محمد بن سعد قال حدثني أبي قال حدثني عمي قال حدثني أبي عن أبيه عن ابن عباس قوله قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا قال كان أهل الشرك يقولون نعبد الملائكة وعزيرا وهم الذين يدعون يعني الملائكة والمسيح وعزيرا
القول في تأويل قوله تعالى: }أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذورا{، يقول تعالى ذكره هؤلاء الذين يدعوهم هؤلاء المشركون أربابا يبتغون إلى ربهم الوسيلة يقول يبتغي المدعوون أربابا إلى ربهم القربة والزلفة لأنهم أهل إيمان به والمشركون بالله يعبدونهم من دون الله، أيهم أقرب أيهم بصالح أعماله واجتهاده في عبادته أقرب عنده زلفة ويرجون بأفعالهم تلك رحمته ويخافون بخلافهم أمره عذابه إن عذاب ربك يا محمد كان محذورا]

أبو عمر المنصور
19-04-2011, 06:47 PM
ثم قال الطبري بعد ذلك بقليل: [اختلفوا في المدعووين فقال بعضهم هم نفر من الجن ذكر من قال ذلك:
ــ حدثني أبو السائب قال حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن إبراهيم عن عبد الله في قوله أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة قال كان ناس من الإنس يعبدون قوما من الجن (فأسلم) الجن وبقي الإنس على كفرهم فأنزل الله تعالى أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة، يعني الجن
ــ حدثنا ابن المثنى قال حدثنا أبو النعمان الحكم بن عبد الله العجلي قال حدثنا شعبة عن سليمان عن إبراهيم عن أبي معمر قال قال عبد الله في هذه الآية أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب قال قبيل من الجن كانوا يعبدون فأسلموا
ــ حدثني عبد الوارث بن عبد الصمد قال حدثني أبي قال حدثني الحسين عن قتادة عن معبد بن عبد الله الزماني عن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن ابن مسعود في قوله أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة قال نزلت في نفر من العرب كانوا يعبدون نفرا من الجن (فأسلم) الجنيون والإنس الذين كانوا يعبدونهم لا يشعرون بإسلامهم فأنزلت الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب.
ــ حدثنا بشر قال حدثنا يزيد قال حدثنا سعيد عن قتادة عن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن حديث عمه عبد الله بن مسعود قال نزلت هذه الآية في نفر من العرب كانوا يعبدون نفرا من الجن (فأسلم) الجنيون والنفر من العرب لا يشعرون بذلك
ــ حدثنا ابن عبد الأعلى قال حدثنا محمد بن ثور عن معمر عن قتادة الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة قوم عبدوا الجن (فأسلم) أولئك الجن فقال الله تعالى ذكره أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة
ــ حدثنا محمد بن بشار قال حدثنا عبد الرحمن قال حدثنا سفيان عن الأعمش عن إبراهيم عن أبي معمر عن عبد الله أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة قال كان نفر من الإنس يعبدون نفرا من الجن (فأسلم) النفر من الجن واستمسك الإنس بعبادتهم فقال أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة
ــ حدثنا الحسن بن يحيى قال أخبرنا عبد الرزاق قال أخبرنا ابن عيينة عن الأعمش عن إبراهيم عن أبي معمر قال قال عبد الله كان ناس يعبدون نفرا من الجن (فأسلم) أولئك الجنيون وثبتت الإنس على عبادتهم فقال الله تبارك وتعالى أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة
ــ حدثنا الحسن قال حدثنا عبد الرزاق قال أخبرنا معمر عن قتادة في قوله أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب قال كان أناس من أهل الجاهلية يعبدون نفرا من الجن فلما بعث النبي صلى الله عليه وسلم أسلموا جميعا فكانوا يبتغون أيهم أقرب
وقال آخرون بل هم الملائكة
ــ حدثني الحسين بن علي الصدائي قال حدثنا يحيى بن الموطأ قال أخبرنا أبو العوام قال أخبرنا قتادة عن عبد الله بن معبد الزماني عن عبد الله بن مسعود قال كان قبائل من العرب يعبدون صنفا من الملائكة يقال لهم الجن ويقولون هم بنات الله فأنزل الله عز وجل أولئك الذين يدعون معشر العرب يبتغون إلى ربهم الوسيلة
ــ حدثني يونس قال أخبرنا ابن وهب قال قال ابن زيد أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة قال الذين يدعون الملائكة تبتغي إلى ربها الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته حتى بلغ إن عذاب ربك كان محذورا قال وهؤلاء الذين عبدوا الملائكة من المشركين
وقال آخرون بل هم عزير ونصف وأمه، ذكر من قال ذلك:
ــ حدثني يحيى بن جعفر قال أخبرنا يحيى بن الموطأ قال أخبرنا شعبة عن إسماعيل السدي عن أبي صالح عن ابن عباس في قوله أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة قال عيسى وأمه وعزير.
ــ حدثنا محمد بن المثنى قال حدثنا أبو النعمان الحكم بن عبد الله العجلي قال حدثنا شعبة عن إسماعيل السدي عن أبي صالح عن ابن عباس قال عيسى ابن مريم وأمه وعزير في هذه الآية أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة
ــ حدثني محمد بن عمرو قال حدثنا أبو عاصم قال حدثنا عيسى وحدثني الحرث قال حدثنا الحسن قال حدثنا ورقاء جميعا عن ابن أبي نجيح عن مجاهد يبتغون إلى ربهم الوسيلة قال عيسى ابن مريم وعزير والملائكة
ــ حدثنا القاسم قال حدثنا الحسين قال حدثني حجاج عن ابن جريج عن مجاهد مثله حدثنا ابن حميد قال حدثنا جرير عن مغيرة عن إبراهيم قال كان ابن عباس يقول في قوله أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة قال هو عزير والمسيح والشمس والقمر
وأولى الأقوال بتأويل هذه الآية قول عبد الله بن مسعود الذي رويناه عن أبي معمر عنه وذلك أن الله تعالى ذكره أخبر عن الذين يدعوهم المشركون آلهة أنهم يبتغون إلى ربهم الوسيلة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ومعلوم أن عزيرا لم يكن موجودا على عهد رآه عليه الصلاة والسلام فيبتغي إلى ربه الوسيلة وأن عيسى قد كان رفع وإنما يبتغي إلى ربه الوسيلة من كان موجودا حيا يعمل بطاعة الله ويتقرب إليه بالصالح من الأعمال، فأما من كان لا سبيل له إلى العمل فبم يبتغي إلى ربه الوسيلة، فإذ كان لا معنى لهذا القول فلا قول في ذلك إلا قول من قال ما اخترنا فيه من التأويل أو قول من قال هم الملائكة وهما قولان يحتملهما ظاهر التنزيل
وأما الوسيلة فقد بينا أنها القربة والزلفة، وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك:
ــ حدثنا القاسم قال حدثنا الحسين قال حدثني حجاج عن ابن جريج قال قال ابن عباس الوسيلة القربة
ــ حدثنا ابن عبد الأعلى قال حدثنا محمد بن ثور عن معمر عن قتادة الوسيلة قال القربة والزلفى]، انتهى كلام الطبري بإصلاح طفيف لبعض أخطاء النساخ.
وقول الإمام الطبري هو في جوهره عين قولنا أنهم كانوا يعتقدون في هؤلاء المدعوين الربوبية والألوهية، فدعوهم دعاء عبادة، وهذا هو يقيناً الشرك الأكبر، فأخبرهم الله أن أولئك هم عباد صالحون إما في الأصل دائماً وأبداً، كالملائكة وعيسى وعزير، أو الآن بعد أن أسلموا هم وتركوا الشرك وتضليل البشر العابدين لهم، كما جاء موضحاً في سورة الجن، حيث أسلم نفر من الجن وتبرؤوا من عابديهم، بعد أن كانوا قبل ذلك، تصديقاً لسفيههم إبليس، ونصرة له في معاداته لله، جل وعلا، يظنون أنهم يعجزون الله هرباً، ويفرحون بعبادة بعض البشر لهم، ويزيدونهم رهقاً!
نعم: هذا هو الراجح أن نزول الآية كان أصلاً في الجن الذين أسلموا، لأنها منطبقة على ذلك الواقع انطباقاً تاماً أولياً، ثم هي منطبقة في جوهر موضوعها بعد ذلك على كل من اعتقد فيه الألوهية والربوبية مع كونه في حقيقة الأمر من عباد الله الصالحين، المتقربين إليه بكل وسيلة مشروعة، كالمسيح عيسى بن مريم ووالدته، عليهما صلوات من الله وسلام، وعزير، وغيرهما، المتبرئين من كل من غلا فيهم، فجعل فيهم شيئاً من الألوهية والربوبية.
فظهر بذلك يقيناً بطلان قول الشيخ محمد بن عبد الوهاب: (إن الكفار في زمانه صلى الله عليه وسلم منهم من يعتقد في الصالحين)، وكذلك بطلان جملته: (بيَّن فيها الرد على المشركين الذين يدعون الصالحين، ففيها بيان أن هذا هو الشرك الأكبر)، فما كان في زمانه، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، من يعتقد في المقبورين، ولا من يعتقد في الصالحين، كما زعم الشيخ محمد بن عبد الوهاب، ومقلدته من رجالات الدعوة الوهابية. فإذ لم يكن لهؤلاء وجود أصلاً، فمن المحال الممتنع أنه: (قاتلهم كلهم وحكم بكفرهم)، كما زعمه الشيخ.
وإذ بطل هذا قطعاً، فقد بطلت معارضته لمن أسماهم بـ«المشركين»، إذ قال: (بقي للمشركين حجة أخرى وهي: أنهم يقولون هذا حق ولكن الكفار يعتقدون في الأصنام فالجواب القاطع أن يقال لهم إن الكفار في زمانه صلى الله عليه وسلم منهم من يعتقد في الأصنام ومنهم من يعتقد في قبر رجل صالح مثل اللات ومنهم من يعتقد في الصالحين، ..، إلخ)، فالجواب «القاطع» المزعوم، ليس بقاطع، بل هو محض خطأ وباطل، وهو قد انبنى على تخيل أشياء لا وجود لها في الواقع التاريخي، وعلى إهمال فظيع لنصوص القرآن والسنة.
وأما استشهاد الشيخ القرني، وغيره من رجالات الدعوة الوهابية، بقوله تعالى: }وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون{، وأمثالها كثير، فهو كذلك لا يغني عنهم شيئاً، لأن ذلك يعني أنهم يؤمنون ببعض ما ينبغي أن يعتقد فيه جل شأنه ككونه إلاهاً موجوداً خالقاً رازقاً، إلا أنهم يمزجون بذلك نوعاً أو أنواعاً من الشرك باعتقاد الألوهية في غيره، وصرف شعائر الخضوع والتذلل والتعظيم والمحبة لهم، أو الخشية والخوف، بناء على اعتقاد تحقبق بعض معاني الألوهية أو جوانبها فيهم، لا سيما أن الكلام هنا في المقام الأول عن «الإيمان»، الذي ينصرف الذهن عادة عند ذكره إلى المعتقد والتصور، وإن كان «الإيمان» في حقيقته أكثر من مجرد ذلك، وليس عن «العبادة»، التي ربما انصرف الذهن إلى الشعائر التعبدية، والأفعال الظاهرة، وإن كانت في حقيقتا تعود إلى تصور ومعتقد معين، كما أسلفنا.
وهذا كذلك هو قول الطبري ومن سبقه من مفسري السلف، حيث قال، رحمه الله، نصاً: [يقول تعالـى ذكره: وما يقر أكثر هؤلاء الذين وصف عزّ وجلّ صفتهم بقوله: وكأيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِـي السَّمَواتِ والأرْضِ يَـمْرُّونَ عَلَـيْها وَهُمْ عَنْها مُعْرِضُونَ بـالله، أنه خالقه ورازقه وخالق كلّ شيء، إلا وهم به مشركون فـي عبـادتهم الأوثان والأصنام، واتـخاذهم من دونه أربـابـا، وزعمهم أنه له ولدا، تعالـى الله عما يقولون. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:
حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا عمران بن عيـينة، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبـير، عن ابن عبـاس: وَما يُؤْمِنُ أكْثَرُهُمْ بـاللّهِ... الآية، قال: من إيـمانهم إذا قـيـل لهم من خـلق السماء، ومن خـلق الأرض، ومن خـلق الـجبـال؟ قالوا: الله. وهم مشركون.
حدثنا هناد، قال: حدثنا أبو الأحوص، عن سماك، عن عكرمة، فـي قوله: وَما يُؤْمِنُ أكْثَرُهُمْ بـاللّهِ إلاَّ وَهُمْ مُشْرِكُونَ قال: تسألهم من خـلقهم ومن خـلق السموات والأرض، فـيقولون: الله. فذلك إيـمانهم بـالله، وهم يعبدون غيره.
حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا وكيع، عن إسرائيـل، عن جابر، عن عامر وعكرمة: وَما يُؤْمِنُ أكْثَرُهُمْ بـاللّهِ... الآية، قالا: يعلـمون أنه ربهم، وأنه خـلقهم، وهم مشركون به.
حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا أبـي، عن إسرائيـل، عن جابر، عن عامر وعكرمة بنـحوه. قال: حدثنا ابن نـمير، عن نصر، عن عكرمة: وَما يُؤْمِنُ أكْثُرُهُمْ بـاللّهِ إلاَّ وَهُمْ مُشْرِكُونَ قال: من إيـمانهم إذا قـيـل لهم: من خـلق السموات؟ قالوا: الله وإذا سئلوا: من خـلقهم؟ قالوا: الله وهم يشركون به بعد.
قال: حدثنا أبو نعيـم، عن الفضل بن يزيد الثمالـي، عن عكرمة، قال: هو قول الله: وَلَئِنْ سألْتَهُمْ مَنْ خَـلَقَ السَّمَوَاتِ والأرْضِ لَـيَقُولُنَّ اللّهُ فإذا سئلوا عن الله وعن صفته، وصفوه بغير صفته وجعلوا له ولدا وأشركوا به.
حدثنا الـحسن بن مـحمد، قال: حدثنا شبـابة، قال: حدثنا ورقاء، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قوله: وَمَا يُؤْمِنُ أكْثُرُهُمْ بـاللّهِ إلاَّ وَهُمْ مُشْرِكُونَ إيـمانهم قولهم: الله خالقنا ويرزقنا ويـميتنا.
حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، قال: حدثنا عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: وَما يُؤْمِنُ أكْثَرُهُمْ بـاللّهِ إلاَّ وَهُمْ مُشْرِكُونَ إيـمانهم قولهم: الله خالقنا ويرزقنا ويـميتنا.
حدثنـي الـمثنى، قال: أخبرنا أبو حذيفة، قال: حدثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: وَما يُؤْمِنُ أكْثَرُهُمْ بـاللّهِ إلاَّ وَهُمْ مُشْرِكُونَ إيـمانهم قولهم: الله خالقنا ويرزقنا ويـميتنا، فهذا إيـمان مع شرك عبـادتهم غيره.
قال: حدثنا إسحاق، قال: حدثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: وَما يُؤْمِنُ أكْثَرُهُمْ بـاللّهِ إلاَّ وَهُمْ مُشْرِكُونَ قال: إيـمانهم قولهم: الله خالقنا ويرزقنا ويـميتنا.
حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا هانىء بن سعيد وأبو معاوية، عن حجاج، عن القاسم، عن مـجاهد، قال: يقولون: الله ربنا، وهو يرزقنا وهم يشركون به بعد.
حدثنا القاسم، قال: حدثنا الـحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد، قال: إيـمانهم قولهم: الله خالقنا ويرزقنا ويـميتنا. قال: حدثنا الـحسين، قال: حدثنا أبو تـميـلة، عن أبـي حمزة، عن جابر، عن عكرمة ومـجاهد وعامر، أنهم قالوا فـي هذه الآية: وَما يُؤْمِنُ أكْثَرُهُمْ بـاللّهِ إلاَّ وَهُمْ مُشْرِكُونَ قال: لـيس أحد إلا وهو يعلـم أن الله خـلقه وخـلق السموات والأرض، فهذا إيـمانهم، ويكفرون بـما سوى ذلك.
حدثنا بشر، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله: وَما يُؤمِنُ أكْثَرُهُمْ بـاللّهِ إلاَّ وَهُمْ مُشْرِكُونَ فـي إيـمانهم هذا، إنك لست تلقـى أحدا منهم إلا أنبأك أن الله ربه وهو الذي خـلقه ورزقه، وهو مشترك فـي عبـادته.
حدثنا مـحمد بن عبد الأعلـى، قال: حدثنا مـحمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: وما يُؤْمِنُ أكْثَرهُمْ بـاللّهِ... الآية، قال: لا تسأل أحدا من الـمشركين من ربك إلا قال: ربـي الله، وهو يشرك فـي ذلك.
حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: حدثني أبـي، قال: حدثني عمي، قال: حدثني أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله: وَما يُؤْمِنُ أكْثَرُهُمْ بـاللّهِ إلاَّ وَهُمْ مُشْرِكُونَ يعنـي النصارى. يقول: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَـلَقَ السَّم وَاتِ والأَرْضَ لَـيَقُولُنَّ الله وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَـلَقُهُمْ لَـيَقُولُنَّ الله ولئن سألتهم من يرزقكم من السماء والأرض؟ لـيقولنّ الله. وهم من ذلك يشركون به ويعبدون غيره ويسجدون للأنداد دونه.
حدثنـي الـمثنى، قال: أخبرنا عمرو بن عون، قال: أخبرنا هشيـم، عن جويبر، عن الضحاك، قال: كانوا يشركون به فـي تلبـيتهم.
حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا ابن نـمير، عن عبد الـملك، عن عطاء: وَما يُؤْمِنُ أكْثرُهُمْ بـاللّهِ... الآية، قال: يعلـمون أن الله ربهم، وهم يشركون به بعد. حدثنـي الـمثنى، قال: حدثنا عمرو بن عون، قال: أخبرنا هشيـم، عن عبد الـملك، عن عطاء، فـي قوله: وَما يُؤْمِنُ أكْثَرُهُمْ بـاللّهِ إلاَّ وَهُمْ مُشْرِكُونَ قال: يعلـمون أن الله خالقهم ورازقهم، وهم يشركون به. حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال: سمعت ابن زيد يقول: وَما يُؤْمِنُ أكْثَرُهُمْ بـاللّهِ... الآية، قال: لـيس أحد يعبد مع الله غيره إلا وهو مؤمن بـالله، ويعرف أن الله ربه، وأن الله خالقه ورازقه، وهو يشرك به ألا ترى كيف قال إبراهيـم: أفَرأيْتُـمْ ما كُنْتُـمْ تَعْبُدُونَ أنْتُـمْ وآبـاؤُكُمُ الأقْدَمُونَ فإنَّهُمْ عَدُوّ لـي إلاَّ رَبَّ العَالَـمِينَ قد عرف أنهم يعبدون ربّ العالـمين مع ما يعبدون. قال: فلـيس أحد يشرك به إلا وهو مؤمن به، ألا ترى كيف كانت العرب تلبـي، تقول: لبـيك اللهم لبـيك، لا شريك لك، إلا شريك هو لك، تـملكه وما ملك؟ الـمشركون كانوا يقولون هذا]، انتهى كلام الإمام الطبري بعينه!
ومن الجدير بالملاحظة قوله: (وما يقر أكثر هؤلاء بـالله، أنه خالقه ورازقه وخالق كلّ شيء، إلا وهم به مشركون فـي عبـادتهم الأوثان والأصنام، واتـخاذهم من دونه أربـابـا، وزعمهم أن له ولدا، تعالـى الله عما يقولون)
وقد استمر الشيخ القرني بأقوال وجمل هي تكرار لما سبق، بصيغ أخرى، مثل قوله: (ومن جميع ما تقدم يتبين أن شرك التقرب وعبادة غير الله ليس شركاً اعتقادياً يستلزم أن يكون المعبود عند من عبده مستحقاً للعبادة من دون الله، وإنما هو شرك في إرادة غير الله بالعبادة)، فها هنا، مرة أخرى، الدور الخفي، والخلط في مفهوم العبادة مرة أخرى. وها هنا قائمة أفعال ظاهرة وباطنة تسمَّى «عبادة»، بغض النظر عن أي اعتقاد، وهذا باطل كما أسلفنا.
وها هنا أيضاً محال لا يتشكل في عقل: (معبود لا يستحق عند من عبده أن يعبد!!)، بل إن قصص العنقاء والرخ، وأساطير جبل «قاف»، أقرب إلى العقل من هذا الهراء.
نعم، جملة: (معبود لا يستحق عند من عبده أن يعبد!!) صحيحة لغوياً تتكون من مبتدأ وخبر، ولكنها فارغة من أي معنى، بل متناقضة ذاتياً كقولك: (الدائرة مربعة)، جملة أسمية تتكون من مبتدأ وخبر، ولا معنى لها، بل تناقض محض. كل هذه «البهلوانيات اللغوية»، والمحالات العقلية، في محاولة إنقاذ الخطأ وتحويله بالقوة، أو المراوغة، أو السفسطة إلى صواب.
ثم زاد الشيخ «الطين بلة» فخلط هذا الموضوع بموضوع الإيمان، وأنه ليس مجرد اعتقاد فقال: (لكن مرجئة المتكلمين لما ظنوا أن التوحيد هو مجرد اعتقاد وحدانية الله في ذاته وصفاته وأفعاله، وأن ذلك هو مفهوم الألوهية، التزموا أنه لا شرك بالتقرب إلى غير الله بالعبادة إلا إذا تضمن استحقاق المعبود للعبادة من دون الله، وأن المعبود منفرد بالخلق والتدبير)، إلى أن قال: (فكما قالوا هنا أن التوحيد هو اعتقاد وحدانية الرب، فكذلك الالتزام بالشريعة هو مجرد اعتقاد أنها حق بتصديق النبي، صلى الله عليه وسلم)، فها هنا تعود الإشكالية القديمة في تعريف العبادة، والدور الخفي إلى الظهور، والشيخ القرني لا يشعر بها: فكيف يعبد من لا يستحق العبادة؟! لست أدري. وكيف تصبح أقوال وأفعال ظاهرة وباطنة عبادة من غير أن يسبقها اعتقاد الألوهية في المصروفة إليه؟! لا أدري كذلك.
نعم: هناك خطأ في قصر من أسماهم «مرجئة المتكلمين» للتوحيد على مجرد الاعتقاد بوحدانية الرب، جل وعلا، بل لا بد من الخضوع له، وتعظيمه، ومحبته، والتسليم له، وحده لا شريك له، لأن الخلق إنما خلقوا لعبادته فعلاً وحده لا شريك له، وليس لمجرد اعتقاد وحدانيته.
واعتقاد وحدانيته ركن في العبادة، وشرط لصحتها، ولكنه ليس كل العبادة، ولا هو ذاتها. وهذا يشبهه خطؤهم في جعل الإيمان الشرعي، المنجي في الآخرة، مجرد تصديق جازم واعتقاد محض، وهو أكثر من ذلك بكثير. ولكن هذا الخطأ لا يبرر خطأ الشيخ الفادح في زعمه أن «العبادة» يمكن أن تكون مجردة عن الاعتقاد، اعتقاد استحقاق من تصرف له لها، أي اعتقاد «الألوهية». فكون الإيمان الشرعي ليس مجرد اعتقاد بل منه أعمال وأن التوحيد الشرعي، المنجي في الآخرة، ليس مجرد اعتقاد بل منه عبادة لا يعني بالضرورة أن العمل ممكن بغير اعتقاد أو أن العبادة متصورة غير مسبوقة باعتقاد، فهذه قضية، وتلك قضية أخرى مباينة تماماً، بل هي ضدها ومقابلتها: فسبحان من نكَّس القضايا في ذهن الشيخ القرني!
والحق أن العمل الاختياري، ولا بد، مسبوق بإرادة ونية، والإرادة والنية مسبوقة بتصور واعتقاد، كما يعلمه كل واحد علماً ضرورياً بالتأمل في نفسه، واستبطان ما يجري في داخله عند التردد، ثم العزيمة فالعمل.
وعلى كل حال فكتاب الشيخ القرني موجود في الأسواق فمن شاء رجع إليه ولن يجد سوى ما ذكرنا، بألفاظ متباينة، وجمل مختلفة، لا تزيد ما ذهب إليه إلا بطلاناً وسقوطاً.
وكذلك لا صحة لما زعمه الشيخ عبد الرحمن بن سعدي، رحمه الله، عندما قال في كتابه المسمَّى: (القول السديد)، وهو شرح لـ(كتاب التوحيد) المشهور، وله طبعات عديدة بيدي منها الآن طبعة على شكل كتيب من إصدار (مكتب الدعوة في بريطانيا) ضمن سلسلة (رسائل الإصلاح والفقه: رقم 27): [فإن حد الشرك الأكبر، وتفسيره الذي يجمع أنواعه: (أن يصرف العبد نوعاً أو فرداً من أفراد العبادة لغير الله). فكل اعتقاد أو قول أو عمل ثبت أنه مأمور به من الشارع فصرفه لله وحده توحيد وإيمان وإخلاص، وصرفه لغيره شرك وكفر. فعليك بهذا الضابط للشرك الأكبر فإنه لا يشذ عنه شيء]، انتهى كلامه نصاً.
قارن هذا بتعريف أبي بكر الصديق، رضوان الله وسلامه عليه، الذي أخرجه البخاري بإسناد صحيح في «الأدب المفرد» عن معقل بن يسار قال: انطلقت مع أبي بكر، رضي الله عنه، إلى النبي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فقال: «يا أبا بكر! للشرك فيكم أخفى من دبيب النمل». فقال أبو بكر: (وهل الشرك إلا من جعل مع الله إلهاً آخر؟!)، فقال النبي، صلى الله عليه وعلى اله وسلم: «والذي نفسي بيده، للشرك أخفى من دبيب النمل، ألا أدلك على شيء إذا فعلته ذهب قليله وكثيره؟!»، قال: «قل: اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم، وأستغفرك لما لا أعلم».
فقول أبي بكر الصديق، رضي الله عنه، وهو عربي قرشي فصيح، أوَّل الأمر: (وهل الشرك إلا من جعل مع الله إلهاً آخر؟!)، هكذا حصراً، هو عين قولنا الذي فصلناه أعلاه، إذ لم يتشكل في ذهنه للشرك معنى إطلاقاً إلا في اتخاذ إله آخر مع الله، أي في اعتقاد الألوهية في غير الله، وهو بداهة يقصد الشرك الأكبر، شرك الكفر.
فبطلان تعريف الشيخ عبد الرحمن بن سعدي ظاهر في أنه:
(1) جعل الاعتقاد في مرتبة واحدة مع الأعمال، وقد برهنا من قبل أن الاعتقاد، وبلفظ أدق: اعتقاد الألوهية، سابق على تعريف العبادة. والاعتقاد المجرد ليس فعلاً، ولا يسمَّى عبادة أو غير عبادة، ولكن العبادة الاعتقادية هي أن يتقرب المرء بهذا الاعتقاد إلى من يعتقد فيه الألوهية. أي أن يتخذ ذلك الاعتقاد قربة، فهو ليس مجرد تصديق أو اعتقاد مجرد محض.
فلو أيقن إنسان أن الألوهية محال أن تتعدد، وأن ليس ثمة في الوجود إلا إله واحد هو الله، أي لو شهد أنه لا إله إلا الله، لكان محقاً، وصاحب مقولة حق، ولعله مفكر عبقري، أو فيلسوف كبير، ولكنه ليس بعابد، ولا مسلم، ولا هو بمؤمن الإيمان الشرعي حتى يتخذ معتقده هذا قربة إلى الله، يريد به وجه الله.
(2) أن الشرك الأكبر هو مجرد اعتقاد الألوهية في غير الله، بغض النظر عن صرف أي فعل، أو التلفظ بأي قول يستحق أن يسمَّى حينئذ عبادة، أو اتخاذ أي معتقد قربة إلى من يعتقد فيه الألوهية.
(3) أن كل الأفعال التي يقصد بها التذلل وإظهار التعظيم، أو التقرب وإظهار المحبة، أو طلب جلب المنافع ودفع المضار وإظهار الفقر والحاجة، ونحوه، ممن يعتقد فيه الألوهية هي بالضرورة عبادة، بغض النظر عن كون مثيلاتها تصرف لله بالدليل الشرعي أو لا تصرف. فرقص المشركين لآلهتهم عبادة، مع أن الله لا يتعبد له بالرقص، وكذلك المكاء والتصدية أي التصفيق والتصفير، وتمكين المرأة للرجال من نفسها من غير نكاح في بعض المناسبات هو عند بعض عبدة الوثن في الهند عبادة، وليس شيئاً من هذا عند أهل الإسلام عبادة، بل هو فاحشة عظيمة، وإثم كبير، وهكذا.
وحديث أبي بكر، رضي الله عنه، آنف الذكر يبطل أيضاً تعريفه للشرك الأصغر، حيث قال نصاً: [كما أن حد الشرك الأصغر هو: (كل وسيلة وذريعة يتطرق منها إلى الشرك الأكبر من الإرادات والأقوال والأفعال التي لم تبلغ رتبة العبادة)]. هذا باطل من وجوه:
(1) أن تعريفه للعبادة وللشرك الأكبر مضطرب وباطل، كما أسلفنا، وهو أدخل كلا من «العبادة» و«الشرك الأكبر» في تعريف «الشرك الأصغر»، فصار الحد ليس بمعلوم، ولا منضبط، ومن ثم عديم الجدوى، قليل المحصول.
(2) أن التسمية بـ«الشرك الأصغر» شرعية خالصة، وليست مما تعرفه العرب في كلامها، جاءت تسمية لأفعال معينة، ولم تأت النصوص بعلة أو علل يسوغ القياس عليها قياساً منضبطاً، حتى يجوز لنا التعميم بلفظ (كل)، فتكون النتيجة لهذا التعميم الجامح هي تسمية أفعال شركاً مع أن الله ورسوله لم يسمياها شركاً، وهذا هو «الابتداع» في دين الله، والتقديم بين يدي الله ورسوله، وهذا عظيم جداً، والقوم يزعمون أنهم أهل اتباع، وليسوا أهل ابتداع، حتى أن بعضهم يمضي أكثر العمر في محاربة «بدع» السبحة، ومحاربة «بدعة» الخروج مع جماعة التبليغ لمدة «ثلاثة» أيام؟!
v ومن التخاليط والوساوس كذلك ما قاله الإمام شيخ الإسلام أبو العباس أحمد بن تيمية في «مجموع الفتاوى»، (ج: 1 ص: 124): [وقال تعالى: }ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس كونوا عبادا لى من دون الله ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون v ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون{، (آل عمران؛ 3:79-80)، فبين سبحانه (أن اتخاذ الملائكة والنبيين أربابا كفر). فمن جعل الملائكة والأنبياء وسائط يدعوهم ويتوكل عليهم ويسألهم جلب المنافع ودفع المضار، مثل أن يسألهم غفران الذنب وهداية القلوب وتفريج الكروب وسد الفاقات فهو كافر بإجماع المسلمين]، انتهى كلامه، رحمه الله، نصاً.
أما (أن اتخاذ الملائكة والنبيين أربابا كفر) فهذا حق يقيني لا شبهة فيه، وهو نص الآية الكريمة. ولكن قوله: (جعل الملائكة والأنبياء وسائط يدعوهم ويتوكل عليهم ويسألهم جلب المنافع ودفع المضار، مثل أن يسألهم غفران الذنب وهداية القلوب وتفريج الكروب وسد الفاقات فهو كافر بإجماع المسلمين)، ليس هو نص القرآن المعصوم، لأن القرآن نص فقط علي: (أن اتخاذ الملائكة والنبيين أربابا كفر)، وأحال إلى لغة العرب، وآيات الذكر الحكيم الأخرى، والبيان النبوي الشريف، لإكمال بيان لفظتي «اتخاذ»، و«أرباب» التي هي بيت القصيد ها هنا، لأن الكفر أنيط بـ«اتخاذ الأرباب»، وليس بشيء آخر.
ولا شك أن مجرد اعتقاد الربوبية أو الألوهية في غير الله هو كفر، وكذلك من عبد غير الله، بأدلة القرآن والسنة القطعية، وبالإجماع المتيقن، وهذا يقتضي ضرورة أنه يعتقد في المعبود شيئاً من الألوهية أو الربوبية. وقد أثبتنا في ما مضى أن الأفعال والأقوال المجردة لا يصح أن يقال عنها أنها عبادة أو غير عبادة، فلا بد من ثم من أخذ الاعتقاد في الاعتبار، فالعبادة أقوال وأفعال، بل ومعتقدات، صرفت لمن يعتقد فيه «الألوهية»، أو «الربوبية من دون الله»، ولو في جزئية من الجزئيات.
فقول الشيخ: (جعل الملائكة والأنبياء وسائط يدعوهم ويتوكل عليهم ويسألهم جلب المنافع ودفع المضار، مثل أن يسألهم غفران الذنب وهداية القلوب وتفريج الكروب وسد الفاقات فهو كافر بإجماع المسلمين) ليس محرراً أو بيناً بذاته، لأن لفظة يدعوهم تحتمل دعاء العبادة، وهذا لا يكون إلا مع وجود اعتقاد معين، وليس بمجرد الفعل أو القول، كما أشبعناه بحثاً فيما سلف.
نعم: لا شك أن الأمور التي مثَّل بها: (غفران الذنب وهداية القلوب وتفريج الكروب وسد الفاقات)، لا تصدر عادة إلا مع وجود اعتقاد معين يجعل صاحبه مشركاً كافراً. نقول: عادة، وليس دوماً وضرورة. فالإنسان الذي يقول لصديقه: (أنا مكروب، أعاني من أشد الضيق، ساعدني وانتشلني من هذا المأزق)، لم يصبح مشركاً كافراً بمجرد هذا القول، بل لا بد من وجود اعتقاد معين، وهو غير موجو ها هنا بقرينة الحال، بخلاف القرشي الذي يقول مخاطباً هبل: (أنا مكروب، أعاني من أشد الضيق، ساعدني وانتشلني من هذا المأزق)، فهذا مشرك كافر، بقرينة الحال أيضاً، لأن هبل هو اسم أحد آلهة قريش المعروفة، مع استخدامها «عين» اللفظ، وتلفظهما «عين» الدعاء!
فظهر أن مقولة شيخ الإسلام آنفة الذكر ليست محررة منضبطة، إلا إذا قلنا أنه يعتبر وجود اعتقاد معين أمر بديهي لا يحتاج إلى ذكر. ولكن تكراره لمثل هذا في مواضع كثيرة، على هذا النحو المشكل الملتبس، يشعر بأنه ينظر فقط إلى ظاهر العمل، بغض النظر عن الاعتقاد أو التصور المصاحب، وهذا باطل تترتب عليه مصائب وبلايا، كما أسلفنا.
أما دعوى الشيخ، رحمه الله، انعقاد الإجماع على ما قال فهي دعوى مجردة، لأن مقولته ملتبسة غير محررة، فهي باطلة حتي يتم تحريرها وتصحيحها، ولو انعقد الإجماع عليها لانعقد على باطل، ولكانت الأمة مجمعة على ضلالة، عياذاً بالله.
أما المعني المحرر الصحيح، الذي يجعل الاعتقاد، اعتقاد الألوهية، أو الربوبية من دون الله، ولو في جزئية واحدة، أو اعتبار واحد، هو مناط الحكم، هذا المعنى الصحيح المحرر قد ثبث ثبوتاً قطعياً بالآية التي استشهد بها الشيخ، وبغيرها من آي القرآن الكثيرة، وأدلة السنة الصحيحة، ووقائع التاريخ المتواترة. وما كان كذلك فهو، ضرورة، مجمع عليه، وذلك لأن المخالف كافر خارج عن الملة.
ومن المؤسف أن الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب أخذ جملة شيخ الإسلام الإمام ابن تيمية كما هي، على عجرها وبجرها. بل وجعلها الناقض الثاني من نواقض الإسلام:
v كما جاء في «مؤلفات الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب»، (ج: 1 ص: 212 وما بعدها): [إعلم أن من أعظم نواقض الإسلام عشرة:
الأول: الشرك في عبادة الله وحده لا شريك له والديل قوله تعالى إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ومنه الذبح لغير الله كمن يذبح للجن أو القباب.
الثاني: من جعل بينه وبين الله وسائط يدعوهم ويسألهم الشفاعة كفر إجماعا.
الثالث: من لم يكفر المشركين أو شك في كفرهم أو صحح مذهبهم كفر إجماعا.
الرابع: من اعتقد أن غير هدى النبي صلى الله عليه وسلم أكمل من هديه أو أن حكم غيره أحسن من حكمه كالذين يفضلون حكم الطاغوت على حكمه فهو كافر
الخامس: من أبغض شيئا مما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم ولو عمل به كفر إجماعا والدليل قوله تعالى ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله فأحبط أعمالهم
السادس: من استهزأ بشيء من دين الله أو ثوابه أو عقابه كفر والدليل قوله تعالى قل أبالله ورسوله كنتم تستهزؤن لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم
السابع: السحر ومنه الصرف والعطف فمن فعله أو رضى به كفر والدليل قوله تعالى وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر
الثامن: مظاهرة المشركين ومعاونتهم على المسلمين والدليل قوله تعالى ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين
. التاسع: من اعتقد أن بعض الناس لا يجب عليه اتباعه صلى الله عليه وسلم وأنه يسعه الخرروج من شريعته كما وسع الحضر الخروج من شريعة موسى عليهما السلام فهو كافر
العاشر: الأعراض عن دين الله لا يتعلمه ولا يعمل به والدليل قوله تعالى ومن أظم ممن ذكر بايات ربه ثم أعرض عنها إنا من المجرمين منتقمون
ولا فرق في جميع هذه النواقض بين الهازل والجاد والخائف إلا المكره وكلها من أعظم ما يكون خطرا ومن أكثر ما يكون وقوعا فينبغي للمسلم أن يحذرها ويخاف منها على نفسه نعوذ بالله من موجبات غضبه وأليم عقابه وصلى الله على محمد]، انتهي نصاً.
والناقض الأول لا بأس به بشرط أن تعرف «العبادة» تعريفها الصحيح، كما حررناه، وليس كتعريف الشيخ لها الذي ألمح إليه في قوله: (الذبح للقباب)، وهو كلام لا معنى له. فلا يوجد أحد في العالم يذبح للقباب، وإنما يكون الذبح لصاحب القبة، أي المقبور. ثم ما هو المعتقد في المقبور؟! هل هو معتقد يجعله إلاهاً من دون الله. أو هو غير ذلك من المعتقدات الباطلة أو الصحيحة؟! ثم ما معنى الذبح لشخص ما؟! وما هو المقصود منه؟! لعلها أضحية أو صدقة عنه وأساء الناس التعبير عنها فقالوا ذبح له، بدلاً من القول الصحيح: (ذبح عنه)؟!
وكذلك ما هو معتقد الذابح للجن في الجن وطبيعتهم؟! هل يعتقد مثلاً أنهم مخلوقات شريرة، لا تخرج عن قدر الله وسلطته، ولا يستطيعون منه إفلاتاً، ولا يعجزونه هرباً، فإذا ألقى إليهم بذبيحة أمن شرهم تماماً كما يأمن شر السبع الضاري إذا ألقى له بذبيحة ينشغل بها عن هذا الإنسان الذابح حتى يتمكن من الفرار؟! هذا تخريف وليس شركاً.
نعم: قد يقول قائل إنما قصد الشيخ ذبح التعبد، وما قصد شيئاً مما ذكرتموه. فنقول: قضايا الإسلام والكفر، والتوحيد والشرك أخطر من تركها نهباً للظنون والاحتمالات، والشكوك والتخريصات.، وربما قصد كيت، وأراد ذاك.
ثم ما معنى قولكم: إنما قصد الذبح تعبداً، فما هي العبادة إذاً؟! وهكذا ندور، وتدورون أبد الدهر في حلقة مفرغة من التخاريص والظنون حتى تعرفوا العبادة تعريفاً صحيحاً، مطابقاً لواقعها، سالماً من المعارضة، جامعاً مانعاً.
وليس في العالم تعريف منضبط بهذه الصفة إلا تعريفنا:
العبادة: هي أي اعتقاد، أو قول، أو عمل من أعمال القلب، أو لفظ من الفاظ اللسان، أو فعل من أفعال الجوارح، وجه إلى من يعتقد فيه «الألوهية»، أو «الربوبية من دون الله»، (ولو في جزئية واحدة أو معنى واحد من معاني «الألوهية» أو «الربوبية من دون الله»)، بقصد التقرب وإظهار المحبة، أو التذلل والخضوع والتعبير عن التعظيم والاحترام، أو المطالبة بدفع الضر وجلب النفع وإظهار الفقر والحاجة، ونحو ذلك.
فلا يمكن أن يسمى عمل من أعمال القلب، أو لفظ من الفاظ اللسان، أو فعل من أفعال الجوارح «عبادة» إلا إذا كان مسبوقاً باعتقاد«الألوهية»، أو «الربوبية من دون الله»، ولو في جزئية واحدة أو معنى واحد من معانيها، فيمن يوجه إليه ذلك الفعل، أي فيمن يراد التقرب إليه بذلك الفعل؛
وجزئيات «الألوهية»، أو «الربوبية من دون الله» سبق حصرها، أو حصر أكثرها، في هذا الكتاب، وهي أمور ذاتية وجودية فيمن تعتقد فيه، لا علاقة لها بأفعال العابدين، ولا حتى بوجود من يعتقد ذلك أصلاً.
أما بقية النواقض التي ذكرها الشيخ فبعضها يحتاج إلى مزيد شرح وتحرير، لا سيما «الناقض الثالث»، فهو كما هو هناك خطير ملتبس، لا سيما أن الشيخ سمَّى أقواماً بـ«المشركين» بالباطل، مع أنهم من أهل الإسلام، فوقع ناقضه من ثم ساقطاً منقوضاً، للأسف الشديد.
وأما «الناقض السابع»، أي «السحر»، فهو هكذا على إطلاقه خطأ محض، وسوف نحرر ذلك في فصله من أبواب الشرك العملي، إن شاء الله تعالى.
وهو كذلك أخطأ في قصر العذر على المكره فقط، ولم يذكر اعذار «تكفير المعين» الأخرى: الجهل، والتأويل، والرواية والحكاية والشهادة، ونحوها، ولكن تحرير هذا موضعه ليس هنا.
والناقض الثامن خطير جداً، لأنه لم يقصره على الكفار الحربيين، أو على تحريض الكفار على حرب المسلمين، أو على مظاهرة الكفار على المسلمين بإفشاء أسرار المسلمين الحربية والأمنية لهم. وهذا التحديد هو الواجب، كما أشبعناه درساً وتحليلاً، والحمد لله، في كتابنا: «الموالاة والمعاداة»، فراجعه، وهو في غاية الأهمية عموماً، وفي أيامنا هذه خصوصاً إذ يتعرض المسلمون لواحدة من أشرس وأخبث هجمات العدو الكافر الحربي المعتدي: هجمة الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل.
وتظهر الإشكاليات المترتبة على هذه «الفوضى» الشنعاء في تعريف العبادة بشكل واضح مرة أخرى في قول آخر لشيخ الإسلام ابن تيمية:
v كما جاء في «الرسالة السنيه»: [فإذا كان على عهد النبي صلى الله عليه وسلم من انتسب إلى الاسلام من مرق منه مع عبادته العظيمة فليعلم أن المنتسب الى الاسلام والسنة في هذه الازمان أيضا قد يمرق أيضا من الاسلام وذلك بأسباب منها الغلو الذي ذمه الله في كتابه حيث قال: }يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم، ..، الآية{. وكذلك الغلو في بعض المشايخ بل الغلو في علي بن أبي طالب بل الغلو في المسيح عليه السلام فكل من غلا في نبي أو رجل صالح وجعل فيه نوعا من الإلهية مثل أن يقول يا سيدي فلان انصرني أو أغثني أو ارزقني أو اجبرني أو أنا في حسبك ونحو هذه الاقوال فكل هذا شرك وضلال يستتاب صاحبه فإن تاب وإلا قتل فان الله إنما أرسل الرسل وأنزل الكتب ليعبد وحده، ولا يدعى معه إله آخر. والذين يدعون مع الله آلهة أخرى مثل المسيح والملائكة والاصنام لم يكونوا يعتقدون أنها تخلق الخلائق أو تنزل المطر أو تنبت النبات وإنما كانوا يعبدونهم أو يعبدون قبورهم أو يعبدون صورهم يقولون: }إنما نعبدهم ليقربونا إلى الله زلفى{، ويقولون: }هؤلاء شفعاؤنا عند الله{، فبعث الله رسله تنهى ان يدعى أحد من دونه لا دعاء عبادة ولا دعاء استغاثة]، انتهى.
فها هنا أصلح الشيخ، رضي الله عنه، وأجاد إذ قال: (من غلا في نبي أو رجل صالح وجعل فيه نوعا من الإلهية) فبين أن الغلو المهلك، الذي ذمته الآية، هو أن يجعل شيئاً من الألوهية فيمن وقع الغلو في حقه.
ثم كأنه لم يصبر على الصواب إلا قليلاً فهدم سريعاً ما بني، كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثاً، حيث فسر الألوهية: (وجعل فيه نوعا من الإلهية مثل أن يقول يا سيدي فلان انصرني أو أغثني أو ارزقني أو اجبرني أو أنا في حسبك ونحو هذه الاقوال فكل هذا شرك وضلال يستتاب صاحبه فإن تاب وإلا قتل)، فجعل مجرد القول بواحدة من تلك الجمل مرادفاً لجعل المنادى أو المطلوب منه أو المسؤول إلاهاً: لقد والله هزلت «الألوهية» إن كان هذا هو معناها!!
ولو أن الله فتح على الشيخ فتأنَّى، ولم يستعجل، وقرأ الآية إلى منتهاها، ونظر في غيرها من آي الذكر التي جاءت في نفس موضوعها، لعلم أن غلو النصارى في المسيح أنهم قالوا فيه، أي اعتقدوا فيه، غير الحق: أنه الله، أو ابن الله، أو ثالث ثلاثة، وأنه على كل حال إلاه تام الألوهية، مساوٍ لأبيه في الجوهر، إله حق من إله حق، نور من نور. فأين هذا من الجملة الهزيلة: (يا سيدي: أنا في حسبك) أو (يا عيسى: أنا في حسبك)؟! نعم: قد تكون هذه الجملة ممن يعتقد في عيسى بن مريم، صلوات الله عليه وعلى والدته، ما ذكرناه من الكفريات، فتكون عبادة له، وكفراً، وشركاً بالله، ومظهراً لذلك الاعتقاد الخبيث، الذي هو من حيث هو اعتقاد مجرد شرك وكفر. وقد تكون هذه الجملة، وما شاكلها، بدون هذا الاعتقاد، أو إساءة في التعبير لمعنىً صحيح، فلا تكون من باب الشرك والكفر، ولكن تكون دراستها من باب الحلال والحرام، والمستحب والمكروه، أو الخطأ والصواب، ونحو ذلك.
وزاد الشيخ، سامحه الله، في الخطأ، بل بالغ وأفحش عندما قال: (والذين يدعون مع الله آلهة أخرى مثل المسيح والملائكة والاصنام لم يكونوا يعتقدون أنها تخلق الخلائق أو تنزل المطر أو تنبت النبات وإنما كانوا يعبدونهم أو يعبدون قبورهم أو يعبدون صورهم). هذه مزاعم شاطحة مجردة، بل أخطاء يقينية، مقطوع بكونها خطأ، من جوانب كثيرة:
(1) فالمسيح بوصفه هو الله، هو الخالق، منزل المطر، منبت الزرع، وبوصفه ابن الله، أو بعض الله، أو ثالث ثلاثة مشارك في ذلك ضرورة، بنحو أو آخر، وبوصفله «كلمة الله» هو «آلة» الخلق، فالله يخلق بـ«الكلمة». ودعاء المسيح وعبادته ها هنا هي له لذاته لأنه إله حق مستحق لذلك، فضلاً عن كونها ترضي بقية أشخاص أو «أقانيم» الثالوث لأنهم ثلاثة في واحد وواحد في ثلاثة، وهم «شركة مباركة متآلفة» يحب بعضهم بعضاً، ويرضى بعضهم لبعض ما يرضى لنفسه!
(2) والملائكة عند قريش كائنات إلاهية، وهي بنات الله لصلبه، أمهاتهم سروات الجن، وحسبك بهذا شركاً وكفراً. ولا ندري هل كانت قريش تعتقد أن لهن مشاركة في خلق الخلائق، أو إنزال المطر، أو انبات الزرع، ولكننا نعلم قطعاً أنهن مدللات يشفعن عند أبيهن بدون استئذان شفاعة لا ترد، لكونهم من «عنصر» و«نسب» إلاهي سماوي، وهذا بمفرده شرك اعتقادي وكفر.
نعم: الغالب ها هنا أن يكون دعاء هؤلاء وعبادتهم لأنهم يقربون إلى الله زلفى، ويشفعون عنده شفاعة لا ترد، ولا تحتاج إلى استئذان لأنهن البنات المقربات، الحبيبات المدللات!
(3) أما الملائكة عند الصابئة، عبدة النجوم، فهم عقول أو نفوس أو أرواح فلكية، كائنات إلاهية، وسيطة بين الله (الذي يسمونه العقل الأول، أو العلة الأولى)، درجة بعد درجة حتى فلك القمر، وهو أدنى تلك العقول الفلكية، ذات الجوهر الإلاهي، وبين العالم السفلي، عالم المخلوقات، عالم الموت والفساد والفناء، في الاتجاهين، صعوداً وهبوطاً: فالله جل جلاله لا يتصرف مباشرة، إن كان له تصرف أصلاً (بعض مذاهبهم تقول: أنه لا يعقل إلا ذاته، ولا يدرك غير نفسه)، والدعاء لا يصعد إليه مباشرة، بل مروراً بالعقول السفلى، درجة بعد درجة، فيقوم كل فلك بما عليه، حسب اختصاصه، ثم «يرفع» الباقي إلى أعلى: فيا لها من دولة هرمية؟! وحسبك بذلك تخريفاً وشركاً وكفراً.
وفي هذا النوع من المعتقد يكون دعاء هؤلاء وعبادتهم ليس فقط لأنهم يقربون إلى الله زلفى، ويشفعون عنده شفاعة لا ترد، بل لأن لهم صلاحيات وأمور يبتون هم فيها بتاً نهائياً، من غير رفعها إلى أعلى أصلاً، فلهم من الاستقلالية ما لا يوجد لدى «ملائكة قريش» المسكينة، ذات الصلاحيات المحدودة!!
(4) لا يوجد في العالم قبر عبد قط، وإنما يكون المعبود هو المقبور، إن كان معبوداً أصلاً. وبالضرورة نعلم أن من دعاه أو طلب منه شيئاً يعتقد فيه أنه حي حاضر يسمع ويرى ويجيب، وهذا المعتقد، على بطلانه عموماً، ليس من اعتقاد الألوهية في المقبور من صدر ولا ورد. فإن وجد اعتقاد الألوهية في المقبور أصبح النداء والطلب عبادة وشركاً ينقل عن الملة. وإن لم يوجد اعتقاد مكفر، فليس ثمة شرك أكبر، يخرج عن الملة.
نعم: ربما كان هناك أو معصية أو ابتداع محرم، أو حتى شرك عملي أصغر، لا ينقل عن الملة، ولكن هذا كله باب آخر، يختلف تماماً عن الشرك الأكبر، شرك الكفر المناقض للإسلام كل المناقضة، المخرج من الملة، المردي في اللعنة الأبدية، والنار السرمدية، والذي هو فقط محل بحثنا هنا في هذا الباب.
(5) ولا يوجد في العالم من يعبد الصور، وإنما تكون العبادة، إن كانت عبادة بحق، للشخص أو الذات المصورة، أما الصورة، من حيث هي صورة، فما عبدت قط. ولكن عبدة الأصنام، وهي نوع مخصوص من التماثيل والصور، يعتقدون أن الآلهة تحل فيها، أو ترتبط على نحو ذاتي بها، أو أن الصنم يمثل الإله ونوب عنه نيابة كاملة، لذلك ساغ هنا، وهنا فقط أن نقول: فلان يعبد الصنم، كما قال الله في القرآن، ومن أصدق من الله قيلاً!
فأنت ترى حجم الخلل الجسيم، والخطأ القاتل في هذا النص القصير. وقد جاء هذا مقروناً مع إساءة التعبير البالغة، في مثل قوله: (يعبدون قبورهم، أو يعبدون صورهم). هذه صياغات قد تحتمل على مضض من جهلة العوام، أو من أهل المراء المتنابزين بالألقاب، أما من أكابر العلماء من أمثال شيخ الإسلام؟!
v ولكن جاء في «شرح كتاب التوحيد»، ( ج: 1 ص: 195): [قال تعالى: }ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا أيأمركم بالكفر بعد إذا أنتم مسلمون{، وهذا بعينه هو الذي يعتقده من دعا الأنبياء والصالحين ولهذا يسألونهم قضاء الحاجات وتفريج الكربات وشفاء ذوي الأمراض والعاهات فثبت أن ذلك شرك]،
قلت: الخطأ هنا أهون لأن الشارح أرجع كل شيء إلى الاعتقاد، كما هو الواجب، ولكنه زعم أن معتقد (من دعا الأنبياء والصالحين) هو «عين» ما نصت عليه الآية من (اتخاذهم أرباباً)، وهذا ليس بمسلم، فقد يكون وقد لا يكون، وما ذكره من الأقوال، وأنواع المسألة، لا يقتضي ذلك ضرورة، وإن كان كذلك عادة في أكثر الأحوال، كما أسلفنا.
ونحسب أن القراء الكرام قد ملوا تكرار ذكر هذه النصوص، وتكرار الرد عليها، وهي نصوص متشابهة، وردود متقاربة، فلعلنا نكتفي بهذا، وفيه لطالب الحق كفاية وزيادة، إن شاء الله.
كما نأمل أن الموضوع قد تبلور في ذهن القراء حتى أصبح كأنه ملموساً باليد، وليس فقط مدركاً بالعقل.
غير أنه ينبغي أن يعلم، على كل حال، هنا في هذا المقام وغيره من المقامات ــ كما أسلفنا مرارًا وتكرارًا ــ علمًا يقينيًا لا يتطرق إليه الشك أن العبرة هى بحقيقة المعتقد، وجوهر محتوى التصور بغض النظر عن الأسماء والألفاظ، فمن اعتقد:
(أ) أن غير الله يتصرف في الكون بغير إذن من الله، ولا مشيئة ولا تقدير،
(ب) أو أن له قدرة وتصرف تضاهي قدرة الله،
(ج) أو أن بعض الكائنات تقدر على الإفلات من سلطة الله، أو أنهم يجيرون على الله، أو أنهم يعجزون الله هرباً، كاعتقاد بعض جهلة العوام في الجن فقد جعله متصفًا ببعض صفات الألوهية، أي استحقاق العبادة، أي جعله مع الله إلها آخر.
(د) أن لغير الله عند الله شفاعة واجبة القبول فلا ترد، ولا تحتاج إلى استئذان
(هـ) أو نسب إلى غير الله الخلق والإيجاد من عدم ــ كما يفعل ثنوية المجوس بالنسبة لما يسمونه إله الشر «أهريمن»،
من اعتقد شيئاً من ذلك، أو نحوه، فقد جعله متصفًا ببعض صفات الألوهية، أي استحقاق العبادة، أي جعله مع الله إلها آخر، وذلك بغض النظر عن:
(1) اعتقاداته الأخرى فيه، فلا يلزم أن يعتقد أنه أزلي أو واجب الوجود، أو أنه من عنصر أو جوهر أو جنس إلاهي، بل من الممكن جدا أن يكون حادثاً مخلوقاً، كإله الشر عند بعض طوائف المجوس. ولا يلزم أن يعتقد أنه نشأ من اتحاد أو تجسد أو حلول لله في مخلوق،
(2) وبغض النظر عن تسميته، سواء سماه إلهاً، أو سماه شيطانا، أو سماه ملكا، أو عقلا فلكيا، أو روحاً علوياً أو سفلياً، أو غير ذلك،
(3) وبغض النظر عن حبه له أو بغضه إياه، أو عدم مبالاته به.
(4) وبغض النظر عن تقديم الشعائر والقرابين أو عدم تقديمها له،
(5) وبغض النظر عن تسمية تلك الشعائر: سواد سمِّيَت صراحة «عبادة»، أو سميت نداء، أو تكريماً، أو إحتراماً، أو توسلاً، أو وساطةً، أو استشفاعاً، إذ العبرة بمحتوى وحقيقة المعتقد وليس بالتسميات، وكل ما يصرف من أفعال التذلل والخضوع هو عبادة حقيقية بغض النظر على المسمى الذي يطلقه فاعلها عليها: فهي عبادة على الحقيقة : ولو سميت نداء، أو تكريماً، أو إحتراماً، أو توسلاً، أو وساطةً واستشفاعاً.
وكذلك من زعم أن لغير الله حق التشريع سواء سمى ذلك ألوهية، أو ربوبية، أوسماه ممارسة للسيادة والحرية، أو نسبه إلى سيادة الشعب، أو الدولة، أو أرجعه إلى الحق الإلهي للملوك، أو إلى (تفويض) من الله لـ«مجمع الكرادلة»، أو كذب على الله فسمَّاه «طاعة مشروعة لأولي الأمر»، من زعم أي شيء من ذلك ونسبه إلى غير الله فقد جعله سيداً ورباً من دون الله، وهو من ثم قد عبده من دون الله. إذ العبرة بمحتوى وحقيقة المعتقد، وليس بالتسميات! وكل ما يصرف إليه من أفعال الطاعة والإتباع والإلتزام بالأمر والنهي، هو عبادة حقيقة، بغض النظر عن المسمى الذي يطلقه فاعلها عليها: فهي عبادة على الحقيقة ولو سميت تكريماً، أو إحتراماً، أو احترام القانون، أو خضوعاً للنظام.
فـ«العبادة» هي اذآً: (معتقدات وأقوال والفاظ وأعمال ظاهرة وباطنة يراد بها: اظهار التذلل والخضوع والتعبير عن التعظيم والاحترام، أو التودد والتقرب وإظهار المحبة، أو طلب جلب المنافع ودفع المضار وإظهار الخشية والفقر والحاجة لمن يعتقد باستحقاقه الذاتي لذلك، أي لمن يعتقد بألوهيته، أو بتمتعه ببعض خصائص الألوهية، أي إستحقاق العبادة، أو ربوبيته الذاتية، والعبرة في ذلك كله بحقيقة المعتقد، وجوهر المحتوى التصوري، وليس بالتسميات والألفاظ).
فخطأ الإمامين أحمد بن تيمية، ومحمد بن عبد الوهاب، ومن قلدهما من أتباع الدعوة الوهابية، هو في عدم اعتبار الاعتقاد في تعريف العبادة، فظنوها مجرد أقوال وأفعال ظاهرة وباطنة، لا علاقة لها بمعتقد قائلها أو فاعلها. هذه زلة جسيمة، وخطأ قاتل، وليس هو ذلك فحسب: بل هو بدعة نكراء، لأنهم جعلوا ذلك التعريف المحدث المخترع، هو مقصود صاحب الشريعة، أي أنه هو النعريف المشروع.
وخطأ الخصوم ، خصوم الدعوة الوهابية، إنما هو إما في نظرهم إلى «النية»، وهي لا محل لها ها هنا في تعريف العبادة، وإنما محلها استحقاق الثواب والعقاب، وكذلك اعتدادهم بـ(التسميات والألفاظ)، مع أن الواجب هو اعتبار (حقيقة المعتقد، وجوهر المحتوى التصوري)، فقط لا غير.
فمثلاً، قد يعترض أحدهم قائلاً:
(1) إن المشركين جعلوا الأصنام آلهة، والمسلمون ما اعتقدوا إلا إلهاً واحداً، فعندهم أن الأنبياء أنبياء والأولياء أولياء، ليس إلا، فلم يتخذوهم آلهة مثل المشركين.
وجواب هذا هو: هذا اعتداد بـ(التسميات والألفاظ) فقط، من غير بحث في جوهر المعتقد. فتسمية الولي، مثلاً، ولي، لا تعني بالضرورة أن بعض المنتسبين إلى الإسلام لا يعتقد فيه اعتقاداً مكفراً، يجعله، متخذاً له في الحقيقة، «إلاها» من دون الله.
نعم: إذا كان الكلام عن المشركين فحمل أقوالهم وأفعالهم على الشرك والكفر، هكذا ابتداءً، وللوهلة الأولى، هو الأصل، حتي يقوم البرهان على خلاف ذلك. وهم عادة يصرحون بألفاظ العبادة والألوهية، ولكن ليس دوماً. فمثلاً: لا تكاد تجد علمانياً غربياً يسمي الشعب «رباً»، مع أنه أقر له بحق التشريع، فجعله من ثم، «إلاهاً»، و«رباً» من دون الله، وهو بهذا مشرك كافر، شركه شرك الكفر، المناقض للإسلام كل المناقضة، المخرج لمن كان قبل ذلك مسلماً من الملة.
والواجب كذلك حمل ما يظهر من المنتسبين للإسلام من أفعال قد يظن أنها «عبادة»، على أنها صدرت بدون اعتقاد الألوهية فيمن وجهت إليه، هكذا ابتداءً، وللوهلة الأولى، حتى يقوم البرهان على خلاف ذلك.
(2) أن المشركين اعتقدوا أن تلك الآلهة مستحقون للعبادة، بخلاف المسلمين، فإنهم لم يعتقدوا أن أحداً من المتوسل بهم مستحق لأقل عبادة، وليس عندهم المستحق للعبادة إلا الله وحده سبحانه وتعالى.
وجواب هذا هو: الإله هو المستحق للعبادة، فجملة: (المشركون اعتقدوا أن تلك الآلهة مستحقون للعبادة) تحصيل حاصل، لا جدوى منه، كقولك: (أن الآلهة آلهة)، أو (الماء هو الماء)، كلام صحيح، ولكنه عديم المحصول. فلا بد من ذكر جزئيات المعاني التي تجعل من اتصف بها إلاهاً من دون الله، ثم تكون الأفعال الموجهة إليه من ثم عبادة.
ولعل ها هنا ذلك الدور الخفي الخبيث: الإله هو المعبود، والعبادة هي كل ما يوجه إلى الإله.
(3) أن المشركين عبدوا تلك الآلهة بالفعل، كما قال تعـالى حكاية عنهم: }ما نعبدهم إلا ليقربونا{، والمسلمون ما عبدوا الأنبياء والصالحين في توسلهم بهم إلى الله تعالى.
وجواب هذا هو: هذا هو الدور الخفي مرة أخرى: فما ندري عن تلك الأفعال التي توجه بها بعض المنتسبين إلى الإسلام إلي الأنبياء والصالحين هل هي عبادة، أم لا؟! ومجرد تسميتها توسلاً لا يحل الإشكالية، فهذا اعتداد بـ(التسميات والألفاظ) فقط، وهو لا يجوز. فلا محيص لكم عن تعريف صحيح للعبادة، خال من الدور والتناقض. أما الحلقة المفرغة من جمل هي إما متناقضة، وإما تحصيل حاصل، فلا يجدي، ولا ينتج!
(4) أن المشركين قصدوا بعبادة أصنامهم التقريب إلى الله تعالى. أما المسلمون فلم يقصدوا بتوسلهم بالأنبياء وغيرهم التقريب إلى الله تعالى، لأن التقريب إلى الله تعالى لا يكون إلا بالعبادة، ولذلك قال الله تعالى حكاية عن المشركين: }ما نعبدهم إلا ليقربونا{، بل إن المسلمون قصدوا التبرك والاستشفاع بهم، والتبرك بالشيء غير التقريب به، كما لا يخفى.
وجواب هذا هو: هذا لا يصفوا إلا إذا عرفنا أن التوسل ليس عبادة، وهذا يتطلب أن نعرف العبادة تعريفاً صحيحاً، خالياً من الدور والتناقض. فلو اعتقد المتوسل أن المتوسل به، أو المستشفع به، يشفع بدون استئذان، أو له عند الله شفاعة لا ترد، أو يجير على الله، أو يفلت من قبضة الله، أو أنه يعجز الله هرباً، فقد جعله نداً مساوياً لله في هذا الاعتبار المعين، وقد اتخذه من ثم إلاهاً من دون الله، فهو بمجرد هذا الاعتقاد مشرك كافر، وتوسله عبادة لغير الله، فهي إذاً زيادة شرك وكفر.
وقد استشكل السيد العلامة محمد بن إسماعيل الأمير الصنعاني، رحمه الله تعالى، وهو من معاصري ومؤيدي الدعوة الوهابية، بعد أن كان أول الأمر من خصومها، حكم الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب، رحمه الله، على من أسماهم بـ«القبوريين» بالوقوع في الشرك الأكبر، شرك الكفر، والخروج من الإسلام، فجزم بخلاف ذلك وصنفهم من أهل الإسلام الآثمين لوقوعهم في «الشرك الأصغر» فقط:
v كما جاء في «الغنية عن الكلام وأهله»، (ج: 1 ص: 56 وما بعدها): [والذي نحن بصدده هو أنه إذا خفي على بعض أهل العلم ما ذكرناه وقررناه في حكم المعتقدين للأموات لسبب من أسباب الخلفاء التي قدمنا ذكرها ولم يتعقل ما سقناه من الحجج البرهانية القرآنية والعقلية فينبغي أن نسأله ما هو الشرك فإن قال: (هو أن تتخذ مع الله إلها آخر كما كانت الجاهلية تتخذ الأصنام آلهة مع الله سبحانه)، قيل له: وماذا كانت الجاهلية تصنعه لهذه الأصنام التي اتخذوها حتى صاروا مشركين؟! فإن قال كانوا يعظمونها ويقربون لها ويستغيثون بها وينادونها عند الحاجات وينحرون لها النحائر ونحو ذلك من الأفعال الداخلة في مسمى العبادة فقل له لأي شيء كانوا يفعلون لها ذلك فإن قال لكونها الخالقة الرازقة أو المحيية أو المميتة فاقرأ عليه ما قدمنا لك من البراهين القرآنية المصرحة بأنهم مقرون بأن الله الخالق الرازق المحيي المميت وأنهم إنما عبدوها لتقربهم إلى الله زلفى وقالوا هم شفعاؤهم عند الله ولم يعبدوها لغير ذلك فإنه سيوافقك ولا محالة إن كان يعتقد أن كلام الله حق وبعد أن يوافقك أوضح له أن المعتقدين في القبور قد فعلوا هذه الأفعال أو بعضها على الصفة التي قررناها وكررناها في هذه الرسالة فإنه إن بقى فيه بقية من إنصاف وبارقة من علم وحصة من عقل فهو لا محالة يوافقك وتنجلي عنه الغمرة وتنقشع عن قلبه سحائب الغفلة ويعترف بأنه كان في حجاب عن معنى التوحيد الذي جاءت به السنة والكتاب]، انتهى بحروفه.
v واستمر في «الغنية عن الكلام وأهله»، (ج: 1 ص: 56 وما بعدها): [ومن جملة الشبه التي عرضت لبعض أهل العلم ما جزم به السيد العلامة محمد بن إسماعيل الأمير، رحمه الله تعالى، في شرحه لأبياته التي يقول في أولها:

رجعت عن النظم الذي قلت في النجدي فإنه قال إن كفر هؤلاء المعتقدين للأموات هو من الكفر العملي لا الكفر الجحودي ونقل ما ورد في كفر تارك الصلاة كما ورد في الأحاديث الصحيحة وكفر تارك الحج في قوله تعالى فإن الله غني العالمين، ..إلخ]، ثم عقَّب: [وتحقيقه أن الكفر كفر عمل وكفر جحود وعناد فكفر الجحود أن يكفر بما علم أن الرسول جاء به من عند الله جحودا وعنادا فهذا الكفر يضاد الإيمان من كل وجه وأما كفر العمل فهو نوعان نوع يضاد الإيمان ونوع لا يضاده ثم نقل عن ابن القيم كلاما في هذا المعنى. ثم قال السيد المذكور قلت ومن هذا يعني الكفر العملي من يدعو الأولياء ويهتف بهم عند الشدائد ويطوف بقبورهم ويقبل جدرانها وينذر لها بشيء من ماله فإنه كفر عملي لا اعتقادي فإنه مؤمن بالله وبرسوله صلى الله عليه وسلم وباليوم الآخر لكن زين له الشيطان أن هؤلاء عباد الله الصالحين ينفعون ويشفعون ويضرون فاعتقدوا ذلك كما اعتقد ذلك أهل الجاهلية في الأصنام لكن هؤلاء مثبتون التوحيد لله لا يجعلون الأولياء آلهة كما قاله الكفار إنكارا على رسول الله صلى الله عليه وسلم لما دعاهم إلى كلمة التوحيد أجعل الآلهة إلها واحدا فهؤلاء جعلوا لله شركاء حقيقة فقالوا في التلبية لبيك لا شريك لك إلا شريكا هو لك تملكه وما ملك فأثبتوا للأصنام شركة مع رب الأنام وإن كانت عباراتهم الضالة قد أفادت أنه لا شريك له لأنه إذا كان يملكه وما ملك فليس شريك له تعالى بل مملوك فعبادة الأصنام الذين جعلوا لله أندادا واتخذوا من دونه شركاء وتارة يقولون شفعاء يقربونهم إلى الله زلفى بخلاف جهلة المسلمين الذين اعتقدوا في أوليائهم النفع والضر فإنهم مقرون لله بالوحدانية وإفراده بالالهة وصدقوا رسله فالذي أتو من تعظيم الأولياء كفر عمل لا اعتقاد فالواجب وعظهم وتعريفهم جهلهم وزجرهم ولو بالتعزير كما أمرنا بحد الزاني والشارب والسارق من أهل الكفر العملي إلى أن قال فهذه كلها قبائح محرمة من أعمال الجاهلية فهو من الكفر العملي وقد ثبت أن هذه الأمة تفعل أمورا من أمور الجاهلية هي من الكفر العملي كحديث أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركوهن الفخر في الأحساب والطعن في الأنساب والاستسقاء بالنجوم والنياحة أخرجه مسلم في صحيحه من حديث أبي مالك الأشعري فهذه من الكفر العملي لا تخرج به الأمة عن الملة بل هم مع إتيانهم بهذه الخصلة الجاهلية أضافهم إلى نفسه فقال من أمتي. فإن قلت: أهل الجاهلية تقول في أصنامها أنهم يقربونهم إلى زلفى كما يقول القبوريون هؤلاء شفعاؤنا عند الله كما يقوله القبوريون. قلت: لا سواء فإن القبوريون مثبتون للتوحيد لله قائلون أنه لا إله إلا هو ولو ضربت عنقه على أن يقول أن الولي إله لما أطاع الله كان له بطاعته عنده تعالى جاء به تقبل شفاعته ويرجى نفعه لا أنه إله مع الله بخلاف الوثني فإنه امتنع عن قول لا إله إلا الله حتى ضربت عنقه زاعما أن وثنه إله مع الله ويسميه ربا والها قال يوسف عليه السلام أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار سماهم أربابا لأنهم كانوا يسمونهم بذلك كما قال الخليل هذا ربي في الثلاث الآيات مستفهما لهم مبكتا متكلما على خطابهم حيث يسمون الكواكب أربابا وقالوا أجعل الآلهة إلها واحدا وقال قوم إبراهيم من فعل هذا بآلهتنا أانت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم وقال إبراهيم أأفكا آلهة دون الله يردون ومن هذا يعلم أن الكفار غير مقرين بتوحيد الإلهية والربوبية كما توهمه من توهم من قوله ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض خلقهن العزيز العليم قل من يرزقكم من السماء والأرض إلى قوله فسيقولون الله فهذا إقرار بتوحيد الخالقية والرازقية ونحوهما لا أنه إقرار بتوحيد الآلهة لأنهم يجعلون أوثانهم أربابا كما عرفت فهذا الكفر الجاهلي كفر اعتقاد ومن لازمه كفر العمل بخلاف من اعتقد في الأولياء النفع والضر مع توحيد الله والإيمان به وبرسوله وباليوم الآخر فإنه كفر عمل فهذا تحقيق بالغ وإيضاح لما هو الحق من غير إفراط ولا تفريط انتهى كلام السيد المذكور رحمه الله تعالى]
قلت: كلام السيد العلامة محمد بن إسماعيل الأمير رحمه الله تعالى، جيد إلا أنه لم يوفق لإدراك المناط الحقيقي لاختلاف الحكم بين الحالتين، ألا وهو: اختلاف المعتقد، وتباين المحتوى التصوري تبايناً جوهرياً. فأهل الجاهلية اعتقدوا في آلهتهم أموراً معينة جعلتهم آلهة، وأرباباً من دون الله، والقليل من ذلك قد يكون متعلقاً بالخالقية والرازقية، ونحوها، والكثير بأمور أخرى مهمة وجوهرية غير ذلك، وقد أسلفنا تفصيلاً وافياً لأكثر ذلك. هذا هو المهم، وهو مربط الفرس، وليس تسميتهم لتلك المعبودات آلهة، أو أرباباً، أو الاعتراف لهم بشركة الله في مثل قولهم: (لبيك لا شريك لك، إلا شريكاً هو لك، تملكه وما ملك)، وإن كانت هذه التسميات والألفاظ، في العادة وأغلب الأحوال، وليس بالضرورة، قرينة قوية على وجود تلك المعتقدات الكفرية.
أما معتقد المنسوبين إلى الإسلام فيمن ينادون من الأموات والأولياء فهو مختلف اختلافاً جوهرياً، أو هكذا ينبغي أن يفترض فيهم للوهلة الأولى. وما يجري على ألسنتهم من تسميات وألفاظ يرجح أن ما لديهم من معتقدات ليس بالضرورة معتقداً كفرياً، وإن كان يحتمل أن يكون كذلك في بعض الأحوال التي نرجو الله أن تكون نادرة.
فالعبرة هو بحقيقة المعتقد، وجوهر محتوى التصور، وليس بالأسماء والمسميات، ولا بمجرد الانتساب إلى الإسلام، أو التلفظ الصوري بالشهادتين.
كما أن السيد العلامة محمد بن إسماعيل الأمير رحمه الله تعالى، أخطأ في تصنيف بعض الأعمال التي تصدر عن المنتسبين إلى الرسلام بأنها في جملتها كفر عملي، أو كفر أصغر، من غير نظر لمحتوى التصور والمعتقد، ومن غير نظر في الأحكام الشرعية. لأن بعض ذلك قد لا يكون كفراً عملياً أو اعتقادياً أصلاً، وإنما هي معاصي أو حتى مكروهات فقط، وبعضه، وهو الأقل، قد يكون كفراً مخرجاً من الملة.
والكفر الأصغر إنما هو فقط بتصنيف الشارع الإسلامي لا غير: فقد يطلق على أمور من الصغائر، كما سيأتي البرهان عليه في الأبواب المتعلقة بالشرك العملي، في حين أن بعض الكبائر الموبقة المهلة، التي تقارب الشرك الأكبر والكفر الناقل عن الملة في الإثم، كأكل مال اليتيم ظلماً، وشهادة الزور، واليمين الغموس، لم يسمها الشارع كفراً أو شركاً، وإن كان جعلها مقاربة للشرك في الإثم والشر!
v ثم حاول صاحب «الغنية عن الكلام وأهله»، (ج: 1 ص: 64 وما بعدها)، الرد على السيد العلامة محمد بن إسماعيل الأمير، رحمه الله تعالى، فقال: [وأقول هذا الكلام في التحقيق ليس بتحقيق بالغ بل كلام متناقض متدافع وبيانه أنه لا شك أن الكفر ينقسم إلى كفر اعتقاد وكفر عمل ولكن دعوى أنه ما يفعله المعتقدون في الأموات من كفر العمل في غاية الفساد فإنه قد ذكر هذا البحث أن كفر من اعتقد في الأولياء كفر عمل وهذا عجيب كيف يقول كفر من يعتقد في الأولياء ويسمى ذك اعتقادا ثم يقول أنه من الكفر العملي وهل هذا إلا التناقض البحت والتدافع الخالص انظر كيف ذكر في أول البحث أن كل من يدعو الأولياء ويهتف بهم عند الشدائد ويطوف بقبورهم ويقبل جدرانها وينذر لها بشيء من ماله هو كفر عمل. فليت شعري ما هو الحامل له على الدعاء والاستغاثة وتقبيل الجدران ونذر النذورات هل هو مجرد اللعب والعبث من دون اعتقاد فهذا لا يفعله إلا مجنون أم الباعث عليه الاعتقاد في الميت فكيف لا يكون هذا من كفر الاعتقاد الذي لولاه لم يصدر فعل من تلك الأفعال ثم انظر كيف اعترف بعد أن حكم على هذا الكفر بأنه كفر عمل لا كفر اعتقاد بقوله لكن زين الشيطان أن هؤلاء عباد الله الصالحين ينفعون ويشفعون فاعتقد ذلك جهلا كما اعتقده أهل الجاهلية في الأصنام فتأمل كيف حكم بأن هذا كفر اعتقاد ككفر أهل الجاهلية واثبت الاعتقاد واعتذر عنهم بأنه اعتقاد جهل. وليت شعري أي فائدة لكونه اتقاد جهل فإن طوائف الكفر بأسرها وأهل الشرك قاطبة إنما حملهم على الكفر ودفع الحق والبقاء على الباطل الاعتقاد جهلا وهل يقول قائل إن بكلمة التوحيد فقط من دون نظر إلى ما ينافي ذلك من أفعال المتكلم بكلمة التوحيد ويخالفه من اعتقاده الذي صدر عنه تلك الأفعال المتعلقة بالأموات وهذا الاعتبار لا ينبغي التعويل عليه ولا الاشتغال به فالله سبحانه إنما ينظر إلى القلوب وما صدر من الأفعال عن اعتقاد لا إلى مجرد الألفاظ وإلا لما كان فرق بين المؤمن والمنافق]
قلت: هذا رد جيد، تمكن فيه من «لي» ذراع العلامة السيد محمد بن إسماعيل الأمير رحمه الله تعالى، فأوقعه في التناقض، وأن هؤلاد المنتسبين إلى الإسلام ما هتفوا بالأولياء إلا وعندهم، ضرورة، اعتقاد معين، كما يظهر بوضوح من قوله: (فليت شعري ما هو الحامل له على الدعاء والاستغاثة وتقبيل الجدران ونذر النذورات هل هو مجرد اللعب والعبث من دون اعتقاد فهذا لا يفعله إلا مجنون أم الباعث عليه الاعتقاد في الميت).
كما أنه أحسن في بيان أن الجهل، وإن كان ربما مسقطاً للمؤاخذة الأخروية، إلا أنه لا يغير حقائق الأشياء في ذاتها: فالمشرك مشرك، حتى لو فرضنا أنه معذور بالجهل، وعدم بلوغ الرسالة. والخرافة خرافة حتى لو ظنها إنسان، بشبهة عرضت له، حق مطابق لواقع.
إلا أن حجته لا بد أن تنقلب عليه ضرورة لأنه لم يدرك أن هناك معتقدات شركية مكفرة، وأخرى ليست كذلك وإن كانت ربما باطلة. فظن أن القضية مجرد اعتقاد ما، أي «اعتقاد»، يتعلق بمجرد حصول جلب نفع أو دفع ضر، ونحوه، وليس نوع الاعتقاد وموضوعه ومحتواه. وقد اسلفنا أن مجرد اعتقاد أن «كذا وكذا» يضر وينفع، لا علاقة له بالكفر والإسلام، والشرك والتوحيد، وإلا لكفر وأشرك كل من اعتقد أن حماره أو سيارته مفيدة نافعة!!
نعم: سيسارع القوم بالقول: ليس هذا، بداهة، التفع والضر الذي نعني! فنقول لهم: أحسنتم، وأجدتم، وأنصفتم فبينوا لنا الفرق الصحيح المنضبط بين اعتقاد النفع في «السيارة»، و«الحمار»، «وحزمة الحطب»، واعتقاد النفع في «اللات والعزى، ومناة الثالثة الأخرى»؟!
واستمر صاحب «الغنية عن الكلام وأهله» في مناقشة السيد العلامة محمد بن إسماعيل الأمير الصنعاني، رحمه الله تعالى، ذاكراً نقولاً عن الإمام ابن القيم تفيد أنه يحكم على من أسماهم بـ«القبوريين» بالشرك الأكبر، خلافاً لما قد يكون الإمام الصنعاني قد ظنه من قول ابن القيم. وكل ذلك بحمد الله لا يعنينا: فسواء قال ابن القيم بذلك، أو كان فهم الإمام الصنعاني هو الصحيح لنصوص ابن القيم، فمنذ متى أصبحت أقوال الإمام ابن القيم نصوصاً شرعية؟! فالحق المبين هو، بمنة الله وفضله، ما أقمنا عليه قواطع الأدلة فيما سلف بالحجج البرهانية، مع ابطال أقول المخالفين وتفنيدها قولاً، قولاً.
وقد حاول الإمام محمد بن علي الشوكاني مزيد تحرير للمسألة، وتجاوز الإشكالية، عندما قال في رسالة «وجوب توحيد الله»: [إن من يدعوا الأموات، ويهتف بهم عند الشدائد، ويطوف بقبورهم، ويطلب منهم ما لا يقدر عليه إلا الله (سبحانه)، لا يصدر ذلك منه إلا عن اعتقاد كاعتقاد أهل الجاهلية في أصنامهم، هذا إن أراد من الميت، الذي يعتقده، ما كان تطلبه الجاهلية من أصنامها من تقربهم إلى الله، فلا فرق بين الأمرين. وإن أراد استقلال من يدعوه من الأموات بأن يطلبه ما لا يقدر عليه إلا الله (عز وجل)، فهذا أمر لم تبلغ إليه الجاهلية، ...]
فها هنا حاول الإمام الشوكاني، وهو فقيه كبير ومجتهد مطلق، حسم المسألة بإضافة «ضابط» جديد يتعلق بالاعتقاد، وليس بمجرد الأفعال والأقوال من حيث هي أفعال وأقوال مجردة، بقوله: (يطلب منهم ما لا يقدر عليه إلا الله)، موجهاً، حسب ظنه واعتقاده، الضربة القاضية إلى «القبوريين»، حاكماً عليهم من ثم بالشرك الأكبر، شرك الكفر، مخرجاً لهم بذلك من الملة، منهياً للإشكاليات التي أوردها السيد العلامة محمد بن إسماعيل الأمير الصنعاني، رحمه الله تعالى.
ولكن هذا كذلك باطل، وهو لا يجدي، لأن هذا الضابط المزعوم ليس صحيحاً، لأنه جاء غير محرر لا يعرف المقصود منه: هل يعني الإمام الشوكاني (ما لا يقدر عليه إلا الله) كما هو في نفس الأمر وحقيقته، بموجب الأدلة العقلية والشرعية القاطعة، أو حسب معتقد «القبوري» السائل؟!
أما الأول فلا قيمة له لأننا نعلم يقيناً، بالبراهين العقلية، والتاريخية، والشرعية المقطوع بها أن «اللات» ما هو إلا اسم لكائن مؤنث خرافي، لا وجود لها في الحقيقة، ومع ذلك فمن اعتقد بوجودها، وكونها من بنات الله فهو مشرك كافر، فضلاً عن كونه مخطيء مخرِّف.
إذاً المعتبر هو معتقد السائل، أي هذا الشخص محل البحث، الذي قال عنه الشوكاني أنه: (يدعوا الأموات، ويهتف بهم عند الشدائد، ويطوف بقبورهم، ويطلب منهم ما لا يقدر عليه إلا الله)، أي محتوى المعتقد، وجوهر التصور الذهني، الباعث على تلك الأفعال والأقوال، وليس مجرد وجود أي معتقد، كما أشبعناه بحثاً وبرهنة فيما سلف. وحينئذ نستطيع أن نحكم على هذا الاعتقاد بأنه: (كاعتقاد أهل الجاهلية في أصنامهم)، أو حتى أبشع وأسوأ، كما زعم الإمام الشوكاني.
وبالضرورة نعلم أن هذا السائل عنده قطعاً «اعتقاد» و«تصور» معين، فهو لا يتوجه بمسألته إلا إلى من يعتقد أنه يسمعه، أو يبلغه نداؤه، وأنه قادر على إجابة السؤال، وتحقيق المطلوب، وإلا كان، ضرورة، مجنوناً، مختل العقل، لا يستحق خطاب التكليف!
والبحث إنما يكون في «ماهية» أو «محتوى» معتقد هذا السائل الداعي، فإذا اعتقد في من يدعوه معتقداً شركياً، مناقضا لقطعيات الإسلام، كان دعاؤه دعاء عبادة، وكان شركاً، وكفراً، ينقل عن الملة، وإلا فلا.
فمثلاً إذا دعى داع بما تعتقد أنت أنه أمر «لا يقدر عليه إلا الله» فلا بد من سؤاله عن ذلك، ولن يخرج جوابه عن واحدة مما يلي:
(1) أن هذا الأمر حقاً «لا يقدر عليه إلا الله»، فليزمه حينئذ أن يقول أن المدعو هو الله، أو أن الله اتحد به، أو حل فيه، أو أنه «بعض» الله، أو أنه صورة خيالية لا حقيقة لها وإنما خلقها الله في إدراك الناظرين، أو نحو ذلك من الأقوال التي قيل مثلها في المسيح عيسى بن مريم، صلوات الله عليه وعلى والدته. وكل هذا شرك وكفر اعتقادي من حيث هو معتقد، فهذا الداعي قد اتخذ المدعو إلاهاً، لأن المدعو هو بزعمه «عين» الله، أو «بعض» الله، أو تجسد الله، أو صورة الله، أو من حل فيه الله، أو ما شاكل، والدعاد حينذذ ضرورة دعاء عبادة، وهو بدعائه هذا عابد لهذا المدعو. هذه المقولة، وهي مقولة كفرية بذاتها، نادرة جداً، والقائلون بها يصرحون بها ابتداءً (كالنصارى المثلثين) فلا يحتاج الأمر معهم عادة إلى كبير جدال.
(2) أن يقول أن هذا الأمر المطلوب مقدور لغير الله، وهذا متصور في أحوال منها:
(أ) أن المدعو له قدرة تضاهي أو تقارب قدرة الله، ولو فقط في هذا الأمر المخصوص أو تلك الجزئية المعينة. فهذا الداعي بهذا المعتقد قد جعل المدعو نداً لله، ومساوياً له، أو في نفس مرتبته، ولو في جزئية واحدة أو أمر واحد. فهذا شرك وكفر اعتقادي من حيث هو معتقد، فهذا الداعي قد اتخذ المدعو إلاهاً من دون الله، والدعاد حينذذ ضرورة دعاء عبادة، وهو بدعائه هذا عابد للمدعو من دون الله.
ونسارع فنقول أن هذه مقولة كفرية بذاتها، ولا مخرج منها بالقول أن تلك «القدرة» المساوية أو المضاهية أو المقاربة لقدرة الله، مخلوقة لله، فذلك مناقض لنصوص الشرع القطعية الصريحة، وهو قبل ذلك في ذاته محال عقلاً لأنه يترتب عليه ضرورة أن الله جل وعلا، ليس هو الحق، الأول، القيوم، الغني بذاته، واجب الوجود القديم، وهو كذلك في نفس الوقت، فيكون التناقض، وينهدم العقل، وتبطل الشرائع، عياذاً بالله: هذا كفر صريح، وهو شرك صريح أيضاً لأن كل شيء يجوز أن يكون إلاهاً في نفس الوقت، في مسلسل لا ينتهي من التناقضات والمحالات.
(ب) أن المدعو له قدرة على ذلك الأمر، فلا يرد عليه قولنا: هذا أمر «لا يقدر عليه إلا الله»، وهي لا تضاهي قدرة الله، ولكنها ذاتية فيه ليست من خلق الله ولا تقديره، فهو إذاً مستقل في الفعل عن الله، لا يحتاج إلى إذن الله ومشيئته، كمعتقد قريش قديماً، وأكثر الأفارقة الوثنيين الآن في الجن لأنهم من عنصر إلاهي، وإن كانوا من «قبيلة» غير «قبيلة» الله، تعالى وتقدس، وفي الملائكة، وهؤلاء من نفس القبيلة، ولعله أبناء الله وبناته، جل جلاله وسمى مقامه فوق هذه الأقاويل الخبيثة والظنون الشنيعة.
فهذا أيضاً شرك وكفر اعتقادي من حيث هو معتقد، فهذا الداعي قد اتخذ المدعو إلاهاً من دون الله، والدعاد حينذذ ضرورة دعاء عبادة، وهو بدعائه هذا عابد للمدعو من دون الله، وهو من ثم ضرورة مشرك الشرك الأكبر، شرك الكفر.
(ج) أن المدعو له قدرة على ذلك الأمر، فلا يرد عليه قولنا: هذا أمر «لا يقدر عليه إلا الله»، وهي لا تضاهي قدرة الله، ولكنها ليست ذاتية فيه بل هو مخلوق لله، وقدرته تلك من خلق الله وتقديره، ولا يستطيع استخدامها إلا بإذن الله ومشيئته، فهو إذاً ليس مستقلاً في الفعل عن الله، وإنما يفعل بإقدار الله له، وبإذن الله ومشيئته.
فغاية هذا أن يكون:
(1) مخطئاً في نسبة تلك القدرة إلى المدعو، وهي في حقيقة الأمر ليست كذلك. هذا قد يكون خطأً أو تخريفاً، ولكنه ليس بالضرورة شركاً. نعم: (كل شرك هو خرافة وباطل، وليس كل خرافة وباطل شركاً). فإذا افهم هذا وعلم، وبين له أنه على خرافة وخطأ، فإما أن يرتدع ويتوقف عن ذلك الدعاء، أو يلحق ضرورة بأحد الأنواع السابقة أو الاحقة.
(2) أو مخطئاً في التعبير، كمن يقول: (يا سيدي رسول الله اغفرلي)، أو (يا سيدي عبد القادر ارحمني)، وهو إنما يقصد: (يا سيدي رسول الله: ادع لي بالمغفرة، أو استغفر لي)، (يا سيدي عبدالقادر ادع لي بالرحمة).
وقد يقول قائل سريعاً: كيف ينادى الغائب أو الميت؟! أليس هذا معتقد شركي بذاته؟! فنقول: طبعاً لا. والحي الحاضر إنما يسمع بما خلقه الله فيه من أدوات وقدرات على السمع، وبإذن الله ومشيئته، لا بقدرته الذاتية، ولا على وجه الاستقلال. وسماع الميت والبعيد بإقدار الله له ليس على الله بعزيز، إلا أنه خلاف العادة، ويحتاج إلى برهان من الحس والعقل (الهاتف والاسلكي مثلاً) أو من الشرع، فالقول به من غير برهان على وجوده باطل وتخريف، وليس شركاً: (كل شرك هو خرافة وباطل، وليس كل خرافة وباطل شركاً).
وبعض الناس يعتقد أن النبي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، بوفاته، وتحرر روحه من الجسد، قد انتقل إلى حالة أكمل وأقوى، فأصبح يسمع من بعيد، ويتصرف بما لم يكن مقتدراً عليه حال الحياة. كل ذلك بتمكين الله له، وبما أعطاه من قوى خاصة، ومكانة متميزة، وهو بذلك لم يجاوز مراتب المخلوقين، فما زال عبداً مخلوقاً مربوباً، لا يملك لنفسه ضراً، ولا نفعاً، إلا أن يشاء الله. فهذا ونحوه، على هذه الصورة من التعميم المفرط، معتقد باطل، وكذب بذاته، غير مطابق للواقع، وإن كان لا يخرج من الملة، وليس فيه انتقاص من قدرة الله، أو تفرده بالخلق، والتصرف، والتدبير. فالدعاء يكون في مثل هذه دعاء مسألة، وليس دعاء عبادة، وقد يكون محرماً لأنه جاء على صورة غير شرعية خلافاً للأحكام الشرعية.
ولعل المناقشة الفائتة، على اختصارها، تبين أن جملة: (الدعاء لا يكون دعاء عبادة إلا إذا سأل السائل من غير الله «ما لا يقدر عليه إلا الله»)، تحتاج إلي شرح وبيان، وتقسيم وتفريع، وإلا وقعت قليلة الجدوى، ضئيلة المحصول، وهذا لا يجوز التساهل فيه في قضايا الإسلام والكفر، والتوحيد والشرك: هذه قضايا (حياة أو موت). فهي إذاً ليست «ضابط» كما زعم مقلدة الإمام محمد بن عبد الوهاب، بل هي بأمس الحاجة إلى ضوابط وشروح تجعل لها معنىً مفيداً، فتعساً لهذا «الضابط»، الذي لا ينضبط!
أما قول الإمام الشوكاني: (وإن أراد استقلال من يدعوه من الأموات بأن يطلبه ما لا يقدر عليه إلا الله (عز وجل)، فهذا أمر لم تبلغ إليه الجاهلية)، فهو قول مرسل، جاء خلاف البرهان القاطع أن مشركي الجاهلية كانوا يعتقدون الألوهية في أصنامهم، وهذا يتضمن أنواعاً مختلفة من المعتقدات التفصيلية، يقتضي أكثرها اعتقاد الاستقلالية في الآلهة، ولو في جزئية واحدة معينة، أو اعتبار واحد معين. والظاهر أن الإمام الشوكاني أخذ خرافة «اللات»، الذي كان يلت السويق للحجاج، محمل الجد، واعتمد مزاعم الشيخ محمد بن عبد الوهاب أنهم كانوا (يعتقدون في الأموات، والصالحين) قضية مسلمة، وكل ذلك باطل بالبراهين القينية القاطعة، آنفة الذكر.
فما أسماه الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب إذاً «شرك القبور»، هو من حيث المبدأ، في ذاته «خرافة» لا وجود لها، ومن حيث ربط أحكام الكفر والإسلام به «بدعة» نكراء، وضلالة عمياء.
ومن ناحية أخرى «نداء» الأولياء والصالحين قد يكون شركاً أكبر، فيكون «النداء» حينئذ نوعاً من أنواع «العبادة»، كما قال الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب، رحمه الله تعالى، وقد يكون شركاً أصغر، كما قال السيد العلامة محمد بن إسماعيل الأمير، رحمه الله تعالى، وقد لا يكون لا هذا ولا هذا. وكل ذلك بحسب محتوى المعتقد، وليس بمجرد وجود أي «معتقد»، وحسب ما تمليه النصوص الشرعية، وليس بالأقيسة المنتنة، والمزاعم الشاطحة، أو التعميمات المكذوبة المجردة.
ومفهوم «العبادة»، هذا الذي أسلفنا تحريره، في عرف العرب مفهوم ضيق، كما أسلفنا، فلم يكن العرب يدركون أن التشريع من خصائص الألوهية، ولا يتصورون أن الطاعة من ألوان العبادة، يستوى في ذلك مشركهم، وأهل الكتاب منهم، كما هو ظاهر من حديث عدي بن حاتم الوارد في تفسير قوله تعالى: }اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله{ فقال: ما عبدناهم، فبين له النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن طاعتهم في تحريم الحلال وتحليل الحرام ـ أي في التشريع، وليس مجرد العمل ــ عبادة لهم.
كما كان ربط العرب للعبادة بالولاء والبراء والمحبة ضعيفا أو معدومًا كماهو ظاهر من سلوك أغلب المشركين مع قراباتهم من المؤمنين. غير أن الاسلام جاء بتعميق هذا المفهوم وتوسعته فأدخل فيه مفهوم الاتباع والطاعة، وكذلك الولاء والبراء، وقصر جميع أنواع العبادة على الله، سبحانه وتعالى، كما منع أعمالاً والفاظاً أن تصرف لغير الله، ولو بدون اعتقاد الألوهية، وسمى ذلك شركًا (أي: شركاً عملياً، لا يخرج من الملة الإسلامية، كما سيأتي، إن شاء الله)، وذلك لمناسبة ظاهر الفعل لفعل أهل الشرك، كما سيأتي بيان ذلك وتفصيله فيما بعد.
فـ«توحيد العبادة والتقديس»، هو إذن: إفراد الله وحده لا شريك له بالتعظيم الكامل، والمحبة الخالصة، مع غاية الذل والخضوع التام والتسليم الكامل، مع الإقرار بالفقر والحاجة إليه المبني على اعتقاد استحقاقه لذلك بذاته لما له من خصائص الألوهية وصفات الجمال والكمال والجلال.
أي هو: توحيد الله بأفعال العباد التعبدية. ومعناه صرف جميع أنواع الأفعال والشعائر التعبدية (من ذبح ـ ونذر ـ وركوع ـ وسجود ـ وقيام ـ وقعود ـ وسعي ـ وسكون ـ ودعاء ـ وتوكل ـ وخوف ـ ورجاء ـ وإنابة ـ ورغبة ـ ورهبة ـ وخشية وغير ذلك من أنواع الشعائر) لله وحده لا شريك له.
أو بلفظ آخر: توحيد الله بأفعال العباد المبنية على الإعتقادات التى تشملها، في المقام الأول، الأنواع الثلاثة الأولى من توحيد العلم والإعتقاد، ألا وهى: «توحيد الذات»، و«توحيد الخلق والتكوين»، و«توحيد التصرف والتدبير».
وهذا هو أحد أركان معنى: أشهد أن لا اله إلا الله.
والآيات في ذلك كثيرة، بل أكثر القرآن إنما يدور على هذا:
قال تعالى: }واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا{، (النساء؛ 4:36).
وقال تعالى: }وقضي ربك ألا تعبدوا إلا إياه .. {، (الاسراء؛ 17:23).
وقال تعالى: }وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون{، (الذاريات؛ 51:56).

ويتناقض مع هذا أنواع من الشرك الإعتقادي المخرج من الملة من أهمها:
(أ)ــ صرف ذلك، أو بعضه لغير الله، على وجه التعبد، أي مبنياً على إعتقاد إستحقاق ذلك الغير لذلك، لما له من خصائص الألوهية وصفات الكمال الذاتية أو لما له من قرابة ونسب إلهي، أو لتحوله إلى إله أو نصف إله باتحاده مع الإله، أو حلول الإله فيه، أو غير ذلك من المسوغات.
(ب) ـ صرف ذلك أو بعضه، وبالأخص: الاستعاذة والاستغاثة والاستعانة وطلب جلب النفع ودفع الضر، والذبح والنسك والنذور، لغير الله، لاعتقاد فاعل ذلك أن الله لا يعلم أحوال العباد وحوادث الكون على وجه التفصيل كما هو قول كثير من الفلاسفة الذين يزعمون أن علم الله يقتصر على الكليات، وأن الله لا يعلم الجزئيات ــ تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً ــ فترتب على ذلك أنه لا يقصد في طلب نفع، أو دفع ضر، أو دعاء مسألة، وهذا هو كذلك قول بعض الصابئة المشركين، عبدة النجوم والأفلاك، أو العقول والأرواح الفلكية. وشر من ذلك قول أرسطو أن الله لا يعلم سوى نفسه ولا يعقل سوى ذاته. وهذه المقولات، بذاتها، كفر ينقل عن الملة حتى لو لم يترتب عليها شرك العبادة هذا.
(ج) ـ صرف ذلك أو بعضه لغير الله، لاعتقاد أن الله وإن كان قد أحاط بأحوال العباد وجزئيات الحوادث علماً إلا أنه بعيد مترفع متعالي، لا عناية له بهم، ولا يستمع لدعائهم، ولا يبالي بمطالبهم، فاحتاج العباد أن يتوجهوا إلى غيره لقضاء حاجاتهم والاستجابة لمسألتهم من هذا الغير مباشرة، أو للحصول على وساطة وشفاعة ذلك الغير عند الله لقضائها.
وهذه المقولات، بذاتها، كذلك كفر ينقل عن الملة حتى لو لم يترتب عليهاهذا النوع من الأعمال الشركية، لما فيها، عقلاً، من نسبة النقص إلى الله سبحانه وتعالى، حيث دلت ضرورة العقل (والشرع) على أن العناية والإحسان والإنعام والرحمة صفات كمال في المخلوقين، فالله سبحانه وتعالى أولى بها: }وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه، وله المثل الاعلى في السماوات والارض، وهو العزيز الحكيم{ (الروم؛ 30:27).
وهي كذلك، بذاتها، كفر ينقل عن الملة حتى لو لم يترتب عليهاهذا النوع من الأعمال الشركية، شرعا، لما فيها كذلك من تكذيب خبر الله عن نفسه في الكتب المنزلة.
(د) ــ صرف ذلك أو بعضه لغير الله، لاعتقاد أن الله وإن كان قد أحاط بأحوال العباد وجزئيات الحوادث علماً، وبالرغم من كمال عنايته ورحمته بمخلوقاته إلا أنه أذن بالتقرب إلىه بالوسائط كحال ملوك البشر الذين لايصل إليهم الناس إلا بواسطة الوزراء والمعاونين، لحاجته، تعالى عن ذلك، لهم، ،كنوع من إظهار العظمة والسلطان، أو لإنفاذ أمره وإكمال تصرفه.
وهذه المقولات، بذاتها، كذلك كفر ينقل عن الملة من عدة أوجه:
الوجه الأول: لما فيها من تشبيه الله بخلقه ونسبة النقص والاحتياج إلى المعاونين والوزراء إليه، حتى لو لم يترتب عليها هذا النوع من الأفعال الشركية، حيث علم من الدين بالضرورة أن الله سبحانه وتعالى موصوف بكمال العلم والعناية والقدرة وأنه جل وعلا غني عن الوسائط كما أنه موصوف بالعظمة والجلال الذاتي فلا يحتاج البتة إلى غيره لإظهار عظمته وسلطانه وعلو شأنه أو لإنفاذ أمره، وهو قريب من عباده، أقرب إليهم من حبل الوريد، يجيب دعوة الداعي إذا دعاه، وهو يحب أن يدعى وقد أمر أن يدعى ويرجى ويطلب كافة المطالب، فهو الظاهر الذي ليس فوقه شىء وهو الباطن الذي ليس دونه شىء.
الوجه الثاني: لما فيها من تكذيب لخبر الله المتيقن، المقطوع به ثبوتاً ودلالة، في وحيه إلى أنبيائه بخلاف ذلك.
(هـ) ــ صرف ذلك أو بعضه لغير الله، لإعتقاد مكانته الخاصة عند الله، الممكنة له من:
(أ) التوسط والشفاعة، وساطةً وشفاعةً واجب على الله قبولها، نافذة لا ترد،
(ب) أو الشفاعة بغير إذن،
(ج) أو التدخل في أقدار الناس بما يترائى للشفيع من النفع والضر، على وجه الاستقلال.
كما يضاده أنواع من الشرك العملي، أي الشرك الأصغر، الذي لا يخرج من الملة الإسلامية، سيأتي بيانها في أبواب خاصة بذلك.

أبو عمر المنصور
19-04-2011, 06:49 PM
تعريف «عبادة الله» شرعًا
«العبادة»، بمعناها العرفي الاصطلاحي الضيق، هي، كما أسلفنا، توجيه الأقوال والأفعال، الظاهرة والبانة، الدالة على التعظيم والمحبة والخضوع لمن يعتقد أنه «إله»، أي من يعتقد فيه استحقاقها لأمر ذاتي فيه. فليس السجود والركوع، والوقوف والقنوت، والصمت والخشوع، والرهبنة والصيام، والطواف والسعي، وإطلاق المجامر وإيقاد الشموع، والسمع والطاعة، ليس شيء من ذلك عبادة إلا إذا صرف لمن تعتقد فيه الألوهية، أي من تعتقد فيه صفات معينة تجعله بذاته أهلاً لكل ذلك أو لبعض ذلك.
أما «عبادة الله»، جل وعز، فهي اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة.
وما يحبه الله من الأعمال والأقوال الظاهرة والباطنة لا يعرف إلا بالوحي، فلا بد من الرجوع إلى الوحي، وقبوله، وتمام الخضوع والتسليم له. فالعبادة هي إذن شرعاً: تحقيق قوله تعالى: }إن الحكم إلا لله{، اعتقاداً، وقولاً، وعملاً، وهذا يقتضي ضرورة تمام القبول، والخضوع والتسليم لأمر الله ونهيه، ظاهراً وباطناً، ولا يكون ذلك عبادة شرعية مقبولة عند الله، منجية في الآخرة، تحقق الهدف من الوجود وغايته: }وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون{، إلا إذا قام ذلك علي محبة الله ورسله ودينه، وتوقير الله ورسله ودينه.
أو بلفظ آخر: «عبادة الله» هي الطاعة لأوامر الله ونواهيه، فليست هي ذات الركوع والسجود، والقيام والقعود، والذبح والنذر، بل هي «الطاعة للأمر» بذلك: فلا فرق مطلقاً بين قوله: }أقيموا الصلاة{، وقوله: }كتب عليكم القتال وهو كره لكم{، وقوله: }وأحل الله البيع وحرم الربا{. كلها واجبة الطاعة على حد سواء.
وقد أسلفنا في موضع سابق أن جميع أفعال الإنسان الإختيارية هى محل الحكم الشرعي سواء:
(أ) قصد بها محض التعبد، والتقرب الى الله، أي تحقيق قصد أو قيمة «تعبدية»: (الشعائر التعبدية المحضة مثل الصلاة، والذكر، والدعاء، والذبح، والنذر، وتقديم القرابين، والصدقة ... إلخ).
(ب) أو قصد بها تحقيق قيمة «خلقية»: (الأخلاق، مثل الصدق، والأمانة، والكرم، وحتى الرفق بالحيوان).
(ج) أو قصد بها تحقيق قيمة «إنسانية»: (مثل إغاثة الملهوف، وإنقاذ الغريق بموجب إنسانيته، وبغض النظر عن لونه، ودينه، وقوميته، وجنسه)
(د) أو أراد بها الانسان كسبًا «معنويًا» أو «أدبياً»: (كالحصول على المجد، والفخار، والثناء، والشرف والرياسة).
(هـ) أو أراد تحصيل منفعة، أو قيمة «مادية»: (كالنقود، بالتجارة ونحوها).
والفصيلة الأولى من الأفعال، المرقومة (أ)، هي التي جرت العادة السيئة لبعض الفقهاء، لا سيما المتأخرين منهم، على تسميتها «عبادات»، مما ساهم في تضخيم بعض الإشكاليات التي ذكرناها في الباب السابق، حيث ظن بعض الناس أن فيها أمراً ذاتياً يجعلها «عبادات»، ويميزها عن غيرها تمييزاً ذاتياً ماهوياً، كما يتميز «الحجر» عن «الشجرة».
والحق، الذي قررناه آنفاً، أنها أفعال مجردة، من انقباض عضلة وانبساطها، وتحرك مشاعر معينة في النفس، ومن المحال الممتنع أن يكون فيها شيء ذاتي يلزم أحداً بالقول: هذه «عبادة» وتلك لسيت بـ«عبادة»، وإنما هي ممارسات الناس وتعودهم عبر عصور متطاولة التي ربما سببت هذا الوهم، الذي هو من نوع «خداع البصيرة»، تماما كـ«خداع البصر»، والذي يحتاج إلى مجاهدة شديدة لكشفه وفضحه.
ويساعدك على إدراك ذلك، مثلاً، أن «إيقاد الشموع» ليس من شعائر أهل الإسلام التعبدية، في حين أنه يحتل مكانة مركزية في اليهودية والنصرانية، وعلى العكس من ذلك «السجود» يكاد يكون عند المسلمين النموذج العياري لأفعال البدن التعبدية، وهو ليس معروفاً، ولا مصنفاً من العبادات عند اليهود والنصارى، ولا هو جزء من صلاتهم، في حين أن «الذبح» أي «النسك» هو رأس العبادات عند اليهود، وهو عبادة عند المسلمين، وإن كانت ثانوية تمارس في أحايين قليلة، في حين يستقبحها النصارى وينفرون منها!
فإذا تأملت الفقرة السابقة، مع ما سبق تحريره في الباب السابق، انكشفت عن عينيك الغشاوة، ورأيت الحق اليقيني، وهو أنه ليس في تلك الشعائر التعبدية أمر ذاتي جعلها كذلك بوصفها أفعالاً مجردة، وإنما هو أمر الله ونهيه، الذي جعل بعض ذلك شعيرة يتقرب بها إليه في شريعة ما، وجعل البعض الآخر شعيرة يتقرب بها إليه في شريعة أخرى، فقط لا غير، من غير زيادة ولا نقصان.
وكل هذه الأعمال، بشتى فصائلها، محل الحكم الشرعى، والإلتزام بالحكم الشرعي هو الجانب الروحى التعبدى فيها، فإذا أدرك الإنسان أنه متعبد لله في جميع أحواله، والتعبد هنا يعني: القبول، والتسليم، والرضا، والطاعة لأمر الله، المنبنية على تعظيم الله ومحبته، والتزم الحكم الشرعي في جميع أعماله، أصبح روحانيًا عابدًا، مستحقًا على هذا الجانب الروحى التعبدي من الله المثوبة والثناء، وذلك بغض النظر عن نوع الحكم الشرعي، فلا فرق بين إيجاب واجب، واستحباب نافلة، وإباحة فعل، أو كراهية آخر، أو تحريم ثالث، أو تقرير سبب، أو اعتماد شرط أو مانع.
لذلك قال بعض العلماء: (إن العادات تنقلب إلى عبادات إذا صلحت النية). وهذا كلام ليس بدقيق، لأن العادات، أو بلفظ أدق: المباحات، لا تنقلب إلى مستحبات أو واجبات، ولكن وجود «وعي» معين أو «نية» معينة، هو الذي قد يستحق عليه الإنسان المثوبة، بل وربما العقوبة، لا على ذات الفعل، من حيث هو فعل مجرد، الذي هو مباح كما كان، لا ثواب لفاعله أو عقاب عليه، من حيث هو فعل مجرد، وقد فصلنا هذا وأشبعناه تدليلاً وبحثاً في فصل سابق.

u فصل: أقسام العبادة الشرعية
(1) عبادات اعتقادية: وذلك أن يعتقد المسلم أن الله عز وجل هو الخالق الرازق المحيي المميت المدبر لشئون عباده. المستحق للعبادة وحده لا شريك له من دعاء وذبح ونذر وغير ذلك، وأنه الموصوف بصفات الجلال والكمال والكبرياء والعظمة، إلى غير ذلك من أنواع الاعتقاد.
ويشترط أن يكون ذلك الاعتقاد على وجه التعبد والتدين الذي يراد به وجه الله، وليس لأن تلك الأقوال حق في ذاتها، وهي كذلك قطعاً ولا جدال، ولكن لأنها دين يدان الله به، ويتقرب إليه باعنقاده! أي أن يعتبر معتقده هذا قضية دينية شرعيه، وليس مجرد قضية معرفية، أو فلسفية، أو أخلاقية، أو علمية، أو خبرية، أو فنية، أو جمالية، أو ما شاكل.
أي لا يكفي أن يعتقد الإنسان أن ذلك حق مطابق لواقعه فحسب، بل لا بد أن يدين الله بذلك الإعتقاد، ويتقرب إليه به، وإلا كان ذلك مجرد قضية خبرية، أو فلسفية، أو نحوه، ربما أهَّل ذلك القائل به لعضوية أكاديمية أفلاطون الفلسفية في أثينا، أما أن يكون عبادة شرعية فلا. وليس هذا تقولاً منا أو اجتهاداً، بل هو نص قول أبي القاسم محمد بن عبد الله، رسول الله وخاتم النبيين، عليه وعلى آله صلوات وتسليمات وتبريكات من الله، كما هو في حديث عتبان، المشهور، الصحيح، الصريح، الذي أخرجه الشيخان: «فإن الله حرم على النار من قال لا إله إلا الله، يبتغي بذلك وجه الله»!
وهناك قضية مهمة جداً، لا بد هنا من مراعاتها، وهي أن الله، تقدست أسماؤه، إنما يعبد بما شرع، فلا يجوز من ثم أن يتعبد ويتقرب إليه بمعتقد أو قول لم يشرع اعتقاده، حتى ولو كان ذلك المعتقد أو القول حقاً في ذاته. وقد وقع كثير من أهل القبلة في هذه الورطة فكلما تيقن أحدهم أو غلب على ظنه أن مقولة فلسفية، أو كلامية، أو علمية حق في ذاتها جعلوا اعتقاد ذلك دينا لازماً ورموا المخالف بالكفر أو البدعة، وهم بفعلهم هذا إلى البدعة، وربما إلى الكفر أقرب، وذلك بغض النظر عن صحة المقولة أو بطلانها.
هذا الداء الوبيل استشرى في المتكلمين والفلاسفة خاصة، ولكن لغيرهم ممن ينتسب إلى الفقه أو التصوف، بل ومن المنتسبين إلى السنة والحديث، شناعات مماثلة، بل لعل شرها أعظم، والفتنة بها أكبر، لأن الأمة بهم أوثق، وللاقتداء بهم أقرب، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، نسأل الله العظيم أن يعيد الأمة إلى دينها الحق عوداً جميلاً عاجلاً.
(2) عبادات لفظية: وذلك كالتلفظ بشهادة أن لا اله إلا الله محمدًا رسول الله، وكتلاوة القرآن والدعاء، والأذكار النبوية إلى غير ذلك من أنواع العبادات اللفظية.
(3) عبادات بدنية: وذلك كالقيام والركوع والسجود في الصلاة، وكالصوم وأعمال الحج والهجرة والجهاد إلى غير ذلك من العبادات البدنية.
(4) عبادات مالية: كالزكاة والصدقة وغير ذلك.
(5) عبادات تركية: هي أن يترك المسلم جميع المحرمات من الكفر والشرك، ومن الفسوق، ومن العصيان، وكذلك البدع، امتثالا لشرع الله، وتعظيماً لأمر الله، فهذه منه عبادة تركية.
ويؤجر المسلم على كل فعل وترك بما في ذلك فعل المباحات إذا فعل ذلك على وجه الإمتثال والطاعة لشرع الله، تعظيماً لأمر الله، وابتغاء لوجه الله. ويؤجر كذلك على فعل المباحات، مستحلاً لها بشرع الله، مستعينًا بها على طاعة الله عز وجل.

أبو عمر المنصور
19-04-2011, 06:50 PM
فصل : لا يقبل أي عمل إلا بشرطين
من مجموع ما سبق نعلم يقينا أن الله لا يقبل أي عمل من أي عامل إلا بشرطين اثنين أساسيين وهما كما يلى:
الاول: أن يكون العمل خالصًا لله، فلا يبتغي به صاحبه إلا وجه الله.
قال تعالى: }إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق، فاعبد الله مخلصًا له الدين! ألا لله الدين الخالص{، (الزمر؛ 39:2).
وقال تعالى: }قل إنى أمرت أن أعبد الله مخلصاً له الدين{، (الزمر؛ 39:11).
وقال تعالى: }قل الله أعبد مخلصًا له ديني{، (الزمر؛ 39:14).
وسيأتي زيادة بيان لهذا عند الكلام عن الرياء، وهذا هو تمام معنى: «أشهد أن لا إله الا الله».
والثاني : أن يكون موافقاً لهدي رسول الله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فعن عائشة، رضي الله عنها، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» أخرجه البخاري ومسلم. وفي رواية لمسلم: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد»، وهذا هو تمام معنى: «أشهد أن محمدًا رسول الله».

u فصل: فضل التوحيد
v قال الله تعالى: }الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلمٍ أولئك لهم الأمن وهم مهتدون{، (الانعام؛ 6:82). وأخرج البخاري بإسناد صحيح أن ذلك قد شق على الصحابة الكرام فقالوا: (أينا لا يظلم نفسه؟!)، فبين لهم رسول الله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أن الظلم المقصود في الآية هو: الشرك، وتلا قوله تعالى: }وإذ قال لقمان لا بنه وهو يعظه: يا بنى لا تشرك بالله، إن الشرك لظلم عظيم{.
v وقال تقدست أسماؤه مثنياً على إبراهيم، صلوات الله وسلامه وتبريكاته عليه وعلى آله: }إن إبراهيم كان أمة قانتاً لله حنيفاً وما كان من المشركين{، (المؤمنون؛ :59). الأمة: الإمام القدوة معلم الناس الخير، ولقد كان كذلك، صلوات الله عليه، عندما كان المسلم الوحيد في عصره؛ القانت: هو المداوم على الطاعة، الملازم لها؛ الحنيف: لغة هو المائل أو المنحرف، وهو هنا المقبل على الله، المعرض المنحرف المائل عما سواه، لا يداهن في دين الله، ولا يبالي في طاعة الله بسخط أعداء الله، ليس على طريقة فقهاء السلاطين وأمثالهم من المفتونين، قاتلهم الله.
v عن عبادة ابن الصامت قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدًا عبده ورسوله، وأن عيسى عبدالله ورسوله، وكلمته ألقاهاإلى مريم، وروح منه، والجنة حق، والنار حق، أدخله الله الجنة على ما كان من العمل»، حديث صحيح، أخرجه الشيخان.
v ولهما في حديث عتبان، المشهور، الصحيح: «فإن الله حرم على النار من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله».
v وعن أنس، عن معاذ مرفوعاً: «من مات وهو يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، صادقاً من قلبه، دخل الجنة»، حديث صحيح، أخرجه أحمد، والنسائي، وقال الألباني: (إسناده صحيح على شرط الشيخين).
v وعن معاذ رضي الله عنه مرفوعاً: «ما من نفس تموت وهي تشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، يرجع ذلك إلى قلب موقن، إلا غفر لها»، أخرجه ابن ماجه، وابن حبان، وأحمد، والحميدي، بإسناد لا بأس به، وهو صحيح ثابت من طرق أخرى.
v وعن أبي سعيد الخدري رضى الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «قال موسى عليه السلام: يارب علمني شيئًا أذكرك وأدعوك به، قال: قل يا موسى: لا اله إلا الله، قال: كل عبادك يقولون هذا؟ قال: يا موسى لو أن السموات السبع وعامرهن، والأرضين السبع في كفة، ولا إله إلا الله في كفة، مالت بهن لا إله إلا الله»، حديث صحيح، رواه أبن حبان، والحاكم وصححه، والترمذي وحسنه.
v وفي مسند الإمام أحمد بن حنبل عن أبي ذر قال: حدثنا الصادق المصدوق، صلى الله عليه وسلم، فيما يروى عن ربه، عز وجل، انه قال: }الحسنة بعشر أمثالها أو أزيد؛ والسيئة بواحدة أو اغفر؛ ولو لقيتني بقراب الأرض خطايا ما لم تشرك بي لقيتك بقرابها مغفرة{»، هذا حديث صحيح، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، قال الذهبي في التلخيص: صحيح، وأخرج أحمد آخره، موضع الاستشهاد، وكذلك ابن حبان، والبخاري في «خلق الأفعال» بأسانيد صحاح وحسان.
v وأخرج الترمذي بإسناد حسن عن أنس بن مالك قال: سمعت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يقول: «قال الله: يا بن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان فيك ولا أبالي؛ يا بن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك ولا أبالي؛ يا بن آدم إنك لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا لأتيتك بقرابها مغفرة»، قال أبو عيسى الترمذي: (هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه)، وصححه الألباني، وهو كذلك بشواهده.
v وأخرج أحمد، بإسناد محتمل، عن أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «إن الله تبارك وتعالى، يقول: يا عبادي كلكم مذنب إلا من عافيت فاستغفرونى أغفر لكم، ومن علم منكم أنى ذو قدرة على المغفرة فاستغفرنى بقدرتي غفرت له ولا أبالي! وكلكم ضال إلا من هديت فسلوني الهدى أهدكم! وكلكم فقير إلا من أغنيت فسلوني أرزقكم! ولو أن حيكم وميتكم وأولاكم وأخراكم ورطبكم ويابسكم اجتمعوا على قلب أتقى عبد من عبادي لم يزيدوا في ملكي جناح بعوضة، ولو أن حيكم وميتكم وأولاكم وأخراكم ورطبكم ويابسكم اجتمعوا فسأل كل سائل منهم ما بلغت أمنيته وأعطيت كل سائل ما سأل لم ينقصني إلا كما لو مر أحدكم على شفة البحر فغمس أبره ثم انتزعها: ذلك لأني جواد ماجد وأجد، أفعل ما أشاء، عطائي كلامي، وعذابي كلامي، إذا أردت شيئا فإنما أقول له كن فيكون».
v وفي «المعجم الكبير»: [حدثنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة حدثنا إبراهيم بن إسحاق الصيني حدثنا قيس بن الربيع عن حبيب بن أبي ثابت عن سعيد بن جبير عن بن عباس قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: «قال الله عز وجل: بن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان فيك؛ ولو أتيتني بقراب الأرض خطايا لقيتك على الأرض مغفرة ما لم تشرك بي، ولو بلغت خطاياك عنان السماء ثم استغفرتني لغفرت لك»]، ولكن هذا إسناد ضعيف بسبب إبراهيم بن إسحاق الصيني، لا تقوم به الحجة، ولا يثبت به الحديث عن ابن عباس، رضي الله عنهما، ولكن المتن صحيح ثابت عن أبي ذر وأنس، رضي الله عنهما.
v وعن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «إن الله يستخلص رجلاً من أمتي على رؤوس الخلائق يوم القيامة فينشر عليه تسعة وتسعين سجلاً، كل سجل مثل هذا (وأشار من الأفق إلى الأفق)، ثم يقول: أتنكر من هذا شيئاً؟! أظلمك كتبتي الحافظون؟! فيقول: لا، يا رب! فيقول: ألك عذر؟! فيقول: لا، يا رب! فيقول: بلى، إن لك عندنا حسنة، وإنه لا ظلم اليوم! فيخرج بطاقة فيها: (أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله)، فيقول (الرجل): يا رب! ما هذه البطاقة، مع هذه السجلات؟! فقال (الرب): إنك لا تظلم! قال (أي النبي): «فتوضع السجلات في كفة، والبطاقة في كفة، فطاشت السجلات، وثقلت البطاقة! ولا يثقل مع اسم الله شئ!». هذا حديث صحيح، أخرجه الحاكم وقال: صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي. وأخرجه أحمد، وابن المبارك في «الزهد»، والترمذي، وقال: حسن غريب.
v قال أحمد: [حدثنا سريج حدثنا هشيم أخبرنا حصين بن عبد الرحمن قال: كنت عند سعيد بن جبير قال: أيكم رأى الكوكب الذي انقض البارحة؟! قلت: أنا! ثم قلت: أما إني لم أكن في صلاة، ولكني لدغت! قال: وكيف فعلت؟! قلت: استرقيت! قال: وما حملك على ذلك؟! قلت: حديث حدثناه الشعبي عن بريدة الأسلمي أنه قال: لا رقية إلا من عين أو حمة! فقال سعيد (يعني ابن جبير): قد أحسن من انتهى إلى ما سمع. ثم قال: حدثنا ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «عرضت علي الأمم: فرأيت النبي ومعه الرهط، والنبي ومعه الرجل، والنبي وليس معه أحد. إذ رفع لي سواد عظيم فقلت هذه أمتي؟! فقيل: هذا موسى وقومه، ولكن انظر إلى الأفق، فإذا سواد عظيم، ثم قيل انظر إلى هذا الجانب الآخر، فإذا سواد عظيم، فقيل هذه أمتك ومعهم سبعون ألفا يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب»؛ ثم نهض النبي صلى الله عليه وسلم، فدخل، فخاض القوم في ذلك فقالوا: (من هؤلاء الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب؟!)، فقال بعضهم: (لعلهم الذين صحبوا النبي صلى الله عليه وسلم!)، وقال بعضهم: (لعلهم الذين ولدوا في الإسلام، ولم يشركوا بالله شيئا قط!)، وذكروا أشياء، فخرج إليهم النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «ما هذا الذي كنتم تخوضون فيه؟!»، فأخبروه بمقالتهم، فقال: «هم الذين لا يكتوون ولا يسترقون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون». فقام عكاشة بن محصن الأسدي فقال: (أنا منهم يا رسول الله؟!)، فقال: «أنت منهم!»، ثم قام الآخر فقال: (أنا منهم يا رسول الله؟!)، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «سبقك بها عكاشة!»؛ وحدثنا شجاع حدثنا هشيم مثله]. هذا حديث صحيح، غاية في الصحة، أخرجه البخاري، والنسائي في «الكبرى»، والترمذي باختصار يسير، وقال الترمذي: (هذا حديث حسن صحيح وفي الباب عن ابن مسعود وأبي هريرة)، وكذلك ابن حبان في صحيحه، وأخرجه مسلم باختصار كبير، كلهم بأسانيد صحاح عن عبد الله بن العباس، رضي الله عنهما.
v وقال أحمد: حدثنا عبد الرزاق حدثنا معمر عن قتادة عن الحسن عن عمران بن حصين عن ابن مسعود قال أكثرنا الحديث عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة ثم غدونا إليه فقال: «عرضت علي الأنبياء الليلة بأممها فجعل النبي يمر ومعه الثلاثة، والنبي ومعه العصابة، والنبي ومعه النفر، والنبي ليس معه أحد، حتى مر علي موسى معه كبكبة من بني إسرائيل فأعجبوني فقلت: من هؤلاء؟! فقيل لي: هذا أخوك موسى معه بنو إسرائيل! قال: قلت: فأين أمتي؟! فقيل لي انظر عن يمينك! فنظرت فإذا الظراب قد سد بوجوه الرجال، ثم قيل لي: انظر عن يسارك! فنظرت فإذا الأفق قد سد بوجوه الرجال، فقيل لي: أرضيت؟! فقلت رضيت يا رب، رضيت يا رب! قال: فقيل لي: إن مع هؤلاء سبعين ألفا يدخلون الجنة بغير حساب!»؛ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «فدا لكم أبي وأمي: إن استطعتم أن تكونوا من السبعين الألف فافعلوا، فإن قصرتم فكونوا من أهل الظراب، فإن قصرتم فكونوا من أهل الأفق! فإني قد رأيت ثم ناسا يتهاوشون»؛ فقام عكاشة بن محصن فقال: (ادع الله لي يا رسول الله أن يجعلني من السبعين!)، فدعا له، فقام رجل آخر فقال: (ادع الله يا رسول الله أن يجعلني منهم؟!)، فقال: «قد سبقك بها عكاشة»، قال: ثم تحدثنا فقلنا: من ترون هؤلاء السبعون الألف؟! قوم ولدوا في الإسلام لم يشركوا بالله شيئا حتى ماتوا؟! فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «هم الذين لا يكتوون ولا يسترقون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون». هذا كذلك حديث صحيح، غاية في الصحة، وأخرجه أحمد كذلك من طرق صحاح وحسان مطولاً ومختصراً عن ابن مسعود، رضي الله عنه، كما أخرجه البخاري في «الأدب المفرد»، وابن حبان في صحيحه، كل بإسناد صحيح. كما أخرجه ابن أبي عاصم في «الآحاد والمثاني»، والحاكم في المستدرك وصححه، ووافقه الذهبي، والطبراني في «الكبير» مطولاً ومختصراً، وفي «الأوسط» مختصراً، وابن حبان في صحيحه، وأبو داود الطيالسي، وأبو يعلى، أكثرهم عن ابن مسعود، وبعضهم عن عمران بن حصين مرفوعاً.

u فصل: خطر الشرك بالله
v قال الله تعالى: }إن الله لايغفر أن يشرك به، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء، ومن يشرك بالله فقد افترى إثمًا عظيمًا{، (النساء؛ 4:48).
v وقال تعالى: }إن الله لا يغفر أن يشرك به، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء، ومن يشرك بالله فقد ضل ضلالاً بعيدًا{، (النساء؛ 4:116).
v قال تعالى: }حنفاء لله، غير مشركين به، ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء، فتخطفه الطير، أو تهوى به الريح في مكان سحيق{، (الحج؛ 22:31).
v وقال تعالى: }وإذ قال لقمان لا بنه وهو يعظه: يا بنى لا تشرك بالله، إن الشرك لظلم عظيم{ (لقمان؛ 31:13).
v وقال تعالى: }ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون{ (الانعام؛ 6:88).
v وقال تعالى: }ولقد أوحى اليك، وإلى الذين من قبلك، لئن أشركت ليحبطن عملك، ولتكونن من الخاسرين v بل الله فاعبد، وكن من الشاكرين{ (الزمر؛ 39:65).
v وقال تعالى: }ولا تكونن من المشركين{ (الانعام؛ 6:14& يونس؛ 10:105& القصص؛ 28:87).
v وقال تعالى: }منيبين إليه، واتقوه، وأقيموا الصلاة، ولا تكونوا من المشركين{ (الروم؛ 30:31).
v وقال تعالى حاكياً قول عبده ورسوله السيد الوجيه المقرب عيسى بن مريم، مسيح الله المهدي، صلوات الله وسلامه عليه وعلى والدته: }لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم؛ وقال المسيح: يا بني إسرائيل، اعبدوا الله ربي وربكم: إنه من يشرك بالله فقد حرّم الله عليه الجنة، ومأواه النار، وما للظالمين من أنصار!{، (المائدة؛ 5:72).
v عن جابر بن عبدالله ــ رضى الله عنه ــ قال: أتى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم رجل فقال: يا رسول الله ما الموجبتان؟ فقال: «من مات لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة، ومن مات يشرك بالله شيئا دخل النار»، حديث صحيح، أخرجه مسلم.
v عنه أيضًا رضى الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول: «من لقى الله لا يشرك به شيئا دخل الجنة، ومن لقيه يشرك به دخل النار»، حديث صحيح، أخرجه أيضًا مسلم .
v وعن ابن مسعود رضى الله عنه، أن رسول الله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، قال: «من مات وهو يدعو لله ندًا دخل النار»، حديث صحيح، رواه البخارى.
هذه الآيات والأحاديث الشريفة المعصومة ليست رخصة في ارتكاب المعاصي، والإدمان على الذنوب، كيف لا والمعاصي والذنوب قد تستفحل بالإنسان حتى ينتكس قلبه، فيرتد منافقاً خالصاً، فيحبط عمله، أو تضعف بصيرته فيعبث الشيطان بعقله فيكذب على الله، ويتألى عليه فيقول: }لن تمسنا النار إلا أياماً معدودة{، كما قال ضلال بني إسرائيل فأكذبهم الله بقوله: }أتخذتم عند الله عهداً؟! فلن يخلف الله عهده، أم تقولون على الله ما لا تعلمون v بلى: من كسب سيئة، وأحاطت به خطيئته، فأولئك أصحاب النار، هم فيها خالدون{. أو قد يتبلد حسه، فلا ينكر المعصية والمنكر، ثم يتدرج إلى كراهة ما أنزل الله، أو السخرية والاستهزاء به فيرتد كافراً يحبط عمله. ولقد أحسن بعض العارفين عندما قال: (المعاصي بريد الكفر).

وعلى كل حال يمكن تقسيم الشرك من وجهة نظر أخرى كما يلي:

شرك أكبر: هو شرك الاعتقاد، وهو مخرج من الملة، وهي الأنواع السبعة السابق ذكرها أعلاه. ويقابله الشرك الأصغر الذي لا يخرج من الملة.

شرك اعتقادي: وكله من الشرك الاكبر، وهو مخرج من الملة، والعياذ بالله.

شرك عملى: وهو كل عمل حكم عليه الشرع الاسلامي بالشرك كالذبح لغير الله، والنذر لغير الله، وغير ذلك، ومنه ما يخرج من الملة، ومنه ما لا يخرج.

شرك القصد والارادة: هو أن يريد الانسان ببعض عمله غير الله، ويقصد به غير وجه الله، فهذا شرك القصد والإرادة وأكثر هذا من الشرك الخفي، أي الرياء، أو الشرك الاصغر. أما إذا أراد الإنسان بكل عمله الدنيا، فو لا يذكر الله، ولا تخطر له الآخرة على بال، فهذا لا يكون إلا من من اختل اعتقاده على نحو يناقض الإسلام كل المناقضة، ويخرج من كان قبل ذلك مسلماً من الملة. ومن كان هذا حاله فهو مشرك كافر، قد أعرض عن الله وعبد النيا وهواه، فتعساً له: ما أضل عمله، وأعظم شقاوته.

شرك أصغر: وهو الرياء، وهو غير مخرج من الملة، ولكنه إثم قبيح، وخلق ذميم، تجب مجاهدة النفس للتغلب عليه، وتجب التوبة مما سلف منه.

شرك خفي: وهو أن يعمل الرجل لمكان الرجل، وهو الرياء أيضًا، وهو غير مخرج من الملة.

شرك لفظي: هو كل لفظ حكم عليه الشرع الاسلامي بالشرك كالحلف بغير الله، وكقول بعض الناس: مالي إلا الله وأنت، وتوكلت على الله وعليك، ولولا الله وفلان لكان كذا وكذا إلى غير ذلك من الألفاظ الشركية.
الشرك إذًا ينقسم إلى اعتقادي وعملي: فالاعتقادي هو الأكبر، والعملي أكثره من الأصغر، والاعتقادي مخرج من الملة، والعملي، عادة، لا يخرج منها.

فالشرك الاعتقادي: هو الشرك الأكبر المخرج من الملة أي هو شرك الكفر!

أما الشرك العملي: فأكثره من الشرك الأصغر، الذي لا يخرج عن الملة، ومنه الرياء، أي الشرك الخفي، وأكثر شرك القصد والإرادة، وكذلك الشرك اللفظي.

u فصل: فضل الدعوة إلى الإسلام والتوحيد
v قال الله تعالى: }قل هذه سبيلى أدعو إلى الله على بصيرة{، (يوسف؛ 12:108).
v وقال تعالى آمراً نبيه بتلخيص دعوته في كلمات يسيرة: }قل: إنما أمرت أن أعبد الله، ولا أشرك به، إليه أدعوا، وإليه مئاب{، (الرعد؛ 13:36)
v وعن ابن عباس رضى الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لما بعث معاذاً إلى اليمن قال: «إنك تأتي قومَا من أهل الكتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله» وفي رواية: «إلى أن يوحدوا الله»، «فإن هم أطاعوك لذلك، فأعلمهم أن الله أفترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوك لذلك، فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم، فإن هم أطاعوك لذلك، فإياك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب»، حديث صحيح، أخرجه الشيخان.
v ولهما عن سهل بن سعد رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم خيبر: «لأعطين الراية غدًا رجلاً يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله، يفتح الله على يديه»، فبات الناس يدوكون ليلتهم، أيهم يعطاها، فلما أصبحوا غدوا على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم كلهم يرجو أن يعطاها، فقال: «أين علي بن أبي طالب؟» فقيل: هو يشتكي عينيه، فأرسلوا إليه فأتي به، فبصق في عينيه، ودعا له فبرىء، من فوره، كأن لم يكن به وجع، فأعطاه الراية فقال: «انفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم ثم ادعهم إلى الإسلام، وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله تعالى فيه، فوالله لئن يهدى الله بك رجلاً واحدًا خير لك من حمر النعم»، حديث صحيح، وفيه أكثر من آية من آيات نبوته صلى الله عليه وعلى آله وسلم.

أبو عمر المنصور
19-04-2011, 06:53 PM
توحيد الطاعة والاتباع
هو أن نفرد رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم بالاتباع فلا نتبع إلا إياه اتباعًا صادقًا، لأن طاعته طاعة لله وحده لا شريك له، فهو المبلغ عن الله البلاغ المعصوم المبين. فالطاعة هى لله ابتداءً. أما طاعة رسول الله ـ صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله ـ فهي طاعة لله، كما ثبت بالبرهان القاطع، واتباع أمره، هو اتباع لأمر الله.
فهذا التوحيد هو فعل العبد المبني على اعتقاده انفراد الله بالسيادة، والحاكمية، وانفراده بحق التشريع، وتصديقه أن مراد الله إنما يعرف بالوحي إلى الرسل والأنبياء.
وهذا هو معنى: (أشهد أن محمداً رسول الله)
v قال تعالى: }من يطع الرسول فقد أطاع الله{، (النساء؛ 4:81).
v قال تعالى: }قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم. قل أطيعوا الله والرسول فإن تولوا فإن الله لا يحب الكافرين {، (آل عمران؛ 2:31ــ32).
v قال تعالى: }وما أتاكم الرسول فخذوه، وما نهاكم عنه فانتهوا، واتقوا الله، إن الله شديد العقاب{، (الحشر؛ 59:7).
v قال تعالى: }ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى، ويتبع غير سبيل المؤمنين، نوله ما تولى، ونصله جهنم، وساءت مصيرا{، (النساء؛ 4:115).
v قال تعالى: }ألم تر الى الذين يزعمون أنهم أمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا{، (النساء؛ 4:61).
قال القرطبي: [روى يزيد بن زريع عن داود بن أبي هند عن الشعبي قال: كان بين رجل من المنافقين ورجل من اليهود خصومة فدعا اليهودي المنافق إلى النبي، صلى الله عليه وسلم، لأنه علم أنه لا يقبل الرشوة. ودعا المنافق اليهودي إلى حكامهم لأنه علم أنهم يأخذون الرشوة في أحكامهم فلما أجتمعا على أن يحكما كاهنا في جهينة، فأنزل الله تعالى في ذلك: }ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم امنوا بما أنزل إليك{، يعني المنافق، }وما أنزل من قبلك{، يعني اليهودي، }يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت{، إلى قوله: }ويسلموا تسليماً{، وقال الضحاك: دعا اليهودي المنافق إلى النبي صلى الله عليه وسلم, ودعاه المنافق إلى كعب بن الأشرف وهو «الطاغوت»].
وروى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال: [كان بين رجل من المنافقين ـ يقال له بشر ـ وبين يهودي خصومة، فقال اليهودي: انطلق بنا إلى محمد, وقال المنافق: بل إلى كعب بن الأشرف ـ وهو الذي سماه الله «الطاغوت» أي ذو الطغيان ـ فأبى اليهودي أن يخاصمه إلا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما رأى ذلك المنافق أتى معه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقضى لليهودي. فلما خرجا قال المنافق: لا أرضى، انطلق بنا إلى أبي بكر، فحكم لليهودي فلم يرض، وقال: أنطلق بنا إلى عمر فأقبلا على عمر فقال اليهودي: إنا صرنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم إلى أبي بكر فلم يرض; فقال عمر للمنافق: أكذلك هو ؟ قال: نعم. قال: رويدكما حتى أخرج إليكما. فدخل وأخذ السيف ثم ضرب به المنافق حتى برد، وقال: هكذا أقضي على من لم يرض بقضاء الله وقضاء رسوله، وهرب اليهودي, ونزلت الآية، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أنت الفاروق). ونزل جبريل وقال: إن عمر فرق بين الحق والباطل، فسمي الفاروق. وفي ذلك نزلت الآيات كلهـا إلى قولـه: }ويسلموا تسليما{]، قلت: هذه قصة مكذوبة منكرة، ولو وقعت لسارت بها الركبان، ولرواها الثقات الأثبات عن أمثالهم، بل لتناقلتها الكافة عن الكافة. والكلبي عن أبي صالح، من أضعف أسانيد الدنيا، بل هو الكذب المجرد، والاختراع المحض!!
وقال ابن كثير: [هذا إنكار من الله عز وجل على من يدعي الإيمان بما أنزل الله على رسوله وعلى الأنبياء الأقدمين وهو مع ذلك يريد أن يتحاكم في فصل الخصومات إلى غير كتاب الله وسنة رسوله كما ذكر في سبب نزول هذه الآية أنها في رجل من الأنصار ورجل من اليهود تخاصما فجعل اليهودي يقول بيني وبينك محمد وذاك يقول بيني وبينك كعب بن الأشرف. وقيل في جماعة من المنافقين ممن أظهروا الإسلام أرادوا أن يتحاكموا إلى حكام الجاهلية. وقيل غير ذلك والآية أعم من ذلك كله فإنها ذامة لمن عدل عن الكتاب والسنة وتحاكموا إلى ما سواهما من الباطل وهو المراد بالطاغوت هنا ولهذا قال: }يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت{ إلى آخرها].
v وقال تعالى: }أفحكم الجاهلية يبغون؟!{، (المائدة؛ 5:50).
v قال الله ،تبارك وتعالى: }اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولاتتبعوا من دونه أولياء قليلا ماتذكرون{، (الاعراف؛ 7:3).
v وقال تعالى: }فلا وربك لايؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم، ثم لايجدوا في أنفسهم حرجامماقضيت، ويسلموا تسليما{، (النساء؛ 4:65).
v وقال تعالى: }وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرًا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالاً مبينا{، (الاحزاب؛ 33:26).
v وقال تعالى: }ومن يطع الرسول فقد أطاع الله{، (النساء؛ 4:81).
v وقال تعالى: }ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدين فيها أبدا{، (الجن؛ 72:23).
v وقال تعالى: }تلك حدود الله، ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها، وذلك الفوز العظيم، ومن يعصى الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارًا خالدًا فيها وله عذابٌ مهين {، (النساء؛ 4:65).
v وعن عبدالله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وعلى أله وصحبه وسلم قال: «لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به»، قال النووي: (حديث صحيح رويناه في كتاب الحجة بإسناد صحيح)، قلت: هذا متن في غاية الجودة والاستقامة، أما الإسناد فليس بذاك لأن نعيم بن حماد، وإن كان من شيوخ البخاري، وقد أخرج له البخاري خمسة أحاديث، ليس بذاك الحافظ. المتقن، بل هو كثير الغلط، ومعاذ الله أنت نحتج بمن كثر غلطه.

أبو عمر المنصور
19-04-2011, 06:54 PM
فصل: قاعدة في الأسماء والصفات
ومن أهم قواعد وأصول هذا الباب أن لا نسمي ربنا إلا بما سمى به نفسه، أو سماه رسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ولا نصفه إلا بما وصف به نفسه، أو وصفه رسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم: من غير تنديد، ولا مكافئة، ولا تمثيل، ولا تحريف للكلم عن مواضعه، أو إلحاد في أسمائه.
فما يسميه البعض: «توحيد الأسماد والصفات» هو في حقيقته هذه القاعدة، التي هي فرع لـ«توحيد الاتباع والطاعة»، وليس قسما أساسياً مستقلاً من أقسام التوحيد، كما يزعمون!
ولكن القوم تورطوا في مباحث كلامية، وشطحات فلسفية، وابتدعوا مسائل، ما أنزل الله بها من سلطان، أرادوا نصرتها وجعلها ديناً، فلم يجدوا بداً من جعلها توحيداً وإسلاماً، وسل سيف التكفير والتبديع على من خالفهم، كل ذلك ما هو إلا «إرهاب فكري»، وإحداث في الدين، و«ابتداع» : }قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين!{.
v وقال تعالى: }ليس كمثله شىء وهو السميع البصير{، (الشورى؛ 42:11).
v وقال: }ولم يكن له كفوًا أحد{، (الاخلاص؛ 112:3).
v وقال: }فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون {، (البقرة؛ 2:22).
v وقال: }و لله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في اسمائه سيجزون ما كانوا يعملون{، (الأعراف؛ 7:180).
v وقال تعالى في ذم اليهود: }من الذين هادوا يحرفون الكلم عن مواضعه{ ،(النساء؛ 4:67)، وقال: }يحرفون الكلم عن مواضعه ونسوا حظا مما ذكروا به{، (المائدة؛ 5:13)، وقال: }وقدكان فريق منهم يسمعون كلام الله، ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه، وهم يعلمون{، (البقرة؛ 2:75).
وإنما نثبت له كل اسم، وصفة، أو فعل وردت في الكتاب، أو السنة الثابتة، كما وردت، على الوجه الذي يليق بجلال ربنا وعظيم سلطانه وفق ما تقتضيه اللغة العربية، لغة القرآن.
فنؤمن مثلا بأنه يسمع ويبصر ويتكلم متى شاء، وبما شاء، كيف شاء، وأنه استوي على العرش استواء يليق به: كما قال تعالى: }الرحمن على العرش استوى{ (طه؛ 20:5).
وانه الموصوف بالكمال والجمال والجلال المطلق، كما قال تعالى: }ولله المثل الأعلى وهو العزيز الحكيم{، (النحل؛ 16:60).
وقال: }وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده، وهو أهون عليه، وله المثل الاعلى في السماوات والارض، وهو العزيز الحكيم{، (الروم؛ 30:27).

ويتناقض مع هذا القسم من التوحيد أنواع من الشرك الكفري المخرج من الملة منها:
(أ)- الاعتقاد بأنه يسع ترك اتباع النبى، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أو أنه يسوغ اتباع غيره، كما فصلناه عند مناقشة توحيد التشريع والحاكمية.
(ب)- رفض اتباع النبى، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، والامتناع عن طاعته.
كما يتناقض معه أنواع من الشرك العملي، منها البدع والابتداع، كما سيأتي في فصوله المستقلة.

أبو عمر المنصور
19-04-2011, 06:55 PM
فصل: أقسام السنة
ومن أهم قواعد وأصول هذا الباب كذلك الإلتزام بالسنة واجتناب البدعة.
السنة لغة هى الطريقة، واصطلاحا ــ إذا اضُيفت إلى النبي صلوات الله عليه وعلى آله ــ عند الأصوليين هي مجموع أقوال النبي وأفعاله وتقريراته، فهى إذًا ثلاثة أقسام:
(1) سنة قولية، ومنها الإشارة، (2) سنة فعلية، (3) سنة تقريرية.
v قال الله تعالى: }قل إن كنتم تحبون الله، فاتبعوني، يحببكم الله، ويغفر لكم ذنوبكم، والله غفور رحيم v قل أطيعوا الله ورسوله فإن تولوا فإن الله لايحب الكافرين{، (آل عمران؛ 3:31ــ32).
v وقال تعالى: }لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة{، (الاحزاب؛ 33:7).
v وقال تعالى: }وما أتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا{، (الحشر؛ 59:7).

أمّا تركه النبي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، عمدا تركناه، ولا يعلم تعمد تركه الا بقرينة: كترك بعد فعل راتب كان يواظب عليه، أو نص على العمد بقول، فما تركه على هذا النحو هو فعل من أفعاله فهو سنة فعلية، ومن ذلك تركه عليه الصلاة والسلام الخلوة والتحنث، التى كان يواظب على فعلها قبل البعثه في غار حراء، في ما بقى من عمره الشريف، صلوات الله وسلامه وتبريكاته عليه وعلى آله. وحتى في مثل هذه الأحوال لا يدل الترك إلا على أن الفعل المتروك لم يعد مستحباً، فيعود حلالاً محضاً، إلا أن يأتي برهان على الكراهية أو التحريم، وإلا فلا.
أما الترك المجرد من القرائن فهو عدم فعل، والعدم لا شيء، أي أنه ليس بشئ، ولا يصلح دليلاً لشيء، ولا يوجد في العالم ما يسمونه: «سنة تركية» أصلاً!
بل قد كان نبي الله، عليه وعلى آله صاوت وتسليمات وتبريكات من الله، ربما ترك بعض الأفعال عمدا لاعتبارات منها:
الأول: كان نبي الله، عليه وعلى آله صلوات وتسليمات وتبريكات من الله، قد يترك بعض العبادات والطاعات خشية أن تفرض على الناس فيعجزوا عنها، وقد علله الإمام ابن خزيمة كما جاء في صحيحه: (باب ذكر علة قد كان النبي، صلى الله عليه وسلم، يترك لها بعض أعمال التطوع وإن كان يحث عليها وهي خشية أن يفرض عليهم ذلك الفعل مع استحبابه، صلى الله عليه وسلم، ما خفف على الناس من الفرائض)، وهو ما ثبت بأصح الأسانيد كما جاء في:
v «الجامع الصحيح المختصر» للبخاري: [حدثنا يحيى بن بكير حدثنا الليث عن عقيل عن بن شهاب أخبرني عروة أن عائشة، رضي الله تعالى عنها، أخبرته، أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، خرج ليلة من جوف الليل فصلى في المسجد وصلى رجال بصلاته فأصبح الناس فتحدثوا فاجتمع أكثر منهم فصلوا معه فأصبح الناس فتحدثوا فكثر أهل المسجد من الليلة الثالثة فخرج رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فصلى فصلوا بصلاته فلما كانت الليلة الرابعة عجز المسجد عن أهله حتى خرج لصلاة الصبح فلما قضى الفجر أقبل على الناس فتشهد ثم قال: «أما بعد فإنه لم يخف علي مكانكم ولكني خشيت أن تفرض عليكم فتعجزوا عنها»، فتوفي رسول الله، صلى الله عليه وسلم، والأمر على ذلك]. وقال البخاري: (تابعه يونس).
v وأخرجه البيهقي مطولا من نفس الطريق في (سنن البيهقي الكبرى) فساقه بنحو من حديث البخاري، إلا أنه أكمل قائلاً بعد قوله «فتعجزوا عنها»: [وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يرغبهم في قيام رمضان من غير أن يأمرهم بعزيمة أمر فيه فيقول من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم والأمر على ذلك ثم كان الأمر على ذلك خلافة أبي بكر وصدرا من خلافة عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما قال عروة وأخبرني عبد الرحمن بن عبد القاري وكان من عمال عمرو رضي الله تعالى عنه وكان يعمل مع عبد الله بن الأرقم على بيت مال المسلمين أن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه خرج ليلة في رمضان فخرج معه عبد الرحمن فطاف في المسجد وأهل المسجد أوزاع متفرقون يصلي الرجل لنفسه ويصلي الرجل فيصلي بصلاته الرهط قال عمر رضي الله تعالى عنه والله لا أظن لو جمعناهم على قارئ واحد لكان أمثل فعزم عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه على أن يجمعهم على قارئ واحد فأمر أبي بن كعب رضي الله تعالى عنه أن يقوم بهم في رمضان فخرج عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه والناس يصلون بصلاة قارئ لهم ومعه عبد الرحمن بن عبد القاري فقال عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه نعم البدعة هذه والتي ينامون عنها أفضل من التي يقومون يريد آخر الليل وكان الناس يقومون في أوله]، ثم قال البيهقي: (رواه البخاري في الصحيح عن بن بكير دون حديث عبد الرحمن بن عبد القاري وأنما أخرج حديث عبد الرحمن عن حديث مالك عن الزهري)
ــ أما متابعة يونس التي أشار إليها البخاري فهي في صحيح مسلم، فإن أردتها فدونك الملحق، مع مزيد طرق وأسانيد من شتى كتب السنة المعتمدة.
وجاء في بعض الروايات أن بعضهم صاح: (الصلاة)، بل وقرع بعضهم الباب!
فحديث عائشة، أم المؤمنين، رضوان الله وسلامه عليها، من أصح أحاديث الدنيا، تقوم به الحجة القاطعة. وقد جاء هذا المعنى في نفس الواقعة كذلك عن زيد بن ثابت، رضي الله عنه، بأصح الأسانيد وأقواها، كما هو:
v في «صحيح البخاري»: حدثنا عبد الأعلى بن حماد قال حدثنا وهيب قال حدثنا موسى بن عقبة عن سالم أبي النضر عن بسر بن سعيد عن زيد بن ثابت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اتخذ حجرة قال حسبت أنه قال من حصير في رمضان فصلى فيها ليالي فصلى بصلاته ناس من أصحابه فلما علم بهم جعل يقعد فخرج إليهم فقال قد عرفت الذي رأيت من صنيعكم فصلوا أيها الناس في بيوتكم فإن أفضل الصلاة صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة. وقال البخاري: (قال عفان حدثنا وهيب حدثنا موسى سمعت أبا النضر عن بسر عن زيد عن النبي صلى الله عليه وسلم). وأخرجه مسلم والنسائي بزيادات صحاح يظهر منها أن منهم من (تنحنح)، بل ومنهم من (حصب) الباب تنبيها له، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، على وجودهم، فأهملهم حتى الصباح ثم كلمهم غاضباً، بنحو ما جاء آنفاً. ولعل (حصب) الباب هذا هو الذي ظنته عائشة، رضوان الله وسلامه عليها، قرعاً!
الثاني: كان نبي الله، عليه وعلى آله صلوات وتسليمات وتبريكات من الله، قد يترك بعض العبادات والطاعات التي ثبتت فضيلتها حتى لا يشق على المسلمين، رفقاً بهم، بل كان، صلوات الله وسلامه وتبريكاته عليه وعلى آله، وهو نعم الأسوة، وخير القدوة، يترك الخروج للجهاد، وهو أحب شيء في الدنيا إليه، لكي لا يشق على أمته، أو يحرجهم، كما يظهر مما ثبت عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تضمن الله لمن خرج في سبيله، لا يخرجه إلا جهاداً في سبيلي، وإيماناً بي، وتصديقاً برسلي، فهو علي ضامن أن أدخله الجنة، أو أرجعه إلى مسكنه الذي خرج منه نائلاً ما نال من أجر أو غنيمة! والذي نفس محمد بيده: ما من كلم يكلم في سبيل الله إلا جاء يوم القيامة كهيئته حين كلم: لونه لون دم، وريحه مسك! والذي نفس محمد بيده: لولا أن يشق على المسلمين ما قعدت خلاف سرية تغزو في سبيل الله أبداً، ولكن لا أجد سعة فأحملهم، ولا يجدون سعة، ويشق عليهم (وفي رواية: لا تطيب أنفسهم) أن يتخلفوا عني، والذي نفس محمد بيده: لوددت أني أغزو في سبيل الله فأقتل، ثم أغزو فأقتل، ثم أغزو فأقتل»، قلت: هذا حديث غاية في الصحة، من أصح أحاديث الدنيا، أخرجه مسلم، وهذا لفظه،، وأحمد، بطوله، ومالك، والبخاري، والنسائي، وابن ماجه، مفرقاً ومختصراً، بأسانيد غاية في الصحة!
فها هو، صلوات الله وسلامه وتبريكاته عليه وعلى آله، يتخلف عن السرايا، مع أن الخروج في كل واحدة منها، أحب شيء إليه في الدنيا، وقد صرح هو بذلك ونص عليه، وأخبرنا به.
الثالث: وقد نص هو، صلوات الله وسلامه وتبريكاته عليه وعلى آله، على أن أفضل الصيام صيام داود، كان يصوم يوماً ويفطر يوماً. ومع ذلك فلم ينقل عنه قط أنه كان يصوم هكذا، فلم ترك الفاضل، وعمل بالمفضول؟! لا ندري، لأنه لم يبين لنا. ونعلم يقيناً أنه لو كان بيان ذلك من الدين، الذي تكفل الله ووعد ببيانه، وأخبرنا بكماله، لو كان الأمر كذلك لبينه لنا، حاشا لله ورسوله من الوعد الخائس، والخبر الكاذب.
فظهر بذلك أن كونه، عليه وعلى اله الصلاة والسلام أفضل رسل الله، وأكرم الخلق على الله، لا يقتضي ضرورة:
(1) أن كل فعل من أفعاله، وكل عبادة من عبادته، جاءت على أفضل الصور لتلك العبادة أو ذاك الفعل. والكمال والفضل على الإجمال، لا يعني الكمال والفضل في كل جزئية متخيلة، إلا في حق الله العزيز الحكيم.
(2) أن غيره من الأنبياء لم يفضلة بجزئية معينة، أو خصوصية معينة. فمما لا شك فيه أن موسى قد اصطفي على الناس، بل على الأنبياء، بتكليم الله له تكليماً مباشراً؛ وعيسى بن مريم كلمة الله، وروح منه، وذاته الشريفة معجزة بنفسها
وأفضلية بلال وأبي ذر على معاذ بن جبل لا يجوز أن يكون فيها شبهة، وليس أي واحد منهما بأعلم من معاذ بتفاصيل الحرام والحلال!
وأكثر الصحابة، لا سيما البدريين والأحديين والشجريين، أفضل من عبد الله بن عباس، وهو أعلى منهم مرتبة في العلم، وهو ترجمان القرآن والحبر البحر، بل كان رضي الله عنه يقريء السابقين الأولين من أمثال عبد الرحمن بن عوف القرآن!
وأفضلية قرن الصحابة في الجملة على سائر قرون الأمة، بل وعلى سائر قرون بني آدم، لا تعني ضرورة أنهم فعلوا كل فضيلة وكل حسنة إلى يوم القيامة، وكل زعم خلاف ذلك شطحات وتعميمات نظرية، ومزاعم عاطفية، أو أكاذيب محضة، لا تصمد للبرهان.
الرابع: ما سبق أن قررناه بأتم بيان وأبلغ تفصيل أن الأصل في الأشياء، أعياناً وأفعالاً، الإباحة؛ وأنه، عليه وعلى آله أزكى صلاة وأتم تسليم، قد اشتد نهيه عن كثرة السؤال، والتردد عليه في الأقضية، مما قد يفضي إلى الهلكة، وأخبرهم أنه هو سيبادرهم بأمر الله ونهيه:}وما كان ربك نسياً{. وقد أثبتنا بذلك أن تركه التعقيب على فعل، أو القيام بعمل يقتضي، ضرورة، إباحة ذلك، لا غير. بل قد قال، عليه وعلى آله أزكى صلاة وأتم تسليم، صراحة: «دعوني ما تركتكم إنما أهلك من كان قبلكم سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم»
وقد يترك النبي بعض العمل لاعتبارات أخرى لا نعلمها. وعلى كل حال فالترك عدم فعل، والعدم لا يصلح دليلاً على شئ مطلقاً، لأنه «لا شئ»، كما بيناه أول هذا المبحث.
نعم، سوف يسارع القوم قائلين: لقد ظلمتمونا بنسبة هذا القول إلينا، فنحن ما قلنا قط أن الترك المجرد شيء أو حجة، وإنما قلنا: الحجة أن يترك النبي، عليه وعلى آله الصلاة والسلام، الفعل غير الجبلي، مع قيام المقتضى، وانتفاء المانع.
واحتطنا بلفظة (غير الجبلي) عن مثل (السفر إلى الهند) فالناس قد يسافر بعضهم إلى الهند لمصلحة من تجارة، أو سياحة، أو زيارة أحبة وقرابات، إذا كان مقتدرين على ذلك بالبدن والمال، وكانت الطريق آمنة، ونحوه: هذا فعل عادي، تقتضيه الجبلة البشرية؛ بخلاف «التحنث في غار حراء»، هذا خلاف الجبلة البشرية، وليس من عاداتها.
فنقول: هذا لا يغني عنكم شيئاً، لأن ترك النبي، عليه وعلى آله الصلاة والسلام، للتحنث في غار حراء مثلاً، إنما هو ترك بعد فعل، فهو في حقيقته فعل محسوس، يشاهد، وتتناقله الرواة. ولم يرد عنه بعد يعثته أنه فعله ولا أنه نهى عنه، فوقع مباحاً محضاً: فكيف جعلتموه مكر وهاً، أو حراماً، أو بدعة؟! هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين.
بل الأمر ها هنا أنكى، فهو، عليه وعلى آله الصلاة والسلام، يقول من تلقاء نفسه، ولم يسأله عن ذلك أحد: «شهدت في الجاهلية مع أعمامي حلفاً ما أود لي حمر النعم وأن أنكثه»، أو كما قال، عليه وعلى آله الصلاة والسلام عن حلف الفضول. فهلا قال مثلاً: (كنت اتحنث في غار حراء قبل البعثة، فلا تفعلوا ذلك أو مثل ذلك!). أما نحن فلا نكذب عليه، فنزعم أنه سكت وهو يعني في الحقيقة ذلك القول، بل نقول سكت وترك، فهو إذاً: لا أمر، ولا نهى، فقط لا غير، من غير زيادة ولا نقصان.
أما اشتراط (وجود المقتضى، وانتفاء الموانع) فلا يغني عنكم شيئاً، لأننا أثبتا في ما سلف وجود موانع عدة، منعته، عليه وعلى آله الصلاة والسلام، حتى من القيام ببعض المستحبات، التي لا شك في استحبابها. ومن تلك الموانع:
(1) رفع الحرج عن أمته، بتطييب خاطرهم، ودفع المشقة عنهم،
(2) ومنها خشيته أن تفرض عليهم أمور فيعجزوا عنها،
(3) ومنها خشيته الهلكة عليهم نتيجة كثرة السؤال: فنهاهم عن كثرة السؤال صراحة، وقال نصاً: («دعوني ما تركتكم إنما أهلك من كان قبلكم سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم»).
ومعلوم ضرورة أن الترك ليس أمراً، ولا نهياً، ولو كان له قيمة تشريعية، كما زعمتم، لقال، عليه وعلى آله الصلاة والسلام: (وما تركته فاتركوه)، تماماً كما قال: «إذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه»، وقال: «وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم»، فهذه كلها قواعد كلية، وأصول عامة لا يخرج عنها شيء، وهذا هو وقت البيان وأنسب مقام لمثل تلك الجملة العامة، وأنتم بزعمكم: أهل نظر وقياس، و(موافقة صحيح المنقول لصريح المعقول)، فأين نظركم وقياسكم؟!
فمهما جئتم به من «ترك» قلنا لكم لعله تركه لهذا المانع أو ذاك، فقد ثبت أنه كان بالفعل مانعاً في واقعة أو وقائع أخرى مشابهة أو مقاربة، فينقلب عليكم عبء البرهان: أي أن تثبتوا أنه ليس بمانع ها هنا، ولا سبيل لكم إلى ذلك إلا بذكر قول أو عمل، فسقط الترك المحض المجرد عن كونه دليلاً، وسقطت الاحتياطات التي ذكرتكم عن كونها منتجة، وعادت تحصيل حاصل أو لغواً لا محصول منه، ولا خير يرجى من ورائه.
على أن السكوت هو من نوع الترك، فالسكوت ترك للقول، والإقرار كذلك ترك، قهو ترك للنهي. فسكوت النبي، عليه وعلى آله الصلاة والسلام، وكذلك سكوت الوحي كما برهنا عليه في موضعه يقتضي ضرورة الإباحة المطلقة للفعل أو القول المسكوت عنه، وكذلك الإقرار، إلا إذا جاء برهان بخلاف ذلك، أو جاء ناسخ لذلك. وهكذا ينبغي أن يكون الترك.
فالترك في حقيقته من جنس السكوت، وإن كان أعم: لأن السكوت ترك للكلام، فالواجب أن يلحق «الترك» بالإقرار والسكوت، فهو من جنس «السنة التقريرية»، ولا يوجد في العالم «سنة تركية» مطلقاً، كما زعم البعض من أهل الغلو، هواة التبديع.
فالحق إذاً: أن ترك النبي، عليه وعلى آله الصلاة والسلام، سكوت وإقرار، فما تركه إنما هو على الإباحة الأصلية المطلقة. فلا صحة لقولهم: (ما تركه النبي تركناه)، بل ما تركه النبي استحللناه، فإن شئنا تركناه وإن شئنا فعلناه، إلا ببرهان خلاف ذلك.
غير أن هواة التبديع والتكفير يمارسون أنواعاً من الإرهاب الفكري فتجد أحدهم يقول: كيف تفعل ما لم يفعله النبي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أو صحابته؟! فإذا سمع السامع من العوام أو صغار طلبة العلم ذكر النبي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وأصحابه انقدح في أنفسهم من التعظيم والإجلال ما يدفعهم إلى التسليم أو في أقل الأحوال يمنعهم من المعارضة، فيفلت المجادل بالباطل بدعواه المكذوبة الداحضة، وسفسطته الساقطة المتناقضة.
وتوجيه الضربة القاضية إلى هؤلاء الدجاجلة سهل ميسور، وذلك بسؤاله: أليس الحكم الأصلي في الأشياء: أعياناً وأفعالاً وعقوداً وشروطاً هو الإباحة المطلقة، كما قامت عليه قواطع الأدلة؟! فكيف جعلت ذلك الشيئ المعين محل جدالنا الآن حراماً أو مكروهاً؟! وهل خان النبي، عليه وعلى اله الصلاة والسلام، الأمانة عندما قال: «دعوني ما تركتكم إنما أهلك من كان قبلكم سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم»، أو عندما قال: «إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها، وحد حدودا فلا تعتدوها، وسكت عن كثير من غير نسيان فلا تتكلفوها: رحمة من الله فاقبلوها»، أو عندما قال: «إن أعظم المسلمين في المسلمين جرما من سأل عن شيء لم يحرم على المسلمين فحرم عليهم من أجل مسألته»، بل قال نصاً: («دعوني ما تركتكم)، وما قال قط: (ما تركته فاتركوه)؟!
وبذلك تبطل حجة كل من أبطل عملاً، أو زعم أنه بدعة لمجرد أن رسول الله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم وبارك، لم يفعله. وشر من ذلك، وأولى بالبطلان، من أصدر نفس الأحكام لأن الصحابة، رضوان الله وسلامه عليهم، لم تفعله. كيف: وأقوالهم الصريحة، وأفعالهم الظاهرة، وإقراراتهم ليست بحجة، فكيف يكون تركهم، الذي هو عدم محض، حجة؟! فمن زعم شيئاً من ذلك فهو والله المبتدع الضال، أو السطحي التافه، أو الجاهل المركب، أو لعله، عياذاً بالله، الكافر العنيد.

أبو عمر المنصور
19-04-2011, 06:57 PM
فصل: البدعة: حقيقتها، وأنواعها وأحكامها
لفظة البِدْعَة مصدر من الفعل الثلاثي: (بَ دَ عَ). وأصل استخدامها في اللسان العربي المبين الذي خوطبنا به في القرآن، وعلى لسان خاتمة آنبياء الله، عليه وعلى آله صلوات وتسليمات وتبريكات من الله، يأتي لمعنيين:
الأول: الانقطاع والعجز والكلال، ومنه أُبْدِع الراحلة، فهو مبدِعة، إذا كلَّت وعجزت وانقطعت عن السير، وهذا لا يعنيناً كثيراً ها هنا،
والثاني: وهو الذي يعنينا ها هنا: ابتداء الشيء، وصنعه لا على مثال سابق، أي: إحداث شيء لم يكن له من قبل خلق، ولا ذكر، ولا معرفة. فتقول العرب: ابتدع فلان الرَكِيَّ، أي البئر، إذا استنبطها. وتقول: لست ببِدْع في كذا وكذا، أي لست بأول من أصابه هذا، وقال، جل جلاله، وتقدست أسماؤه: }قل: ما كنت بدعاً من الرسل{، أي: لست أول مرسل، بل سبقني رسل كثيرون.
وابتدَع: جاء بأمر محتلف عن سابقه، لا يعرف من قبل، ومنه الابتداع: أي الإحداث للبدعة
والبِدعة: الشيء المخترع المحدث، والمبتدَع أيضاً، وفاعلها مبتدِع، وبديع؛ هذا كله لغة،
أما شرعا، فالبدعة: كل قول أو عمل (بما في ذلك الاعتقادات لأنها أقوال: قول القلب أصلاً، ويتبعه وينبني عليه قول اللسان) أحدث في الدين بعد وفاة النبي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وهي في ذاتها ضلالة، ومحدثها، ومن تبعه عليها، ومن قلده، كلهم آثم بذلك، مستحق من الله الذم والعقوبة، إلا من قام به مانع من موانع التأثيم المعروفة، كالجهل، والتأويل، والإكراه، وغيرها. وقلنا التأثيم: لأن بعض الابتداع فسق، وبعضه كفر، فليس إثم الابتداع من درجة واحدة.
وهذا التعريف مأخوذ من النصوص الشرعية حرفاً، بحرف، ومنها:
v ما أخرج الإمام النسائي بإسناد صحيح، تقوم به الحجة، عن جابر بن عبد الله، رضي الله عنهما، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في خطبته: يحمد الله ويثني عليه بما هو أهله، ثم يقول: «من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلله فلا هادي له. إن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار!»، ثم يقول: «بعثت أنا والساعة كهاتين،»، وكان إذا ذكر الساعة احمرت وجنتاه، وعلا صوته، واشتد غضبه، كأنه نذير جيش يقول: صبحكم، مساكم، ثم قال: «من ترك مالا فلأهله، ومن ترك دينا أو ضياعا فإلي (أو علي)، وأنا أولى بالمؤمنين»، وأخرج مثله مسلم، وابن ماجه، وأحمد ببعض الاختصار، وجاء مثله من كلام عبد الله بن مسعود، رضي الله عنه، بأصح الأسانيد.
v وجاء في «سنن ابن ماجه»: [حدثنا عبد الله بن أحمد بن بشير بن ذكوان الدمشقي ثنا الوليد بن مسلم ثنا عبد الله بن العلاء يعني بن زبر حدثني يحيى بن أبي المطاع قال سمعت العرباض بن سارية يقول قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم فوعظنا موعظة بليغة وجلت منها القلوب وذرفت منها العيون فقيل يا رسول الله وعظتنا موعظة مودع فاعهد إلينا بعهد فقال: «عليكم بتقوى الله، والسمع والطاعة، وإن عبدا حبشيا وسترون من بعدي اختلافا شديدا فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ: وإياكم والأمور المحدثات، فإن كل بدعة ضلالة»]
قلت: سبق أن قلنا أن في صحة هذا الحديث كلام، إلا أننا نميل إلى تصحيحه، لا سيما لوجود الطرق الأخرى، وكثرة الشواهد، ونظافة المتن، وتصحيح الأئمة الأقدمين: الترمذي، وابن حبان والحاكم وقد أقره الذهبي، ولتصحيح المعاصرين من أمثال: الشيخ ناصر الدين الألباني، والشيخ شعيب الأرناؤوط، ولكن في النفس شيء من فقرة: «سنة الخلفاء الراشدين المهديين»، وهي لا تهمنا ها هنا، والحمد لله رب العالمين.
vعن عائشة رضى الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «من أحدث في أمرنا هذا ماليس منه فهو رد»، وفي لفظ: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد» حديث صحيح مشهور رواه البخاري، ومسلم، وأبو داود، وغيرهم.
v وعن عبدالله بن مسعود أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «سيلي أموركم بعدي رجال يطفئون السنة، ويعملون بالبدعة، ويؤخرون الصلاة عن مواقيتها»، قلت: يا رسول الله! إن أدركتهم كيف أفعل؟ قال: «تسألني يا ابن أم عبد كيف تفعل؟ لا طاعة لمن عصى الله»، رواه ابن ماجه ــ واللفظ السابق له ــ وأحمد، والطبراني في «الكبير»، والبيهقي في «السنن الكبرى».
ــ أما لفظ احمد فهو: «إنه سيلى أمركم من بعدى رجال يطفؤون السنة، ويحدثون البدعة، ويؤخرون الصلاة عن مواقيتها»، قال ابن مسعود: يا رسول الله: كيف بي إذا أدركتهم؟ قال: «ليس ــ يا ابن أم عبد ــ طاعة لمن عصى الله»، قالها ثلاث مرات، قال عبد الله بن احمد: وسمعت أنا من محمد بن الصباح مثله، وقد صححه الشيخ أحمد شاكر. ومن طريق محمد بن الصباح اخرجه البيهقي في «السنن الكبرى» بمثله.
ولن نناقش، ها هنا في هذ البحث، الأسانيد بالتفصيل، ونحيل في ذلك إلى الملحق الموسوم بـ «دراسة الأسانيد»، من كتابنا:هذا، حيث أشبعنا فيها، بحمد الله، نقد الأسانيد!
وإسناد الإمام أحمد جيد بمفرده، حسن بذاته، والحديث حسن صحيح، قطعاً، بطرقه، وشواهده، ومتابعاته، تقوم به الحجة يقيناً، والله أعلم.
ــ أما لفظ الطبراني في الكبير فهو: «سيكون عليكم أمراء يؤخرون الصلاة عن مواقيتها، ويحدثون البدع، قال فكيف أصنع إن ادركتهم؟ قال: «تسألني يا ابن أم عبد كيف تصنع؟ لا طاعة لمن عصى الله» وأخرجه كذلك البيهقي بلفظ مماثل0
واسناد الطبراني كذلك جيد، حسن بذاته، صالح للاحتجاج إن شاء الله، والله أعلم. وقال الألباني في السلسلة الصحيحة: إسناده جيد على شرط مسلم، فالحديث قد صححه العلامة احمد شاكر، والشيخ ناصر الدين الألباني، وهو صحيح ثابت قطعاً، كما يظهر من دراستنا في الملاحق المشار إليها آنفاً.
فقوله، عليه وعلى آله الصلاة والسلام: «وكل محدثة بدعة»، وقوله: «وإياكم والأمور المحدثات، فإن كل بدعة ضلالة»، وقوله: «من أحدث في أمرنا هذا ماليس منه: فهو رد»، قضية كلية تنص على أن المحدث في الدين هو ضرورة البدعة، والبدعة هي المحدث في الدين. فلا فرق بين قولك: «بدعة»، وقولك: «أمر محدث، (أي: في الدين)»، «إحداث في الأمر (أي: في الدين)».
ولو أن الشارع لم يستخدم إلا لفظة «الإحداث»، أي الإحداث في الدين، لكان وافياً شافياً، ولكنه، جل وعلا، استعمل لفظ «الابتداع» في الكتاب العزيز، في قوله تعالى: }ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الْأِنْجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ{، (الحديد؛ 57:27)، لأنها أبلغ وأوضح في بيان المقصود، ولأن لفظة الإحداث قد استخدمت في مواضع أخرى: مثل (الإحداث) الذي يرفع الطهارة التعبدية، ويوجب الوضوء للصلاة، فصار لفظ «الابتداع» مقصوراً على هذا المعنى المراد ها هنا وهو حصراً: (الإحداث في الدين)، فهو إذاً أكثر دقة، وأحسن بياناً؛ فالحمد لله الذي أنزل الذكر، قرآناً وسنة، شفاءً لما في الصدور، وهدىً ورحمة للمؤمنين.
أما كون كل البدع مذموم، ليس منها شيء حسن مطلقاً، فهو النتيجة الحتمية للقضية الكلية: «كل بدعة ضلالة»، أو بصيغة التأكيد: «إن كل بدعة ضلالة»، فلا يخرج عن هذه شيء إلا ببرهان، وما ثمة برهان.
ويؤيد هذا أنه، عليه وعلى آله الصلاة والسلام، ذكر في مقام الذم أمراء سوء سوف يأتون من بعده، فوصفهم بأنهم: «يعملون بالبدع»، أو ما هو شر من ذلك «يحدثون البدع»، فثبت أن هذه أفعال مذمومة: إحداث البدع والعمل بها، وبين لعبد الله بن مسعود، رضي الله عنه، كيفية التعامل مع هؤلاء الأمراء المبتدعين المجرمين: أنه ليست لهم أهلية الطاعة، فليس لهم من ثم ولاية، لأنهم عصاة لله تبارك وتعالى.
كما يؤيده أنه قال: «إياكم والأمور المحدثات»، بل قال: «شر الأمور محدثاتها»، قطعي الدلالة في أن الإحداث في الدين منهي عنه مخوف، وأنه في ذاته شر: فكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، قطعاً ويقيناً، لا يخرج من ذلك شيء إلا ببرهان.
وىؤيده كذلك قوله عليه وعلى آله الصلاة والسلام: «من أحدث في أمرنا هذا ماليس منه فهو رد»، والردود المرفوض هو الحرام والباطل فقط، أما الحلال، أو المستحب، أو الواجب، بل وحتى المكروه، فهو مقبول، وليس بمرفوض مردود.
وأما كون البدعة المذمومة في الحديث إنما هي حصراً في «الدين»، فلما سبق أن أشبعناه درساً في أول هذا الكتاب حيث أقمنا قواطع الأدلة على أنه، عليه وعلى اله الصلاة والسلام، عندما قال: «إذا كان شيئا من أمر دنياكم فشأنكم به، وإذا كان شيئا من أمر دينكم فإلي»، قد أحال كل شؤون «الدنيا» إلى الناس، وجعلها شأناً من شؤونهم: دراسة، واطلاعاً، وتجريباً، وتطبيقاً؛ أي من ناحية العلم النظري المكتسب بما فطر الله الناس عليه من الحس، والتجربة، والعقل، ومن التطبيق العملي في المهارات، والحرف، والمهن، والصناعات، والإجراءات، والوسائل، والأساليب: كل ذلك مباح للناس، حلال لهم، يفعلون ما شاؤوا منه، متى شاؤوا، بالكيفية التي يشاؤون.
والكلام هنا عن «الدنيا» في مقابلة «الدين»، وليس عن «الدنيا» أي هذه الدار التي فيها الحياة الأولى، في مقابلة «الآخرة»، أي دار الحياة الثانية الأخيرة، فهذا موضوع آخر، يختلف عن هذا تماما، ولا علاقة له به، لأن الدين والتدين يكون كله في هذه الدار، ثم يترتب عليه ضرورة حساب وجزاء في الدارين: الأولى والآخرة!
والمقصود بـ«الدنيا» هنا في مقابلة «الدين»: العالم المحسوس على ما هو عليه في ذاته، وما فيه من أعيان وصفات وقوى وخواص، وما يتعلق به من علوم ومعارف، وما يترتب على ذلك من مهارات إنسانية، وحرف ومهن وصناعات، وما ينشأ من ذلك كله من مصنوعات أو خدمات. هذا هو تعريف «الدنيا» الصحيح، كما هو ظاهر من النظرة الفاحصة المدققة لواقع النخل، وانقسامها إلى ذكر وأنثى، والحاجة إلى تلقيح الأنثى من الذكر، وقيام الناس بذلك بطريقة منظمة لضمان التلقيح الصحيح الكامل، وجودة الإنتاج، وارتفاع كميته، فلا يعتمدون فيها على الرياح والحشرات التي تفعل ذلك في الحالة الفطرية الأصلية.
أما «الدين» فهو الطريقة المعينة للعيش، أي نظام الحياة، أي الشريعة العامة المتبعة، حقاً كان ذلك أو باطلاً؛ وليس هو فقط مجرد مجموعة العقائد الغيبية، والشعائر التعبدية، والأخلاق والآداب الجميلة، كما هو المفهوم الغربي للدين، الذي يسمونه عندهم، على سبيل المثال، بالإنجليزية: (religion)، بل هو يشمل تنظيم كافة العلاقات، كما أسلفناه أعلاه في فاتحة الكتاب، وذلك لما لا يعد ولا يحصى من الأدلة اليقينية، المعلومة من الدين بالضرورة، والتي ذكرنا طرفاً منها هناك.
ولما كانت شؤون الدنيا كلها قد فوضت إلى الناس يتعاملون معها كما يشاؤون بموجب معطيات الحس والعقل، طبعاً في حدود «الدين»، أي الشريعة العامة، بقوله، عليه وعلى اله الصلاة والسلام: «إذا كان شيئا من أمر دنياكم فشأنكم به، وإذا كان شيئا من أمر دينكم فإلي»، لذلك فإن الابتداع في الدنيا بإيجاد العلوم والمعارف والأبحاث الجديدة، واختراع الأسليب والوسائل، والآلات والعدد، وشتى المعدات والمصنوعات، كل ذلك مباح لا حرج فيه. بل الحق أن ذلك، كما دلت عليه التطورات التاريخية، ضرورة من الضرورات لارتقاء الأمم، وحصولها على وسائل العيش والكفاية لأبنائها، وامتلاك ناصية المخترعات ووسائل القوة، وخاصة أنواع السلاح، للدفاع عن نفسها ومعتقداتها، فأصبح الابتداع في العلوم والمخترعات مستحباً مطلوباً، بل لعله فرض كفاية، لقوله تعالى: }وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ){، (الأنفال؛ 8:60)، وذلك من باب ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
فثبت تعريفنا بلا شبهة، وهو أن [البدعة هي كل قول أو عمل (بما في ذلك الاعتقادات لأنها أقوال: قول القلب أصلاً، ويتبعه وينبني عليه قول اللسان) أحدث في الدين بعد وفاة النبي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم].
وثبت كذلك يقيناً: (أن كل بدعة ضلالة)، في ذاتها وإن لم يكن في معتقد مخترعها أو العامل بها، لأنها طعن في كمال الدين، وتكذيب لخبر الله في ذلك، ولأنها شرع من الدين ما لم يأذن به الله، مع كون حق التشريع إنما هو حصراً لله، فمن شرَّع من دونه فهو منازع في الربوبية، معتد على مقام الألوهية، لا محالة.
وبمثل قولنا قال بعض الأئمة، فمثلاً قال الإمام أبو محمد علي بن حزم الأندلسي معرفاً البدعة في كتابه العظيم «الإحكام في أصول الأحكام»: (كل ما قيل أو فعل مما ليس له أصل فيما نسب إلى النبي، صلى الله عليه وسلم. وهو في الدين كل ما لم يأتي في القرآن، ولا عن رسول الله، صلى الله عليه وسلم. إلا أن منها ما يؤجر عليه صاحبه، ويعذر بما قصد إليه من الخير، ومنها ما يؤجر عليه صاحبه، ويكون حسناً، وهو ما كان أصله الإباحة، كما روي عن عمر رضي الله عنه: «نعمت البدعة هذه»، وهو ما كان فعل خير جاء النص بعموم استحبابه، وإن لم يقرر عمله النص! ومنها ما يكون مذموماً، ولا يعذر صاحبه، وهو ما قامت الحجة على فساده، فتمادى عليه القائل به).
ولكن الإمام ابن حزم، على شدة تمسكه بظواهر النصوص، وبالغ تعظيمه للوحي، ورفضه المطلق لتشريع الهوى والعقل، وطول باعه في نقد الآثار، تساهل ها هنا، ولم يميز بين المعنى اللغوي المتضمن مطلق الاختراع والإحداث، والتعريف الشرعي الذي سلف ذكره. تأمل قوله، رحمه الله، في تعريف البدعة «الحسنة»: (... وهو ما كان فعل خير جاء النص بعموم استحبابه، وإن لم يقرر عمله النص!)، ونحن نوافقه على المضمون، ولكن نأبى عليه التسمية: فمثل هذه «سنة» حسنة، وليست« بدعة» مذمومة، وهكذا ينبغي أن تسمَّى كما سمَّاها الله ورسوله، من غير زيادة، ولا نقصان.
وتعريفنا للبدعة هذا الذي أسلفناه ليس قطعياً، ولا هو مما أجمع عليه علماء المسلمين. وتعريفنا هذا أخذ بالوسط المعتدل، فمن العلماء من غلا، وتشدد، في التعريف فجعل البدعة شاملة لكل عمل أو قول أحدث بعد وفاة النبي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ولم ينص عليه بعينه، حتى ولو لم يكن مخالفاً للكتاب والسنة، وحتى لو كان مندرجاً تحت أصل عام: هذا مذهب ساقط باطل، كما سوف يأتي برهانه شيئاً فشيئاً، وهو مع هذا غلو في الدين، والغلو في الدين مهلك، والدين يسر، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه. ومنهم من تساهل، كأبي محمد علي بن حزم، وإن كان تساهله لفظي محض، على التحقيق.
والإحداث في الدين، الذي هو بعينه البدعة، التي هي كل قول أو عمل (بما في ذلك الاعتقادات لأنها أقوال: قول القلب أصلاً، ويتبعه وينبني عليه قول اللسان) أحدث في الدين بعد وفاة النبي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم يتصور في أنواع:
النوع الأول من البدع: إحداث قول أو عمل (بما في ذلك الاعتقادات لأنها أقوال: قول القلب أصلاً، ويتبعه وينبني عليه قول اللسان)، جاء خلافاً للكتاب والسنة. ومن أبرز أمثلة هذا النوع «تبديل الشرائع». وتبديل الشرائع هو تشريع وتنظيم مخترع مبتدع، جاء مناقضاً لقطعيات الكتاب والسنة، فهو، في ذاته بدعة من حيث هو إحداث واختراع وابتداع، وهو كفر من حيث كونه مناقضاً للإسلام، فهو إذاً من البدع الكفرية على كل حال، بغض النظر عن حال فاعله. أما فاعله فهو، إن لم يكن معذوراً، بجهل، أو تأويل (والاجتهاد الخاطيء هو من باب التأويل)، أو غير ذلك من الأعذار الشرعية، كافر مرتد. وهذا غالباً لا يكون بقصد القربى، فليس من المتصور أن يستبدل مسلم جلد الزاني بالحبس تقرباً إلى الله.
ومن أمثلة «تبديل الشرائع»: الترخيص للبنوك الربوية، وبيوت الدعارة، وملاهي العري، وجعل التابعية في دار الإسلام تبعاً للإقليمية، أو القومية، أو القبلية، أو جعل الحصول عليها مشروطاً بوافقة الحكام، كما هو في أنظمة التابعية لجميع الدول الموجودة حالياً في بلاد المسلمين، وفي مقدمتها: السعودية، ومصر، وإيران، والسودان، وباكستان، وغيرها. وأنظمة التابعية هذه كلها أنظمة كفرية، تناقض الإسلام كل المناقضة، ومن أسوئها نظام التابعية السعودية العنصري القبلي الملعون، الذي سنته السعودية: «دولة التوحيد»، كما أفحش الألباني!
واستبدال عقوبة قطع يد السارق بالسجن، وعقوبة جلد الزاني بالحبس،... ، وغير ذلك كثير،
وكذلك عضوية المنظمات الكفرية الدولية، كالأمم المتحدة، و«جامعة» (أو بالأحرى «مفرقة» أو «ممزقة») الدول العربية، والإلتزام بمواثيقها المناقضة للإسلام، كما فعلت، وتفعل دولة آل سعود، «الدولة المباركة التي نصر الله بها الحق وأهله» كما افترى ابن باز على الله!
كل ذلك تبديل للشرائع، وكل ذلك تشريع وتنظيم مخترع مبتدع، جاء مناقضاً لقطعيات الكتاب والسنة، فهو، في ذاته، بدعة كفرية، على كل حال، بغض النظر عن حال فاعله. أما فاعله فهو، إن لم يكن معذوراً، بجهل، أو تأويل (والاجتهاد الخاطيء هو من باب التأويل)، أو غير ذلك من الأعذار الشرعية، كافر مرتد.
ومع ذلك فقد يحدث هذا النوع، نادراً، بقصد القربى، في أمثلة كثيرة لا تكاد تنحصر منها:
(أ) من يتعمد النظر إلى العورات التي يحرم النظر إليها بدعوى تأمل جمال الخليقة الدالة على جمال الخالق بزعمه، وهذه قد سمعنا بوقوعها من بعض أدعياء التصوف،
(ب) من يتعمد النظر إلى العورات التي يحرم النظر إليها عند ذكر الله بدعوى «الانجذاب» والترفع عن علائق الجسد والمادة، وهذه قد سمعنا كذلك بوقوعها من بعض أدعياء التصوف،
(ج) من جعل دخول ثلث الليل الآخر سبباً لدخول وقت صلاة الفجر، بدلاً من سببها الشرعي المحدد وهو طلوع الفجر الصادق، لأن ثلث الليل الآخر هو وقت النزول الإلاهي، وهو من ثم أفضل، بزعمه، فهذه أيضاً من تبديل الشرائع، وهي بدعة كفرية، أراد المصلي بصلاته قبل طلوع الفجر المبالغة في التقرب إلى الله. نعم: لم نسمع بوقوع مثل هذه أصلاً، ولكنه ممكن الوقوع.
والقائل بأي شيء من ذلك، وكذلك فاعله، كلهم مرتدون كفار، إلا من قام به مانع من موانع تكفير المعين، كما أسلفنا.
وضابط هذا الباب هو: مخالفة واجب بإسقاطه عن مرتبة الوجوب بتحويله إلى مستحب، وشر من ذلك تحويله إلى مباح، ويزداد الشر والإثم بتحويله إلى مكروه، أو ما هو أفظع: إلى حرام، أو الترخيص بحرام والانتقال به إلى مجرد الكراهية، أو ما هو شر من ذلك بجعله مباحاً، ثم يزداد الإثم والشر بجعله مستحباً، أو حتى واجباً، عياذاً بالله.
وأهل التهمة بإحداث هذا النوع الأول من البدع هم في المقام الأول: السلاطين والحكام والأمراء والمتنفذين، وزعماء القبائل، وقادة المنظمات والأحزاب، وأهل الشوكة والمنعة، وكل من له سلطة أمر ونهي. لذلك تجد فقهاء السلاطين، أخزاهم الله ولعنهم، وأبعدهم وأبادهم، يفرون من ذكر هذا الصنف فرار الأسد: فلا تغترن بهم، وحاذر من مكرهم ومراوغتهم وألاعيبهم، وتنبه وافهم قوله، عليه وعلى آله الصلاة والسلام: «إنه سيلى أمركم من بعدى رجال يطفؤون السنة، ويحدثون البدعة، ويؤخرون الصلاة عن مواقيتها»، فسأله عبد الله بن مسعود فزعاً: (يا رسول الله: كيف بي إذا أدركتهم؟!)، قال: «ليس ــ يا ابن أم عبد ــ طاعة لمن عصى الله»، قالها ثلاث مرات،!
والدوافع هنا: المحافظة على الملك والسلطان، والوجاهة والشرف، والاستكثار من ملاذ الدنيا وشهواتها.
النوع الثاني: القيام بعمل يراد به التعبد والقربى، بدون دليل من الكتاب أو من السنة يدل على كونه قربة. ولا يكون العمل قربة إلا إذا كان مستحباً، أو واجباً بذاته. فالابتداع هنا جاء في قصد القربى، من غير دليل دل على كون ذلك الفعل بعينه قربة. والقيام بالعمل ذلك إنما هو تطبيق وإظهار لقصد القربى، وهذا القصد، قصد القربى، من المحال الممتنع أن يكون عند أحد إلا إذا اعتقد أن العمل موضع النظر مستحب أو واجب، لذلك إن شئت فقل: البدعة هنا من هذا النوع هي الحكم على اعتقاد أو قول أو عمل بأنه مستحب أو واجب (فيكون فعله من ثم قربة) بدون دليل مطلقاً، مع كونه في الحقيقة بأدلة الشرع مباحاً محضاً، أو مكروها، (والمكروه هو الذي يستحق تاركه المثوبة والثناء من الله، ولكن لا إثم ولا ذم لفاعلة)، وكذلك الحكم على عمل بالوجوب مع كونه في حقيقة الأمر مستحباً فقط.
ومن أمثلة هذا النوع الثاني:
ــ مخالفة الجنس الذي حددته الشريعة: كما في الأضحية، والهدي، والعقيقة، فلا يجوز بالخيل، مهما كانت جياداً وغلت أثمانها، لأن الشرع قصر ذلك على بهيمة الأنعام، فقط: الإبل، والبقر (ومنه: الجاموس)، والغنم (ومنها الماعز). ولا شك أن ذبح جياد الخيل وأكلها مباح، وربما كان سفها لما فيه من إضاعة المال، ولكن من ضحى أو أهدى أو عق بها فهو يظن أنه محسن متقرب لأنها أغلى ثمناً وأكثر نفاسة.
ــ مخالفة الكيفية التي حددتها الشريعة: كغسل الرأس في الوضوء بدلاً من مسحه فقط. ولا شك أن غسل الرأس مباح، إلا أن التزامه في الوضوء مخالفة للهيئة الشرعية، وذلك بقصد القربى، وتزداد شناعة هذه البدعة إذا كان ذلك على وجه الإيجاب.
ــ القول بأن استخدام السبحة واجب أو مستحب شرعاً، وهذا باطل، لم يأت به نص. أما لو استحبها إنسان لنفسه لأنها تسهل عليه العدد، أو لضعف ذاكرته وشدة نسيانه، أو لأنها تساعده على حضور الذهن أو التركيز، فلا بأس، لأنها آله مباحة، يجوز استخدامها في كل ما لم يأت النص بحرمته.
ــ تعمد كشف الرأس، إلا في حالة الإحرام، على وجه التعبد والتقرب إلى الله، أي استحباباً (أو إيجاباً وهو أغلظ من ذلك وأشنع). أما كشف الرأس وكذلك تغطيته فهي بذاته من الأفعال مباح.
ــ القول بأن الاحتفال بالمولد النبوي الشريف واجب، وأن ترك الاحتفال به علامة على بغض النبي وعداوته، فهذا قول باطل، وزعم مجرد، واتهام للنوايا، لا برهان عليه.
وهذا النوع الثاني، عادة، أهون من النوع الأول:
(1) لأن المكروه، والمباح المحض، والمستحب كلها ترك الخيار للمكلف فيها: إن شاء اعتقد أو قال أو فعل، وإن شاء امتنع من غير إثم ولا استحقاق ذم قطعاً، وعلى كل حال، وإنما يرد عليه فلقط: تحصيل ثواب أو ثناء من الله أو فوات ذلك. فالانتقال بالحكم من ذلك إلى الاستحباب أو الوجوب لا يترتب عليه معصية من ترك واجب، أو فعل حرام،
(2) ولأن التقرب إلى الله، وطلب رضوانه، محمود في ذاته، وهو الدافع المعتاد للمبتدعين من هذا الصنف إلا أنهم أساؤوا تطبيقه،
(3) ولأن المكلف له أن يلتزم بحلال أو مستحب فيصبح واجباً عليه إذا نذر ذلك، وهذه شبهة أخرى لأهل هذا الصنف،
(4) ولأن الفروق بين الحلال المحض وبين المستحب قد تكون دقيقة، تزل فيها أقدام العلماء الراسخين، فكيف بغيرهم. وها هو الإمام النووي يستنبط من قوله، عليه وعلى آله الصلاة والسلام: «وفي بضع أحدكم صدقة»، (أن المباحات تصير طاعات، بالنيات الصادقات)، كما قاله، رضي الله عنه، في شرحه على صحيح مسلم، بدلاً من الحق البين، الواضح وضوح الشمس، أن الجماع مستحب لذاته، وقد أسلفنا نقاش هذا مستفيضاً في موضعه.
قلنا أن (هذا النوع، عادة، أهون من سابقه) احتياطاً لأن من فعل هذا عامداً في الشريعة فهو في درجة الإثم والشر كالصنف الأول، مبدلي الشرائع الكفار، وإن كنا نستبعد أن يوجد من يفعل ذلك عامداً من أهل الإسلام، وإن كان يمكن صدوره من أهل النفاق الاعتقادي، الذين يبطنون الكفر ويظهرون الإسلام.
وأهل التهمة بإحداث هذا النوع الثاني من البدع هم في المقام الأول: المتعبدون والزهاد، لا سيما المنتسبون إلى التصوف وطرقه.
والدوافع هنا المبالغة في التعبد وطلب رضوان الله، مع جهل وقصور في فهم الكتاب والسنة. ويخشى أن ينحرف هذا إلى غلو في الدين، أو إفراط في الزهد، وعزوف عن الدنيا والجهاد وإقامة شرع الله في أرض الله بدعوى الانشغال بـ«الجهاد الأكبر».

النوع الثالث: الحكم على شيء (اعتقاد أو قول أو عمل) بأنه حرام، (ومن ذلك الحكم بأنه بدعة أو أنه انحراف أو ضلالة أو كفر)، بدون دليل له بذلك بعينه، بدعوى المحافظة على حريم الدين، وصيانته من البدع والانحرافات، أي تديناً ولطلب رضوان الله
ومن أمثلة هذا النوع الثالث:
ــ القول بأن السبحة بدعة، وأن استخدامها من ثم حرام شرعاً، بزعم أن السلف لم يستخدمها ولا عرفوها (وهذا في ذاته زعم باطل يدل على جهل قائله بالآثار). وهذا جاء خلافاً للحق المقطوع به لأنها آله مباحة، يجوز استخدامها في كل ما لم يأت النص بحرمته.
ــ القول بأن الذكر الجماعي بدعة، وهذا باطل سنناقشه مستقلاً،
ــ القول بأن المصافحة بعد الصلاة بدعة، وهذا كسابقه في السخف والسقوط، وسنفرده بالنقاش،
ــ القول بأن الاحتفال بالمولد النبوي الشريف بدعة، وربما قالوا: بدعة نكراء، وأن محاربة الاحتفال به علامة على حسن الإتساء بالنبي وصدق اتباعه، وهذا باطل، وزعم مرسل بني على قواعد باطلة منها: أن ترك النبي دليل على الكراهية أو الحرمة، وكذلك ترك الصحابة، وقد أثبتنا أن هذا باطل. بل الحق أن يوم مولده يوم شريف، وأنه، عليه وعلى اله الصلاة والسلام، أشار إلى ذلك إشارة لطيفة وأرشد إليه، كما سنفرده بالنقاش أيضاً،
وهذا النوع الثالث، عادة، أهون من النوع الأول:
(1) لأن المكروه، والمباح المحض، والمستحب كلها ترك الخيار للمكلف فيها، كما أسلفنا عند مناقشة النوع الثاني من البدع، فالانتقال بالحكم من ذلك إلى التحريم لا يترتب عليه معصية من ترك واجب، أو فعل حرام.
(2) ولأن المحافظة على حريم الدين، وصيانته من البدع والانحرافات مقصد جميل، إلا أن الشريعة بينت كيفيته، ولم تتركه بلا خطام ولا زمام.
وهذا النوع الثالث وإن كان، عادة، أهون من النوع الأول، إلا أنه عادة أشد من النوع الثاني، وأعظم خطراً:
(1) لأن المكلف لا يجوز له الامتناع الدائم المؤبد عن المباح، لا بنذر ولا بيمين، لورود النصوص الصريحة بذلك، من مثل قوله تعالى: }يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك، ... الآية{، ونهيه، عليه وعلى اله الصلاة والسلام، صراحة عن التبتل والرهبانية، وذلك بخلاف الالتزام بفعل حلال أو مستحب بموجب نذر أو يمين.
(2) ولأن التحريم والوصف بالابتداع (وربما بالفسق والكفر)، كما هو الحال في هذا النوع الثالث، أغلظ من مجرد الحكم بالاستحباب، كما هي الحالة المعتادة في النوع الثاني.
ولا شك أن من فعل هذا عامداً فهو في درجة أهل النوع الأول من الإثم والكفر، ولا نراه إلا منافقاً يظهر الإسلام، ويبطن الكفر.
وأهل التهمة بإحداث هذا النوع الثالث من البدع هم في المقام الأول: المنتسبون إلى الحديث والأثر، مع القول بأن النصوص لم تأت بحكم كل شيء، فهناك ثغرات تشريعية تحتاج إلى ملئها بـ: قياس الشبه الفاسد، وسد الذرائع، وحجية عمل الصحابي أو قوله، و«فهم السلف الصالح»، وغير ذلك من الطوام والبلايا. ويغلب على هؤلاء سطحية الفكر، والنظر المتعجل التجزيئي، وعدم اطراد القواعد والالتزام بتطبيقها بكل دقة.
كما أن الواقع العملي أظهر أن فيهم تساهلاً في التبديع والتكفير، المفضي إلى الغلو والمروق والخروج المهلك.
والدافع هنا: الحرص على الدين، المحافظة على حريمه، وصيانته من البدع والانحرافات. وهنا يخشى أن ينحرف هذا إلى غلو في الدين، وانزلاق إلى المروق، فالخروج والقتال، أو الحرص المرضي المهووس على الدين المفضي إلى عقلية الشعور بالحصار، والميل إلى العزلة والهجرة إلى رؤوس الجبال.
أما بخصوص مسألة (الذكر الجماعي) فينبغي أن نعلم أن الله، تبارك وتعالى، لم يحدد للأذكار والألفاظ، ولا للذكر كيفيات مخصوصة، بل حث على الذكر في كل حال، وفي جميع الأوقات، وعلى كافة الهيئات، فقال، في الكتاب العزيز: }فاذكروا الله قياماً، وقعوداً، وعلى جنوبكم{، وقال: }اذكروا الله ذكراً كثيراً v وسبحوه بكرة وأصيلاً{، وقال، على لسان نبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «لا يزال لسانك رطباً من ذكر الله». وكان بعض الصحابة يخترع أذكاراً حسنة فتعجب النبي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ويقرهم عليها.
ولا يجدي القوم ها هنا أن ذلك كان في حياته، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وبإقراره، فهو سنة مشروعة. نعم: هذا لا يجديهم نفعاً لأنه عليه الصلاة والسلام لم ينكر عليهم عملية الاختراع هذه ذاتها، ولا حذرهم من العودة إلى مثله، أو نحو ذلك. كما أنه لم يطلب منهم قط عرض أدعيتهم عليه، بخلاف طلبه عرض «الرقى» عليه للتأكد من خلوها من الشرك!
كما كانت حلق الذكر، على وقت النبي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، شائعة مشهورة، وقد أشير إليها في أكثر من حديث في الصحاح (حديث: كيف تركتم عبادي، قالوا تركناهم يسبحون، ويهللون، ويحمدون، ... إلخ؛ وحديث مباهاة الله الملائكة بالذاكرين ... إلخ؛ وغيرها).
وهي كذلك في زمن الصحابة، فمن ذلك:
v ما أخرجه الإمام محمد بن سعد في «الطبقات الكبري»، قال: [أخبرنا يزيد بن هارون قال: أخبرني الجريري، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد مولى أبي أسيد قال: [كان عمر بن الخطاب يَعُسُّ المسجد بعد العشاء فلا يرى فيه أحداً إلا أخرجه، إلا رجلاً قائماً يصلي. فمر بنفر من أصحاب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فيهم أُبَي بن كعب، فقالك من هؤلاء؟! قال أُبَي: نفر من أهلك يا أمير المؤمنين!، قال: فما خلَّفكم بعد الصلاة؟! قال: جلسنا نذكر الله! قال، فجلس معهم، وقال لأدناهم إليه: خذْ! قال: فدعا. فاستقرأهم رجلاً، رجلاً يدعون حتى انتهى إليَّ، وأنا إلى جنبه، فقال: هات! فحُصِرت، وأخذني من الرعدة أفْكَلٌ، حتى جعل يجد مس ذلك مني! فقال: ولو أن تقول: اللهم اغفر لنا، اللهم ارحمنا! قال: ثم أخذ عمر (يعني في الدعاء)، فما كان في القوم أكثر دمعةً، ولا أشد بكاءً منه، ثم قال: أيهاً الآن! فتفرقوا!]، هذا أثر صحيح، أبو سعيد هو المنذر بن أبي أسيد، ثقة من رجال البخاري، وأبو أسيد هو مالك بن ربيعة بن البدن الساعدي الأنصاري، رضي الله عنه، شهد بدراً.
v وأخرج الإمام الدارمي في «سنن الدارمي»: [أخبرنا عبد الله بن يزيد ثنا عبد الرحمن بن زياد بن أنعم عن عبد الرحمن بن رافع عن عبد الله بن عمرو ان رسول الله، صلى الله عليه وسلم، مر بمجلسين في مسجده فقال: «كلاهما على خير، وأحدهما أفضل من صاحبه: أما هؤلاء فيدعون الله ويرغبون إليه فإن شاء أعطاهم وان شاء منعهم، واما هؤلاء فيتعلمون الفقه والعلم ويعلمون الجاهل، فهم أفضل وإنما بعثت معلما!»، قال: ثم جلس فيهم]
ــ وهو في «مسند الحارث»: [حدثنا محمد بن بكار ثنا عبد الله بن المبارك عن عبد الرحمن بن زياد بن انعم الإفريقي بسنده ونحو متنه إلى منتهاه]
ــ وهو في «مسند أبي داود الطيالسي»: [حدثنا عبد الله بن المبارك عن عبد الرحمن بن زيادبسنده ونحو متنه إلى منتهاه]
ــ وهو في «البحر الزخار (مسند البزار)»: [حدثنا سلمة قال: أخبرنا عبد الله بن يزيد قال: أخبرنا عبد الرحمن بن زياد بن أنعم بسنده ونحو متنه إلى منتهاه]
عبد الرحمن بن زياد بن أنعم من خيار المسلمين، ومن المعروفين بالصدع بالحق عند السلاطين، ومواجهته لأبي جعفر المنصور مشهورة سارت بها الركبان، إلا أنه ليس بالقوي في الحديث، فلا يحتج به وإنما يكتب حديثه للاعتبار والاستئناس. فإن صحت روايته فهي دليل على أن حلق الذكر التي كانت تعقد على عهد النبي، عليه وعلى آله الصلاة والسلام، ليست هي بعينها حلق الفقه والعلم، خلافا لما زعمه البعض من أنهما شئ واحد.
ثبت بذلك أن الذكر وألفاظه مطلوبة مطلقاً، من غير تحديد كيفية، ولا تحديد ألفاظ، فردياً وجماعياً، في جميع الأوقات، بما في ذلك قبل الصلوات المكتوبة وبعدها، وفي جميع الأوضاع، وبكافة الهيئات، إلا لفظاً، أو هيئة، خالفت الكتاب والسنة:
ــ كقرائة القرآن أو رفع الصوت بالذكر في المراحيض والأماكن النجسة، بدعوى الانجذاب، والترفع عن العلائق المادية والإنسلاخ من الضرورات البشرية،
ــ وكتعمد ذكر الله عند العري، وكشف العورات، عندما يكون الذاكر خالياً بنفسه، أو عند النظر، مصادفة، إلى النساء والمردان الحسان!
ــ أو مخاطبة الله بضمير التأنيث، كما يفعل بعض متصوفة اليهود في «القَبَالة»،
ــ أو بأسلوب مناف للتوقير والأدب، فيه «رفع الكلفة» مثل: «يا صديقي»، أو «يا معشوقي» بدعوى الأنس والقرب!!
ــ أو مخاطبة الله بغير الأسماء الحسنى، أو ذكره بكلام لا معنى له، أو غير تام المعنى، مثل: (يا هوَ، يا هوَ، ...)، نعوذ بالله من الخذلان، ونسأله حسن الأدب في حضرته، لا معتصم إلا به، ولا رب سواه!!
فليس الذكر الجماعي مما جاء النهي عنه في قرآن ولا سنة، ولا هو الذي جاء تحديد كيفية له في قرآن ولا سنة فالسؤال يكون لهؤلاء المهووسين المتكلفين: من أين جعلتم هذه الكيفية أو تلك بدعة ضلالة؟! سيكون الجواب هو المعتاد: لأنها لم تؤثر عن النبي، عليه وعلى آله الصلاة والسلام، أو عن الصحابة، وهذا احتجاج باطل كما أسلفنا، فضلاً عن كونه ادعاءً محضاً ورجماً بالغيب، كما يظهر من الروايات السابقة.
وربما استشهدوا بأثر عبد الله بن مسعود الذي جاء فيه أنه أنكر على مجموعة من الناس كانوا يجتمعون في ناحية من مسجد الكوفة يسبحون تسبيحاً معلوماً، ويهللون ويكبرون كذلك، (وفي رواية أن أحدهم كان يقول: سبحوا عشراً، هللوا عشراً، ...، وهكذا). هذا الأثر ينسب عادة إلى كتاب:(البدع، والنهي عنها) للإمام ابن وضاح الأندلسي. وليست عندنا الآن نسخة من هذا الكتاب حتى نبحث في الإسناد من ناحية الثبوت، أو ألفاظ الرواية من حيث فهم المعنى، فلا نستطيع الجزم هذه الساعة لا بثبوته، ولا بدلالته على أن الإنكار كان على الذكر الجماعي، وليس على اعتزال أولئك جماعة المسلمين، وظهور نزعة خروج وغلو فيهم، كما أننا لم نجده في أي مرجع آخر بعد.
وحتى لو ثبت ذلك ونقل عن ابن مسعود، رضي الله عنه، نقل تواتر، وكانت الدلالة قاطعة أنه أنكر عليهم الذكر الجماعي نصاً، حتى لو ثبت كل ذلك فليست فيه حجة، لأنه ليس لأحد دون رسول الله، عليه وعلى آله صلوات وتسليمات وتبريكات من الله، حجة. وإن جعلوه ها هنا حجة لزمهم لزوماً لا فكاك منه أن يجعلوه حجة في إنكار قرآنية المعوذتين، وحكه إياها من المصحف، الذي ثبت عنه ثبوتاً لا شك فيه، وإلا فهم كذابون متناقضون: والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أما فيما يتعلق بالمصافحة بعد التسليم من الصلاة، والزعم بأنها «بدعة»، فهذه من عجائب المصابين بـ(الهوس التبديعي). وقد فات هؤلاء الحمقى:
ــ أن الصلاة، ذات الكيفية المخصوصة، التي لا يجوز تبديلها أو الاختراع فيها، ختامها التسليم. فإذا سلم الإنسان من الصلاة جاز له عمل كل شيء فوراً، ولو كان في غرفة نومه لجاز له جماع زوجه فور فراغه من التسليم!
ــ وفاتتهم الأدلة المتواترة التي تحث على إفشاء السلام، وتجعله مفتاحاً للتحابب بين المسلمين، وأن الصحابة كان يسلم بعضهم على بعض، حتى ولو بعد فراق يسير، بسبب شجرة في الطريق مثلاً،
ــ وفاتهم أن المصافحة كانت هي التحية المختارة عند سيد المرسلين، صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله، في كل الأوقات، وجميع المناسبات.
ــ ونسوا أو تناسوا أنه إذا التقى المسلمان فتصافحا تحاتت خطاياهما كما يتحات ورق الشجر اليابس إذا عصفت به الريح، فما الذي جعل هذه الفضيلة العظيمة تسقط إذا كانت المصافحة بعد الفراغ من الصلاة، التي أم الفضائل؟!
ــ وفاتهم ما أخرج أبو داود في كتاب الصلاة من «السنن» عن سمرة بن جندب قال: [أمرنا النبي، صلى الله عليه وسلم، أن نردّ على الإمام، وأن نتحاب، وأن يسلّم بعضنا على بعض]، وهذا يتعلق بالصلاة والمساجد خاصة، وأخرج ابن ماجه قطعة منه عنه، صلى الله عليه وسلم: «إذا سلّم الإمام فردوّا عليه»!
ــ ونسوا أو تناسوا غير ذلك كثير!
ترتب على ذلك أن أصبحت مساجدهم كالقبور، لا يكاد يسلم، أو يحيي بعضهم بعضاً، ولو هممت بمصافحة أحدهم، لقفز فزعاً كأن حيةً لدغته، وحصل بذلك التباعد والجفاء بين المسلمين، المفضي إلى فساد ذات البين، وهو منكر عظيم، وشر كبير: ولكن هكذا يضل الله المبتدعة من أهل الغلو والمروق، ويظهر فضيحتهم وعوارهم، وتناقض مذاهبهم!
أما عن الاحتفال بالمولد النبوي الشريف فالقول بأنه بدعة، وشن الحرب عليه من هؤلاء المهووسين المتكلفين، فنقول: ليس بمستغرب ممن فسد ذوقه واختلت مقاييس الشرع في رأسه حتى سمَّى الدولة السعودية التي بدلت الشرائع، وأظهرت الكفر البواح، وقاتلت تحت الراية الأمريكية الكافرة لتدمير المسلمين وذبحهم: (دولة مباركة نصر الله بها الحق وأهله)، أو ممن وصفها بأنها «دولة التوحيد». وايم الله: إنها لطامة أن يؤتمن أمثال هؤلاء على دين، أو تقبل منهم فتوى!
وحجة القوم المعروفة هي: لم ينقل عن النبي، صلي الله عليه وعلى آله وسلم، ولا عن الصحابة قط أنهم احتفلوا بـ«المولد»، فهو إذاً بدعة. وقد أبطلنا هذه «القاعدة» بما فيه الكفاية، وحتى لو صحت لعاد الاحتفال بـ«المولد» مباحاً محضاً وذلك أنه لم ينقل عن النبي، صلي الله عليه وعلى آله وسلم، ولا عن الصحابة قط أنهم نهوا عن الاحتفال بالمولد، ولا ذكروه بشيء، لا بخير ولا شر، فمن أين جعلتموه مكروهاً، إو حراماً؟!
على أن هذه كلها بواطيل، فيوم المولد الشريف يوم فاضل أهل أن يحتفى به ويحتفل في كل أسبوع، وليس فقط مرة واحدة في السنة، لأن نبي الله، عليه وعلى آله صلوات وتسليمات وتبريكات من الله، قال نصاً: «هو يوم ولدت فيه، ويوم أنزل علي فيه» أو «ذاك يوم ولدت فيه، ويوم بعثت» أو «فيه ولدت، وفيه أنزل علي» أو كما قال، بأبي هو وأمي، مجيباً من سأله عن (صوم يوم الإثنين):
v كما جاء في «صحيح مسلم»: [حدثنا محمد بن المثنى ومحمد بن بشار واللفظ لابن المثنى قالا حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن غيلان بن جرير سمع عبد الله بن معبد الزماني عن أبي قتادة الأنصاري، رضي الله تعالى عنه، أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، سئل عن صومه قال فغضب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فقال عمر، رضي الله تعالى عنه: (رضينا بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد رسولا، وببيعتنا بيعة!)، قال: فسُئِل عن صيام الدهر فقال: «لا صام ولا أفطر»، أو «ما صام وما أفطر»، قال: (فسئل عن صوم يومين وإفطار يوم) قال: «ومن يطيق ذلك؟!»، قال: (وسئل عن صوم يوم وإفطار يومين)، قال: «ليت أن الله قوانا لذلك!»، قال: (وسئل عن صوم يوم وإفطار يوم)، قال: «ذاك صوم أخي داود عليه السلام»، قال: (وسئل عن صوم يوم الإثنين)، قال: «ذاك يوم ولدت فيه، ويوم بعثت، (أو أنزل علي فيه)»، قال فقال: «صوم ثلاثة من كل شهر، ورمضان إلى رمضان: صوم الدهر»، قال: (وسئل عن صوم يوم عرفة)، فقال: « يكفر السنة الماضية والباقية»، قال: (وسئل عن صوم يوم عاشوراء)، فقال: «يكفر السنة الماضية»]، هو في صحيح مسلم» من عدة طرق، وهو أيضاً في «المجتبى من السنن»، وفي «السنن الكبرى»، وكذلك في «مسند الإمام أحمد بن حنبل» من عدة طرق وفي «صحيح ابن خزيمة»، وهو في «صحيح ابن حبان»، كما أنه في «المستدرك على الصحيحين»، وفي «سنن أبي داود»، وقد استوعب الإمام البيهقي أهم طرقه في «سنن البيهقي الكبرى»، وفي غيرها بأصح الأسانيد التي توجد في الدنيا.
قوله، عليه وعلى آله صلوات وتسليمات وتبريكات من الله: «هو يوم ولدت فيه، ويوم أنزل علي فيه»، جواباً لمن سأله: (عن صوم يوم الإثنين) يعني ضرورة أن يوم الأثنين أهل أن يصام فيه لوقوع هذه الأحداث الفاضلة فيه: مولده، عليه وعلى آله صلوات وتسليمات وتبريكات من الله، وبدء نزول الوحي عليه.
هذه حجة قاطعة، لا محيص عنها إلا لمن قال:
ــ ليست هذه وقائع فاضلة، ومن قال هذا فحسبه الكفر!
ــ من زعم أن قوله، عليه وعلى آله الصلاة والسلام: «هو يوم ولدت فيه، ويوم أنزل علي فيه»، يعني: «لا تصم يوم الإثنين، بالرغم من وقوع هذه الأحداث الفاضلة فيه»، ومن قال هذا فحسبه أولاً الكذب، وقلب الحقائق، لأن السياق سيق سؤال عن فضائل الصوم، وليس عن المناسبات التي لا يجوز أو يكره فيها الصيام، ثم حسبه بعد ذلك الكفر لأن هذا اتهام صريح له، عليه وعلى آله صلوات وتسليمات وتبريكات من الله، بالتلبيس وعدم البيان، بل بالتضليل وضد البيان، وتكذيب لوعد الله، تباركت أسماؤه: }ثم إن علينا بيانه{.
ونحن نسأل هؤلاء المهووسين: ما الذي جعل الصوم، وهو عبادة محضة، مستحباً استحباباً خاصاً يوم الإثنين لفضيلة هذا اليوم، ومنع من إلقاء المحاضرات، وعقد الدروس، وإنشاد القصائد فيه، ومد موائد الطعام الفاخر كموائد الأعراس؟! ثم من الذي قصر الفضيلة على يوم الإثنين من كل أسبوع، ومنع منها يوم مولده، عليه وعلى آله الصلاة والسلام، مرة واحدة في العام؟!
سوف يسارع القوم بالشغب: ما بال خير الأمة، وهم الصحابة، لم يفعلوه؟!
فنقول: فكان ماذا؟! وأين وجدتم في كتاب الله، أو في سنة رسول الله، عليه وعلى آله صلوات وتسليمات وتبريكات من الله، أو في ضرورات الحس والعقل، أن ذلك القرن الفاضل، وهو أفضل قرون بني آدم بدون شك ولا جدال، لا بد أن يقوم بكل فضيلة بعينها؟! اليس فضل الصحبة، وتأسيس الدولة، ووضع أساس الأمة هي رأس الفضائل، فأي شيء في فوات غير ذلك عليهم؟! وهل كان فضل فتح القسطنطينية لهم؟! كلا والله: بل ذهب للأتراك العثمانيين وأميرهم محمد الفاتح، فنعم الجيش ذلك الجيش، ونعم الأمير ذلك الأمير.
أليس من أفضل شهداء الأمة ذلك الذي يقتله عدو الله الدجال؟! فهل جاءت هذه المنقبة بعد، وهل أدركها أحد من أصحاب أبي القاسم، خاتمة أنبياء الله، عليه وعلى آله صلوات وتسليمات وتبريكات من الله؟!
نحن نؤكد لهؤلاء الحمقى أن هذا الزمان، وكذلك مستقبل الأيام، مملوء بفضائل تنقطع دونها الأعناق، وملاحم حربية هائلة، تفوق ملاحم الدنيا كلها منذ نشأتها، سوف يخوضها أبطال الإسلام: الملحمة الكبرى، ملحمة الروم، وقد جاءت مقدماتها وأشراطها متمثلة في الهجمة الأمريكية الشرسة، ثم فتح رومية، ثم نغزوا الدجال، فيهزمه الله، ثم يخرج يأجوج ومأجوج، فيبيدهم الله، فهل بقي من الصحابة أحد ليدرك هذه الفضائل؟!
لذلك لا ينبغي أن تبقى شبهة في أن الاحتفال بالمولد النبوي الشريف سنة حسنة، ادخرها الله لبطل الإسلام، السلطان المنصور بالله، صلاح الدين الأيوبي، رضي الله عنه، (إن صح أنه هو الذي سنها)، ففاز بأجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة.
ولا نطيل في هذه الرسالة العامة بمناقشة تفاصيل شطحات القوم حول ما يزعمون أنه بدع، فلعلنا نعالج ذلك في رسالة خاصة عن «البدعة: حقيقتها، وأنواعها وأحكامها»، إن بقي في العمر فسحة، والله المستعان، عليه توكل، وبه نتأيد.
وعلى العموم فإن القائلين بـ«سد الذرائع»، و«مآلات الأعمال»، وغيرها من الدجل والهراء، مصدراً للأحكام، قد فتحوا باب هذا النوع من البدع على مصراعيه بدعوى حماية حمى الشريعة، وإحاطة الحرام بسياج محكم، فحرموا أشياء من الحلال بدعوى أنها تؤول إلى الحرام، ولو تدبروا لأدركوا أن الله لم يكن ليعزب عن علمه شيء، وما كان ليفوته شيء: }وما كان ربك نسياً{، ولكن هكذا يكون الحرص المرضي، والهوس الجامح المفضي بأصحابه إلى «الغلو» و«التقديم بين يدي الله ورسوله»، فبئس المذهب هذا الذي يؤول إلى جعلك تعقب على ربك، وتستدرك عليه بعض ما فاته، فتقع في الابتداع والضلالة، وما هي إلا خطوات قليلة، ومسافة يسيرة فإذا بالشيطان يدعوك لتخرج من الإسلام وتدخل في الكفر: عياذاً بالله، تعالى ذكره!

أما فيما يتعلق بـ«البدع الاعتقادية» فهناك إشكاليات تستحق إلقاء الضوء عليها، نشأت من الخلط بين صدق المقولة في ذاتها، وبين هل هي عقيدة تعتقد للتدين والتقرب إلى الله بها، وذلك لأن:
البدعة اعتقادية: هي كل قول «خبري» مخترع، لم يقم عليه الدليل القاطع من الكتاب والسنة، يعتقده القائل به تديناً، أي بنية التعبد والتقرب، وهو من ثم ضرورة يؤثِّم من خالفه.
أما إذا صدق إنسان بصحة قول ما، أو حتى اعتقده صحته اعتقاداً جازماً، أي مطابقته لواقع ما خارج الذهن، ولكنه لا يقول بأن الله افترض علينا الإيمان به، أو كلفنا بالبحث في موضوعه، والوصول إلى رأي معين فيه، ومن ثم فهو لا يؤثِّم المخالف، ولا يفسقه، أو يبدعه، فلا بأس بذلك. ولا بأس بتخطئة المخالف، بل والجزم بخلل عقله، ولا حتى باتهامه بالمكابرة في المعقولات والإنكار للمحسوسات، كل ذلك قد يقبل، حسب أصول المناظرة، ويبرر عقلا، أما التفسيق، والتبديع على وجه الذم، والتكفير، فهي أحكام شرعية، تفتقر دوماً إلى الدليل الشرعي.
وذلك لأن كل قضية خبرية إما أن تكون محررة، لا تحتمل سوى الصدق أو الكذب، أو غير محررة تحتاج إلى توضيح لجزئياتها ومفاهيمها وتفكيكها إلى قضايا محررة من النوع السابق ومن ثم الحكم علي كل واحدة منها.
وكل ذلك، سواء كان تحرير المسائل والقضايا أو إصدار الحكم العقلي عليها، مباح بعمومات الكتاب والسنة، وداخل في مجمل إمتنان الله على الناس بالعقل والحواس، ومطلوب في إطار الدعوة إلى التفكر، والتذكر، والتعقل، والتدبر، والنظر إلى ما في السماوات والأرض، بل أكثر ذلك مستحب، وبعضه واجب! ومنه شيء قليل جاء الشرع بالنهي عن البحث، أو الجدل فيه: كالمراء في القدر أو القرآن، أو بتعلمه: كالسحر، ونحوه!
أما الخروج بقضية خبرية معينة من كونها قضية عقلية، أو حسية، أو أخلاقية، أو فنية، أو جمالية، أو غير ذلك، من إطارها وجعلها قضية دينية شرعية، يتعلق ببحثها، أو بالإيمان بقول معين فيها، بغض النظر عن صحته أو بطلانه في نفسه، من الله الثواب والعقاب، أي جعلها ديناً، يدان الله به، وتطلب إليه القربى بواسطته، من غير دليل شرعي، فلا يجوز، وهو تشريع من الدين ما لم يأذن به الله، وعبادة له بما لم يشرع.
والتشريع من الدين بما لم يأذن به الله، في ذاته، كفر وشرك، كما أسلفنا! ولكن أهل هذا المقام معذورون بالتأويل، وشدة الحرص على صيانة الدين، والدفاع عن حريمه، وطلب القربى والزلفى إلى الله تعالى بذلك، لذلك وجب إخراج أشخاصهم من حكم الكفر إلى حكم التأويل والاجتهاد، أي في ذات الأمر وحقيقته، وإن كان كثير من مرتكبيها في عداد المجتهدين المأجورين، ومنهم الكثير من كبار الأئمة والصالحين؛ ولكن هذه قضايا حساسة لا تصلح مناقشتها إلا بالتفصيل التام المشبع، وإلا كان ضرب الأمثلة أضر من تركه، لذلك نتركه لرسالتنا المستقلة المسماة: «البدعة: حقيقتها، وأنواعها وأحكامها»!

فالبدعة إذن لها مرتبتان: (1) كبرى، و(2) صغرى. وإن شئت فقل (1) مكفرة، و(2) غير مكفرة. وإن شئت فقل: (1) مخرجة من الملة، و(2) غير مخرجة من الملة.
فأما البدعة الصغرى فهي غير مخرجة من الملة، لإنها لا تصل بصاحبها إلى حد الكفر، وأكثرها من نوع ترك المباحات، والتبتل، والرهبانية تقرباً إلى الله.
وأما البدعة الكبرى، وهى المكفرة، وهى المخرجة من الملة، فهى التى تصل بصاحبها الى حد الكفر، وأكثرها من نوع تبديل الشرائع. وهذا النوع من البدع هو الذي يفر من دراسته، وإعلانه، وتنبيه الناس عليه فقهاء السلاطين فرارهم من الأسد، مع شغلهم الأوقات الكثيرة بصغائر البدع، مثل: المولد النبوي، والنصف من شعبان، ويوم الإسراء والمعراج، ونحو، إن صح أنها بدع أصلاً، ولم تكن أقوال فقهية مرجوحة أو حتى راجحة، أو سنناً حسنة، كما بينا آنفاً بالنسبة لبعضها
فإذا رأيتهم، أخي المسلم الكريم، يتقعرون في نقد صغائر «البدع» هذه، فسألهم: وماذا عن البنوك الربوية، والمنظمات الكفرية الدولية، التي تنتمي اليها دولتهم «السعودية» المباركة، التي نصر الله بها الحق وأهله، كما زعم مفتيها بن باز، «دولة التوحيد» كما أفحش الألباني؟! ثم أعرض عنهم، وذرهم في طغيانهم يعمهون!

أبو عمر المنصور
19-04-2011, 06:58 PM
فصل : التحذير من البدع، ومن الغلوّ في الدين
v عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد»، وهذا هو اللفظ المعتمد، المتفق عليه، وفي رواية لمسلم «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد».
v عن جابر بن عبدالله رضى الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم إذا خطب يقول: أما بعد: «فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدى هدى محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة»، حديث صحيح، أخرجه مسلم، والنسائي، وابن ماجه، وأحمد، والدارمي، بأسانيد صحاح، وزاد النسائي بإسناد صحيح: «وكل ضلالة في النار».
v وعن العرباض بن سارية، رضي الله عنه، مرفوعاً: «وإياكم والأمور المحدثات: فإن كل بدعة ضلالة». هذا الحديث أخرجه ابن ماجه بهذا اللفظ بإسناد في صحته كلام، كما ناقشناه سابقاً، وآبو داود، وأحمد، والدارمي، بلفظ مقارب، بإسانيد أيضاً فيها نظر، إلا أن هذه الفقرة تصح بشواهدها.
v وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، مرفوعاً: «وإياكم ومحدثات الأمور: فإن شر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة»، أخرجه ابن ماجه بإسناد محتمل.
v وعن عمرو بن عوف المزني، رضي الله عنه، مرفوعاً: «ومن ابتدع بدعة ضلالة، لا ترضي الله ورسوله، كان عليه مثل آثام من عمل بها، لا ينقص ذلك من أوزار الناس شيئاً»، أخرجه الترمذي، وقال: «هذا حديث حسن»، ولعله لا يصل إلى تلك المرتبة بذاته، ولكن بشهادة غيره!
وكما جاء النهي عن الإبتداع والإحداث في الدين بلفظه هكذا صريحاً، في نصوص قليلة، جاءت نصوص كثيرة، أقوى ثبوتاً، وأصرح دلالة بالنهي عن «الغلو»، و«التعمق»، و«التنطع» في الدين. فمن ذلك:
v قوله تعالى: }يا أهل الكتاب، لا تغلوا في دينكم غير الحق ..{، (المائدة؛ 5:77).
v وقوله، تقدست أسماؤه: }يا أهل الكتاب، لا تغلوا في دينكم، ولا تقولوا على الله إلا الحق ..{، (النساء؛ 4:171).
v وقوله: }وما جعل عليكم في الدين من حرج، ملة أبيكم إبراهيم{، (الحج؛ 22:78).
v وقوله: }ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج، ولكن يريد ليطهركم{، (المائدة؛ 5:6).
v وقوله: }يريد الله بكم اليسر، ولا يريد بكم العسر{، (البقرة؛ 2:185).
v وأخرج البخاري في صحيحه، عن أبي هريرة، رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «إن الدين يسر، ولن يشادّ الدين أحد إلا غلبه: فسددوا، وقاربوا، وأبشروا! واستعينوا بالغدوة، والروحة، وشيء من الدلجَة».
v كما أخرج فيه بأسناد غاية في الصحة، عن أنس، رضي الله عنه، عن النبي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، قال: «يسروا، ولا تعسروا! وبشروا، ولا تنفروا!».
v وأخرج البخاري عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لن يدخل أحدا عمله الجنة!»، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟! قال: «لا، ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله بفضل ورحمة؛ فسددوا، وقاربوا! ولا يتمنين أحدكم الموت: إما محسنا فلعله أن يزداد خيرا وإما مسيئا فلعله أن يستعتب»، حديث صحيح، غاية في الصحة.
v وأخرج البخاري كذلك بإسناد صحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لن ينجي أحدا منكم عمله!»، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟! قال: «ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة! سددوا وقاربوا، واغدوا وروحوا، وشيء من الدلجة، والقصد القصد تبلغوا!».
v وأخرج البخاري: حدثنا آدم بن أبي إياس قال: حدثنا شعبة قال: حدثنا محارب بن دثار قال: سمعت جابر بن عبدالله الأنصاري قال: [أقبل رجل بناضحين وقد جنح الليل فوافق معاذا يصلي فترك ناضحه وأقبل إلى معاذ فقرأ بسورة البقرة أو النساء، فانطلق الرجل، وبلغه أن معاذاً نال منه، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فشكا إليه معاذا؛ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «يا معاذ أفتان أنت؟!!» (أو أفاتن؟!!)، ثلاث مرار، «فلولا صليت بسبح اسم ربك، والشمس وضحاها، والليل إذا يغشى! فإنه يصلي وراءك الكبير والضعيف وذو الحاجة!». هذا حديث غاية في الصحة! وقال البخاري: وتابعه سعيد بن مسروق ومسعر والشيباني قال عمرو وعبيدالله بن مقسم وأبو الزبير عن جابر قرأ معاذ في العشاء بالبقرة، وتابعه الأعمش عن محارب.
v وأخرج البخاري نفس القصة، بلفظ آخر فيه فوائد، بإسناد صحيح آخر عن جابر بن عبدالله أن معاذ بن جبل رضي الله عنه كان يصلي مع النبي، صلى الله عليه وسلم، ثم يأتي قومه فيصلي بهم الصلاة، فقرأ بهم البقرة، قال فتجوز رجل فصلى صلاة خفيفة، فبلغ ذلك معاذا فقال: إنه منافق، فبلغ ذلك الرجل فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! إنا قوم نعمل بأيدينا، ونسقي بنواضحنا، وإن معاذاً صلى بنا البارحة، فقرأ البقرة، فتجوزت، فزعم أني منافق! فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «يا معاذ أفتان أنت؟!»، ثلاثا، «اقرأ: والشمس وضحاها، وسبح اسم ربك الأعلى، ونحوها». وأخرج قريباً منه مسلم، وأبو داود، والنسائي، وأحمد بأسانيد غاية في الصحة.
v وأخرجها أحمد بإسناد صحيح عن أنس بن مالك قال: [كان معاذ بن جبل يؤم قومه، فدخل حرام، وهو يريد أن يسقي نخله، فدخل المسجد ليصلي مع القوم، فلما رأى معاذا طوّل، تجوز في صلاته، ولحق بنخله يسقيه؛ فلما قضى معاذ الصلاة قيل له إن حراما دخل المسجد فلما رآك طولت تجوز في صلاته، ولحق بنخله يسقيه، قال: إنه لمنافق! أيعجل عن الصلاة من أجل سقي نخله؟! قال: فجاء حرام إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ومعاذ عنده، فقال: يا نبي الله! إني أردت أن أسقي نخلا لي، فدخلت المسجد لأصلي مع القوم، فلما طول، تجوزت في صلاتي، ولحقت بنخلي أسقيه، فزعم أني منافق؟! فأقبل النبي صلى الله عليه وسلم على معاذ فقال: «أفتان أنت؟! أفتان أنت؟! لا تطول بهم! اقرأ بسبح اسم ربك الأعلى، والشمس وضحاها، ونحوهما!».
v وأخرج البخاري في «الصحيح» قصة مماثلة، ولعلها نفس القصة جاءت مختصرة من زاوية أخرى، بإسناد غاية في الصحة عن أبي مسعود الأنصاري قال: قال رجل: (يا رسول الله! لا أكاد أدرك الصلاة مما يطول بنا فلان؟!)، فما رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في موعظة أشد غضبا من يومئذ فقال: «أيها الناس إنكم منفرون! فمن صلى بالناس فليخفف فإن فيهم المريض والضعيف وذا الحاجة!».
v كما أخرج فيه عن سعيد بن أبي بردة عن أبيه عن جده (أبي موسى الأشعري) قال: لما بعثه النبي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ومعاذ بن جبل (إلى اليمن) قال لهما: «يسرا، ولا تعسرا؛ وبشرا، ولا تنفرا، وتطاوعا». قال أبوموسى: يارسول الله! إنا بأرض يصنع بها شراب من العسل، يقال له البتع، وشراب من الشعير، يقال له المزر؟! فقال رسول الله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «كل مسكر حرام». أي أن التيسير لا يعني مواقعة الحرام، بل مواقعة الحرام هي الحرج والعسر نفسه!
v وأخرج البخاري عن عائشة، رضي الله عنها، قالت: [ما خير رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلا أخذ أيسرهما، ما لم يكن إثما، فإن كان إثما، كان أبعد الناس منه، وما انتقم رسول الله صلى الله عليه وسلم لنفسه، إلا أن تنتهك حرمة الله، فينتقم لله بها]، حديث صحيح، غاية في الصحة، وأخرج مثله مالك، في «الموطأ»، ومسلم، وأبو داود بأسانيد غاية في الصحة.
v وأخرج أحمد عن عائشة، رضي الله عنها، قالت: [ما لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم مسلما من لعنة تذكر؛ ولا انتقم لنفسه شيئا يؤتى إليه، إلا أن تنتهك حرمات الله عز وجل؛ ولا ضرب بيده شيئا قط، إلا أن يضرب بها في سبيل الله؛ ولا سُئِل شيئا قط فمنعه، إلا أن يسأل مأثما فإنه كان أبعد الناس منه؛ ولا خير بين أمرين قط إلا اختار أيسرهما؛ وكان إذا كان حديث عهد بجبريل عليه السلام يدارسه، كان أجود بالخير من الريح المرسلة]، هذا حديث غاية في الصحة.
v وأخرج البخاري في الصحيح قصة الأعرابي الذي بال في المسجد، فهم الناس أن يبطشوا به، فنهاهم النبي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وقال: «دعوه! وهريقوا على بوله سجلا من ماء (أو ذنوباً من ماء)! فإنما بعثتم ميسرين، ولم تبعثوا معسرين»، هذا حديث صحيح أخرجه كذلك الترمذي، والنسائي، وأبو داود، وأحمد.
قلت: اتهم حاج من إيران على ايام طاغوت الجزيزة الأسبق، عميل الإنجليز، الملك عبد العزيز آل سعود، بأنه أراد تلويث المسجد الحرام بـ«الغائط» فضربت عنقه فوراً، من غير تحقيق معتبر، ولا اتهام يعتد به، ولا بينة ولا محاكمة، بدعوى أنه «رافضي» وأن هؤلاء مشهورون بتعمد تلويث مشاعر الإسلام. أما إدراك أنه قل من يسلم من الأوبئة والأمراض في الحج، وأنه لا يكاد أحد ينجو من نوبة «إسهال»، وأن ذلك الرجل في الأرجح أحس بذلك فحاول الخروج عدواً من المسجد قبل وقوع «المصيبة» فغلبته بطنه، فظنوه هارباً بعد ارتكاب «الجريمة»، كل هذا الاحتمالات الراجحة لم تخطر لهم على بال: نعم هكذا يكون الاتباع «الحسن» لسيدي أبي القاسم، عليه وعلى آله الصلاة والسلام؟!
v كما أخرج فيه، عن الأزرق بن قيس، قال: (كنا على شاطيء نهر بالأهواز قد نضب منه الماء، فجاء أبو برزة الأسلمي على فرس، فصلى، وخلى فرسه، فانطلقت الفرس، فترك صلاته، وتبعها حتى أدركها، فأخذها. ثم جاء فقضى صلاته، وفينا رجل له رأي، فأقبل يقول: انظروا إلى هذا الشيخ، ترك صلاته من أجل فرس! فأقبل فقال: ما عنفني أحد منذ فارقت رسول الله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وقال: إن منزلي متراخ. فلو صليت، وتركت، لم آت أهلي إلى الليل! وذكر أنه صحب النبي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فرأى من تيسيره).
v وعن ابن عباس أنه التقط حصيات صغار، كحصى الخذف، لنبي الله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وذلك لرمي الجمرات، فحسَّن فعله، وقال: «بأمثال هؤلاء، وإياكم والغلو في الدين، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين»، حديث صحيح، لا شك في صحته، رواه النسائي، وابن ماجه، وابن خزيمة، وابن حبان، والبيهقي، وأحمد، والضياء المقدسي في «المختارة»، والحاكم وقال: (صحيح على شرط الشيخين)، ووافقه الذهبي، وقال الألباني: (على شرط مسلم فقط)!
لاحظ أنه، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، استنكر الغلو، وحذر منه في أيسر الأمر وأسهله: اختيار حصوات رمي الجمار، فمن باب أولى فيما هو أكبر وأعظم!
v وعن عبد الله بن مسعود، عن رسول الله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «هلك المتنطعون»، قالها ثلاثاً. حديث صحيح أخرجه مسلم، وأبو داود، وأحمد.
v وعن أنس مرفوعاً: «إن فيكم قوماً يتعبدون حتى يعجبوا الناس، ويعجبهم أنفسهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية»، حديث صحيح أخرجه أبو يعلى الموصلي، فيه بيان العلة المهلكة المدمرة عند الخوارج الغالية: (الإعجاب بالنفس، وتزكيتها، وطلب إعجاب الناس وثنائهم).
وقد تواتر النقل بذم الخوارج الغالية، المارقين من الدين مروق السهم من الرمية، كما جاء في العديد من الأحاديث، بعشرات الطرق الصحيحة عن جمع من الصحابة، منها:
v أخرج البخاري بإسناد صحيح عن أبي سعيد الخدري، رضي الله عنه، قال بعث علي، رضي الله عنه، إلى النبي صلى الله عليه وسلم بذهيبة، فقسمها بين الأربعة: الأقرع ابن حابس الحنظلي ثم المجاشعي، وعيينة بن بدر الفزاري، وزيد الطائي ثم أحد بني نبهان، وعلقمة بن علاثة العامري ثم أحد بني كلاب، فغضبت قريش والأنصار، قالوا: (يعطي صناديد أهل نجد ويدعنا؟!)، قال: «إنما أتألفهم!»، فأقبل رجل غائر العينين، مشرف الوجنتين، ناتئ الجبين، كث اللحية، محلوق، فقال: (اتق الله يا محمد!)، فقال: «من يطع الله إذا عصيت؟!! أيأمنني الله على أهل الأرض، فلا تأمنوني؟!!»، فسأله رجل قتله (أحسبه خالد بن الوليد)، فمنعه، فلما ولى قال: «إن من ضئضئ هذا (أو في عقب هذا) قوم يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية، يقتلون أهل الإسلام، ويدعون أهل الأوثان، لئن أنا أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد».
v وأخرج البخاري من طريق أخرى فيها فوائد وزيادات، بإسناد آخر صحيح، غاية في الصحة، عن أبي سعيد، رضي الله عنه، قال: بينما نحن عند رسول، الله صلى الله عليه وسلم، وهو يقسم قسما، أتاه ذو الخويصرة، وهو رجل من بني تميم، فقال: (يا رسول الله اعدل!)، فقال: «ويلك، ومن يعدل إذا لم أعدل؟!! قد خبت وخسرت إن لم أكن أعدل!!»، فقال عمر: (يا رسول الله ائذن لي فيه فأضرب عنقه)، فقال: «دعه! فإن له أصحابا يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، ينظر إلى نصله فلا يوجد فيه شيء، ثم ينظر إلى رصافه، فما يوجد فيه شيء ،ثم ينظر إلى نضيه (وهو قدحه) فلا يوجد فيه شيء، ثم ينظر إلى قذذه فلا يوجد فيه شيء، قد سبق الفرث والدم! آيتهم رجل أسود إحدى عضديه مثل ثدي المرأة، أو مثل البضعة تدردر، ويخرجون على حين فرقة من الناس». قال أبو سعيد: (فأشهد أني سمعت هذا الحديث من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأشهد أن علي بن أبي طالب قاتلهم وأنا معه، فأمر بذلك الرجل فالتمس، فأتي به حتى نظرت إليه على نعت النبي صلى الله عليه وسلم الذي نعته).
v وأخرج البخاري في رواية أخرى بإسناد صحيح عن أبي سعيد، رضي الله عنه، يقول: بعث علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من اليمن بذهيبة في أديم مقروظ لم تُحَصَّل من ترابها. قال فقسمها بين أربعة نفر، بين: عيينة بن بدر، وأقرع بن حابس، وزيد الخيل، والرابع إما علقمة وإما عامر بن الطفيل. فقال رجال من أصحابه: (كنا نحن أحق بهذا من هؤلاء!)، قال: فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «ألا تأمنوني، وأنا أمين من في السماء، يأتيني خبر السماء صباحاً ومساءً؟!!»، قال: فقام رجل غائر العينين، مشرف الوجنتين، ناشز الجبهة، كث اللحية، محلوق الرأس، مشمر الإزار، فقال: (يا رسول الله، اتق الله!)، قال: «ويلك! أولست أحق أهل الأرض أن يتقي الله؟!»، قال: ثم ولى الرجل. قال خالد بن الوليد: (يا رسول الله، ألا أضرب عنقه؟!)، قال: «لا، لعله أن يكون يصلي!»، فقال خالد: (وكم من مصل يقول بلسانه ما ليس في قلبه؟!)، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إني لم أومر أن أنقب عن قلوب الناس، ولا أشق بطونهم!»، قال: ثم نظر إليه وهو مقف فقال: «إنه يخرج من ضئضئ هذا قوم يتلون كتاب الله رطبا، لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدين، كما يمرق السهم من الرمية!»، وأظنه قال: «لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل ثمود». والصحيح أن الرابع هو علقمة بن علاثة، كما ثبت في الروايات الأخري الصحيحة، أما عامر ابن الطفيل فقد هلك قبل ذلك بمدة، كان حرباً على الله ورسوله، وله مشاركة في قتل القراء يوم بئر معونة، أصابته غدة كغدة البعير بدعوة النبي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، عليه، فمات كافراً، عياذاً بالله من النار!
v وأخرج البخاري في رواية أخرى مختصرة بإسناد صحيح عن أبي سعيد، رضي الله عنه، أنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «يخرج فيكم قوم تحقرون صلاتكم مع صلاتهم، وصيامكم مع صيامهم، وعملكم مع عملهم، ويقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية: ينظر في النصل فلا يرى شيئا، وينظر في القدح فلا يرى شيئا، وينظر في الريش فلا يرى شيئا، ويتمارى في الفوق». وقد أخرج الإمام مالك في الموطأ مثل هذا بإسناد متصل صحيح.
v وأخرج البخاري بإسناد صحيح، غاية في الصحة، عن علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، قال: إذا حدثتكم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثا فوالله لأن أخر من السماء أحب إلي من أن أكذب عليه، وإذا حدثتكم فيما بيني وبينكم، فإن الحرب خدعة، وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «سيخرج قوم في آخر الزمان: أحداث الأسنان، سفهاء الأحلام، يقولون من خير قول البرية، لا يجاوز إيمانهم حناجرهم، يمرقون من الدين، كما يمرق السهم من الرمية؛ فأينما لقيتموهم فاقتلوهم فإن في قتلهم أجراً لمن قتلهم يوم القيامة!».
v وأخرج مسلم، بإسناد صحيح، عن يسير بن عمرو قال: [سألت سهل بن حنيف: (هل سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يذكر الخوارج؟!)، فقال: سمعته، وأشار بيده نحو المشرق، قوم (وفي لفظ: يخرج أقوام) يقرءون القرآن بألسنتهم، لا يعدو تراقيهم: يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية]، وأخرج أحمد مثله، بإسناد لا بأس به، وزاد: [قلت: (هل ذكر لهم علامة؟!)، قال: هذا ما سمعت، لا أزيدك عليه!].
v وأخرج مثله الترمذي، بإسناد صحيح، عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: «يخرج في آخر الزمان قوم أحداث الأسنان، سفهاء الأحلام، يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يقولون من قول خير البرية، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية!»، قال أبو عيسى الترمذي: (وفي الباب عن علي وأبي سعيد وأبي ذر؛ وهذا حديث حسن صحيح؛ وقد روي في غير هذا الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم حيث وصف هؤلاء القوم الذين يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية إنما هم الخوارج الحرورية وغيرهم من الخوارج).
v وأخرج ابن ماجه، وأحمد، كل منهم، بإسناده الصحيح، عن أبي سلمة قال: قلت لأبي سعيد الخدري: هل سمعت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يذكر في الحرورية شيئا؟! فقال: سمعته يذكر قوما يتعبدون (وقال أحمد: يتعمقون في الدين) يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصومه مع صومهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية: أخذ سهمه فنظر في نصله، فلم ير شيئا، فنظر في رصافه، فلم ير شيئا، فنظر في قدحه، فلم ير شيئا، فنظر في القذذ: فتمارى هل يرى شيئا، أم لا؟!
v كما أخرج ابن ماجه، بإسناد صحيح، غاية في الصحة، عن عبد الله بن الصامت عن أبي ذر قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: «إن بعدي من أمتي (أو سيكون بعدي من أمتي) قوم يقرءون القرآن لا يجاوز حلوقهم، يمرقون من الدين، كما يمرق السهم من الرمية، ثم لا يعودون فيه. هم شرار الخلق والخليقة!»، قال عبد الله بن الصامت: فذكرت ذلك لرافع بن عمرو أخي الحكم بن عمرو الغفاري، رضي الله عنهما، فقال: وأنا أيضا قد سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد أخرج أحمد حديث أبي ذر كذلك بإسناد صحيح.
v وأخرج الإمام أحمد، بإسناد صحيح، عن عاصم بن كليب عن أبيه قال كنت جالسا عند علي، رضي الله عنه، فقال: إني دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وليس عنده أحد إلا عائشة، رضي الله عنها، فقال: «يا ابن أبي طالب! كيف أنت وقوم كذا وكذا؟!»، قال: قلت: الله ورسوله أعلم! قال: «قوم يخرجون من المشرق، يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية، فمنهم رجل مخدج اليد كأن يديه ثدي حبشية». وزاد في رواية صحيحة، أن علي قال: (أنشدكم بالله هل أخبرتكم أن فيهم، ...) فذكر الحديث بطوله.
v وأخرج الإمام أحمد، بإسناد صحيح، عن يزيد الفقير قال: قلت لأبي سعيد الخدري: (إن منا رجالا هم أقرؤنا للقرآن، وأكثرنا صلاة، وأوصلنا للرحم، وأكثرنا صوما، خرجوا علينا بأسيافهم؟!)، فقال أبو سعيد: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «يخرج قوم يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية».
v وأخرج الإمام أحمد، بإسناد صحيح، عن أنس قال: ذكر لي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (ولم أسمعه منه): «إن فيكم قوما يعبدون ويدأبون حتى يعجب بهم الناس، وتعجبهم نفوسهم، يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية!»
v وأخرج الإمام أحمد، بإسناد صحيح، عن أنس بن مالك وأبي سعيد الخدري، وقد حدثناه أبو المغيرة عن أنس عن أبي سعيد، ثم رجع إلى النبي، صلى الله عليه وسلم، قال: «سيكون في أمتي خلاف وفرقة: قوم يحسنون القيل، ويسيئون الفعل، يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية، لا يرجعون حتى يرتدوا على فوقه، هم شر الخلق والخليقة! طوبى لمن قتلهم وقتلوه! يدعون إلى كتاب الله، وليسوا منه في شيء، من قاتلهم كان أولى بالله منهم!»، قالوا: (يا رسول الله ما سيماهم؟!)، قال: «التحليق».
v وأخرج الإمام أحمد، بإسناد حسن، عن جابر بن عبد الله قال كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الجعرانة وهو يقسم فضة في ثوب بلال للناس، فقال رجل: (يا رسول الله، اعدل!)، فقال: «ويلك! ومن يعدل إذا لم أعدل؟! لقد خبت إن لم أكن أعدل!»، فقال عمر: (يا رسول الله! دعني أقتل هذا المنافق؟!)، فقال: «معاذ الله أن يتحدث الناس أني أقتل أصحابي! إن هذا وأصحابه يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم أو تراقيهم يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية»، وأخرج مثله بأسانيد حسان إلى جابر، فالحديث عن جابر صحيح بمجموعها. ولعل هذه قصة أخرى، لأن القصة المشهورة الأخرى ما كانت عام الجعرانة، وكان المقسوم ذهيبة بين أربعة من زعماء القبائل من نجد، أو لعل القصتين اختلطتا على جابر، رضي الله عنه!

أبو عمر المنصور
19-04-2011, 07:00 PM
وأخرج الإمام أحمد: حدثنا علي بن إسحاق، حدثنا عبد الله (يعني ابن المبارك)، قال حدثنا حرملة بن عمران، قال حدثني عبد العزيز بن عبد الملك بن مليل السليحي (وهم إلى قضاعة) قال: حدثني أبي قال: كنت مع عقبة بن عامر جالسا قريبا من المنبر يوم الجمعة فخرج محمد بن أبي حذيفة فاستوى على المنبر فخطب الناس ثم قرأ عليهم سورة من القرآن قال وكان من أقرإ الناس، قال: فقال عقبة بن عامر: (صدق الله ورسوله! إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ليقرأن القرآن رجال لا يجاوز تراقيهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية!»)، هذا إسناد صحيح.
v وأخرج الإمام أحمد، بإسناد لا بأس به، عن شريك بن شهاب قال: كنت أتمنى أن ألقى رجلاً من أصحاب النبي، صلى الله عليه وسلم، يحدثني عن الخوارج، فلقيت أبا برزة في يوم عرفة في نفر من أصحابه، فقلت: يا أبا برزة! حدثنا بشيء سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوله في الخوارج! فقال أحدثك بما سمعت أذني ورأت عيناي: أتي رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بدنانير فكان يقسمها وعنده رجل أسود مطموم الشعر عليه ثوبان أبيضان بين عينيه أثر السجود فتعرض لرسول الله، صلى الله عليه وسلم، فأتاه من قبل وجهه، فلم يعطه شيئا، ثم أتاه من خلفه، فلم يعطه شيئا، فقال: والله يا محمد، ما عدلت منذ اليوم في القسمة؟! فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم غضبا شديداً، ثم قال: «والله لا تجدون بعدي أحداً أعدل عليكم مني!»، قالها ثلاثا، ثم قال: «يخرج من قبل المشرق رجال، كأن هذا منهم، هديهم هكذا: يقرءون القرآن، لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، لا يرجعون إليه!»، ووضع يده على صدره: «سيماهم التحليق! لا يزالون يخرجون، حتى يخرج آخرهم، فإذا رأيتموهم فاقتلوهم!»، قالها ثلاثا، «شر الخلق والخليقة»، قالها ثلاثا.
v وأخرج الإمام أحمد، بإسناد صحيح، عن أبي بكرة قال أتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بدنانير، فجعل يقبض قبضة، قبضة، ثم ينظر عن يمينه، كأنه يؤامر أحدا، ثم يعطي؛ ورجل أسود، مطموم عليه ثوبان أبيضان، بين عينيه أثر السجود، فقال: (ما عدلت في القسمة؟!)، فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: «من يعدل عليكم بعدي؟!»، قالوا: (يا رسول الله ألا نقتله؟!)، فقال: «لا!»، ثم قال لأصحابه: «هذا وأصحابه يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية لا يتعلقون من الإسلام بشيء». وقد زادنا أبو بكرة نفيع بن الحارث، رضي الله عنه، فائدة جميلة ها هنا، وهي أن أمين من في السماء، صلوات الله وسلامه وتبريكاته عليه وعلى آله، كان (ينظر عن يمينه، كأنه يؤامر أحداً)، فلعله كان يوآمر جبريل عليه الصلاة والسلام!
هذا نقل تواتر، يوجب العلم اليقيني، الذي لا يتطرق إليه شك أو تشوبه شائبة، وإنما كان ذلك الذم الشديد، والله أعلم، لأمور منها: أن اكثر الإبتداع والإحداث يرجع، حقيقة، إلى الغلو في الدين، والحرص المَرَضِيِّ عليه، والمبالغة في التعبد، والهوس في الزهد، كما فصلناه أعلاه. ومنها: أن الغلو والتشدد ينفر الناس من الدين ويصدهم عنه غالباً، بخلاف التقصير والتساهل، كما معلوم محسوس بشهدة الواقع وأحداث التاريخ المتواترة، لذلك جاء من الذم لأهل الغلو، وبالأخص الخوارج الغالية، من الأزارقة والنجدات والصفرية المكفرين بالذنوب، الذين يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان، ما هو أكثر بكثير مما جاء في ذم أهل التفريط والتساهل!
لذلك كان الإفراط في الحكم بالتبديع على الناس، وعلى الأفعال، من الصفات المميزة لأهل الغلو والإبتداع أنفسهم. فلا يجوز للمسلم العاقل، الذي يؤمن بالله واليوم الآخر، أن يحكم على فعل بأنه بدعة إلا بعد إشباع البحث، والتأكد، بيقين، من عدم تقديم قائلها لدليل أو لشبهة دليل، وإلا وقع هو نفسه في الغلو والإبتداع! ويتدرج الحال بهذا وأمثاله، من العُجْب، وتزكية النفس، والغرور بها، وإساءة الظن بالمسلمين، حتى يبدع الناس جميعاً، ما عدا نفسه، وفرقته التي على نفس رأيه، بحذافيره. فتجده يقول بلسان الحال، بل ربما بلسان المقال: (ابتدع الناس؛ ضل الناس؛ فسدت عقائد الناس؛ هلك الناس؛ ..إلخ) فينطبق عليه الوعيد الشديد الذي ثبت عن النبي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «إذا سمعت الرجل يقول: هلك الناس، فهو أهلكهم»، كما أخرجه مسلم في صحيحه، والبخاري في «الأدب المفرد» بإسناد صحيح عن أبي هريرة.
ولأهل الغلو نكت، وطرائف، وعجائب، لا تعد ولا تحصى، من أهمها، وأبرزها: الغلظة على العوام، والسكوت والتساهل مع «ساداتهم وكبرائهم» من الحكام. فهذا (الشيخ الدكتور) صهيب حسن، وهو «مبتدع» من رؤوس أدعياد «السلفية» والسنة والحديث في بريطانيا يبسط لسانه في عرض «جماعة التبليغ» فيقول، في ما روته عنه «الهدي النبوي»، في عددها الثامن لشهر شعبان 1417هـ: (لا يجوز للمسلم السني الدخول إلى هذه الجماعة لما فيها من «البدع الغليظة»، ولا يجوز الخروج معهم لأن ذلك نصر للبدعة وإشاعة لها)!
الله أكبر: «بدع غليظة»، هكذا قال بصوت مرتفع، فض الله فاه! من غير بيان لها، أو تفصيل، ومن غير دليل شرعي، بل هكذا إرسالاً، يتبعه المبتدعة بحق، من المقلدة العميان إتِّباع دواب الحمير لقائدها. فإذا وصل الكلام إلى أعداء الله وأعداء رسله، مبدلي الشرائع، المتولين للكفار، من امثال «آل سعود»، الذين يمدونه وجماعته بالمال، فلا تجد إلا الصمت المطبق، والسكوت المريب، والاعتذار بـ«الحكمة»، المزورة، واجتناب «الفتنة» المكذوبة المزعومة: }ألا في الفتنة سقطوا، وإن جهنم لمحيطة بالكافرين{، أما ما يأتيهم من أموال، وما يرفلون فيه من حلل حسان، وما يرتحلون من سيارات فارهة، وما يسكنون من قصور أو بيوت منيفة، فكله إنما أعطاه آل سعود لـ«وجه الله» وأخذه هؤلاء لـ«مصلحة الدعوة»، ولم لا؟! أليست دولة آل سعود هي «دولة التوحيد» بنص «الإمام» الألباني وهي «الدولة المباركة التي نصر الله بها الحق وأهله» بنص «الإمام» عبد العزيز بن باز؟!
بل إن الحق أن الخوارج الحرورية أكثر فحولة ورجولة وإخلاصاً من هؤلاء، فأدعياء السلفية هؤلاء فيهم كل صفات الخوارج إلا قوة الشكيمة، والرجولة والشجاعة، فلعل خير مسمَّى لهم هو: «مخانيث الخوارج»!
ومن فواقرهم: وصفهم مصافحة المسلمين لبعضهم بعضاً، بعد التسليم من الصلاة، بأنه بدعة! وقد ناقشنا ذلك وأبطلناه فيما سلف.
بل إن الظن ليسوء جداً بهؤلاء، نظراً لعلاقة أكثرهم الوثيقة بفجرة الحكام، وأن دوافعهم الحقيقية هي تعمد «إفساد ذات البين» بين المسلمين، وتفريق صفهم، حتى يتسنى للكفار، والمنافقين من فسقة الحكام، وعملائهم من المتنفذين ورجالات الأدب والإعلام، وزنادقة المشايخ، حتى يتسنَّى لهؤلاء بسط هيمنتهم، وفرض تسلطهم على الأمة التي تم تمزيق شملها، وتصديع صفوفها، بجلوسهم على أفواه السكك: يمتحنون الناس بغوامض المسائل، ودقائق مشكلات الاعتقاد! ثم يصنفون الناس: هذا مبتدع، وذاك كافر، والثالث، «سلفي»، والآخر «خلفي»، وهذا «صوفي»، وذلك «طرقي»، والإمام الحافظ الفقيه الأصولي النظار الحجة ابن حزم «جهمي»، وهذا مستحق للهجر، والإمام الحافظ الحجة قاضي القضاة ابن حجر «أشعري»: أهل لأن تحرق كتبه، والنووي، نصف أشعري: عقيدته «وسط!» مشكوك فيها، ووجه الإمام الشهيد سيد قطب، لأنه حليق وفق مذهبه في جواز حلق اللحية، يشبه وجوه اليهود والنصارى،.. إلخ، إلى غير ذلك من شطحاتهم الخبيثة الملعونة، أخزاهم الله، وأبعدهم، ولعنهم، وأبادهم.

أبو عمر المنصور
19-04-2011, 07:03 PM
توحيد المحبة والولاء
توحيد المحبة والولاء هو إفراد الله بالمحبة والموالاة لاستحقاقه الذاتي لذلك، فتكون كل محبة ونصرة وموالاة ناشئة من ذلك متفرعة منه، وليست أصلا مستقلاً بنفسه.
واستحقاق الرب، تباركت أسماؤه، للمحبة في أقصى درجاتها، وأخلص أنواعها، ضرورة عقلية فطرية، جاء الشرع مؤكداً لها، ومنبهاً إليها. ذلك لأن الإنسان لا يحب شيئاً، أو شخصاً إلا بدافعين:
الأول: : لاتصاف الشيء أو الشخص المحبوب بصفات جمال، وكمال يدركها العقل، أو يميل إليها الطبع.
والله، تباركت أسماؤه، وتقدست صفاته، هو الموصوف بالكمال والجمال التام المطلق، الفائق لحدود إدراك العقول، المتجاوز لآفاق الوهم والخيال. فأي شيء أولى من الله بأقصى درجات المحبة لهذا الاعتبار؟!
الثاني: لما يأتي من الشيء أو الشخص المحبوب من الإنعام، أو العطايا والمنح، أو جلب النفع ودفع الضر، أو المعونة في النوازل والشدائد، أو التلطف في المعاملة وحسن الصحبة والمعشر، أو الحماية من الأعداء والنصرة عليهم.
والله سبحانه وتعالى هو المنعم الأول على الإنسان ابتداء: بمنح الوجود بعد العدم؛ والحياة بعد الموت؛ وجعل السمع والبصر، وسائر الحواس، والتمييز، والعقل؛ ومنِّه بحرية الإرادة والاختيار، والقدرة على الفعل والإبداع والابتكار؛ ثم التكريم والتفضيل على أكثر الخليقة تفضيلاً؛ ونعمه الظاهرة والباطنة تترى وتتوالى آناء الليل، وأطراف النهار. فأي شيء أولى من الله بأقصى درجات المحبة لهذا الاعتبار؟! فمن أولى أن يعترف له بالفضل والجميل، ويتقدم إليه بالشكر؟!
فهو جل وعلا مستحق، لذاته وبذاته، لغاية الحب، حباً يفوق حب النفس، والولد، والوالد، والزوج، وجميع متاع الدنيا ولذاتها، والناس أجمعين.
ويترتب على ذلك، لا محالة، إن كانت المحبة صادقة، حب من يحب، وحب كل ما يقرب إليه ويزيد في محبته، كما يترتب عليها، بداهة، طاعة أمره، واتباع رسله؛ وبالضرورة بغض أعدائه، وبغض من يبغضه، وبغض كل ما يبعد عنه.
وفي مقدمة محبوبيه، بل هو رأسهم، سيدنا وحبيب قلوبنا محمد بن عبدالله بن عبد المطلب الهاشمي القرشي العربي، خاتم النبيين، وسيد المرسلين، وخليل رب العالمين، وإمام المتقين، الذي قال ناصحاً، مشفقاً: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده، ووالده، والناس أجمعين»! لذلك كان لا بد من محبته، وتوقيره، ونصرته، وطاعته، واتباعه. كما قيل في معنى شهادة «أن محمداً رسول الله»: (طاعته فيما أمر v وتصديقه في ما أخبر v واجتناب ما نهى عنه وزجر v وأن لا يعبد الله إلا بما شرع وقرر v وأن يُحَبّ أكثر من النفس والزوج والولد والوالد وسائر البشر v وأن يوقَّر ويعزَّر ويُنْصَر)
ثم ينشأ من ذلك ويترتب عليه لا محالة:
(1) نصرته، أي نصرة الله: بنصرة دينه، وكتبه، ورسله؛ والدعوة إليهم، والصبر على الأذى فيهم، والجهاد والقتال في سبيلهم؛
(2) موالاة أوليائه وأحبائه: بمحبتهم وصدق الود لهم؛ واحترامهم وإكرامهم؛ وحسن عشرتهم وصحبتهم؛ وإخلاص الصداقة والمشورة والنصح لهم؛ والتعاون معهم على كل بر وتقوى؛ وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر؛ ونصرتهم بالمال والنفس والولد؛ والتجمع معهم في جماعة واحدة، أي الانتماء إلى تابعية واحدة معهم، أي العيش معهم في ظل كيان سياسي واحد!
وأخص خصائص الموالاة، وجوهرها: التحالف، والإنتماء، والتكتل، والتقرب، والنصرة، والإعانة، والصداقة، والتودد.
(3) معاداة أعدائه، والمعاداة هي الضد التام للموالاة، فهي ضدها من كل وجه: ببغضهم، وقطع حبال المودة معهم، وعدم مناصرتهم، والانعزال عنهم، والهجرة من ديارهم، ومقاتلتهم، كل ذلك من غير ظلم ولا عدوان. ولا يستثنى من ذلك إلا ما أذن به الرب، جل وعلا، من الإحسان إليهم، والبر، والصلة، والموادعة، والمهادنة، والمصالحة، وحقوق التابعية لأهل ذمة الله، وذمة رسوله، ولغيرهم من المسالمين والموادعين.
أمَّا أعداء الله من الكفرة الحربيين فلهم كل البغض، وكل المقت، وكل العداء، وكل الإبعاد، وكل الخذلان، وكل القتال. وقد أشبعنا جزئيات ذلك وفقهه في كتابنا المسمَّى: (المولاة والمعاداة)، فليراجع.
v قال تعالى: }مالهم من دونه من ولي، ولا يشرك في حكمه أحداً{، (الكهف؛ 18:26).
v وقال: }أم اتخذوا من دونه أولياء؟! فالله هو الولى{، (الشورى؛ 42:9).
v وقال الله تعالى: }ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادًا يحبونهم كحب الله، والذين أمنوا أشد حبًا لله{، (البقرة؛ 2:165).
v قال تعالى: }إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا{، (المائدة؛ 5:55).
v وقال: }لا تتخذوا أباءكم وإخوانكم أولياء إن استحبوا الكفر على الإيمان{، (التوبة؛ 9:23).
v وقال: }لاتجد قومًا يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله، ولوكانوا آباءهم، او أبناءهم، أو إخوانهم، أو عشيرتهم، أولئك كتب في قلوبهم الإيمان{، (المجادلة؛ 58:22).
v وقال: }قل: إن كنتم تحبون الله، فاتبعوني يحببكم الله، ويغفر لكم ذنوبكم، والله غفور رحيم v قل أطيعوا الله والرسول، فإن تولوا فإن الله لا يحب الكافرين{، (آل عمران؛ 3:31-32).
v وقال: }لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين، ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء، إلا أن تتقوا منهم تقاة ، ويحذركم الله نفسه، وإلى الله المصير{، (آل عمران؛ 3:28).
v وجعل، تباركت أسماؤه، اتخاذ الكافرين أولياء من دون المؤمنين الصفة الرئيسية المميزة للمنافقين نفاقاً اعتقادياً مخرجاً من الملة، أهل الدرك الأسفل من النار، فقال: }بشر المنافقين بأن لهم عذاباً أليماً v الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين، أيبتغون عندهم العزة؟! فإن العزة لله جميعاً{، إلى قوله، جل من قائل: }يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين! أتريدون أن تجعلوا لله عليكم سلطاناً مبيناً؟! v إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار، ولن تجد لهم نصيراً{، (النساء؛ 4:138-145).
v وقال، جل من قائل، مثنياً على إبراهيم وصحبه: }قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه، إذ قالوا لقومهم: إنا برءاء منكم، ومما تعبدون من دون الله، كفرنا بكم، وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبداً حتى تؤمنوابالله وحده{، (الممتحنة؛ 60:4).
v وقال تعالى: }يا أيها الذين آمنوا: من يرتد منكم عن دينه، فسوف يأتي الله بقوم يحبهم، ويحبونه: أذلة على المؤمنين، أعزة على الكافرين، يجاهدون في سبيل الله، ولا يخافون لومة لائم{، (المائدة؛ 5:54). ذكر لهؤلاء المحبين لله، المحبوبين من الله؛ وهذا هو المطلب المهم: أن يكون المرء محبوباً من الله، ذكر لهم أربع علامات:
الأول: الذلة على المؤمنين: وهي تمام الرحمة والشفقة والعطف والرقة والتواضع. قال الإمام التابعي عطاء المكي، رحمه الله: (كالولد مع والده، والعبد المملوك مع سيده).
الثاني: العزة على الكافرين: وهي هنا الترفع، والشدة، وتأكيد الهوية والشخصية، بل والغلظة في مواضعها، وليست هي البطر والغطرسة والعجب بالنفس، كلا؛ كما قال، تقدست أسماؤه، في موضع آخر مثنياً على أصحاب نبيه، صلى الله عليه وسلم: }أشداد على الكفار، رحماء بينهم{، وقال تعالى، آمراً نبيه، صلى الله عليه وسلم: }جاهد الكفار والمنافقين، واغلظ عليهم!{.
الثالث: الجهاد في سبيل الله بالنفس، والمال، وباليد، واللسان، فبذلك تتحقق دعوى المحبة.
الرابع: أنهم لا يخافون في الله لومة لائم: وهذه علامة صحة المحبة.
فمن زعم أنه يحب الله فليفحص نفسه ويختبرها: فإن كان متصفاً بتلك الصفات الأربع فليستبشر بمبادلة الله له حباً بحب، وإلا فلا يغرنَّ نفسه بالأماني الكاذبة، والدعاوى العريضة، وليشتغل في تقويم نفسه، وإصلاح شخصيته، حتى يصبح أهلاً لمحبة الله، التي هي غاية الغاية، ومنتهى النهاية!
لاحظ كذلك أن المحبة هنا ليست محبة سلبية قلبية محضة فحسب، محبة الرهبان «المزعومة» المنعزلة في الصوامع والأديرة، بل هي كذلك: ولاء وبراء، أي موالاة ومعاداة، وجهاد وكفاح، وأفعال وأنشطة ظاهرة!
v عن أنس أن رسول الله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، قال: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده، ووالده، والناس أجمعين»، حديث صحيح، أخرجه البخاري، ومسلم، وأحمد، وغيرهم.
v وأخرج البخاري بإسناد صحيح عن عبدالله بن هشام، رضي الله عنه، قال: كنا مع النبي، صلى الله عليه وسلم، وهو آخذ بيد عمر بن الخطاب فقال له عمر: (يا رسول الله، لأنت أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي!)، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا، والذي نفسي بيده: حتى أكون أحب إليك من نفسك!»، فقال له عمر: (فإنه الآن، والله، لأنت أحب إلي من نفسي)، فقال النبي، صلى الله عليه وسلم: «الآن يا عمر». ؤأخرج أحمد مثله بإسناد قوي.
v ولهما عن أنس، قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب اليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه، كما يكره أن يقذف في النار»، حديث صحيح. وفي رواية صحيحة أخرى: «لا يجد أحد حلاوة الايمان حتى ...» إلى آخره. وقد أخرج مثله الترمذي وقال: حسن صحيح، والنسائي، وابن ماجه، وأحمد، وابن حبان في صحيحه،
حلاوة الإيمان: ما يحصل في القلب من اللذة والبهجة والنعيم والسرور، الذي يجده أهل الإيمان، ويعرفونه، ويذوقونه، ولا تستطيع الكلمات حده ووصفه، بل لا بد من تجربته! ويترتب على ذلك التلذذ بالطاعات، والتمتع بتحمل المشاق وتجنب الشهوات في رضى المحبوب، جل وعز.
ولن يجد أحد حلاوة الإيمان كاملة إلا إذا أكمل المحبة، ودفع ضدها، وجردها:
(1) فإكمال المحبة يكون: بأن يكون الله ورسوله أحب إلى العبد مما سواهما، فلا يكفي مجرد الحب، بل لا بد أن يكون الله ورسوله أحب من كل محبوب آخر. ومحبة الله تستلزم محبة طاعته، لأن الله يحب من عبده الطاعة، أي العبودية، والمحب بحق يحب ما يحب محبوبه، لا محالة، إن كانت محبته صادقة.
(2) ودفع ضدها: بأن يكره ضد لوازم المحبة والإيمان، أي أن يكره الكفر والفسوق والعصيان، كما يكره أن يقذف في النار.
(3) وتجريدها: أن يحب المرء، لا يحبه إلا لله. وتجريد المحبة لا يتأتى إلا بعد إكمالها، ودفع ضدها، لذلك جاء الحديث التالي بها منفردة، لأن وجودها، يقتضي ضرورة، سبق كمالها، ودفع الضد لها:
v عن أبي هريرة مرفوعاً: «من سرَّه أن يجد طعم الإيمان فليحب المرء لا يحبه إلا لله»، حديث صحيح، أخرجه أحمد، والطيالسي، والحاكم وصححه، ووافقه الذهبي، وإسناده حسن صحيح قوي على شرط مسلم، تقوم به الحجة على كل حال، وهو قطعاً في غاية الصحة بشواهده.
v وعن أنس أن رسول الله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، قال: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب للناس ما يحب لنفسه، وحتى يحب المرء لا يحبه إلا لله، عز وجل»، حديث صحيح، غاية في الصحة، أخرجه أحمد، وغيره.
v وعن أبي أمامة عن رسول الله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه قال: «من أحب في الله، وأبغض في الله، وأعطى لله، ومنع لله، فقد استكمل الإيمان»، أخرجه أبو داود بإسناد حسن قوي لذاته، والطبراني في «الأوسط»، والضياء المقدسي، والبيهقي في «شعب الإيمان»، وابن عساكر. والحديث صحيح قطعاً، بمجموع طرقه، ومتابعاته، وشواهده، ومنها:
v عن معاذ بن أنس الجهني، رضي الله عنه، أن رسول الله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، قال: ««من أعطى لله، ومنع لله، وأحب لله، وأبغض لله، وأنكح لله، فقد استكمل إيمانه». هذا حديث صحيح، أخرجه الترمذي وأحمد بإسناد صحيح، وكذلك أحمد بإسناد آخر فيه نظر. وقد روى ابن أبي شيبة في «الإيمان» مثله، شاهداً له، عن كعب بن مالك موقوفاً.
v أخرج أبو بكر عبد الله بن محمد بن عبيد بن أبي الدنيا في «الإخوان» عن البراء بن عازب قال: كنت جالسا عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «أتدرون أي عرى الإيمان أوثق؟!»، قلنا: (الصلاة)، قال: «إن الصلاة حسنة، وما هي بها!»، فذكروا شرائع الإسلام، فلما رآهم لا يصيبون قال: «أوثق عرى الإيمان أن تحب في الله، وتبغض في الله عز وجل»، كما أخرجه كذلك أحمد، وأبو داود الطيالسي، وهو حديث حسن، كما سنبرهنه في الملحق، إن شاء الله.
v وجاء في المعجم الكبير عن ابن عباس قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم، لأبي ذر: «أي عرى الإيمان (أظنه قال:) أوثق؟!»، قال: (الله ورسوله أعلم!)، قال: «الموالاة في الله، والمعاداة في الله، والحب في الله، والبغض في الله». وهذا كذلك حديث صحيح، كما هو مبين في الملحق.
v أخرج الطبراني في «المعجم الكبير» عن عبد الله بن مسعود قال: [قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا بن مسعود!»، قلت: (لبيك!)، ثلاثا؛ قال: «هل تدرون أي عرى الإيمان أوثق؟!»، قلت: (الله ورسوله أعلم!)، قال: «الولاية في الله، والحب في الله، والبغض في الله!»، قال: «يا بن مسعود!»، قلت: (لبيك يا رسول الله)، قال: «أي المؤمنين أفضل؟!»، قلت: (الله ورسوله أعلم!)، قال: «إذا عرفوا دينهم، أحسنهم عملا!»، ثم قال: «يا بن مسعود، هل تدري أي المؤمنين أعلم؟!»، قلت: (الله ورسوله أعلم!)، قال: «إذا اختلفوا (وشبك بين أصابعه) أبصرهم بالحق، وإن كان في عمله تقصير، وإن كان يزحف زحفا!»، ثم قال: «يا بن مسعود، هل علمت أن بني إسرائيل افترقوا على اثنتين وسبعين فرقة لم ينج منها إلا ثلاث فرق: فرقة أقامت في الملوك والجبابرة فدعت إلى دين عيسى فأخذت فقتلت بالمناشير، وحرقت بالنيران، فصبرت حتى لحقت بالله؛ ثم قامت طائفة أخرى لم تكن لهم قوة، ولم تطق القيام بالقسط، فلحقت بالجبال فتعبدت وترهبت وهم الذين ذكرهم الله فقال: }ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله إلى وكثير منهم فاسقون{، وفرقة منهم آمنت فهم الذين آمنوا وصدقوني وهم الذين رعوها حق رعايتها؛ وكثير منهم فاسقون: وهم الذين لم يؤمنوا بي ولم يصدقوني ولم يرعوها حق رعايتها وهم الذين فسقهم الله!». هذا حديث صحيح، كما هو مبين في الملحق.
v وجاء في مسند الإمام أحمد بن حنبل عن أبي ذر قال خرج إلينا رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فقال: «أتدرون أي الأعمال أحب إلى الله عز وجل؟!»، قال قائل: الصلاة، والزكاة، قال قائل: الجهاد؛ قال: «ان أحب الأعمال إلى الله عز وجل: الحب في الله والبغض في الله»، كما أخرجه أبو داود مختصراً.
v وأخرج الطبراني مرفوعاً، وكذلك أحمد، بإسانيدهم، عن عمرو بن الجموح، رضي الله عنه، عن النبي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، بلفظ: «لا يحق للعبد حق صريح الإيمان حتى يحب لله تعالى، ويبغض لله تعالى، فإذا أحب لله، وأبغض لله فقد استحق الولاء من الله، ...إلخ».
v أخرج الإمام ابن جرير الطبري، والإمام محمد بن نصر المروزي بأسانيدهم من كلام ابن عباس: (من أحب في الله، وأبغض في الله، ووالى في الله، وعادى في الله، فإنما تنال ولاية الله بذلك! ولن يجد عبد طعم الإيمان، وإن كثرت صلاته وصومه، حتى يكون كذلك! وقد صارت مؤاخاة الناس على أمر الدنيا، وذلك لا يجدي على أهله شيئاً)، وأخرج ابن أبي شيبة، وابن أبي حاتم الجملة الأولى منه فقط.
v أخرج ابن أبي الدنيا في «الإخوان»: عن ابن عباس قال: [أحب في الله، وأبغض في الله، ووال في الله، وعاد في الله! فإنما تنال ولاية الله بذلك، ولا يجد عبد طعم الإيمان، وإن كثرت صلاته وصيامه، حتى يكون كذلك]. هذا أثر حسن، كما هو مبرهن في الملحق.
لاحظ ان الأثر السابق من كلام ابن عباس، لله دره، ليس إلا اتباعاً للأحاديث قبله، وإعمالاً للفهم الصحيح لها، ولغيرها من نصوص الكتاب والسنة المتضافرة، حاشا لابن عباس أن يكون مبتدعاً، أو أن يقدم بين يدي الله ورسوله، فلم يكتف بذكر «الحب»، و«البغض»، بل أكد على «الموالاة»، و«المعاداة». فلا يكفي مجرد «الحب»، و«البغض» القلبيين المجردين، بل لا بد من «الموالاة» وهي الإنتماء، والنصرة، والتحالف، والإعانة، والكينونة مع المحبوبين ظاهراً، وباطناً، ولا بد من ضدها وهو «المعاداة»: الشاملة للمقت، والتحقير، والمفاصلة، والهجر، والمقاتلة بالسلاح، والبراءة من المبغوضين، والكفر بهم، ونبذهم، والبعد عنهم ظاهراً، وباطناً!
v أخرج ابن ماجه: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة: حدثنا وكيع وأبو معاوية وابن نمير، كلهم، عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده: لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابوا! أو لا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟! أفشوا السلام بينكم»، حديث صحيح، في غاية الصحة، ومثله في صحيح مسلم، ومسند إسحاق بن راهويه، وفي الأدب المفرد للبخاري، ومسند الإمام أحمد بن حنبل، وسنن أبي داود، وسنن البيهقي الكبرى، وفي صحيح ابن حبان.
v كما أخرج الطبراني عن أبي أمامة أن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال: «لا إيمان لمن لا أمانة له! !والذي نفسي بيده: لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنون حتى تحابوا، ولا تحابون حتى يذهب الغل من صدوركم! ألا أخبركم بأمر إذا فعلتموه تحاببتم؟!»، قالوا: (بلى)، قال: افشوا السلام!». هذا حديث صحيح، كما هو مفصل في الملحق.
v أخرج الطبراني في المعجم الكبير عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: «لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا! ألا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحابيتم؟! إفشاء السلام بينكم». هذا حديث حسن، كما هو مفصل في الملحق.
v وجاء في المستدرك على الصحيحين عن أبي موسى الأشعري، رضي الله تعالى عنه، أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال: «لن تؤمنوا حتى تحابوا! أفلا أدلكم على ما تحابوا عليه؟!»، قالوا: (بلى، يا رسول الله!)، قال: «افشوا السلام بينكم تحابوا! والذي نفسي بيده لا تدخلوا الجنة حتى تراحموا!»، قالوا: (يا رسول الله كلنا رحيم؟!)، قال: «إنه ليس برحمة أحدكم، ولكن رحمة العامة، رحمة العامة!». وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وقال الذهبي في التلخيص: صحيح، ولعله لا يصل إلى تلك المرتبة، ولكنه حسن، على كل حال، كما هو مبين في الملحق.
v أخرج الإمام أحمد بن حنبل عن الزبير بن العوام، رضي الله تعالى عنه، ان رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال: «دب إليكم داء الأمم قبلكم: الحسد والبغضاء؛ والبغضاء هي الحالقة: لا أقول تحلق الشعر، ولكن تحلق الدين! والذي نفسي بيده (أو: والذي نفس محمد بيده): لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابوا! أفلا أنبئكم بما يثبت ذلك لكم؟! أفشوا السلام بينكم!». فيه مولى آل الزبير مجهول، وبقيت رجاله ثقات أثبات. وأخرجه الترمذي، والطيالسي، وأبو يعلى، والبيهقي في الكبرى، وعبد بن حميد.
v جاء في سنن ابن ماجه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا أبا هريرة! كن ورعا تكن أعبد الناس، وكن قنعا تكن أشكر الناس، وأحب للناس ما تحب لنفسك تكن مؤمنا، وأحسن جوار من جاورك تكن مسلما، وأقل الضحك فإن كثرة الضحك تميت القلب». قال الألباني: صحيح، وهو كما قال.
v وفي الصحيحين عن أنس مرفوعاً: «(والذي نفسي بيده)، لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه (أو قال: لجاره)، ما يحب لنفسه (من الخير)». هو من أصح أحاديث الدنيا، أخرجه أهل السنن كلهم: الترمذي وقال: حسن صحيح، والنسائي، وابن ماجه، والدارمي، وأحمد، والطيالسي، وابن حبان، وأبو يعلى، والطبراني في «الصغير»، والشهاب القضاعي في مسنده، وغيرهم.
v وعن يزيد بن أسد بن كرز، رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «يا يزيد بن أسد! أتحب الجنة؟!»، قلت: (نعم)، قال: «فأحب لأخيك المسلم ما تحب لنفسك!»، حديث صحيح، أخرجه أحمد، وأبو يعلى، وابن حبان، والطبراني في «الكبير»، وعبد بن حميد في «المنتخب»، كما أخرجه الحاكم في «المستدرك»، وصححه، ووافقه الذهبي.
v وفي الصحيحين عن أبي موسى الأشعري مرفوعاً: «المؤمن للمؤمن كالبنيان، يشد بعضه بعضاً»، ثم شبك بين أصابعه الشريفة، كما أخرجه الترمذي وقال: حسن صحيح، والنسائي، وأحمد، والطيالسي، والحميدي، وعبد بن حميد في «المنتخب»، وابن حبان، وأبو يعلى، والبيهقي في «الكبرى»، والشهاب القضاعي، وغيرهم!
v وفي الصحيحين عن النعمان بن بشير مرفوعاً: «ترى المؤمنين في تراحمهم، وتوادهم، وتعاطفهم كمثل الجسد (الواحد): إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر جسده بالسهر والحمى». هذا من أصح أحاديث الدنيا، وأخرجه كذلك أحمد من طرق كثيرة، والبيهقي في «الكبرى»، وابن حبان، وأبو داود الطيالسي، والطبراني في «الصغير» وفي «مسند الشاميين»، والحميدي، والشهاب القضاعي، وابن الجعد.
ــ ومن ألفاظ أحمد بإسناد صحيح: «المؤمنون كرجل واحد: إذا اشتكى رأسه اشتكى كله، وإن اشتكى عينه اشتكى كله»، ولعل هذا هو اللفظ الأصلي، أي أنه، عليه وعلى آله الصلاة والسلام، سمَّى أعضاءً منها الرأس، والعين، وغيرها فاختصره بعض الرواة، فقال: «إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر جسده بالسهر والحمى»، أو قاله، عليه وعلى آله الصلاة والسلام، مرة مبسوطاً، وأخرى مختصراً.
v وفي الصحيحين مرفوعاً: «آية الإيمان حب الأنصار، وآية النفاق بغض الأنصار».
v وفي الصحيحين مرفوعاً: «الأنصار لا يحبهم إلا مؤمن، ولا يبغضهم إلا منافق؛ فمن أحبهم أحبه الله، ومن أبغضهم أبغضه الله».
v وعن أنس مرفوعاً: «ما تحابَّ رجلان في الله إلا كان أحبهما إلى الله، عز وجل، أشدهما حباً لصاحبه»، أخرجه البخاري في «الأدب المفرد» بإسناد صحيح، وابن حبان، والحاكم في «المستدرك» وقال: (صحيح الإسناد)، ووافقه الذهبي والعراقي، وفي إسناد الحاكم نظر، ولكن إسناد البخاري صحيح بلا شك! وله متابعة قوية، أخرجها الخطيب البغدادي، عن مطرف بن عبد الله بن الشخير مرفوعاً.
v وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «إن الله يقول يوم القيامة: أين المتحابين بجلالي؟! اليوم أظلهم في ظلي، يوم لا ظل إلا ظلي»، وهو كذلك في مسند أحمد، والموطأ.
v وعن أبي إدريس الخولاني قال: جلست مجلساً فيه عشرون من أصحاب محمد، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فإذا فيهم شاب حسن الوجه، حسن السن، أدعج العينين، أغر الثنايا، فإذا اختلفوا في شئ، أو قالوا قولاً انتهوا إلى قوله، فإذا هو معاذ بن جبل، رضي الله عنه، فلما كان من الغد جئت، فإذا هو يصلي عند سارية، فخفف صلاته ثم احتبى، فسكت، فقلت: إني لأحبك في جلال الله! فقال: آلله! فقلت: آلله! فقال: [فإن المتحابين في الله في ظل الله، (قال أبو إدريس: أحسب أنه قال:) يوم لا ظل إلا ظله، (ثم قال أبو إدريس: لا أشك في بقيته) يوضع لهم كراسي من نور، يغبطهم بمجلسهم من الرب تبارك وتعالى، النبيون، والصديقون، والشهداء]. قال أبو إدريس: فحدثت بها عبادة بن الصامت فقال: لا أحدثك إلا ما سمعت على لسان رسول الله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أنه قال: «حقت محبتي للمتحابين فيَّ، وحقت محبتي للمتباذلين فيَّ، وحقت محبتي للمتصادقين فيَّ، وحقت محبتي للمتزاورين فيَّ، وحقت محبتي للمتواصلين فيَّ»، وشك شعبة في «المتواصلين»، و«المتزاورين»، وقد ثبتت من طرق أخرى صحاح، فزال شك شعبة! هذا حديث صحيح، صححه الحاكم وقال: (على شرط الشيخين)، ووافقه الذهبي.وله طرق أخرى صحاح بطوله مع كامل القصة، أو مختصراً، ثبتت فيها اللفظتان التي شك فيها الإمام الحافظ الحجة، الثبت المتقن المأمون، أمير المؤمنين في الحديث، شعبة بن الحجاج بن الورد، رضي الله عنه.
v وفي سنن أبي داود بإسناد صحيح عن عمر بن الخطاب قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «إن من عباد الله لأناساً ما هم بأنبياء، ولا شهداء، يغبطهم الأنبياء والشهداء يوم القيامة بمكانهم من الله عز وجل»، قالوا: (يا رسول الله! تخبرنا من هم؟!)، قال: «هم قوم تحابوا بروح الله، على غير أرحام بينهم، ولا أموال يتعاطونها. فوالله إن وجوههم لنور، وإنهم على نور: لا يخافون إذا خاف الناس، ولا يحزنون إذا حزن الناس»، ثم قرأ، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، هذه الآية: }ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم، ولا هم يحزنون{.
v وعن زيد بن أسلم عن أبيه: أن عمر خرج إلى المسجد يوماً فوجد معاذ بن جبل عند قبر رسول الله يبكي، فقال ما يبكيك؟! قال: يبكيني حديث سمعته من رسول الله يقول: «اليسير من الرياء شرك! ومن عادى أولياء الله فقد بارز الله بالمحاربة! إن الله يحب الأبرار الأتقياء الأخفياء الذين إن غابوا لم يفقدوا، وإن حضروا لم يعرفوا، قلوبهم مصابيح الهدى، يخرجون من كل غبراء مظلمة!». حديث صحيح، لا علة له. قاله الحاكم، ووافقه الذهبي، وهو كما قالا.
v وعن عبدالله بن مسعود، رضي الله عنه، قال: جاء رجل إلى إلى رسول الله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فقال: (يا رسول الله! كيف تقول في رجل أحب قوماً ولم يلحق بهم؟) فقال رسول الله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «المرء مع من أحب!»، أخرجه الشيخان، وهذا الرجل السائل هو، على الأرجح، أبو ذر الغفاري، رضي الله عنه، كما يظهر من الحديث التالي:
v وعن أبي ذر، رضي الله عنه، قلت: (يا رسول الله! الرجل يحب القوم ولم يستطع أن يلحق بهم؟) فقال رسول الله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «أنت، يا أبا ذر، مع من أحببت!». قلت: (إني أحب الله ورسوله!) قال: «أنت مع من أحببت، يا أبا ذر!». هذا حديث صحيح أخرجه البخاري في الأدب المفرد، وأبو داود، وهو من مناقب أبي ذر الغفاري العظيمة، أصدق خلق الله لهجة، وما أكثرها!
v ولهما عن أنس أن رجلاً سأل النبي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (متى الساعة، يارسول الله؟) قال: «ما أعددت لها؟»، قال: (ما أعددت لها من كثير صلاة، ولا صوم، ولا صدقة، ولكني أحب الله ورسوله)، قال: «أنت مع من أحببت!»، حديث صحيح، أخرج مثله الترمذي، والبخاري في الأدب المفرد.
فيا لها من بشارة عظيمة لمن أحب الله ورسوله، حباً صادقاً! من أمثال أبي ذر، رضي الله عنه، وطبقته. والحب الصادق هو الذي يصمد للمحك، ويجوز الامتحان الإلهي:
ــ أولاً: }قل: إن كنتم تحبون الله، فاتبعوني يحببكم الله،...{،
ــ وثانياً: }لاتجد قومًا يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله، ولوكانوا آباءهم، او أبناءهم، أو إخوانهم، أو عشيرتهم، أولئك كتب في قلوبهم الإيمان ...{،
ــ وثالثاً: }يا أيها الذين آمنوا: من يرتد منكم عن دينه، فسوف يأتي الله بقوم يحبهم، ويحبونه: أذلة على المؤمنين، أعزة على الكافرين، يجاهدون في سبيل الله، ولا يخافون لومة لائم{!
v وفي «مجموع الفتاوى»، (ج: 5 ص: 510 وما بعدها): [قال تعالى واذا سألك عبادى عنى فانى قريب أجيب دعوة الداع اذا دعان وقال من تقرب الى شبرا تقربت اليه ذراعا وهذه الزيادة تكون على الوجه المتفق عليه بزيادة تقريبه للعبد اليه جزاء على تقربه باختياره فكلما تقرب العبد باختياره قد شبر زاده الرب قربا اليه حتى يكون كالمتقرب بذراع فكذلك قرب الرب من قلب العابد وهوما يحصل فى قلب العبد من معرفة الرب والايمان به وهو المثل الأعلى وهذا أيضا لا نزاع فيه وذلك ان العبد يصير محيا لما أحب الرب مبغضا لما ابغض مواليا لمن يوالى معاديا لمن يعادى فيتحد مراده مع المراد المأمور به الذى يحبه الله ويرضاه وهذا مما يدخل فى موالاة العبد لربه وموالاة الرب لعبده فان الولاية ضد العداوة والولاية تتضمن المحبة والموافقة والعداوة تتضمن البغض والمخالفة وقد ثبت فى صحيح البخارى عن ابى هريرة رضى الله عنه عن النبى أنه قال يقول الله تعالى: (من عادى لى وليا فقد بارزنى بالمحاربة وما تقرب الى عبدى أداء ما افترضته عليه ولا يزال عبدى يتقرب الى بالنوافل حتى أحبه فاذا احببته كنت سمعه الذى يسمع به وبصره الذى يبصر به ويده التى يبطش بها ورجله التى يمشى بها فبى يسمع وبى يبصر وبى يبطش وبى يمشى ولئن سألنى لأعطينه ولئن استعاذنى لأعيذنه وما ترددت فى شىء انا فاعله ترددى عن قبض نفس عبدى المؤمن يكره الموت وأكره مساءته ولابد له منه)، فأخبر سبحانه وتعالى أنه يقرب العبد بالفرائض ولا يزال يتقرب بالنوافل حتى يحبه الله فيصير العبد محبوبا لله كما قال تعالى قل ان كنتم تحبون الله فاتبعونى يحببكم الله وقال تعالى فسوف يأتى الله بقوم يحبهم ويحبونه وقال تعالى وأحسنوا ان الله يحب المحسنين وقال تعالى وأتموا اليهم عهدهم الى مدتهم ان الله يحب المتقين وقال فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم ان الله يحب المتقين وقال تعالى ان الله يحب التوابين ويحب المتطهرين وقال تعالى ان الله يحب الذين يقاتلون فى سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص وقال تعالى فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين وقال تعالى وما ضعفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين]
v وقال في «مجموع الفتاوى»، (ج: 11 ص: 160 وما بعدها) بعد أن ساق الحديث القدسي الشهير: «ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، .. الحديث»: [وهذا أصح حديث يروي في الأولياء، فبين النبي أنه من عادى وليا لله فقد بارز الله بالمحاربة وفي حديث آخر وإني لأثأر لأوليائي كما يثأر الليث الحرب أي آخذ ثأرهم ممن عادهم كما يأخذ الليث الحرب ثأره وهذا لأن أولياء الله هم الذين أمنوا به ووالوه فأحبوا ما يحب وأبغضوا ما يبغض ورضوا بما يرضى وسخطوا بما يسخط وأمروا بما أمر ونهوعما نهى وأعطوا لمن يحب أن يعطى ومنعوا من يحب أن يمنع كما في الترمذي وغيره عن النبي أنه قال أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله وفي حديث آخر رواه أبوداود قال ومن أحب لله وأبغض لله وأعطى لله ومنع لله فقد استكمل الإيمان والولاية ضد العداوة، وأصل الولاية المحبة والقرب، وأصل العداوة البغض والبعد وقد قيل أن الولى سمى وليا من موالاته للطاعات اى متابعته لها والأول اصح والولى القريب فيقال هذا يلى هذا أى يقرب منه ومنه قوله صلى الله عليه وسلم ألحقوا الفرائض بأهلها فما ابقت الفرائض فلأولى رجل ذكر أى لأقرب رجل إلى الميت واكده بلفظ الذكر ليبين انه حكم يختص بالذكور ولا يشترك فيها الذكور والاناث كما قال فى الزكاة فابن لبون ذكر فاذا كان ولى الله هوالموافق المتابع له فيما يحبه ويرضاه ويبغضه ويسخطه ويأمر به وينهى عنه كان المعادى لوليه معاديا له كما قال تعالى لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة فمن عادى اولياء الله فقد عاداه ومن عاداه فقد حاربه فلهذا قال ومن عادى لي وليا فقد بارزنى بالمحاربة.
وأفضل اولياء الله هم أنبياؤه وأفضل أنبيائه هم المرسلون منهم وأفضل المرسلين اولو العزم نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد صلى الله عليه وعليهم وسلم وقال تعالى شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذى أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى ان اقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه{]
v والموالاة لا تنقطع بما يقد يقع بين المؤمنين من تظالم وقتال وشر، بموجب ضعف الطبيعة البشرية، وغلبة الشهوات والوساوس الشيطانية، قال تعالى: }وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما، فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله، فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا! إن الله يحب المقسطين v إنما المؤمنون إخوة، فأصلحوا بين أخويكم! واتقوا الله لعلكم ترحمون{، (الحجرات؛ 49:9). يقول الإمام شيخ الإسلام ابن تيمية شارحاً: (على المؤمن أن يعادي في الله، ويوالي في الله. فإن كان هناك مؤمن فعليه أن يواليه ــ وإن ظلمه ــ فإن الظلم لا يقطع الموالاة الإيمانية، قال تعالى: }وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما، ...{، فجعلهم إخوة مع وجود القتال والبغي، وأمر بالإصلاح بينهم. فليتدبر المؤمن: أن المؤمن تجب موالاته، وإن ظلمك واعتدى عليك؛ والكافر تجب معاداته، وإن أعطاك وأحسن إليك. فإن الله سبحانه بعث الرسل، وأنزل الكتب، ليكون الدين كله لله، فيكون الحب لأوليائه، والبغض لأعدائه، والإكرام والثواب لأوليائه، والإهانة والعقاب لأعدائه)، (مجموع الفتاوى: ج28/208).
هل سمعتم وتدبرتم يا أعداء الله، فقهاء السلاطين، يا إخوان الحمير، حملة الأسفار، يا إخوان الكلاب الغاوية، مثل كلب الأعراف، الذين أفتيتم باستقدام القوات الأجنبية الكافرة، والقتال تحت رايتها لدفع «ظلم» العراق المزعوم للكويت، بدعوى الضرورة المزيفة الكاذبة، بل وسميتم جريمتكم النكراء «جهاداً»؟!
لقد أبى الله إلا فضيحتكم، وفضيحة ساداتكم وكبرائكم من الحكام، فانتهى الأمر باستعمار بلادكم، ووقوعكم تحت هيمنة الكفار: يقتلون المسلمين ويحاصرونهم، وينهبون خيرات بلادكم، ويمكنون صهاينة اليهود المعتدين من رقابكم، ويؤبِّدون اغتصابهم لفلسطين، وتسلطهم على بيت الله المقدس، وينشرون الربا، والزنا، واللواط، وسائر الفواحش والفتن في بلادكم! وأنتم ساكتون، سكوت الشياطين الخرس، فبعداً لكم، وتعساً لكم: أخزاكم الله، ولعنكم، وأضل أعمالكم!
v وفي صحيح البخاري مرفوعاً: «انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً»، قيل: (أنصره مظلوماً، فكيف أنصره ظالماً؟!)، قال: «تمنعه عن الظلم، فذلك نصرك إياه!»، أو كما قال، بأبي هو وأمي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
v وفي الصحيحين مرفوعاً: «المسلم أخو المسلم: لا يظلمه، ولا يسلمه! من كان في حاجة أخيه، كان الله، عز وجل، في حاجته! ومن فرج عن مسلم كربة، فرج الله عنه بها كربة من كرب يوم القيامة! ومن ستر مسلماً، ستره الله يوم القيامة!».
v كما أخرج البخاري في «الأدب المفرد»، وأبو داود، بإسناد حسن، مرفوعاً: «المؤمن مرآة أخيه. والمؤمن أخو المؤمن: يكف عليه ضيعته، ويحوطه من ورائه».
v وقال أحمد: حدثنا إسماعيل أخبرنا بهز بن حكيم عن أبيه عن جده قال: أتيت النبي، صلى الله عليه وسلم، حين أتيته، فقلت: والله ما أتيتك حتى حلفت أكثر من عدد أولاء، أن لا آتيك، ولا آتي دينك، (وجمع بهز بين كفيه)، وقد جئت امرأ لا أعقل شيئا إلا ما علمني الله تبارك وتعالى ورسوله، وإني أسألك بوجه الله، بم بعثك الله إلينا؟! قال: بالإسلام، قلت: وما آيات الإسلام؟! قال أن تقول: أسلمت وجهي لله، وتخليت، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، كل مسلم على مسلم محرم: أخوان نصيران! لا يقبل الله من مشرك أشرك بعد ما أسلم عملاً! وتفارق المشركين إلى المسلمين! ما لي أمسك بحجزكم عن النار؟! ألا إن ربي عز وجل داعيَّ وإنه سائلي: هل بلغت عباده؟! وإني قائل: رب إني قد بلغتهم! فليبلغ الشاهد منكم الغائب! ثم إنكم مدعوون، مفدمة أفواهكم بالفدام، ثم إن أول ما يبين عن أحدكم لفخذه وكفه! قلت: يا نبي الله، هذا ديننا؟! قال: هذا دينكم، وأينما تحسن يكفك»]، وهذا إسناد حسن، إن شاء الله تعالى.
v وفي «السيرة النبوية» بتهذيب ابن هشام (ج: 3 ص: 30): [قال ابن إسحاق: ثم خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس مرة أخرى فقال: إن الحمد لله أحمده وأستعينه نعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إن أحسن الحديث كتاب الله، تبارك وتعالى، قد أفلح من زينه الله في قلبه، وأدخله في الإسلام بعد الكفر، واختاره على ما سواه من أحاديث الناس: إنه أحسن الحديث وأبلغه. أحبوا ما أحب الله، أحبوا الله من كل قلوبكم، ولا تملوا كلام الله وذكره، ولا تقس عنه قلوبكم، فإنه من كل ما يخلق الله يختار ويصطفي، وقد سماه الله خيرته من الأعمال، ومصطفاه من العباد، والصالح من الحديث، ومن كل ما اوتي الناس الحلال والحرام فاعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا واتقوه حق تقاته وأصدقوا الله صالح ما تقولون بأفواهكم، وتحابوا بروح الله بينكم، إن الله يغضب أن ينكس عهده، والسلام عليكم»]
فمحبة الله لذاته، ومحبة رسله وأوليائه ودينه تبعاً لذلك، هي النتيجة الطبيعية لمعرفة الله، والتصديق الجارم بما جاء به الوحي من أسمائه الحسنى، وصفاته العلى، والاعتراف بنعمه الكثيرة، وآلائه الجسيمة. وهي بالإضافة إلى ذلك واجب ديني، وفريضة شرعية، وليست هي مجرد موقف نفسي أو تنظير فلسفي، لا بد أن تستشعر بوعي وإدراك، وتوجه إرادة وقصد ونية، بل هي ركن من أركان الإيمان، فلا يخلو منها بالكلية إلا الكافر، ولا ينخلع منها تمام الانخلاع إلا من ارتد كافراً، إن كان دخل في الإسلام والإيمان من قبل، وحبط عمله، وخاب سعيه، فتعساً له!

أبو عمر المنصور
19-04-2011, 07:05 PM
فصل: مظاهر وحقوق المحبة والموالاة للمؤمنين
المحبة والموالاة الحقة للمؤمنين، على المستوى الفردي المحض، لها مظاهر وحقوق بعضها أعلى من بعض، محلها المعتاد كتب الأدب والفضائل، ولكن جهل الناس اليوم بها، وإعراضهم عنها، مع أهميتها لسلامة إيمان كل مسلم، يلزمنا بعرضها ها هنا على وجه الاختصار، فمنها:
(1) المواساة وحسن الصحبة: فينزل المسلم أخاه المسلم منزلة الصاحب لديه، فيقوم بحاجته من فضل ماله، إذا احتاج، ولا ينتظر سؤاله. فإن ألجأه إلى السؤال فهو دليل على تقصيره في حق أخيه. وإذا انحط المسلم عن هذه المرتبة فهو مقصر مذنب، يحتاج إلي فحص نفسه، وتهذيبها، والتوبة إلى الله!
روي أن رجلا جاء إلى أبي هريرة فقال: إني أريد أن أواخيك في الله! فقال: أتدري ما حق الإخاء في الله؟! قال له: عرفني! قال: أن لا تكون أحق بدينارك ودرهمك مني! فقال الرجل: لم أبلغ هذه المنزلة بعد! فقال أبو هريرة: فدعك عني. وليس هذا من بنات أفكار أبي هريرة، فقد روى ابن ماجه مثل هذا المعنى عن عبد الله بن عمر بن الخطاب حين قال: (لقد رأيتنا على عهد رسول الله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وما منا أحد يرى أنه أحق بديناره ودرهمه من أخيه المسلم)!
أما الإنزال في منزلة النفس، بحيث تسمح نفسه بمشاركتهم في ماله ومنزله! فهذه مرتبة مستحبة، وهي أعلى من سابقتها.
ثم قد يرتفع بعض المؤمنين الصادقين إلى مرتبة الإيثار، فيقدم إخوانه على نفسه، فيلحق بأولئك الأفذاذ الذين خلدهم الله في القرآن العظيم حين قال: }يؤثرون على أنفسهم، ولو كان بهم خصاصة{، فيصبح من المفلحين، الذين يغبطهم الشهداء والنبيون! ومن هذا النوع من الإيثار، الذي يعجز الزمان أن يأتي بمثله، ما حصل بين المهاجرين والأنصار عندما آخى رسول الله بينهم بعد الهجرة. فقد روى البخاري في صحيحه أن رسول الله آخى بين عبد الرحمن بن عوف المهاجري، وسعد بن الربيع الأنصاري، فقال سعد بن الربيع: (إنني أكثر الأنصار مالاً، فأقسم مالي نصفين! ولي امرأتان، فانظر إلى أعجبهما إليك، فسمها لي، فأطلقها، فإذا انقضت عدتها فتزوجها!!) قال عبد الرحمن: بارك الله لك في أهلك، ومالك! أين سوقكم؟! فدلوه على سوق اليهود، فزاحمهم وبزهم في ميدانهم، فما لبث غير قليل حتى كسب مالاً، وتأهل من ماله، ولم يرزأ سعداً بشيء! لقد كان عبد الرحمن بن عوف عفيفاً، ولكن تعجز النساء أن يلدن مثل سعد بن الربيع!
هذه مرتبة مستحبة، وليست هي بواجبة أو فريضة محتومة كما كانت في دين السيد الوجيه المقرب عيسى بن مريم، صلوات الله وسلامه وتبريكاته عليه وعلى والدته، مسيح الله وروحه، إذ قد روي أن أتباعه كانوا يخرجون من أموالهم ويضعونها في صندوق مشترك تصرف منه أمراؤهم على كافة أفراد الجماعة، فلله درهم!
(2) قضاء الحاجات، والسعي بالشفاعة الحسنة، على قدر الاستطاعة والقدرة، مع البشاشة والفرح، وإظهار السرور والبشر. وكان بعض السلف الصالح يتفقد عيال أخيه في الله بعد موته عشرات السنين، فيقضي مصالحهم، ويلبي مطالبهم، ويتودد إليهم، ويتابع شؤونهم، كأنهم أولاده، وكأنهم لم يفقدوا من الوالد إلا ذاته!
(3) ستر العيوب والامتناع عن: الغيبة، والغمز، واللمز والهمز: فالتشهير وكثرة النقد والغمز واللمز والهمز، والتنابز بالألقاب مما ينافي الأخوة الإيمانية الصادقة، والولاية الدينية الحقة! وإن كان لابد من نصح، أو مشورة، أو أمر بمعروف، أو نهي عن منكر فبتلطف، وسرية! وشر من ذلك، وأوغل في الضلالة، وأبعد عن الأخوة الإيمانية، والولاية الدينية: السعي بالنميمة، والتجسس، الناشرة للريبة، والمفسدة لذات البين!
(4) اجتناب الظن السيء، «فإن الظن أكذب الحديث»، وحمل أفعال الإخوة وأقوالهم على أحسن المحامل، ما أمكن. والتشدد في ذلك، إلا بدليل يقيني، وبينة موثقة قاطعة. وعلى العكس من ذلك تماماً: إساءة الظن بالكافرين، لا سيما المحاربين منهم، وعدم الانخداع بمعسول كلامهم، وجعل ذلك، أي سوء الظن وعدم الثقة، الأساس في التعامل معهم!
(5) ذكر المحاسن وإشاعتها، بما يحبب إلى النفوس، وىؤلف القلوب، ويقوي أواصر الأخوة، ويصلح ذات البين! وعلى العكس من ذلك: ذكر قبائح الكفار، وابتدائهم المسلمين بالعدوان والقتال، وسعيهم لاستعمار بلاد المسلمين، ونهب خيراتهم، واجتهادهم في إخراج المسلمين من دينهم، واعتدائهم على حرمات السلمين وأعراضهم، بحيث تتضح صورة العدو في بصيرة المسلمين، ويتبلور ذوقهم على معاداتهم، وبغضهم!
(6) البشاشة في الوجه، والمبادرة بالتسليم، لأن إفشاء السلام يورث المحبة، ومقابلة الإخوان بوجه طلق من أفضل المعروف!
(7) الإهداء من غير تكلف، وقبول الهدية مهما كانت، وقبول الدعوى، والتهنئة في المناسبات: في الأعياد، والأعراس، والقدوم من السفر، والقيام من مرض وغيره. وكذلك المشاطرة والمواساة في الأتراح، والتعزية في الموتى، وتشييع الجنائز!
(8) المدافعة عن عرض الإخوان بظهر الغيب، وإسكات من يغتابهم، أو يعتدي عليهم بقذف أو بهتان، فإن لم يستطع الإسكات، فليقم، فليترك مجالسهم حتى يخوضوا في حديث غيره.
(9) الامتناع عن سب المسلم، أو ذمه، لا سيما إذا كان هذا دفاعاً عن منافق، أو كافر. دليل ذلك ما رواه الإمام مسلم في صحيحه أن أبا سفيان مر على سلمان وصهيب وبلال في نفر من الصحابة، فقالوا: (ما أخذت سيوف الله من عنق عدو الله مأخذها!) فأنكر عليهم أبو بكر قائلاً: (أتقولون هذا لشيخ قريش، وسيدهم؟!). ثم أتى رسول الله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فأخبره، فقال: «يا أبا بكر! لعلك أغضبتهم؟! لئن كنت أغضبتهم، لقد أغضبت ربك!». فأتاهم أبو بكر فقال: (يا إخوتاه! أغضبتكم؟!) قالوا: (لا، يغفر الله لك، يا أخي!). وذلك لأنهم إنما قالوا ما قالوه تولياً لله ورسوله، ومعاداة لأعدائه، وليس لحظ النفس أو شهوة الانتقام، شهد بذلك خاتمة أنبياء الله، عليه وعلى آله صلوات وتسليمات وتبريكات من الله!
فكيف يكون حال وسائل الإعلام، التابعة للأنظمة المتسلطة على رقاب المسلمين هذه الأيام، التي تمدح الكفار والمرتدين والمنافقين، والفسقة، والزناة، واللوطيين، والمأبونين، والقوّادين، ليل نهار، وتسخر من المؤمنين وتسبهم وتصفهم بأقذع النعوت من: التطرف، والإرهاب، والجمود، والتخلف، والظلامية؟! أليس هؤلاء قد عظموا بذلك الكافرين، وعادوا المؤمنين، وأغضبوا رب العالمين؟!
(10) إقالة العثرات، والعفو عن الهفوات. ذلك أن الهفوة والزلة قد تكون:
(أ) تقصيراً في حقك، فالأولى والأفضل والأعلى درجة: المغفرة والصفح، وترك المعاملة بالمثل، وإحسان الظن، والتماس العذر. وإن كان لا بد من القصاص، فالعدل، العدل!
(ب) خللاً في دينه بمعصية الله، بفعل محرم، أو ترك واجب. فإن كان قد ندم عليها، وتاب، وأقلع فالواجب الصفح والعفو.
ولكن ما العمل إذا كان مقيماً على الذنب متلبساً به؟! لقد اختلف الصحابة، والتابعون من بعدهم في معاملة أهل المعاصي والبدع، فمنهم من رأى المقاطعة والهجر، بل والمعاداة، ومنهم من لم يرها.
والصحيح أن الأخوة، ومن ثم الموالاة ثبتت بعقد الإسلام، وتبقى حتى بعد الاقتتال والبغي، بالدليل القاطع: }وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما، فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله، فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا! إن الله يحب المقسطين v إنما المؤمنون إخوة، فأصلحوا بين أخويكم! واتقوا الله لعلكم ترحمون{، فلا تنقطع إلا بالكفر. أما الهجر، كما حصل للثلاثة الذين خلفوا، فهو عقوبة شرعية محددة على جريمة معينة، فلا يقاس عليها! ورسول الله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، لم يطبقها على خوالف المنافقين الكاذبين، أعداء الله ورسوله، وطبقها على ثلاثة من خيرة المسلمين، فما هي علة القياس ها هنا، إن كان حقاً، يا أولي الألباب!
وكذلك ذم صحبة الفاسقين، وتشديد النصوص الشرعية على من كان «قعيدهم»، و«جليسهم»، و«خليطهم» لا يقتضي، بالضرورة، الهجر، ولا المعاداة، ولا يتناقض مع المبادرة بالسلام، والمقابلة بوجه طلق، وقتال العدو ــ أي الكفار ــ تحت راية واحدة! فالأمر ليس كما يظن أهل الغلو: إما مخالطة تامة، ورضى بالفعل، بحيث يكون الإنسان «قعيداً»، و«خليطاً»، و«جليساً» للفساق، وإما هجر تام، وامتناع عن إلقاء السلام! سبحان الله! فأين المرتبة المتوسطة: إظهار السخط على المعصية، ونقدها، واجتناب المخالطة التامة، والصداقة الحميمة، فلا يكون الإنسان له «قعيداً»، أو «جليساً»، أو «خليطاً»، لا سيما في حالة مباشرة المعصية، مع مواصلة الأخ العاصي، والتلطف معه، والسلام عليه، والدعاء له، بالهداية والتوبة، في حضوره، وغيبته، وزيارتة في مرضه، وتهنئته في مناسباته، وتشييع جنازته، ونصرته على عدوه، ... إلخ؟!
(11) الدعاء للإخوان في حياتهم بالنصر والتمكين، وبعد مماتهم بالمغفرة والرضوان، فقد ورد في الحديث الصحيح: «ما من عبد مسلم يدعو لأخيه بظهر الغيب إلا قال الملَك: ولك، بمثل». ولا يجوز أن يعجز عن هذه المرتبة مسلم، ولا أحسب أن في قلب من قصر عنها، عمداً، مثقال حبة خردل من إيمان، أو إسلام، أو توحيد!
فكيف يكون حال الدولة «السعودية»، التي سماها كبير كهنتها ابن باز :(دولة مباركة نصر الله بها الحق وأهله)، التي حرمت على أئمة المساجد الدعاء للمجاهدين الشيشان، أو القنوت لهم، إلا بعد استحصال إذن «ولي الأمر»، (وهو إذن ما صدر ولن يصدر أبداً!)؟!
صدر هذا في تعميم رسمي من وزير أوقافهم «الشيخ» صالح بن عبد العزيز بن محمد آل الشيخ جاء فيه نصاً: [فقد بلغنا قيام بعض أئمة المساجد بالقنوت للمسلمين الشيشان، وحيث أن هذا يتطلب إذن ولي الأمر. فاعتمدوا إبلاغ الأئمة بالامتناع عن ذلك. والرفع لنا عمن لا يلتزم به]. صالح هذا هو حفيد مؤسس الدعوة الوهابية الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب. ووالله الذي لا إله إلا هو ما هو بصالح، بل هو «طالح». والرجل قد طلب من العلم الشرعي ما يجعله يعلم علم يقين أن دعاء المؤمنين بعضهم لبعض بظهر الغيب لا يحتاج إلى إذن نبي مرسل، ولا ملك مقرب. وحري به أن يعلم أن «ولي أمره» فهد بن عبد العزيز آل سعود، المنافق القذر السافل، الأشيمط الزاني بمحارمه، ما هو إلا «ولي للشيطان» بتوليه الكفار، وتبديله الشرائع، وحكمه بالكفر، وأكله الربا جهاراً، وعهره ودنسه وفسقه، وأن حقه أن يقتاد ذليلاً مهاناً إلى «محكمة المظالم»، فتحكم بخيانته وردته، واستحقاقه أن تضرب عنقه، لا أن يطاع أمره. ولكن «الشيخ» صالح يفتري على الله الكذب، فتعساً له، وأولى له!
(12) المداومة على المحبة والموالاة حتى الموت، وذلك لأنها عبادة يتقرب بها العبد إلى الله رب العالمين، وليس للعبادة أجل دون الموت، قال تعالى: }واعبد ربك حتى يأتيك اليقين{!

أبو عمر المنصور
19-04-2011, 07:06 PM
فصل: حقيقة «موالاة الكفار» وماهيتها
المُوَالاة: مصدر من (وَالَى)، على وزن فَاعل، يوالي، موالاة. والولاء هو الدنو والقرب. والموالاة، لكونها على وزن مُفَاعَلَة، تتضمن معاني المبادلة والمقابلة: هذا يتخذا ذاك ولياً. وذاك يبادله الفعل فيتخذه ولياً. فـ«الموالاة» هي «اتِّخَاذ الوَلِيّ».
والأصل الثلاثي لـ«الموالاة» هو: (و ل ي)، والمصدر هو: «الوَلْي»، بسكون اللام، ويعني القرب والدنو. و«الوَلِي» هو القريب، حسياً أو معنوياً، في قرابة النسب مثلاً، و«الأولى» الأقرب، حسياً أو معنوياً، كما هو في حديث المواريث: «ألحقوا الفرائض بأهلها، فما أبقت الفرائض فلأولى رجل ذكر»، أو كما قال، عليه وعلى آله الصلاة والسلام، أي لأقرب الذكور إلى الميت، نسباً أو بولاء عتق أو نحوه.
إلا أن العرب كانت تستخدم، عادة، لفظة «قريب»، أو «ذو قربى»، لقرابة النسب، وقلَّ أن تستخدم لفظة «ولِي» في ذلك، ثم كادت أن تقصر لفظة «ولِي» علي قرابة «الحلف». وكان الحلف يعقد للحماية المتبادلة والنصرة، فيصبح الحليف قريباً ممن حالفه قرابة كقرابة النسب، بكل ما لتلك القرابة في المجتمع القبلي من ميزات تشمل عادة التوارث، والنصرة بدون قيد أو شرط، ظالماً أو مظلوماً، على طريقة أهل الجاهلية، بل وحمل اسم القبيلة: فهذا زهري نسباً، وذاك زهري ولاءً. فالموالاة في جوهرها إذا «انتماء» وقرابة كقرابة النسب.
هذه «الموالاة» أو هذا «الحلف» له جانب «دستوري» مهم قد لا يلاحظه كثير من الناس، وهو أنه يتضمن كل المعاني التي تشملها مفاهيم: «حمل التابعية» أو «المواطنة» في العصر الحديث. وذلك لأن القبائل العربية كانت بمثابة دول: كل قبيلة بمثابة دولة.
وما قد يظهر أن «الحلف» أو «الموالاة» تتضمن أمواً إضافية كالتوارث في أحوال مخصوصة، فهو من ثم أقوى من «حمل التابعية» أو «المواطنة» في العصر الحديث، هو في الحقيقة مظهر لكون الدولة في الأصل قبيلة تقوم على النسب، وليست كالدولة الحديثة التي لا تقوم على قبيلة واحدة أو شعب من عنصر واحد محض، فما ثمة زيادة حقيقية، وإنما كان ذلك نتيجة حتمية لطبيعة تلك الدول بوصفها دولة تتكون من قبيلة واحدة فقط، وتقوم أصلاً على قرابة النسب، ثم وسَّعت تابعياتها فأدخلت فيها الحلفاء والموالي.
فـ«الحلف» أو «الموالاة» إذا تتضمن معاني «حمل التابعية» أو «المواطنة» في دول العصر الحديث، بل لعلها هي بعينها.
هذا العرف المطرد المستقر جعل معانى النصرة والحلف والانتماء والإعانة والمعونة والتأييد جزءً جوهريا لبعض ما تدل عليه لفظة «ولِي»، حتى كأنه نقل إليها، وكاد المعنى الأصلي، وهو «القرب» و«الدنو»، أن يتراجع إلى الوراء وينسى، فأصبحت «الموالاة» مرادفة لـ«المحالفة» و«المناصرة»، أو كادت. وعلى هذا نزل القرآن فأقر الاصطلاح العرفي في جوهره، وأضاف اليه معاني وقيود شرعية، كما هو بما لا مزيد عليه في كتابنا: (الموالاة والمعاداة)، والحمد لله رب العالمين.
و«المَوْلَى»، على وزن مَفْعَل، تستخدم مرادفاً ترادفاً تامَّآ للفظة: «الوَلِي»، بل لعلها الأكثر انتشاراً لسهولتها على اللسان في مقابل ثقل الياء المشددة في لفظة «الوَلِي»، فتجد الناس تقول عن الرجل: (مولى آل فلان)، ولا تكاد تسمع: (ولَِي آل فلان)!
ومن أسماء الله الحسنى: «الولِي» بمعنى «الناصر» في المقام الأول، ولكنها تتضمن معنى «القريب» أيضاً، وكلاهما، أي «الناصر»، «القريب» من الأسماء الإلاهية الحسنى أيضاً.
و(التَوَلِّي)، على وزن تَفَعُّل، وهو من صيغ المبالغة، وهي صيغة مبالغة للفعل الثلاثي: «وَلِيَ»، بمعني (اقترب من) أو (دنا من)، وتعني الاستغراق في «التقرب»، والمبالغة فيه. أي بلفظ آخر: اتخاذ «الولي»، فقولك: (تولَّى زيد عمراً) يعني بالضبط: (اتخذ زيد عمراً ولياً)، وهذا هو استخدام القرآن، من غير زيادة ولا نقصان. وإذا تولى عمرو زيداً أيضاً، كما هو في الأحوال العادية، صار بين الإثنين «موالاة»، أي حلف وانتماء وتناصر. فـ(الموالاة) إذاً هي تبادل (التَوَلِّي): زيد يتولَّى عمراً، أي يتخذه ولياً، وعمرو يتولَّى زيداً.
فليس (التَوَلِّي)، على وزن تَفَعُّل، مبالغة من (والى)، فلا تعني إذاً: (الاستغراق في «الموالاة»، والمبالغة فيها) أو (الاستغراق والإنقطاع التام في نصرة الولي، ومحالفته، وإعانته، ودعمه، وتأييده»، وتقريبه) أو هي: (الموالاة المطلقة العامة)، فليس «التولي» إذاً هو أعلى مراتب «الموالاة»، كما زعم، ويزعم، رجالات الدعوة «الوهابية»، ففرقوا تبعاً لذلك بين (الموالاة) المحرمة فقط، وبين (التَوَلِّي) المكفِّر المخرج من الملة.
هذه «الموالاة» أو هذا «الحلف» له جانب «دستوري» مهم قد لا يلاحظه كثير من الناس، وهو أنه يتضمن كل المعاني التي تشملها مفاهيم: «حمل التابعية» أو «المواطنة» في العصر الحديث. وذلك لأن القبائل العربية كانت بمثابة دول: كل قبيلة بمثابة دولة، وتحالفات القبائل بمثابة اتحاد فيدرالي أو كونفيدرالي. فـ«الحلف» أو «الموالاة» إذا تتضمن معاني «حمل التابعية» أو «المواطنة» في دول العصر الحديث، بل لعلها هي بعينها.
هذا العرف المطرد المستقر جعل معانى النصرة والحلف والانتماء والإعانة والمعونة والتأييد جزءً جوهريا لبعض ما تدل عليه لفظة «ولِي»، حتى كأنه نقل إليها، وكاد المعنى الأصلي، وهو «القرب» و«الدنو»، أن يتراجع إلى الوراء وينسى، فأصبحت «الموالاة» مرادفة لـ«المحالفة» و«المناصرة»، أو كادت. وعلى هذا نزل القرآن فأقر الاصطلاح العرفي في جوهره، وأضاف اليه معاني وقيود شرعية. هذا بحث في غاية الأهمية، ولكنه معقد لتعلقه بدقائق الفقه، وهو أيضاً طويل جداً، فلابد من الإحالة إلى كتابنا: (الموالاة والمعاداة)، حيث تجده مفصلاً في موضعه هناك.
و«المعاداة» هي الضد التام لـ«الموالاة»: والولاء ضد العداء. والولاية ضد العداوة. والوَلِيّ ضد العدو. والموالاة تدور حول معاني: الحلف، والنصرة، والمتابعة، والدعم، والتأييد، والقرابة، و«المعاداة» هي ضدها التام، وليس مجرد عدم وجودها، فمن وقف على «الحياد»، أي المحايد، ليس ولياً، ولا هو عدواً، أي لا يرد في حقه المعاملة كالعدو ولا المعاملة كالولي. فمن وقف على «الحياد»، أي المحايد، ليس ولياً، ولا هو عدواً، أي لا يرد في حقه المعاملة كالعدو ولا المعاملة كالولي. فالعلاقة بين الموالاة والمعاداة هي علاقة تضاد تام، والضدان محال أن يجتمعا، ولكنهما قبد يرتفعا، وذلك في حالة «الحياد»، لا موالاة ولا معاداة. وليس العلاقة بينهما علاقة تناقض لأن النقيضين لا يجتمعان أبداً، ولا يرتفعان مطلقاً.
يقول الإمام أبو محمد علي بن حزم، رضي الله عنه، في «المحلَّى» على وجه التلخيص، بعد نقاش طويل، واستعراض لكافة الأدلة: [من لحق بدار الكفر والحرب مختاراً محارباً لمن يليه من المسلمين: فهو بهذا الفعل مرتد، له أحكام المرتد كلها: من وجوب القتل عليه متى قدر عليه، ومن إباحة ماله، وانفساخ نكاحه، وغير ذلك.
وأما من فر إلى أرض الحرب لظلم خافه، ولم يحارب المسلمين، ولا أعان عليهم، ولم يجد من المسلمين من يجيره، فهذا لا شيء عليه، لأنه مضطر مكره.
أما من كان محارباً للمسلمين، معيناً للكفار بخدمة أو كتابة فهو كافر.
وإن كان إنما يقيم هنالك لدنيا يصيبها، وهو كالذمي لهم، وهو قادر على اللحاق بجمهرة المسلمين وأرضهم، فما يبعد عن الكفر، وما نرى له عذراً، ونسأل الله العافية]. ثم يقول الإمام أبو محمد علي بن حزم، رضي الله عنه: (ولو أن كافراً مجاهداً [يعني: مقاتلاً] غلب على دار من دور الإسلام، وأقر المسلمين بها على حالهم، إلا أنه هو المالك لها، المنفرد بنفسه في ضبطها، وهو معلن بغير دين الإسلام: لكفر معه كل من عاونه، وأقام معه، وإن ادعى أنه مسلم ــ لما ذكرنا]، انتهى، فراجعه هناك فإنه قيم جداً!
إلا أننا نسارع بالتنبه على أن قول الإمام أبي محمد علي بن حزم، رضي الله عنه: (من وجوب القتل عليه متى قدر عليه) غير صحيح، بل الصحيح هو: (من جواز قتله متى قدر عليه، ولم يكن قد تاب قبل أن يقدر عليه) كما هو حال جميع أهل المحاربة بموجب آية (المحاربة) من سورة المائدة، وببيان النبي، عليه وعلى آله الصلاة والسلام، ذلك بفعله في قصة عبد الله بن سعد بن أبي سرح.

أبو عمر المنصور
19-04-2011, 07:08 PM
فصل: الحرمة القاطعة لـ }اتخاذ الكافرين أولياء من دون المؤمنين{
v قال الرب، جل جلاله، وتقدست أسماؤه: }لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين، ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء، إلا أن تتقوا منهم تقاة ، ويحذركم الله نفسه، وإلى الله المصير{، (آل عمران؛ 3:28). قوله: }ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء{، يعني انقطاع صلته بالله كلية، وهذا لا يكون إلا لمن خرج من الإسلام، وارتد عنه، ودخل في الكفر، أما الفاسق الملَّي فله بالله بقية صلة، لوجود أصل الإيمان، واسم الإسلام:
ــ كما قال الإمام الكبير أبو جعفر محمد بن جرير الطبرى، رضي الله عنه، في تفسيره لهذه الآية: [وهذا نهي من اللّه عز وجل للمؤمنين عن أن يتخذوا الكفار أعوانًا وأنصارًا وظهورًا، ولذلك كسر يتخذ لأنه في موضع جزم بالنهي، ولكنه كسر الذال معه للساكن الذي لقيه ساكن. ومعنى ذلك: لا تتخذوا أيها المؤمنون الكفار ظهرًا وأنصارًا توالونهم على دينهم، وتظاهرونهم على المسلمين من دون المؤمنين وتدلونهم على عوراتهم، فإنه من يفعل ذلك فليس من اللّه في شيء، يعني بذلك فقد برئ من اللّه، واللّه برئ منه بارتداده عن دينه ودخوله في الكفر. }إلاّ أن تتقوا منهم تقاة{، إلاّ أن تكونوا في سلطانهم فتخافوهم على أنفسكم، فتظهروا لهم الولاية بألسنتكم وتضمروا لهم العداوة، ولا تشايعوهم علي ما هم عليه من الكفر، ولا تعينوهم على مسلم بفعل]، انتهى كلام الإمام الطبري، رحمه الله. قلت: سنتكلم عن «التقاة» فيما بعد، إن شاء الله.
ــ وقال الإمام ابن جرير الطبري، رحمه الله، في موضع آخر: [من اتخذ الكفار أعواناً وأنصاراً وظهوراً يواليهم على دينهم ويظاهرهم على المسلمين فليس من الله في شيء، أي قد برئ من الله وبرئ الله منه بارتداده عن دينه ودخوله في الكفر]، ثم قال: [ومن تولى اليهود والنصارى من دون المؤمنين فإنه منهم، أي من أهل دينهم وملتهم. فإنه لا يتولى متولٍ أحداً إلا وهو به وبدينه وما هو عليه راض، وإذا رضيه ورضي دينه فقد عادى ما خالفه وسخطه، وصار حكمه حكمه].
ــ ويقول الإمام أبو محمد علي بن حزم، رضي الله عنه، في «المحلَّى» على وجه التلخيص، بعد نقاش طويل، واستعراض لكافة الأدلة: [من لحق بدار الكفر والحرب مختاراً محارباً لمن يليه من المسلمين: فهو بهذا الفعل مرتد، له أحكام المرتد كلها: من وجوب القتل عليه متى قدر عليه، ومن إباحة ماله، وانفساخ نكاحه، وغير ذلك.
وأما من فر إلى أرض الحرب لظلم خافه، ولم يحارب المسلمين، ولا أعان عليهم، ولم يجد من المسلمين من يجيره، فهذا لا شيء عليه، لأنه مضطر مكره.
أما من كان محارباً للمسلمين، معيناً للكفار بخدمة أو كتابة فهو كافر.
وإن كان إنما يقيم هنالك لدنيا يصيبها، وهو كالذمي لهم، وهو قادر على اللحاق بجمهرة المسلمين وأرضهم، فما يبعد عن الكفر، وما نرى له عذراً، ونسأل الله العافية.) ثم يقول: (ولو أن كافراً مجاهداً [يعني: مقاتلاً] غلب على دار من دور الإسلام، وأقر المسلمين بها على حالهم، إلا أنه هو المالك لها، المنفرد بنفسه في ضبطها، وهو معلن بغير دين الإسلام: لكفر معه كل من عاونه، وأقام معه، وإن ادعى أنه مسلم ــ لما ذكرنا]، انتهى، فراجعه هناك فإنه قيم!
ــ وقال الإمام الحجة ابن حزم رحمه الله: [صح أن قوله: }ومن يتولهم منكم فإنه منهم{، إنما هو على ظاهره، بأنه كافر من جملة الكفار، وهذا حق لا يختلف فيه اثنان من المسلمين]، قلت: أبو محمد من أهل الاستقراء لمسائل الإجماع، وله مصنف قيم في هذا، وهو متشدد في دعوى الإجماع، فقوله: (وهذا حق لا يختلف فيه اثنان من المسلمين) نص صريح في أنه إجماع يقيني لكافة الأمة.
أما «موالاة الكفار»، أي }اتخاذ الكافرين أولياء من دون المؤمنين{، فهي، حصراً:
(1) التحالف مع الكفار الحربيين ضد المسلمين، أو نصرة الكفار الحربيين على المسلمين بقول أو فعل (بما في ذلك الفتيا، والخطابة، والدعاية، والشعر، والغناء، والموسيقى، والتمثيليات أو المسرحيات، والمشورة، وكافة أنواع النصرة والتأييد والمعونة)، وأشد ذلك، وأفظعه: القتال تحت راية الكفار الحربيين ضد المسلمين، أو القتال مع الكفار الحربيين ضد المسلمين؛
(2) إفشاء أسرار المسلمين العسكرية والأمنية إلى الكفار، حربيين كانوا أو غير حربيين، وما كان في حكم ذلك؛
(3) أو ما هو شر من إفشاء أسرار المسلمين العسكرية والأمنية إلى الكفار: كتحريضهم وحثهم على حرب المسلمبن، أو إعانتهم على التحضير أو الاستنفار أو الإعداد لحرب المسلمين.
فهي حصرا متعلقة بنصرة الكفار الحربيين ضد المسلمين، أو نصرة الكفار في ما هو من لوازم الإعداد للحرب، حتى ولو كان هذا قبل وقوعها: من تجسس وإفشاء للأسرار العسكرية والأمنية، والتحريض على الحرب والتحريش لها، والإعانة في كل ما هو لازم للإعداد للحرب، ونحوه.
ودليل الحصر هو الذكر المنزل المحفوظ المعصوم، كما هو في صدر سورة الممتحنة:
v حيث قال الرب، جل جلاله، وتباركت أسماؤه: }يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَاداً فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ v إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ v لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ v قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ v رَبَّنَا لا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ v لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ v عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ v لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ v إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ{، (الممتحنة؛ 60:1-8).
نعم، وايم الله: في هذه الآيات المحكمات فصل الخطاب، من عند رب الأرباب، إذ هي تتضمن قسمة حاصرة لجميع الكفار إلى صنفين:
الصنف الأول: المحاربون: وهم كل من قاتالنا في الدين، أو أخرجنا من ديارنا، أو ظاهر على إخراجنا، مثل قريش على زمن نبي الله، عليه وعلى آله صلوات وتسلينات وتبريكات من الله، ومثل الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل والهند في وقتنا الحاضر. وفي هؤلاء وأمثالهم، فقط لا غير، حصر النهي والتحريم لـ«الموالاة»، لأن قوله، جل وعز: }إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ{ من صيغ الحصر، ومن فعل ذلك فهو من الظالمين. وظلمه هذا ظلم أكبر، أي ظلم الكفر، كما تبينه الآيات الأخرى في الكتاب العزيز، وكما هو مفصل في كتابنا: (الموالاة والمعاداة).
الصنف الثاني: المسالمون: وهم كل من ليس بحربي، أي كل كافر لا يندرج تحت الصنف الأول، وهم أنواع:
(1) ذميون: أهل ذمة الله وذمة رسوله، وهؤلاء عادة وفي الأصل من المواطنين المقيمين في دار الإسلام، الحاملين للتابعية الإسلامية، ومن كان في حكمهم. وهؤلاء هم الأقرب والأكثر حقوقاً عند الدولة الإسلامية، وعند المسلمين، بل هم «أمة» أو «أمم» مع المسلمين، كما عبرت عنه صحيفة المدينة بأنهم «أمة» مع المؤمنين.بل لهم من الحقوق على الدولة الإسلامية ما لا يتمتع به المسلمون من غير حملة التابعية الإسلامية، المقيمين إقامة دائمية في دار الكفر.
(2) معاهدون: أهل العهود والميثاق، كمواثيق حسن الجوار، وعدم الاعتداء، والتبادل التجاري والفني، وغير ذلك.
(3) الموادعون: من لم يكن بينهم وبين المسلمين حرب قط، ومع ذلك لم يتم أي تعاقد أو ميثاق. وذلك كحال الحبشة على زمان النبي، عليه وعلى آله الصلاة والسلام، ولقرون تالية بعد ذلك. وحال الدول المحايدة مثل السويد في العصر الحاضر، وأكثر دول أفريقيا التي نشأت البارحة، وأكثر دول أمريكا الجنوبية، إلا من اشترك في العدوان الدولي على العراق أو أفغانستان. فهذا يكون عادة في الأقطار البعيدة عن دار الإسلام، أو البعيدة عن بلاد المسلمين.
(4) المهادنون: وهم الذين كانوا البارحة محاربين، ثم تم التعاقد معهم فقط على وقف إطلاق النار، أي على وقف القتال، وما يتعلق به، كحال قريش في هدنة الحديبية بعد انعقادها، وحتى لحظة انتقاضها.
فهؤلاء «المسالمون» لم يرد نهي عن البر بهم والإقساط إليهم:
الإقساط: وهو مصدر من لفظة «أقسط» أي تعدى على غيره بالقسط، وهو العدل، أي عامل بالعدل. فهو المعاملة بالعدل والقسط. ولما كانت جميع النصوص تنص قطعاً على وجوب العدل، وتحريم الظلم، وتغليظ القول فيه، وتشديد الوعيد عليه، صار هذا النص دليلاً على وجوب المعاملة بالعدل والقسط، بلا محاباة أو هوادة، وليس على مجرد الرخصة في ذلك، كما قد يتوهم من فسد ذوقه الشرعي، أو ضعف فهمه لطرائق العرب في كلامها، ولم يجمع جميع نصوص الباب فيمضيها على عمومها وإطلاقها فلا يخصصها أو يقيدها إلا ببرهان منها.
أما البر: فهو بمعناه العام: كل إحسان. والبر هو الضد التام للفجور والإثم، بنص كلام الله، جل جلاله: }إن الأبرار لفي نعيم v وإن الفجار لفي جحيم{، وبنص كلام نبيه الخاتم: «البر حسن الخلق، والإثم ما حاك في صدرك، ..الحديث»، وفي صحيفة المدينة مكررا بكثرة: «وأن البر دون الإثم»، وغيرها كثير متواتر.
أما الإحسان الواجب، وهو العدل، فقد مضى، وهو فريضة لا تنازل عنها، ولا محيص منها، فبقي كل إحسان مستحب زائد على مجرد العدل. فالترخيص بالإحسان يعني ها هنا ضرورة استحبابه، والإثابة عليه. وفاعل البر مثاب، لأن البر مندوب إليه أو واجب، وكل ذلك محل الثناء والمثوبة من الله، جل جلاله. لا فرق بين بر لمسلم، أو كافر، ولا فرق بين رفق بإنسان أو دابة، ما دام براً، وقد سمَّاه الله براً، ومن أصدق من الله قيلاً؟!
و«موالاة الكفار» بالمعنى المحدد أعلاه كفر وردة، وليس مجرد جريمة شنعاء، وكبيرة من كبائر الذنوب، كما هو ظاهر النصوص، وكما أوضحه الإمامان أبو جعفر محمد بن جرير الطبري، وأبو محمد علي بن حزم الأندلسي، وكلاهما مجتهد مطلق، وكلاهما ثقة متثبت متقن حجة، وقد خالف البعض في ذلك بما لا يعتد به من الشبهات التي أشبعناها بحثاً وإبطالاً في رسالتنا: (الموالاة والمعاداة)، وفيها أيضاً البرهان المفصل على أن «موالاة الكفار» أي }اتخاذ الكافرين أولياء من دون المؤمنين{، المحرمة، إنما هي ما ذكرناه حصراً أعلاه، لا غير.
أما «تولي الكفار»، أو بلفظ آخر «الموالاة المطلقة العامة للكفار»، فهي تستلزم أعلى درجات نصرتهم، والدفاع عنهم، وإعانتهم بالمال، والنفس، والرأي. وهذا يقتضي بالضرورة الشك في صدق الإسلام، أو جحوده، أو بغضه، أو احتقاره والسخرية منه، أو نبذه والإعراض عنه إعراضاً كلياً، أو عدم المبالاة به، بحيث لا يعتد به، ولا يقام له وزن، وكل ذلك كفر صريح يخرج من الملة الإسلامية، لا محالة، فلا يجوز أن يكون في ذلك خلاف، بل هو إجماع يقيني لأهل الإسلام.

أبو عمر المنصور
19-04-2011, 07:09 PM
فصل: أمور أدخلت خطأً في «موالاة الكفار»، وليست هي منها.
لما كانت «ولاية الله» تقوم ضرورة على «المحبة» و«التعظيم»، لأنه «تقرب» و«تودد» و«تذلل» محض من جانب العبد تجاه الرب، جل جلاله، و«تقرب»، و«تودد»، و«رضوان،» و«نصرة» و«إعانة» و«تأييد» من الرب تجاه العبد، وليس بين العباد والرب وراء ذلك نسب أو قرابة، لما كان الأمر كذلك فقد زلت القدم ببعض الباحثين فظن أن مفهوم «الموالاة» يتضمن ضرورة مفاهيم «المحبة» و«الاحترام»، وهو ليس كذلك، ثم طبقوا ذلك على «الموالاة» بين العبد والعبد، غافلين عن الفرق الجوهري المطلق بين علاقات العبد بالعبد، وعلاقة العبد بالرب، فترتب على ذلك تقاسيم عجيبة، ما أنزل الله بها من سلطان، وإدخال أمور في «موالاة الكفار» وهي ليست منها لا في صدر ولا ورد.
v قال الإمام ابن تيمية في «مجموع الفتاوى»، (ج: 11 ص: 160): [والولاية ضد العداوة، وأصل الولاية المحبة والقرب، وأصل العداوة البغض والبعد. وقد قيل أن الولى سمى وليا من موالاته للطاعات اى متابعته لها، والأول اصح. والولى القريب، فيقال هذا يلى هذا أى يقرب منه ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: «ألحقوا الفرائض بأهلها فما ابقت الفرائض فلأولى رجل ذكر»، أى لأقرب رجل إلى الميت]، وجاء هذا بنحوه في «الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان».
قلت: قوله: (أصل الولاية المحبة والقرب) كلام غامض: فإن كان المقصود منشؤها فهو صحيح، وإن كان المقصود جوهر معناها وحقيقة ماهيتها فهو ليس بصحيح، وهذا الثاني هو، للأسف، مقصود الشيخ الإمام كما يترجح من النص التالي:
v كما هو في «مجموع الفتاوى»، (ج: 5 ص: 510): [وذلك ان العبد يصير محيا لما أحب الرب مبغضا لما ابغض مواليا لمن يوالى معاديا لمن يعادى فيتحد مراده مع المراد المأمور به الذى يحبه الله ويرضاه وهذا مما يدخل فى موالاة العبد لربه وموالاة الرب لعبده فان الولاية ضد العداوة، والولاية تتضمن المحبة والموافقة، والعداوة تتضمن البغض والمخالفة]، انتهى كلام الإمام.
قلت: هذا خطأ صريح فالولاية تنشأ عادة من المحبة والموافقة، وتقوم عليهما، ولكنها مفهوم مغاير لهما، وقد أسلفنا شرحها كما هي في اللسان العربي. أما شرعاً فالمؤمن يتولى المؤمن محبة لله، وتعظيما لأمر الله، حتى لو كان يبغضه لشحناء دنيوية، أو لا يحترمه لعيوب في شخصيته، وحتى لو كانت بينهم مقاتلة وبغي: فموالاة المؤمن للمؤمن تقوم على محبته لله، وتعظيمه لأمر الله، وهما منشؤها، ولكنها ليست عين ذلك، بل هي شيء مختلف. وليس هذا تحذلقاً أو تقعراً، بل هو دقة واجبة في المفاهيم يترتب على إهماله أخطاء فادحة، بل مهلكة قاتلة، وانحرافات جسيمة، كما سنبينه بعد قليل.
v وتتكرر الأخطاء نفسها، بل تتضخم وتستفحل، كالعادة المؤسفة، في كتابات أئمة الدعوة الوهابية من أمثال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن آل الشيخ، حيث يقول في «الرسائل والمسائل النجدية»، (ج 3 ص 290): [وأصل الموالاة الحب، وأصل المعاداة البغض، وينشأ عنهما من أعمال القلوب والجوارح ما يدخل في حقيقة الموالاة والمعاداة، كالنصرة والأنس والمعاونة، وكالجهاد والهجرة]، فها هنا نقل الشيخ عبد اللطيف كلام الإمام ابن تيمية المتعلق أساساً بـ«ولاية الله» وطبقه على «موالاة المؤمنين»، و«معاداة الكافرين»، فجعل الأصل فرعاً، والفرع أصلاً، فلا عجب أن تنشأ تقاسيم وتفريعات مدهشة، لا خطام لها ولا زمام، كما سيأتي قريباً.
v وفي رسالة الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب: «أوثق عرى الإيمان» زلَّت بالشيخ الإمام القدم فذكر بعض «صور الموالاة» الخاطئة، سنذكرها قريباً.
وقد أخطأ أقوام آخرون تبعاً لذلك فأدخلوا في «الموالاة» ما ليس منها مما سبب خلطاً قبيحاً في الأحكام، وتشويشاً جسيماً في المفاهيم. فمن ذلك ما ذهب إليه الدكتور محمد بن سعيد القحطاني في كتابه: «الولاء والبرا في الإسلامء» حيث عرَّف الموالاة بأنها: (إصطلاحاً: هي النصرة والمحبة والإكرام والاحترام والكون مع المحبوبين ظاهراً وباطناً!)، فأدخل فيها: والمحبة والإكرام والاحترام،. كما أنه قلَّد الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب، من غير نقد ولا تفكير، في مجمل ما أورده في «أوثق عرى الإيمان».
ولم ينفرد الدكتور محمد بن سعيد القحطاني بتلك الأخطاء بل شاركه في أغلبها أكثر المؤلفين في هذا الباب مثل محماس الجلعود في كتابه: «الموالاة والمعاداة»، وإن كان هذا الكتاب الكبير أفضل من سابقه، وأحسن تقسيماً وتفريعاً، على الرغم من كثرة استطراداته.
وحاول الدكتورعبد الله بن إبراهيم الطريقي أن يسلك في كتيبه: «الولاء والعداء في علاقة المسلم بغير المسلم» مسلكاً وسطاً، إلا أنه لم ينجح لأنه لم يستطع إفلاتاً من إدخال «المحبة» في تعريف «الموالاة» حيث قال: (وخلاصة القول: إن الموالاة تعني: المحبة والنصرة والاتباع، وهي تشعر بالقرب والدنو من الشيء)، ولم يتخلص من التقاسيم العجيبة للإمام محمد بن عبد الوهاب، التي سنذكرها الآن، بل زاد في تفريعها، وأضاف إليها!
والآن إليك بعض «صور الموالاة» الخاطئة كما ذكرها الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب في «أوثق عرى الإيمان»:
ــ (الصورة الرابعة: مداهنتهم ومداراتهم) أهـ. وهذا خطأ مجرد، فوق كون المداهنة تختلف جذرياً عن المداراة، وكلاهما لا علاقة لهما بالنصرة أو القرب أو الحلف أو الإعانة، لا من قريب ولا من بعيد:
ــ «المداراة»، وتسمَّى أيضاً «المجاملة»، وربما قصرت لفظة «المجاملة» على أعلى درجات المداراة وحسن المعاملة، فهي، كما قال القرطبي تبعاً للقاضي عياض: (بذل الدنيا لصلاح الدنيا أو الدين أو لكليهما)، قلت: لعل الأدق أن يقال: (بذل الدنيا، وحظوظ النفس، لصلاح الدنيا أو الدين أو لكليهما)، وهي مباحة، وقد تكون في أحوال معينة مستحبة. ومن ذلك سهم «المؤلفة قلوبهم» يعطى للأقوياء من الكفار لاستمالتهم إلى الإسلام، وهذا للدين، أو لاكتفاء شرهم، ودفع خطرهم عن المسلمين، وهذا لمصلحة الدنيا والدين معاً. وعلى المستوى الفردي إعطاء المال، والمعاملة الحسنة لأفراد الكفار، لا سيما في دار الكفر، إما لاستمالة قلوبهم أو لتحسين صورة الإسلام والمسلمين في عيونهم أو لاكتفاء شرهم. وكل هذا حسن جميل.
ــ أما «المداهنة» فهي: (ترك الدين، أو بذل الدين لمصلحة الدنيا)، وهي محرمة قطعاً بموجب نصوص القرآن والسنة المتضافرة، لا فرق بين مداهنة مسلم فاسق، أو حاكم مسلم ظالم، أو مداهنة كافر، وإن كانت مداهنة الكافر أفظع من بعض الجوانب. ومن أمثلتها إقدام بعض رجال الأعمال من المسلمين على مجالسة نظرائهم من التجار الكفار على موائد تدار عليه الخمر، أو تحضرها الغانيات الكاسيات العاريات، حتى لو لم يشارك في شرب أو زنا، وذلك لمصلحة صفقة تجارية مثلاً. و«المداهنة» هذه مع حرمتها القطعية، كذلك ليست من باب «الموالاة» في صدر ولا ورد، وإن كانت نوعاً من النفاق العملي، لا سيما في مواجهة المسلم. والنفاق العملي يؤدي لفسق صاحبه، وربما إلى النفاق الاعتقادي، المخرج لصاحبه من الملة، المردي له في الدرك الأسفل من النار، والعياذ بالله تعالى.
وهي، أي المداهنة، علامة على ضعف الشخصية أو ذوبانها، وفقدان عزة المؤمن بدينه، وضعف توكله على ربه، وكل ذلك منكر شنيع إلا أنه ليس من باب «نصرة الكافر الحربي على المسلم أو إعانة الكافر في الإعداد لحرب المسلم»، ولا من جنسه، ولا علاقة له به.
ــ (الصورة الثامنة: استعمالهم في أمر من أمور المسلمين، أي أمر كان) أهـ. وهذا هكذا على إطلاقه خطأ محض، لأن الأصل هو جواز استخدام الكفار في شتى الأمور، وقد بوب الإمام البخاري في صحيحه لذلك فقال: (استئجار المشركين عند الضرورة، أو إذا لم يوجد أهل الإسلام، وعامل النبي، صلى الله عليه وسلم، يهود خيبر)، كما ذكر استئجار النبي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وأبي بكر لابن أبي أريقط، رجل من المشركين، دليلاً على الطريق في الهجرة. ونبادر فنقول أن تقييد الإمام البخاري ذلك بـ«الضرورة» غير مستقيم، ولا نعلم دليلاً عليه هكذا على عمومه، وقد قال الإمام ابن قدامه: (ويجوز أن يتولى الكافر ما كان قربة للمسلم كبناء المساجد والقناطر)، (المعني مع الشرح الكبير؛ 11/16). فاستخدام الكافر من قبل المسلم لا غبار عليه، حتى في القتال تحت الراية الإسلامية، كما مبرهن عليه في كتابنا: (الموالاة والمعاداة)، فالمسلم يكون حينئذ هو السيد المخدوم المنصور، والكافر هو الخادم الناصر. وإنما البلاء، كل البلاء في خدمة المسلم للكافر الحربي، وإعانته ونصرته، لا سيما في قتاله، أي قتال الكافر، للمسلمين، فيكون المسلم هو الخادم الناصر، والكافرالحربي هو السيد المخدوم المنصور ضد المسلمين: هذا هي «الموالاة» المهلكة المخرجة من الإسلام إلى الكفر، المفضية إلى اللعنة السرمدية، المردية في نار جهنم الأبدية، عياذاً بالله.
ــ (الصورة العاشرة: مجالستهم، ومزاورتهم، والدخول عليهم) أهـ. وهذه زلة أخرى، بل هي أشنع من سابقتها: فالمسلم قد يتزوج النصرانية أو اليهودية ويحتاج لا محالة إلى مصاحبتها، ومصاحبة أهلها بالمعروف، بل بالإحسان، وهو مأمور بصلة الرحم خاصة والإحسان إلى بني البشر عامة، فكيق يتأتى هذا؟! على أن الإمام البخاري قد بوب لزيارة المريض المشرك فقال: (باب: عيادة المشرك) وذكر فيه عيادة النبي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، للغلام اليهودي، التي ترتب عليها الخير العظيم. وكذلك زيارة اليهوديات لعائشة، رضي الله عنها، في مناسبات كثيرة شتى، وذكر إحداهن لعذاب أو لفتنة القبر في الحديث المشهور ، ..إلخ، إلخ. هذه كلها مزاوراة ومجالسات ودخول عليهم، ودخولهم علينا. وقد ناقش الإمام ابن القيم شيئاً من هذا في «أحكام أهل الذمة».
ــ (الصورة الحادية عشر: البشاشة لهم، والطلاقة) أهـ. وهذه، والله، قاصمة الظهر:
أولا: هذه ليست صورة مستقلة، بل البشاشة والطلاقة نوع من أنواع المجاملة والمداراة، بل هي أيسرها على الإطلاق،
وثانياً: هذه المداراة اليسيرة، التي لا تغرم فاعلها مالاً، ولا تكلفه جهداً: هذه المجاملة مباحة، بل مستحبة، لما يترتب عليها من تأليف القلوب، وإزالة الوحشة، ومن ثم تبادل الحديث الطيب الذي يؤدي، لا محالة مهما طال الزمن، إلى ذكر الإسلام وأدلته ومحاسنه، ودعوة الكافر إليه، فيهدي به الله من يشاء من عباده: هذه هي الحنيفية السهلة السمحة التي بعث بها محمد بن عبد الله، رسول الله وخاتم النبيين، عليه وعلى آله صلوات وتسليمات وتبريكات من الله، وليست اليهودية المتشددة العنصرية المُفْرِطة الغالية المتجهمة، أو المسيحية البولصية المحرفة المتميِّعة المفَرِّطَة.
ــ (الصورة الثالثة عشر: استئمانهم وقد خونهم الله) أهـ. وهذا، وإن كان أكثره مذموماً محرماً، إلا أن المحرم منه لا يندرج تحت «الموالاة»، وإنما هو من باب «اتخاذ البطانة» الذي نهى الله عنه عندما قال: }يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالاً ودوا ما عنتم، قد بدت البغضاء من أفواههم، وما تخفي صدورهم أكبر، قد بينا لكم الآيات إن كنتم تعقلون{، (آل عمران؛ 3:118). نعم: هؤلاء، وأشباههم ممن دلت القرائن على بغضائهم وحقدهم، أو من عرفوا بنقض عهودهم ومواثيقهم، أو من استشعرنا منه أنه لا يألونا خبالاً، أو من }قد بدت البغضاء من أفواههم{، هم الذين خونهم الله. أما بقية المشركين فمنهم من هو ثقة مؤتمن، ومنهم من هو ملتزم بعهوده ومواثيقه. وها هو ابن أبي أريقط يدل النبي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، على طريق المدينة ليفلت من قريش، وقد كان، وايم الله، أميناًً أهلاً للثقة.
وعلى كل حال «البطانة» نتخذها نحن، وهم تحت سلطاننا، وهم الذين يبذلون الدعم والمعاونة لنا، أو يتظاهرون بذلك في الأقل، وليس بالعكس. أي أنهم هم الذين يخدموننا، وهم الذين تولَّونا، وتقدموا ببذل العون والنصرة والدعم لنا، ربما ضد إخوانهم في الدين أو بني جلدتهم، ولسنا نحن الذين توليناهم فأعناهم على المسلمين. فالنهي عن اتخاذ الحاقدين والخونة منهم، أو من هم مظنة ذلك منهم، «بطانة» موضوع مستقل تماماً عن موضوع «الموالاة»، بل لعله الصورة العكسية له: أي أنه نهي لنا عن قبول موالاتهم لنا ضد أقوامهم، وحث على عدم الاغترار بتقربهم، لا سيما إذا وجدت مظنة الخيانة منهم.
وعلى كل حال فإن وصف الكفار جميعاً بالخيانة والمنع من استئمانهم ظلم وجور، على ما فيه من مخالفة الشرع، ومكابرة المحسوسات والعقل، ولكن: قاتل الله الغلو، والحرص المرضي على الدين المفضي إلى الهوس، ثم الإضرار بالدين، والتنفير منه: (ودين الله وسط بين الجافي عنه، والغالي فيه).
ــ (الصورة السابعة عشر: مصاحبتهم ومعاشرتهم) أهـ. وقد سبق الكلام عن جواز المداراة، ووجوب مصاحبة الوالدين بالمعروف، واستحباب الإحسان، والمجالسة والمزاورة وعيادة المريض مما يبطل كون هذا النوع من المحرمات أصلاً، فضلاً عن كونه ليس من الموالاة في صدر ولا ورد.
هذا الذي سلف هو بعض ما ذكره الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب في «أوثق عرى الإيمان»، حيث زلَّت به القدم زلة شنعاء مهلكة.
وذكر قوم «التشبه بالكفار» في أنواع «الموالاة»، وزعموا نسبة ذلك إلى الإمام ابن تيمية. وهذا خطأ أيضاَ: فقول ابن تيمية هو: أن «التشبه بالكفار، وهو محرم لذاته بدلالة العشرات بل المئات من النصوص الشرعية، قد يتدرج بصاحبه إلى «الموالاة» المكفرة المهلكة، وليس هو بذاته من «الموالاة».
والصحيح أن «التشبه بالكفار» ظاهراً قد يفضي إلى الإعجاب بكفرهم باطناً، والرضى بباطلهم، أو النفور من الإسلام وأحكامه وكراهيتها، وهذا «كفر» محض كما هو، حتى ولو لم يتولهم، فإذا زاد على ذلك بأن تولاهم، أي نصرهم وأعانهم وتحالف معهم أو قاتل تحت رايتهم ضد المسلمين، أو حرضهم على قتال المسلمين، ونحوه، زاد في «الكفر»، الذي هو قد دخل فيه قبل ذلك. فالخطر حقيقة قد جاء من مدخل آخر هو «الرضا بالكفر»، وقد تنضم «الموالاة» إلى ذلك فتكون زيادة في الكفر، أي مصيبة إضافية طارئة، وليست أصلاً.
ولم يستطع الدكتورعبد الله بن إبراهيم الطريقي في كتيبه: «الولاء والعداء في علاقة المسلم بغير المسلم» تحرير الموضوع، بل أضاف إلى «الموالاة» أقساماً وألواناً لا تمت إليها بصلة، فمن ذلك:
أولاً: طاعتهم في التثبيط عن الدعوة إلى الإسلام: ومثَّل له بمفاوضة قريش للنبي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، في ترك الدعوة إلى الله وتوحيده في مقابل ما يشاء من ملك أو جاه أو مال أو نساء.وليس هذا قسماً جديداً فقريش إنما طلبت منه أن «يداهن»، كما هو نص القرآن الصريح: }ودوا لو تدهن فيدهنون{. وقد سلف الكلام عن قبح «المداهنة» وحرمتها، ولكنها ليست من «الموالاة»، ولا من بابها.
ثانياً: طاعتهم في التحليل والتحريم: ومثل لذلك بقول الله، جل جلاله: }ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه، ..إلى قوله: وإن أطعتموهم إنكم لمشركون{، (الأنعام؛ 5:121)، ثم قال: (فهذه الموالاة شرك إن صدرت عن رضا). قلت: أما أن هذا شرك وكفر، فهو أمر لا شك فيه، ولا في حرمته وشناعته، وهلاك فاعله وخسارته، وهو أيضاً نص الآية الصريح، وواقع الفعل البين، ولكن كيف أصبحت «موالاة»؟! لا أدري، ولعل الدكتور الفاضل يوضحه لنا!
ثالثاً: اتباع أهوائهم في أي من مسائل الدين: ومثَّل لها بنهي القرآن العظيم: }ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون{، (الجاثية: 22:18)، ثم قال: (وهذه كسابقتها)، قلت: صدق الدكتور، هذه كسابقتها، لا علاقة لها بالنصرة والولاء، على قبحها وشناعتها، بل هي إما مداهنة محرمة وإما شرك مكفر، أو كليهما، وقد سبق نقاشهما.
ثم زاد الدكتور ضغثاً على إبالة فذكر الدكتور «اتخاذ البطانة» وتابع الإمام محمد بن عبد الوهاب في تصنيفه الخاطيء لها تحت عنوان «الموالاة». وأتبع هذا بـ«المداهنة» وعرفها بأنها: (المصانعة والملاينة والمداراة)، وهذا خطأ على خطأ: فليست هذه الثلاث مداهنة، بل المداهنة غيرها، وقد سلف شرح ذلك، وكل ذلك كما بينا ليس من الموالاة والنصرة في شيء، وإن كان بعضه محرماً.
ثم، بعد جهد جهيد، وصل إلى بيت القصيد: (نصرتهم ضد المسلمين)، فقال وهذا من أشد أنواع الموالاة وأخطرها بإجماع العلماء، وذكر أن الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب عده من نواقض الإسلام. هذا في مجمله صحيح، وإن كانت هذه هي «الموالاة»، لا غير، وليست من أشد ولا أخف أنواعها، لأنها نوع واحد. وكأن الدكتور لم يصبر على الصواب كثيراً فانغمس في تقاسيم عجيبة، فذكر الصور التالية:
(1) الصورة الأولى: أن ينضم المسلم إلى لواء الكفار ليقاتل معهم المسلمين. ثم قال: (فهذا من أعظم صور الموالاة على الإطلاق، وهو خيانة عظمى لله ورسوله والمؤمنين، وصاحبه مارق من الدين، كافر به، إلا إن كان جاهلاً أو مكرها)، فهذا في جوهره صواب، وهذه هي بحق «موالاة الكفار» المهلكة المكفرة، إلا أنه نسي أن يذكر العذر بالتأويل، وذكر بدلاً منه الإكراه، وهو لا يرد ها هنا، لأنه من المحال الممتنع أن يكره الإنسان على قتال، وإن أمكن احضاره إلى صف القتال مكرهاً، ثم لو أكره على حضور صف القتال لم يجز له قصد المسلمين بالقتل، بل يتعمد أن يخطيء فلا يصيبهم، وهذا في معمعة القتال ممكن. وعلى كل حال لا يجوز أن ينقذ نفسه بقتل غيره من المعصومين، كما نص عليه شيخ الإسلام الإمام ابن تيمية، مصيباً للحق في هذه المسألة، موافقاً للجمهور، بل للإجماع:
v حيث قال الإمام، رضي الله عنه، في «الفتاوى الكبرى»، (ج: 4 ص: 351): [....، فلا ريب أن هذا يجب عليه إذا أكره على الحضور أن لا يقاتل وإن قتله المسلمون كما لو أكرهه الكفار على حضور صفهم ليقاتل المسلمين، وكما لو أكره رجل رجلا على قتل مسلم معصوم، فإنه لا يجوز له قتله باتفاق المسلمين، وإن أكرهه بالقتل فإنه ليس حفظ نفسه بقتل ذلك المعصوم أولى من العكس، فليس له أن يظلم غيره فيقتله لئلا يقتل هو، ..]، إلى آخر كلامه النفيس الذي سنسوقه بطوله في مكان آخر من هذا البحث.
(2) الصورة الثانية: الاستنصار بهم لقتال المسلمين، والقيادة له: فياللعجب كيف أصبه «الاستنصار»، «نصرة»؟! ومن هو هذا المنصور هنا؟! هذا مسلم يقاتل مسلمين آخرين بحق أو باطل، وله راية، وهو صاحب القيادة: فالقتال قتاله، والقضية قضيته، والراية رايته، والكفار هم الذين نصروه وخدموه، فهم الجنود والخدم والمعاونون، وهو القائد والسيد والمخدوم. وفي هذه الحالة لا ترد مسألة «الموالاة»، وإنما يجب السؤال: هل هذا قتال مشروع أم لا؟! وإن كان مشروعاً فهل تجوز الاستعانة بالكفار في القتال، تحت الراية الإسلامية والقيادة الإسلامية، أم لا؟! ثم أوغل الدكتور في التنقسيم بما يعسر نقده في هذه الرسالة المختصرة، فنحيل إلى كتابنا: (الموالاة والمعاداة) حيث أشبعنا الموضوع، بحمد الله تمحيصاً ودرساً.
(3) الصورة الثالثة: تحريضهم ضد المسلمين. وذكر بعده كلام غامض، بعض معانيه حق وبعضه باطل. وكله يحتاج إلى نقاش طويل نحيل فيه إلى كتابنا: (الموالاة والمعاداة).
ثم ذكر الدكتور بعد ذلك أنواعاً عجيبة، وتقاسيم غريبة، منها:
ــ الخضوع والتذلل ــ القيام بأعمال دنيئة خدمة للكافر ــ العمل مع كافر مع وجود الإهانة ــ الدخول في سلطانهم، والعمل تحت ولايتهم بدون قصد شرعي، أو وجود حاجة ــ الانحناء لهم عند اللقاء، أو الوقوف عندهم وهم جالسون ــ المبالغة في مخاطبتهم بألفاظ التبجيل والتعظيم، أو مدحهم والثناء عليهم بما لا يستحقون ــ مشاركتهم في أعمالهم الدينية، يعني الشعائر التعبدية ونحوه.
قلت: هذا كله لا علاقة له بـ«الموالاة»، مع كون بعضه محرماً، لا شك في حرمته. ولكن من أراد تفصيل النقاش وتحرير المسائل فعليه بكتابنا: (الموالاة والمعاداة)!
لذلك فإن من اعتبر المداراة، والمجاملة، والمسامحة، والمسالمة، والمعاشرة الجميلة في الدنيا، وحسن المعشر، والصحبة بالمعروف، والمعاملة بالحسنى، وتبادل المصالح والمنافع قسما مباحاً من «الموالاة»، من اعتبر ذلك كذلك قد زلت به القدم زلَّةً شنعاء، وأخطأ خطأً فادحاً، وتجاوز النص الشرعي، وعرف العرب الاصطلاحي، وحتى المعنى اللغوي الأصلي، نعوذ بالله من «زلات العلماء، وجدل المنافقين بالكتاب، وحكم الأئمة المضلين»!
وكذلك تصنيف «المداهنة للكفار» أو «اتخاذ البطانة»،أي استئمان الخونة أو المشبوهين من الكفار، أو «التشبه بالكفار»، أو «مشاركة الكفار في شعائرهم الدينية»، على بشاعتها وحرمتها، على أنها نوع محرم من «موالاة الكفار» خطأ جسيم، وخلط في المفاهيم خطير يفضي إلى القول بأن من «موالاة الكفار» ما هو «محرم» لا يخرج من الملة، ومنها ما هو «مكفر» يخرج من الملة، وهو خطأ كبير، بل ضلال عظيم لأن «موالاة الكفار» لا تكون إلا مكفرة، مخرجة من الملة، والعياذ بالله تعالى، كما أسلفنا، وكما هو مبرهن عليه في كتابنا: (الموالاة والمعاداة)، بما لا مزيد عليه، فارجع إليه.
وأي شيء في ذلك يدل من قريب أو بعيد على }اتخاذ الكافرين أولياء من دون المؤمنين{، الذي هو، حصراً:
(1) التحالف مع الكفار الحربيين ضد المسلمين، أو نصرة الكفار الحربيين على المسلمين بقول أو فعل (بما في ذلك الفتيا، والخطابة، والدعاية، والشعر، والغناء، والموسيقى، والتمثيليات أو المسرحيات، والمشورة، وكافة أنواع النصرة والتأييد والمعونة)، وأشد ذلك، وأفظعه: القتال تحت راية الكفار الحربيين ضد المسلمين، أو القتال مع الكفار الحربيين ضد المسلمين،
(2) إفشاء أسرار المسلمين العسكرية والأمنية إلى الكفار، حربيين كانوا أو غير حربيين،
(3) تحريض الكفار، حربيين كانوا أو غير حربيين، وحثهم على حرب المسلمبن، أي التحريش بينهم وبين المسلمين، أو إعانتهم على التحضير أو الاستنفار أو الإعداد لحرب المسلمين.
نعم: أي شيء في ما سلف يتضمن هذه الموبقات المهلكة، والذنوب المكفرة؟! إن تسمية ذلك «موالاة» يفتح باب الموالاة المحرمة حرمة مغلظة لأنها في الحقيقة ردة وكفر. وهو كذب في نفس الأمر، وتحريف للكلم عن مواضعه. والله، تباركت أسماؤه، هو خالق البشر، وهو الذي يسمي الأشياء بأسمائها. وقد سمى الله ورسوله ذلك: قسطاً، وبراً، وإحساناً، وصلة، ومداراة، ومداهنة، واتخاذ بطانة، وتشبُّه بالكفار، وغير ذلك، ولم يسمه أبداً: «تولياً»، أو «موالاة»، ومن أحسن من الله حديثاً، ومن أصدق من الله قيلاً؟!
والمعاملة بالعدل والقسط، واجتناب الغش والخيانة واجب محتوم على كل حال، وذلك في كل المعاملات المشروعة من: بيع وشراء، وتعليم وتعلم وتدريب، وإجارة، وشراكة، وتبادل للمنافع، والبضائع، والخدمات والمنافع، وغيرها.
أما الإحسان، والبر، والصلة فواجب للوالدين، ولذوي القربى، ومستحب لغيرهم، وذلك يشمل الصدقة، والهدية، والزيارة، وعيادة المرضى، والتهنئة في المناسبات الخاصة: كالأعراس، واجتياز الاختبارات، والولد، والعودة من السفر، والقيام من المرض، والسلامة من المكاره، ونحوه.
بل قد تكون الأعطيات والهدايا لهم من أثمن الهدايا، وأعظم الأعطيات بدلالة إهداء عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، لأخيه من أمه، وهو مشرك في مكة، حلة سيراء «ملكية» ثمينة من حرير خالص، أرسلها له النبي، صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله، لينتفع بها، وقد بيع أمثالها في السوق بألفي درهم:
v كما جاء في «صحيح مسلم»: [وحدثنا شيبان بن فروخ حدثنا جرير بن حازم حدثنا نافع عن بن عمر قال رأى عمر عطاردا التميمي يقيم بالسوق حلة سيراء وكان رجلا يغشى الملوك، ويصيب منهم، فقال عمر: (يا رسول الله إني رأيت عطاردا يقيم في السوق حلة سيراء، فلو اشتريتها، فلبستها لوفود العرب إذا قدموا عليك، (وأظنه قال ولبستها يوم الجمعة)، فقال له رسول الله، صلى الله عليه وسلم: «إنما يلبس الحرير في الدنيا من لا خلاق له في الآخرة»، فلما كان بعد ذلك أتى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بحلل سيراء فبعث إلى عمر بحلة، وبعث إلى أسامة بن زيد بحلة، وأعطى علي بن أبي طالب حلة، وقال: «شققها خمرا بين نسائك!»، قال فجاء عمر بحلته يحملها فقال: (يا رسول الله بعثت إلي بهذه وقد قلت بالأمس في حلة عطارد ما قلت؟!)، فقال: «إني لم ابعث بها إليك لتلبسها، ولكني بعثت بها إليك لتصيب بها!»، وأما أسامة فراح في حلته، فنظر إليه رسول الله، صلى الله عليه وسلم، نظرا عرف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أنكر ما صنع فقال: (يا رسول الله: ما تنظر إلي فأنت بعثت إلي بها؟!)، فقال: «إني لم أبعث إليك لتلبسها ولكني بعثت بها إليك لتشققها خمرا بين نسائك»]، وهو في «الجامع الصحيح المختصر» باختصار طفيف وبدون ذكر عطارد، وفي «موطأ الإمام مالك» بعين نص البخاري، وفي «مسند الشافعي»، و في «سنن أبي داود»، وفي «صحيح مسلم» من عدة طرق، وفي «المجتبى من السنن» للإمام النسائي، وكذلك في «السنن الكبرى» له، وفي «مسند الإمام أحمد بن حنبل» من عدة طرق، وفي «صحيح ابن حبان»، وفي «الأدب المفرد»، وهو أيضاً في «مسند أبي يعلى». والحديث كذلك عند البيهقي، وغيره، من طرق شتى، وهو من أصح أحاديث الدنيا. وجاء في بعض الطرق أنه باعه في السوق بألفي درهم، والظاهر أنه عرضه للسوم فجاء بهذا السعر، ثم بعثه لأخيه من أمه هديةً، أو أن البيع لحلة أخرى مثل هذه التي أهداها لأخيه المشرك بمكة. وعلى كل فالحلة حلة سيراء من حرير خالص من أفخر الثياب، ألبسة الملوك، وتباع بأغلى الأثمان: هذا فعل عمر بن الخطاب، سلام الله عليه، الذي اقترح ضرب أعناق أسرى بدر، عمر بن الخطاب «الفظ» «الغليظ»!
وكذلك الإبتداء بالتحية والسلام، إلا لطائفة مخصوصة من المعتدين في ألفاظ السلام، المحرفين للكلم عن مواضعه، كيهود المدينة على زمن النبي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وقد أثبتنا في كتابنا: (الموالاة والمعاداة) أن الأمر النبوي الشريف بعدم بدء أهل الكتاب بالسلام قد جاء معللاً بأنهم معتدون وأن سلامهم بلفظ: (السام عليكم)، والسام هو الموت والهلاك، وذلك بتقصي طرق الحديث وألفاظه. ومعلوم ضرورة أن الحكم الذي جاء معلاً يدور مع علته وجوداً وعدماً، فصار بذلك بدء الكفار بالسلام مشروعاً حسناً بموجب الأدلة العامة التي تحث على التسليم على كل أحد، عرفناه أو لم نعرفه، وتحث على إفشاء السلام، وغيرها، خلافاً لمن لم يستوعب دراسة المسألة فلم يعطها حقها من الدراسة المتأنية المفصلة.
وكذلك تجوز التعزية بصيغ والفاظ مناسبة لا يظهر منها الإقرار لكفرهم، ولعقائدهم الفاسدة، وربما كان فيها موعظة لطيفة مناسبة للمقام، ولكن هذه مباحث خطبرة مهمة، وقعت فيها أخطاء وإشكالات، تحتاج إلى نقاش مستفيض، وتحليل عميق، كما هو مفصل في كتابنا الموسوم بـ (الموالاة والمعاداة)، فليراجع هناك.

أبو عمر المنصور
19-04-2011, 07:10 PM
فصل: هل تجوز «موالاة» الكفار المسالمين؟!
لقد وقعت أكثر الأخطاء في الكتب آنفة الذكر، وغيرها من كتب ورسائل الدعوة الوهابية، في جانب «الغلو والإفراط» بتحريم ما ليس بحرام مثل: المداراة، والمجاملة، والمسامحة، والمسالمة، والمعاشرة الجميلة في الدنيا، وحسن المعشر، والصحبة بالمعروف، بزعم أن ذلك «موالاة للكفار».
ووقعت أخطاء أخرى، من نوع آخر، عند الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي في «الحلال والحرام»، وفي «القول المبين، في حكم المعاملة بين الأجانب والمسلمين»، للعدوي، وكذلك في تفسير القاسمي، وغبرها من كتب المعاصرين. هذه الأخطاء في مجملها وقعت في جانب «التساهل والتفريط» وذلك بجعل بعض أنواع «الموالاة» مباحاً، وبعض ما جوَّزوه مباح بحق، بل لعل بعضه مستحب مرغوب فيه، ولكنه ليس من «الموالاة» في صدر ولا ورد، ولا يدخل في بابها حتى يلج الجمل في سم الخياط، أو قصر تحريم «الموالاة» فقط على الحربيين، وهو الحق، وتجويزها للكفار غير الحربيين، وهذا باطل، لأنها لا توجد في العالم قط، ولا يمكن تصورها، ولا يتشكل في عقل مفهومها في حق غير المحاربين أو المعدين للحرب كما يتضح من مناقشة أكثر الأمثلة إيغالاً في الخيال والمبالغة، كما هو مفصل في كتابنا: (الموالاة والمعاداة)، فلتراجع. وإنما غلط من غلط لأنه لم يعرف «الموالاة» تعريفها الصحيح، فأدخل فيها أموراً كالتسامح أو المجاملة أو حتى المداهنة، فأظلمت القضايا في ذهنه واختلط عليه الشرق والغرب. ومن اختلط عليه المشرق والمغرب، ولم يعرف شمالاً من جنوب، فأنى له أن يجد الطريق أو أن يصل إلى هدى؟!
فمقولتنا السابقة وهي: (كون «الموالاة» المنفية عن المحاربين، أو المعدين للحرب، لا وجود لها، ولا يمكن أن تكون في العالم، في حق المسالمين) إذاً بينة واضحة بضرورة الحس والعقل، وقد أيدها الشرع في التنزيل الحكيم، عندما قال، جل جلاله،وسمى مقامه، حاصراً «الموالاة» في الله ورسوله والمؤمنين: }إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا: الذين يقيمون الصلاة، ويؤتون الزكاة، وهم راكعون v ومن يتولَّى الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون{، (المائدة؛ 5:55)، فحصر «الموالاة» في الله ورسوله والمؤمنين، فلا تكون في غيرهم أو لغيرهم مطلقاً.
ولا يجوز أن يقال أن ما سمَّوه «موالاة» إنما هو اصطلاح، ولا مشاحة في الاصطلاح، لا يقال ذلك لأن الشرع حدد ما هي «موالاة الكفار» التي هي «اتخاذ الكافرين أولياء من دون المؤمنين» وحكم على فاعلها بالكفر، فقط لا غير: فلا يجوز إدخال ما ليس منها فيها، ولا إخراج ما هو منها خارجها، لأن في هذا هدم للحكم وإبطال له، وهو في غاية الشناعة، وقد يفضي إلى تكفير المسلم، أو الحكم بإسلام كافر، وهذا كله في غاية الشناعة أيضاً.
فالتحريم القاطع لموالاة الكفار، إلا في حالة (التقاة) كما هو منصوص عليه في الكتاب العزيز، وكما هو مفصل في كتابنا الموسوم بـ (الموالاة والمعاداة)، وقصر الموالاة حصراً على المؤمنين لا يتناقض مع التسامح، والتعامل بالحسنى، والمداراة، والمجاملة، والمسالمة، والمعاشرة الجميلة في الدنيا، وحسن المعشر، والصحبة بالمعروف، والبر، إلى غير المحاربين من الكفار. أما المحاربون من الكفار، الذين هم أعداء الله الظالمون المعتدون، كالعدو الصهيوني المغتصب في فلسطين، والعدو البراهماني الوثني المغتصب لكشمير، والعدو الروسي الصليبي المغتصب في القوقاز، والولايات المتحدة الأمريكية المعتدية على العراق وأفغانستان وغيرها، وغيرهم من الحربيين، فلهم كل المقت، والبغضاء، والعداوة، والسيف، لا غير. فالناس إذاً ثلاثة أصناف:
الصنف الأول: المسلمون، وهؤلاء موالاتهم واجبة، ومعاداتهم محرمة وهي من أكبر الكبائر المحرمة، بل هي من الكفر: «سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر»، ولا يبعد أن يكون هذا، أي معاداة المؤمن ومقاتلته، كفراً ينقل عن الملة، ويحبط به العمل كله: أوله وآخره، وظاهره وباطنه، عياذاً بالله.
الصنف الثاني: الكفار المسالمون، وهؤلاء موالاتهم غير واردة أصلاً، لأنها محال لا وجود له في العالم، كما فصلناه في كتابنا: (الموالاة والمعاداة)، ولهم كل التسامح، والعدل، والقسط وجوباً، والتعامل بالحسنى، والمداراة، والمجاملة، والمسالمة، والمعاشرة الجميلة في الدنيا، وحسن المعشر، والصحبة بالمعروف، والبر، استحباباً. وإن شئت فقل: أن العلاقة معهم علاقة «حياد»: لا موالاة ولا معاداة. وهو «حياد إيجابي» لأنك تعاملهم بالقسط والبر.
الصنف الثالث: الكفار الحربيون، أو الكفار المعدون للحرب، فهؤلاء معاداتهم فريضة قطعية واجبة، وموالاتهم محرمة مكفرة يخرج فاعلها عن الملة، ويرتد عن الإسلام إن كان مسلماً قبل ذلك، بل هو على التحقيق حينئذ مرتد حربي، تسري عليه جميع أحكام المرتد الحربي المفصلة في مواضعها من كتب الفقه والعقائد، وإليك أهمها:
(1) هدر دمه، واستحقاقه للقتل، لأنه محارب لله ورسوله كما هو في آية المائدة، إذا قدر عليه، ولم يكن تاب قبل القدرة عليه.
(2) انفساخ نكاحه فوراً، وسقوط ولايته على القاصرين من أولاده وذوي قرابته، وسقوط ولايته في النكاح عن من كانت له ولاية نكاح عليهن من النساء من ذوي قرابته.
(3) إباحة ماله، ووجوب استيفائه، عند القدرة، إلى بيت مال المسلمين، أو أخذه غنيمة من قبل المجاهدين. فلا تجوز للمسلمين وراثته، ولا يرث هو (أو هي) من المسلمين.
(4) عدم جواز دفنه في مقابر المسلمين، لأن الدفن مع المسلمين كرامة لا يستحقها إلا المسلم، وهو (أو هي) كافر حربي مرتد، وليس بمسلم.
(5) ومعلوم أن المسلمة لا تحل لكافر، لا فرق بين مرتد وأصلي، وأن المرتدة ليست كتابية، فلا تحل لمسلم.
(6) معاملته بالمعاداة والبغضاء والمقت التي يستحقها كل كافر حربي.
(7) لا فرق بين الرجال والنساء في هذا الحكم. فالمرأة الحربية، المباشرة للقتال فعلاً، يهدر دمها كالرجل الحربي سواء، ولو كانت محاربتها تقتصر على الغناء أو إلقاء الشعر أو التمثيل، كما عامل النبي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، قينات قريش المحاربات له فقط بالغناء والشعر، فأهدر دمائهن، وأمر بقتلهن، وأمر برمي المرأة التي وقفت على سور الطائف، أثناء حصارها، فكشفت عورتها استهزاءً بالمسلمين. كل ذلك مع نهيه العام عن قتل النساء، وتشديده في ذلك.
(8) ويكفر كل من أظهر الرضا بحاله، أو استحل مصاهرته، إذا بلغه هذا الحكم، واطلع على أدلته، وقامت عليه الحجة فيه، ولم يكن معذوراً بإكراه ملجئ.

أبو عمر المنصور
19-04-2011, 07:11 PM
فصل: هل يبغض الكافر المسالم لذاته؟!
إن بغض الكفر والفسوق والعصيان ينشأ طبيعياً عند المؤمن السوي، ضرورة، لأنه يعلم أن الله، تباركت أسماؤه، لا يرضاها، ويبغضها، ولا يحب أهلها. فلا يمكن أن تجتمع محبة الله في قلب، ومحبة الكفر أو الفسوق والعصيان. فإذا ازدادت محبة الله في قلب العبد، وكثر تأمله في قبح الكفر والفسوق والعصيان، زاد نفوراً وكرهاً للكفر والفسوق والعصيان حتى يصطبغ بذلك عقله وفكره، ويتبلور ذوقه وتستقر ميوله على ذلك، فتصبح تصرفاته وفق ذلك: أي يصبح راشداً، والراشد هو العاقل الذي تم عقله، وتحكَّم هذا العقل في أفعاله وتصرفاته ومشاعره، قال، تقدست أسماؤه، ممتناً: }ولكن الله حبب إليك الإيمان، وزينه في قلوبكم، وكرَّه إليكم الكفر والفسوق والعصيان، ألئك هم الراشدون v فضلاً من الله ونعمة، والله عليم حكيم{، (الحجرات؛ 49:7-8). فحب الإيمان وحلاوته وزينته في القلب، وكره الكفر والفسوق والعصيان نشأت طبيعياً، أي بفعل الله في العبد، وليس بفعل إرادي مباشر من العبد.
والسوال المهم هنا في هذا المبحث يكون حينئذ: إذا كان ما ذكرنا حقاً، فما هو الموقف من الكافر المسالم؟! هل بغضه لذاته، كالحربي تماماً، أم يبغض فقط ما فيه من كفر وفسوق وعصيان، تماما ًكما يبغض ما في المؤمن من الفسوق والعصيان والخصال الذميمة، لكنه يحب ويآخى لذاته بوصفه مؤمناً عنده أصل الإيمان، ويوالى وينصر بوصفه مسلماً يحمل اسم الإسلام؟!
وبتأمل ما ذكرنا آنفاً يتضح أن الكافر المسالم لم يحصل منه ما يوجب أن يبغض لذاته، أي لشخصه، فلم يكن منه عدوان أو محاربة، أو مظاهرة لمحارب أو معتدي، فهو في أقل أحواله محايد، لا يأتي منه شر، ليس «معنا» ولا هو «علينا»، هذا إن لم يكن معنا في الدار، مشاركاً في الوطن، ومكثراً لسواد المسلمين، معاشراً لهم بالحسنى، فيكون حينئذ «معنا». فضلاً على كون الشريعة المطهرة قد حثت وأبانت عن عظيم أجر من اهتدى على يده إنسان واحد، وأن ذلك خير من ثروات الدنيا كلها: «لإن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم». وكذلك جاء الدعاء لهم بالهداية، وإرادة كل أنواع الخير الدنيوي والأخروي، في نصوص كثيرة، لا تعد ولا تحصى. ولا شك أن لهم «أخوّة» في الإنسانية، لها حقها ومكانتها، وهي رحم معتبرة لها حرمتها، وإنما قطعها الحربي بمحاربته، كما فعل ابن آدم المجرم عندما قتل أخاه في أول جريمة قتل في تاريخ الإنسانية فانقلب من الخاسرين. وهذا كله بخلاف تعاملك مع الحربي: فهمُّك إن لقيته في ميدان القتال أن تضرب عنقه، وتقضي عليه، لا غير، لأنك مبغض له بذاته، فأنت تسعى إلى القضاء عليه وإهلاكه، وإتلاف ذاته، ما دام حربياً.
وقد أبطلنا فيما قبل التقاسيم الباطلة التي زلت بها قدم الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب، وبعض أتباعه أو مقلدته، عندما أدخلوا في «الموالاة» ما ليس منها، لذلك نقرر، ما هو، إن شاء الله، الصواب من القول، وهو:
أن الكافر المسالم إنما يبغض ما فيه من كفر فحسب، أما هو لذاته فلا يحب المحبة الإيمانية، لأنه ليس بمؤمن، ولا «يتولّى» لأن الموالاة محال ممتنع لا وجود لها أصلاً، ولا تتصور في حقه كما أسلفنا، ولكنه يجوز أن يحب المحبة الإنسانية الطبيعية، من جنس محبة المؤمن لأخيه الكافر، ويستحق التسامح، والرحمة، والإحسان، والرفق بموجب الأخوة الإنسانية، والرحِم الآدمية. أمَّا المسلم، فيحب لذاته «المحبة» الإيمانية، ويتولَّى بذاته «الولاية» الإسلامية، على كل حال، ولو كان من أفسق الفاسقين، وإنما يبغض ما فيه من الفسوق والظلم والانحراف والبدعة، وليس البغض له بذاته.
هذا هو المعنى الصحيح لقول بعض العلماء، وعلى رأسهم الإمام ابن تيمية: (يبغض الفاسق بقدر ما فيه من فسق، والمبتدع بقدر ما فيه من بدعة، ويتولَّى كل واحد منهما بقدر ما فيه من إيمان، ويعادى بقدر ما فيه من فسق وبدعة)، وإن كانوا أساؤوا التعبير، وهذه الإساءة بالغة في الجملة الأخيرة المتعلقة بـ«المعاداة»، لأن المعاداة لا تعقل ولا تنصرف إلا إلى ذات مشخصة. والأولى عدم استخدام هذه التعبيرات المائعة، والإطلاقات الخطرة.
فصحة القول إذاً هي: (يحب المسلم لذاته، ويتولَّى لذاته، بوصفه مسلماً، ويبغض ما فيه من الفسوق، والعصيان، والخصال الذميمة، والعادات القبيحة، والبدع والانحراف عن الحق)، لاحظ أننا لم نستخدم لفظة «المعاداة» مطلقاً لأنها إنما تنطبق عادة على الذوات المشخصة، وليس على الصفات، لأن الصفات إنما تذم وتبغض فقط.
وليس تحرينا الدقة في التعبير منشؤه الوسوسة، أو توهم مخاطر لا وجود لها، أو حب التقعر وتشقيق الكلام، كلا، والله، بل لأن الواقع يفرض هذا علينا فرضاً: فنحن نرى الكثيرين ممن يدعي اتباع الإمام ابن تيمية أو من هو من مقلدته، لا سيما من أدعياء «السلفية» المشهورين بتزكية أنفسهم زاعمين أنهم أهل «العقيدة الصحيحة» وأنهم هم فقط لا غير «الفرقة الناجية» و«الجماعة المنصورة»، قد ظهر فيهم من معاداة بعض أهل الإسلام لبدعة أو فسوق ما يفوق معاداتهم للكفار، بل ربما ترخص بعض هؤلاء المفتونين في إعانة الكفار عليهم فلحقوا بالخوارج الهلكى: الذين يقتلون أهل الإسلام، ويذرون أهل الأوثان، هذا على تقديم حسن الظن بهم والاعتذار لهم بالجهل أو التأويل، وإلا فمثل هذه الإعانة للكفار على المسلم، مهما كان فسق هذا المسلم وبدعته، في ذات الأمر كفر وردة، كما أسلفنا، وكما هو مبرهن عليه في كتابنا: (الموالاة والمعاداة) بما لا مزيد عليه، والحمد لله رب العالمين.
وليس قولنا الذي بيناه آنفاً هذا بدعاً من القول، بل قد قال به كثير من أهل العلم قديماً وحديثاً، وهو قول الإمام ابن المرتضى في «إيثار الحق على الخلق». وقد جاء النص بذلك صريحاً:
v حيث أخرج النسائي بإسناد صحيح عن جرير قال: [أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو يبايع فقلت: يا رسول الله ابسط يدك حتى أبايعك واشترط علي فأنت أعلم! قال: «أبايعك على أن تعبد الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتناصح المسلمين، وتفارق المشركين»]، وأخرجه أحمد بإسناد صحيح آخر، إلا أنه قال: المسلم، والمشرك.
فذكر المسلم بمقابلة المشرك برهان صريح على قولنا، أنها لكل مسلم، حتى لو كان من أفسق الفاسقين، وأظلم الظالمين، ما دام مسلماً.
v وقال أحمد: [حدثنا إسماعيل أخبرنا بهز بن حكيم عن أبيه عن جده قال: أتيت النبي، صلى الله عليه وسلم، حين أتيته، فقلت: (والله ما أتيتك حتى حلفت أكثر من عدد أولاء أن لا آتيك، ولا آتي دينك)، وجمع بهز بين كفيه: (وقد جئت امرأ لا أعقل شيئا، إلا ما علمني الله، تبارك وتعالى، ورسوله؛ وإني أسألك بوجه الله: بم بعثك الله إلينا؟!)، قال: «بالإسلام!»، قلت: (وما آيات الإسلام؟!)، قال: «أن تقول أسلمت وجهي لله وتخليت، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، كل مسلم على مسلم محرم: أخوان نصيران! لا يقبل الله من مشرك أشرك بعد ما أسلم عملا! و«تفارق» المشركين إلى المسلمين. ما لي أمسك بحجزكم عن النار؟! ألا إن ربي عز وجل داعي وإنه سائلي هل بلغت عباده وإني قائل رب إني قد بلغتهم فليبلغ الشاهد منكم الغائب؛ ثم إنكم مدعوون، مفدمة أفواهكم بالفدام، ثم إن أول ما يبين عن أحدكم لفخذه وكفه»، قلت: (يا نبي الله: هذا ديننا؟!)، قال: «هذا دينكم: وأينما تحسن يكفك»]، وهذا إسناد حسن جيد، إن شاء الله تعالى. وها هنا أيضاً: المسلم في مقابلة المشرك، فهو صحيح لكل مسلم، مهما كان فسقه وظلمه، إلا إذا خرج عن الإسلام، ولحق بالكفار المشركين فأصبح من الهلكى الخاسرين
وبغض ما في الكافر من كفر ينشأ منه نوع من «المفارقة» المعنوية، و«المفاصلة» الشعورية، و«التباعد» العقائدي، و«الحذر» السياسي، وهذا في غاية الأهمية لأنه يجعل المسلم جاهزاً مستعداً لمقتهم ومقاتلتهم فور خروجهم من المسالمة إلى الحرب، فلا يبقى مذهولا، وهو يذبح ولا يدري ماذا يجري، كما حصل لأهل البوسنة والهرسك في الماضي القريب، وهو مع ذلك، من جانب آخر، مواظب على دعوتهم إلى الإسلام، ومتقبلاً لمحبتهم وموالاتهم ومآخاتهم فور إسلامهم. أي أن المسلم كأنه على «الحياد الإيجابي»، فهو على أتم الاستعداد للتحرك فوراً في الاتجاه المناسب الذي تملية تطورات الموقف.
هذا هو الذي تأتلف به النصوص كلها، فلا يهمل منها شيء، ولا يترك شيء لشيء، بل تعمل كلها، وتعظم كلها، وتطاع كلها.

أبو عمر المنصور
19-04-2011, 07:13 PM
فصل: }إلا أن تتقوا منهم تقاة{
هذا بحث مهم يدور حول قوله تعالى: }لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ، ومن يفعل ذلك فليس من اللّه في شيء، إلا أن تتقوا منهم تقاة، ويحذركم اللّه نفسه و إلى الله المصير{، قال في القاموس المحيط: (والتقية الكلاءة والحفظ، واتقيت الشيء وتقيته اتقيته واتقيه تقى وتَقِيّة وتِقَاء، ككِسَاء: حذرته) فهذا النص في الآية يعين موضوعها وهذا المعنى اللغوي لكملة (تُقْيَة) أو (تقاة) يعين ما تعينه هذه الكلمة في هذه الآية من معني لأنه لم يثبت لها معنى شرعي فيتعين تفسيرها بالمعنى اللغوي، وعلى هذا الأساس وحده تفهم الآية جملة وتفصيلاً.
أما ورد في أسباب نزول الآية من أحاديث فإنها، إن صحت، ترشد إلى تفصيلات ما ورد في الآية، ولكنها لا تغير موضوعها، ولا معاني جملها حسب مدلولات اللغة والشرع. وإذا وردت آية أو أحاديث في موضوع معين تكون خاصة في هذا الموضوع، ولا تشمل غيره، فالقضية قضية }اتخاذ الكافرين أولياء من دون المؤمنين{ التي قد جاءت الآية تنهى عنها نهيًا مغلظاً جازمًا.
وموضوع الآية الواضح في جملها هو «موالاة الكفار»، أي أي }اتخاذ الكافرين أولياء من دون المؤمنين{، التي هي كما أسلفنا، حصراً:
(1) التحالف مع الكفار الحربيين ضد المسلمين، أو نصرة الكفار الحربيين على المسلمين بقول أو فعل (بما في ذلك الفتيا، والخطابة، والدعاية، والشعر، والغناء، والموسيقى، والتمثيليات أو المسرحيات، والمشورة، وكافة أنواع النصرة والتأييد والمعونة)، وأشد ذلك، وأفظعه: القتال تحت راية الكفار الحربيين ضد المسلمين، أو القتال مع الكفار الحربيين ضد المسلمين،
(2) إفشاء أسرار المسلمين العسكرية والأمنية إلى الكفار، حربيين كانوا أو غير حربيين، وما كان في حكم ذلك: كتحريضهم وحثهم على حرب المسلمبن، أو إعانتهم على التحضير أو الاستنفار أو الإعداد لحرب المسلمين.

فهي كما أسلفنا حصرا متعلقة بنصرة الكفار الحربيين ضد المسلمين، أو نصرة الكفار، حربيين وغير حربيين، في ما هو من لوازم الإعداد للحرب، حتى ولو كان هذا قبل وقوعها: من تجسس وإفشاء للأسرار العسكرية والأمنية، والتحريض على الحرب والتحريش لها، والإعانة في كل ما هو لازم للإعداد للحرب، ونحوه.
وفي الآية نص قاطع على أن اللّه تعالى قد نهى «موالاة الكفار»، أي }اتخاذ الكافرين أولياء من دون المؤمنين{، وقرن هذا النهي بالجزم القاطع بأن من يفعل ذلك فيتخذ الكافرين أولياء فإن اللّه بريء منه، وقد انقطعت صلته بالله، مما يعني ضرورة أنه خرج من الإسلام إلى الكفر. وهذا تحريم بات، مطلق، أبدي، لكل موالاة للكفار، أي لكل معنى من معاني الموالاة في العرف الشرعي وفق اللغة العربية، كما أشبعناه تفصيلاً فيما سلف، واستكملنا براهينه وأدلته في رسالة مستقلة: (الموالاة والمعاداة)، ثم استثنى من هذا النهي الجازم حالة واحدة: وهي أن يحذر المؤمن من الكافر أذىً فإنه يجوز له موالاة الكافر دفعًا لهذا الأذى، وهذا استثناء منقطع، أي أن المستثنى ليس في الحقيقة من جنس ما استثني منه، كما سنبين قريباً.
هذه الحالة المستثناة لا تتصور إلا إذا كان المسلم تحت سلطان الكافر مغلوبًا على أمره، أي أن الحذر من الكافر يجيز موالاته في تلك الحالة فقط، فإذا ذهب الحذر حَرُمت الموالاة بجميع أشكالها ومظاهرها مطلقاً. وعلى ذلك فإن القضية ليست إظهار «المودة» وإبطان غيرها، ولا هي «المداهنة» الخبيثة المحرمة التي يسميها البعض «تقية» ويزعمون شرعيتها، ولا هي التلفظ بالكفر تحت الإكراه الملجيء، وهو مشروع لا بأس به، ليست هي شيء من ذلك، بل القضية إستثناء حالة حذر المؤمن للكافر حين يكون المسلم مغلوبًا على أمره، مقيماً تحت سلطان الكافر من عموم تحريم موالاته له.
وذلك لأن الآية نزلت في شأن المؤمنين الذين كانت لهم صلات بالمشركين في مكة فهي تنهى الذين في المدينة عن موالاة المشركين في مكة، وتنهى جميع المؤمنين، وتستثني من ذلك المؤمنين الذين كانوا في مكة فإنهم كانوا مغلوبين على أمرهم تحت سلطان الكفار، فاستثنتهم لوجود حالة خوف لديهم من أذى الكافرين.
هذا هو موضوع الآية، وهذا هو معناها، وهذا هو الحكم الشرعى الذي يُستنبط منها، وهو تحريم موالاة المؤمنين للكفار بجميع أنواع الموالاة من تحالف، ونصرة، وإعانة، ودعم، وانتماء، وغير ذلك، لأن كلمة أولياء في الآية جاءت عامة فتشمل جميع معانيها في لغة العرب، وجواز موالاتهم في حالة حذرهم، أي خوف بطشهم وأذاهم، عندما يكون الكفار غالبين على المسلمين، ويكون المسلمون مغلوبين على أمرهم، تمامًا كحالة المسلمين المستضعفين المقيمين في مكة مع المشركين الحاكمين لها والمسيطرين عليها، ولا يوجد للآية معنى آخر، ولا يستنبط منها أي حكم سوى هذا الحكم.
فالرخصة في «التقاة» محصورة في واقع معين هو حالة المسلمين الذين كانوا فى مكة بين المشركين، أي محصور في حالة وجود المسلمين تحت سلطان الكفار، أي إقامة المسلمين في دار الكفر، ولا قبل لهم بإزالة سلطانه، فهم مغلوبين على أمرهم، فإنه يجوز لهم موالاة الكفار حذرًا مما يُحذَر منه عليهم، سواء أكان على دينهم، أو نفوسهم أو أموالهم أو أعراضهم أو مصالحهم، ففي هذه الحالة فقط يجوز اتخاذ الكافرين أولياء من دون المؤمنين، بهذا المعنى المحدود، وفي حدود الضرورة أو الحاجة فقط، مع بقاء الحرمة المغلظة لإعانتهم أو نصرتهم أو محالفتهم ضد المسلمين بقول أو فعل. فكل ما كان داخلاً تحت هذه الحالة يجوز للمسلمين فيه أن يتخذوا الكافرين أولياء، وما عداه فلا يجوز.
فالقضية هي بيان الحالة التي يجوز فيها للمؤمنين أن يوالوا الكافرين، وهي إذا كان المسلمون مغلوبين على أمرهم أمام الكفار بأن كانوا تحت سلطانهم أو في ديار حكمهم، وليست شيئًا آخر مطلقًا.
v قال أبو جعفر محمد بن جرير الطبرى في تفسيره: (القول في تأويل قوله: }لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء{، إلى قوله: }إلا أن تتقوا منهم تقاة{، قال أبو جعفر: وهذا نهي من اللّه عز وجل للمؤمنين عن أن يتخذوا الكفار أعوانًا وأنصارًا وظهورًا، ولذلك كَسَرَ يتخذ لأنه في موضع جزم بالنهي، ولكنه كسر الذال معه للساكن الذي لقيه ساكن. ومعنى ذلك: لا تتخذوا أيها المؤمنون الكفار ظهرًا وأنصارًا توالونهم على دينهم، وتظاهرونهم على المسلمين من دون المؤمنين وتدلونهم على عوراتهم، فإنه من يفعل ذلك فليس من اللّه في شيء، يعني بذلك فقد برئ من اللّه، واللّه برئ منه بارتداده عن دينه ودخوله في الكفر. }إلاّ أن تتقوا منهم تقاة{، إلاّ أن تكونوا في سلطانهم فتخافوهم على أنفسكم، فتظهروا لهم الولاية بألسنتكم وتضمروا لهم العداوة، ولا تشايعوهم علي ما هم عليه من الكفر، ولا تعينوهم على مسلم بفعل. كما:
v حدثني المثني قال: حدثنا عبد اللّه بن صالح قال: حدثني معاوية بن صالح عن علي عن ابن عباس قوله: }لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين{ إلاّ أن يكون الكفار ظاهرين فيظهرون لهم اللطف، ويخالفونهم في الدين وذلك قوله: }إلاّ أن تتقوا منهم تقاة{).
v إلى أن يقول، رحمه الله: (حدثنا الحسن بن يحيى قال أخبرنا عبد الرزاق قال أخبرنا معمر عن قتادة فى قوله: }لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء{. قال لا يحل لمؤمن أن يتخذ كافرًا وليًا في دينه، وقوله: }إلاّ أن تتقوا منهم تقاة{، أن تكون بينك وبينه قرابة فتصله لذلك!
قال أبو جعفر: [وهذا الذي قاله قتادة في تأويل له وحده، وليس بالوجه الذي يدل عليه ظاهر الآية، إلاّ أن تتقوا من الكافرين تقاة فالأغلب من معاني هذا الكلام إلاّ أن تخافوا منهم مخافة، فالتقية التى ذكرها اللّه في هذه الآية إنما هي تقية من الكفار لا من غيرهم، ووَجَّهه قتادة: إلاّ أن تتقوا اللّه من أجل القرابة التي بينكم وبينهم تقاة فتصلون رحمها، وليس بذلك الغالب على معنى الكلام. والتأويل في القرآن على الأغلب الظاهر من معروف كلام العرب المستعمل فيهم] إنتهى كلام الطبري، وهو يدل على أن إجماع المفسرين قبله، ما عدا الإمام قتادة، رضي الله عنه، هو على الرأي الذي بينا.
أما رأي قتادة فهو شاذ، لا دليل عليه، بل هو مخالف لبيان السنة والسيرة لمعنى الآية، فضلا عن كونه أشد وأضيق في تعريف (التقاة)، فقصرها على صلة ذوي القربى، بدافع تقوى الله، وحرم سائر أنواعها، وهو خلاف ظاهر الآية، وعادة العرب في لغتها، لأن العرب تقول حينئذ: (إلا أن تتقوا فيهم الله تقاة)، أو (إلا أن تتقوا فيهم تقاة)، «فيهم» وليس «منهم» التي جاءت في الآية. وهو قول جاء خلاف الروايات المتواترة عن علاقة المسلمين في مكة بالكفار من أهلها، فوجب الإعراض عنه، وعدم الأخذ به، فهو من زلات العلماء، غفر الله لقتادة، وأعاذنا الله من زلته.
v وقال أبو علي الفضل بن الحسن الطبرسي في كتابه «مجمع البيان في تفسير القرآن»: [قوله تعالى: }لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين، ومن يفعل ذلك فليس من اللّه في شيء، إلاّ أن تتقوا منهم تقاة، و يحذركم اللّه نفسه، وإلى اللّه المصير{. قرأ يعقوب وسهل (تقية) وهو قراءة الحسن ومجاهد، والباقون تقاة. لما بيّن سبحانه أنه مالك الدنيا والآخرة، والقادر على الإعزاز والإذلال، نهى المؤمنين عن موالاة من لا إعزاز عندهم، ولا إذلال، من أعدائه ليكون الرغبة فيما عنده، وعند أوليائه المؤمنين دون أعدائه الكافرين فقال: }لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء{ أي لا ينبغي للمؤمنين أن يتخذوا الكافرين أولياء لنفوسهم، وأن يستعينوا بهم، ويلتجئوا إليهم، ويظهروا المحبة لهم كما قال في عدة مواضع من